اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقارن آرش نراقي بين ردّ فعل الخيّام ومولانا إزاء تجربة العدم وطبيعة الوجود المأساويّة. يرى الخيّام العدم فناءً محضًا ويوصي بالعربدة، بينما يعدّ مولانا هذا المسلك قاصرًا ويرى في إزالة الغفلة سبيلًا إلى البحث عن العلاج.

موضوع بحثنا كان حول تصور الخيام ومولانا للطبيعة المأساوية لوجود الإنسان في هذا العالم. في المرة السابقة أوضحت أن البشر يدركون الطبيعة المأساوية لوجودهم بشكل رئيسي من خلال تجربة التراجيديا. فالحوادث المؤسفة التي تمر علينا نحن البشر تواجهنا بحقيقة في هذا العالم، ألا وهي أن وجودنا في هذا العالم منسوج من خيط الوجود ولحمة العدم. ومن أهم التجارب التي يمر بها الإنسان هي في الواقع اكتشاف الجوانب التراجيدية لهذا العالم من خلال تجربة مظاهر العدم المتنوعة على مستويات مختلفة من حياة الإنسان. وبحسب التوضيح الذي قدمته في المرة السابقة، فإن تجربة العدم هي تجربة تعليمية ومعرفية، فالإنسان الذي يبلغ شيئاً من اليقظة ويزيح حجب الغفلة عن أمام عينيه ويدرك حقيقة عالم الوجود وأهم خصائصه، وهي في الواقع امتزاجه بالعدم، يكون قد حصل بالتأكيد على حكمة عميقة في هذا العالم. ولا سيما أن الحكمة الروحية قائمة على إدراك وتجربة جوانب الوجود الممتزجة بالعدم؛ وفي الواقع فإن ما نسميه التراجيديا هو ملتقى الوجود والعدم. فعندما يضرب بحر العدم شاطئ الوجود، في نقطة الاتصال هذه تولد التراجيديا. وبحسب التوضيح الذي قدمته في المرة السابقة، فإن الحكيم يرى وجه العدم وجهاً لوجه في حياته ويستطيع أن يحدق في عيني العدم في ثلاثة مواضع بشكل خاص. أول موضع يجرب فيه الحكيم العدم هو شهود العدم في بنية عالم الوجود، في العالم الذي هو بيتنا وفيه نحيا. فالفرد الحكيم عندما ينظر إلى العالم، فإن أبرز ما يستوقف نظره فيه هو صفة الزوال. في الواقع، إن الزوال يظهر أن ما كنا نظنه دائماً وباقياً في هذا العالم لم يكن كذلك في الحقيقة. إذن، فأول تجربة للعدم يخوضها الحكيم هي بنية هذا العالم وشهود زوال عالم الوجود. والساحة الثانية التي يختبر فيها الحكيم العدم ويلاحظه هي بنية وجود الإنسان نفسه. فالفرد الحكيم عندما ينظر إلى الوجود الإنساني أيضاً يدرك أن لحمة العدم منسوجة في خيط وجود الإنسان. وهو ما يمكن التعبير عنه بقابلية الإنسان للموت. فعندما ينظر الإنسان إلى البشر من حوله، فإن أهم ما يستوقف نظره هو أن البشر فانون. ليس الآخرون فقط هم من يموتون، بل نحن أيضاً سنموت. ولا مفر من ذلك. إن إدراك امتزاج الوجود بالعدم والطبيعة المأساوية للعالم الخارجي ولوجود الإنسان يوقع الإنسان في قلق عميق. فيسأل الإنسان عن معنى الحياة، وعن الغاية من هذا المشهد الذي تم تزيينه، وعن معنى هذه الذهاب والإياب، وهنا يتجلى الأمر العدمي فيسبب أزمة في معنى الحياة. هذا الوعي المؤلم الذي يوقع الحكيم في أزمة فقدان المعنى يخلق بالطبع وضعاً روحياً ونفسياً وعاطفياً خاصاً لدى الحكيم، وهو نوع من القلق ونوع من الاضطراب المؤلم. فالحكيم لا يستطيع أن يتحمل عبء الوجود وعبء هذه الحقيقة التي انكشفت له. وهنا نتوقع من الحكيم أن نرى رد فعله إزاء ما اكتشفه، وبماذا ينصحنا نحن البشر. كيف ينبغي لنا أن ننظم حياتنا في مواجهة هذا الوعي المؤلم لنستطيع تحمل عبء الوجود. في المرة السابقة أوضحت أنه من منظور الخيام، فإن رد الفعل الخيامي على تراجيديا الوجود يقوم على عدة افتراضات مسبقة مهمة. وهو يقوم بشكل رئيسي على التصور الذي يحمله الحكيم عن مفهوم العدم. فكيفية رؤية الحكيم للعدم هي التي تحدد رد الفعل الذي ينبغي أن يبديه لاحقاً. من وجهة نظر الخيام، وبحسب التوضيح الذي قدمته، فإن العدم هو المحض اللاشيء؛ هو نهاية الطريق. فبحلول العدم ينتهي كل شيء ولا شيء وراء العدم. إنه ألم لا دواء له، ولذا فإن أفضل ما يمكن فعله هو تخفيف معاناة هذا الوعي المؤلم كي لا تتعكر علينا الحياة القصيرة التي حظينا بها بين الولادة والموت، وكي نستطيع أن نقضي هذه الأيام القلائل التي نحياها بشيء من الراحة قليلاً أو كثيراً، ولهذا السبب فإن توصية الخيام لنا هي الدعوة إلى الفرح واغتنام اللحظة. أي أن نستمتع ونقدر اللحظات ونمتص ونتذوق رحيق اللذة في اللحظة إلى ما لا نهاية. إذن، فالخيام يوصينا بالاستمتاع والفرح وإدراك اللحظة.
وفقًا للتوضيح الذي قدّمته، فإن مولانا أيضًا يتّفق إلى حد كبير مع اكتشاف حكيم عدمي مثل الخيام، ويعتقد أنه عندما ننظر إلى بنية العالم أو بنية الوجود الإنساني، فإننا نرى هذا الامتزاج بالعدم بوضوح. ويدرك حكيم مثل مولانا أن هذا نوع من إزالة الغفلة ونوع من اليقظة في هذا العالم. وتحمل هذا العالم المُزال عنه الغفلة، أي جرّ عبء هذه اليقظة والصمود أمام نارها المحرقة، هو بالطبع عمل عظيم وليس بالأمر اليسير، ومولانا يتعاطف تمامًا مع الخيام ويقول إن هذا صحيح، لأن فلسفة العيش الهانئ واغتنام اللحظة لدى هؤلاء العظماء كانت ناتجة عن نوع من اليقظة لم تكن قابلة للاحتمال:
تا دمی از هوشیاری وارهند
ننگ خمر و زمر بر خود مینهند
جمله دانسته که این هستی فخ است
فکر و ذکر اختیاری دوزخ است
میگریزند از خودی در بیخودی
یا به مستی یا به شغل ای مهتدی
يقول مولانا إن هؤلاء يعلمون، وقد حصلت يقظة للأرواح الحساسة أدركت نتيجة لذلك حقائق عظيمة في هذا العالم، منها أن هذا الوجود فخ وأجوف، وأن حمل عبء الأمانة أمر شاق، والانتقاد الذي أوجهه لهؤلاء العظماء هو أنهم في مواجهة هذا الوعي المؤلم لم يختاروا طريقًا لائقًا وجديرًا. إن تغليظ حجب الغفلة والذهاب إلى أحضان حجب الغفلة والسعي لإزالة اليقظة ليس بالطبع عملاً حكيمًا.
يوجه مولانا في نقده للحل الخيامي ثلاثة انتقادات رئيسية. يقول أولاً إن هذا الطريق غير ممكن. ثانيًا إنه غير مرغوب فيه، وثالثًا إن فيه إشكالاً أكثر جوهرية، وهو أنه قائم على تصور ناقص للحقيقة والواقع. من وجهة نظر مولانا، فإن نفي اليقظة وتغليظ حجب الغفلة هو في الواقع نوع من الاعتراف باللاوعي، وهذا من وجهة نظر مولانا ليس عملاً صحيحًا. وقد ورد في أحوال ناصر خسرو أنه كان يفرط في شرب الخمر، ولما تحولت حياته فيما بعد قال في مقدمة أحد كتبه: إني فكرت مليًا ورأيت أن في هذا العالم مشاكل كثيرة لا أقوى على حلها، وكنت راغبًا في حل المشكلة بطريقة ما، وأهم أداة نملكها لحل المشاكل هي عقولنا، وعندما أقبلت على شرب الخمر، كنت في الواقع قد تخليت عن الأداة الوحيدة التي كانت بحوزتي لحل المشاكل وفك العقد. شيء شبيه بهذا يدور في ذهن عارف مثل مولانا أيضًا، فيقول: لنفترض أن شخصًا أصيب بمرض عضال، فالأفضل لهذا الشخص أن يسعى لإيجاد علاج لمرضه عله ينجو من المأزق، لا أن يُنسي نفسه المرض ويحاول أن يُنسي نفسه الخطر الذي وقع فيه. لأنه إن كان هناك علاج، فإن إيهام النفس بالغفلة يمنع اكتشاف ذلك العلاج، كما أن نسيان المرض يؤدي إلى تقدمه ويصعّب علاجه. على أية حال، من وجهة نظر مولانا، فإن الكفاح العبثي خير من الخمود والاستسلام. ومن وجهة نظر مولانا أيضًا، فإن الحل الخيامي للجوانب المأساوية من الوجود الإنساني ليس أمرًا ممكنًا. لا تنسوا أن فناء العالم جزء من حقيقة هذا العالم. وقابلية الإنسان للموت جزء من واقع الوجود وهويتنا في هذا العالم. إن إنكار حقائق الوجود هذه هو في الواقع إنكار للذات وللواقع. هذه اليقظة المثيرة للقلق هي في الواقع جزء من الواقع الذي لا يمكن إنكاره ولا فصله عن الوجود الإنساني في هذا العالم. الإنسان قد يفر من أي شيء، لكنه لا يستطيع أن يفر من نفسه. الفرار من الذات غير ممكن. يقول مولانا:
میگریزم تا رگم جنبان بود
کی گریز از خویشتن آسان بود
آنکه از غیری بود او را فرار
چون ازو ببرید گیرد او قرار
من که خصمم هم منم اندر گریز
تا ابد کار من آمد خیز خیز
نه به هندست آمن و نه در ختن
ذاك الذي هو خصمه ظلُّ نفسه
لذلك يقول مولانا إن تكثيف حجب الغفلة هو في الواقع نوع من إنكار الواقع وهروب من الذات، وهو أمر غير ممكن من حيث المبدأ. يقول مولانا إن رد الفعل الخيامي تجاه الجوانب المأساوية للوجود والوعي المؤلم ليس ممكناً ولا مرغوباً. يقول مولانا، والأهم والأعلى من ذلك، إن حل الخيامي مبني على صورة ناقصة للواقع. من وجهة نظر مولانا، ما ورد في المدرسة الخيامية في وصف الواقع صحيح لكنه ليس كاملاً. يبدأ الخطأ من حيث نظن وجهاً من وجوه الواقع هو الواقع كله. مولانا يتفق مع الحكماء إلى حد ما ويقول صحيح أنكم رأيتم وجهاً من هذا العالم ونحن معكم في ذلك. لكن خطأكم بدأ من حيث قلتم إن الوجود والواقع محدودان ومحصوران في هذا الوجه الذي رأيناه. يقول مولانا إن ما رأيتموه قد رأيتموه صحيحاً لكنه جزء من الواقع. هناك وجوه أخرى يجب أن تضعوها في الاعتبار في صورتكم، وعندما تضيفون تلك الجوانب فإن فهمكم لمجمل قصة الوضع البشري في هذا العالم سيتغير بالطبع. من وجهة نظر عارف مثل مولانا، لهذا العالم في الواقع وجهان: وجه يسمى الوجه الغربي، ووجه آخر يسمى الوجه الشرقي. الوجه الغربي هو في الواقع الجانب الحجابي لهذا العالم، والوجه الشرقي يعتبر الجانب المنير والآياتي لهذا العالم. والعالم يظهر لنا وجهه الغربي أحياناً ووجهه الشرقي أحياناً أخرى. أناس مثل الخيام رأوا الوجه الغربي لهذا العالم بدقة وثاقب نظر. لكن الخطأ يبدأ من حيث نحصر العالم في الوجه الغربي. للعالم وجه شرقي وحيثية آياتية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. بتعبير آخر، افترضوا أن هذا العالم مثل كوب نصفه ممتلئ، الحكيم العدمي يرى في الواقع النصف الفارغ من الكوب وينظم فهمه للوجود على أساس النصف الفارغ من الكوب، ورد فعله العاطفي تجاه الطبيعة المأساوية للوجود مبني على النصف الفارغ من الكوب. لكن حكيماً مثل مولانا يقول إن لهذا الكوب نصفاً ممتلئاً أيضاً، وهذا أيضاً جزء من واقع هذا الكوب، وإذا أضفتم هذا النصف الممتلئ إلى صورتكم فإن فهمكم لكمال الكوب سيتغير بالطبع. دعوني أضرب لكم مثلاً يوضح ما يعنيه هؤلاء الحكماء بالوجه الحجابي والوجه الآياتي. المثال الذي أسوقه مقتبس من الحكمة البوذية. افترضوا أن شخصاً يشير بإصبعه نحو القمر. في هذه الحالة، يكتسب ذلك الإصبع وجهين: إذا ما انحصرت عينك وتركزت على الإصبع نفسه، فإن الوجه الغربي للإصبع قد انكشف لك. أما إذا تتبعت عينك خط الإصبع المشير واهتديت إلى القمر الذي يسطع في السماء وراء الإصبع، فإن الوجه الشرقي للإصبع قد انكشف لك. في الحالة الأولى، حصر انتباهك على الإصبع يمنعك من رؤية القمر في السماء، أي أن ذلك الإصبع يصبح حجاباً لرؤيتك، هذا هو وجهه الحجابي. أما في الحالة الثانية، فإن ذلك الإصبع يصبح علامة وآية لشيء متعالٍ عنه، هذا هو الوجه الآياتي لهذا الإصبع. إذا ادعى أحد أن لهذا الإصبع حيثية حجابية فقد قال الصواب، لكن إذا ادعى أنه ليست له أية حيثية سوى الحجابية فقد أخطأ. أي أن الإصبع هنا يصبح مثل كلمة دالة ويشير إلى شيء وراء ذاته. عندما ينظر عارف إلى هذا العالم، فهو في الواقع يرى العالم آية، وهذا من أهم التعاليم الدينية: أن تنظروا إلى هذا العالم على أنه آية، بمعنى أن كل ما يحدث في هذا العالم يشير إلى شيء متعالٍ عنه. وكأنكم تفترضون أن هذا العالم بمثابة غزل جرى على شفتي الله. كل الأحداث التي تقع في هذا العالم هي كلمات في هذا الغزل. ولذلك يسعى السالك إلى تعلم اللغة التي نُظم بها هذا الغزل، ولذلك عندما ينظر إلى العالم يرى شعراً وموسيقى كونية. أي أن كل الحوادث في هذا العالم تدل له على شيء متعالٍ عنها. مثل الإصبع المشير الذي اتجه نحو القمر. يقول مولانا إن الخيام اختبر العالم في وجهه الغربي، كانت تجربته أصيلة وواقعية، لكن خطأه كان حيث ظن العالم محصوراً في وجهه الغربي، وأما أنا فأقول إن ثمت وجهاً آخر يمكن رؤيته في هذا العالم، ويمكن تتبع اتجاه الإصبع والوعي بما هو وراء الإصبع. لكي يتضح الفرق بين النظرة الخيامية والنظرة المولوية، أود أن أعقد لكم مقارنة بين أحد أبيات حافظ الخيامية وبيت شبيه به إلى حد ما لمولانا. لكي نتمكن من رؤية الفرق بين رؤية هذين الحكيمين: العدمي والعرفاني المشرب. تذكروا بيت حافظ الشهير حيث يقول:
اجلس على ضفة النهر وانظر مرور العمر
فهذه الإشارة إلى العالم الزائل تكفينا
هذا الحكيم جالس على ضفة نهر هذا العالم، وعندما ينظر إلى هذا العالم، يرى الحوادث في اللحظة التي تبلغ فيها حافة العدم. الحوادث في لحظة الزوال والعدم هي التي تقع صيدًا لعينه. بتعبير آخر، هذا النهر يُصطاد في وجهه الغربي. أما مولانا فعندما ينظر إلى هذا العالم، يرى العالم مثل نهر جارٍ، لكن الوصف الذي يقدمه والزاوية التي ينظر بها إلى هذا النهر مختلفة تمامًا. يقول مولانا:
العالم كالماء الجاري يبدو جامدًا ولكن
يذهب ويأتي جديدًا جديدًا، فمن أين هذا؟
الجديد من أين يأتي، وأين يذهب القديم؟
فإن وراء النظر عالم لا متناهي
يوم جديد ومساء جديد، بستان جديد وشَرَك جديد
في كل نَفَس فكر جديد، لذة جديدة وغنى جديد
ما علامة أن ثمة عالمًا آخر؟
تجدد الأحوال هو ذهاب هذه القديمات
عندما ينظر مولانا إلى النهر نفسه، فإنه يصطاد اللحظة والنهر في لحظة الولادة لا في لحظة الزوال والموت. ففي الموضع الذي يولد فيه الوجود ويخرج، في لحظة الولادة بالضبط تُصطاد اللحظة. يصطاد اللحظة عند الشروق، أما حافظ فعندما ينظر إلى النهر نفسه يصطاد اللحظة عند الغروب. يصطاد حافظ فناء اللحظة وزوالها، ويصطاد مولانا تجددها وولادتها. وبالطبع كلاهما ينظران إلى نهر واحد، لكنهما ينظران إلى تلك الظاهرة الواحدة من منظورين مختلفين. أحدهما يشهد العالم من حيث إنه ينضم إلى العدم لحظة بلحظة، والآخر يشهد العالم نفسه من حيث إنه يخرج إلى الوجود لحظة بلحظة. وفي هذه الأبيات بالذات يمكنكم أن تروا أن تلقي مولانا للعدم يختلف اختلافًا كبيرًا عما يمكننا رؤيته في حكمة الخيام. إن أهم فرق بين مولانا والخيام في فهم وإدراك الجوانب التراجيدية للوجود وكيفية مواجهتنا لهذه التراجيديا في هذا العالم يعود إلى اختلاف وجهة نظرهما حول العدم. من منظور الخيام، العدم هو الظلام المحض واللاوجود المحض، أما من وجهة نظر مولانا فالعدم هو منبع الوجود، ومنشأ تجدد العالم والإنسان. لا يرى مولانا العدم لاوجودًا، بل يراه تكاثفًا للوجود، وهذه نقطة مهمة. اسمحوا لي أن أضرب لكم مثلًا ليتضح هذا المطلب أكثر. انظروا، نحن نختبر الظلام في وضعيتين. تارة تدخلون غرفة ولا يوجد فيها أي نور، ونتيجة لذلك لا ترون شيئًا. لكن افترضوا أنه قد تم تركيب بروجكتورات عميقة جدًا في هذه الغرفة، وتفتحون الباب، فتكون شدة الإضاءة بحيث لا ترى أعينكم شيئًا. تكاثف النور شديد لدرجة أن أعينكم لا ترى شيئًا. هذه أيضًا تجربة أخرى من اللا رؤية والظلام. لكن اللا رؤية هنا لا تعني انعدام النور، بل اللا رؤية هنا ناتجة عن تكاثف النور وكثافته. إذن يمكنكم أن تخوضوا هنا نوعين من تجربة الظلام. تارة لا يوجد نور، وتارة أخرى يوجد تكاثف النور وكثافته وشدة الإضاءة تمنع الرؤية. في الواقع، إن إدراك مولانا والخيام للعدم يشبه هذا. العدم من وجهة نظر الخيام هو في الواقع انعدام الوجود والظلام المحض. أما من وجهة نظر مولانا، فالعدم هو تكاثف الوجود، وبسبب فرط الوجود نختبر العدم. أي أن حواسنا ووجودنا لا يستطيعان إدراك ذلك التكاثف الوجودي، وفي نظر المشاهد لا يوجد شيء، أي أن قوانا المعرفية تعجز عن إدراك ما هو أمامها ولا تدرك شيئًا. وكونها لا تدرك شيئًا ليس بمعنى أنه لا يوجد شيء أمامها، بل بمعنى أن ما هو أمامها فسيح وعظيم لدرجة أنه لا يقع في شبكة فهمها، ولذلك فهي، رغم وجود ذلك الموجود العظيم أمامها، تدرك العدم. من وجهة نظر مولانا، العدم هو في الواقع تكاثف الوجود، ويستخدم مولانا تعبير العدم عن الله وعالم الغيب. في الواقع، تفسير مولانا هو هذا. يجب أن تنتبهوا إلى أن ما هو عدم في تجربة الخيام، هو في الواقع باطن هذا العالم من وجهة نظر شخص مثل مولانا. أنتم ترون شيئًا يزول، لكن وجهة نظر مولانا في الواقع هي أن هذا الشيء الذي نراه يذهب من عالم الظاهر إلى عالم الباطن. أنا الجالس هنا أفترض أنه قد فُني، لكن الحقيقة هي أنه انتقل من هذا الجزء من دورة الوجود إلى جزء آخر من دورة الوجود. إذن، من وجهة نظر مولانا، العالم قابل للزوال، لكنكم إذا وضعتم قابلية الزوال هذه في سياق أوسع وأضفتم باطن هذا العالم إلى ظاهره، فسترون أن ما يفنى في الظاهر يذهب في الواقع من الظاهر إلى الباطن، وما يبدو أنه يولد يخرج في الواقع من الباطن إلى الظاهر. يقول مولانا: إذا كنتم ترون ذهاب القديم، وإذا كنتم ترون قابلية الزوال، فانظروا إذن تجدد الأحوال وتولدها. لذلك، من وجهة نظر مولانا، العدم ليس لاوجودًا، بل هو الغيب. من وجهة نظر الخيام، يضمحل الوجود في اللاوجود، وهذا هو معنى قابلية العالم للزوال وقابلية الإنسان للموت، أما من وجهة نظر مولانا فالوجود يذهب تارة من الظاهر إلى الباطن، وتارة من الباطن إلى الظاهر. أي أن للوجود وجهين: وجه ظاهر نراه، ووجه باطن بعيد عن مرمى حواسنا. العدم من وجهة نظر مولانا هو الله، هو تكاثف الوجود. لذلك، من وجهة نظر مولانا، العدم وإن كان ساحة تبدو لاوجودًا، إلا أن الوجود الحقيقي ومنبع الوجود يجب أن تروه هناك. وعلى عكس هذا العالم الظاهر الذي يبدو لنا موجودًا، لكنه بالقياس إلى ذلك البحر وبالقياس إلى ذلك الباطن هو في الواقع لاوجود. إذن، من وجهة نظر مولانا، ما يسميه الخيام "وجودًا" هو ما يسميه هو "لاوجودًا يبدو موجودًا"، وليس حقيقة، بل له مظهر من الوجود
ي دارد.و ما كان الخيام يسميهأظهر العدمَ في صورة الوجود والاحتشام
وأظهر الوجودَ على هيئة العدم
ستر البحرَ وأظهر الزبدَ جلياً
ستر الريحَ وأظهر لك الغبار
ولهذا السبب فإن العدم ليس تهديداً للوجود، بل يُعتبر وجهاً آخر ومرتبة أخرى من مراتب الوجود، وبمجرد أن لا تعتبر العدم تهديداً للوجود بل تعتبره منبع الوجود ومنبع التجددات في هذا العالم، فإن حالتك العاطفية تجاه العدم تختلف كلياً، وترى العدم مباركاً أحياناً:
فيا له من مقام مبارك هذا العدم
حيث أن إمدادات الوجود من العدم
جميع القلوب متطلعة نحو العدم
ليس هذا عدماً بل هو بستان الأرمس
كل هذه الجيوش من فكر القلب
إنما هي علم واحد من أسباهان العدم
بينك وبين الغيب آلاف السنين
لأنه من طريق القلب مسافة خطوة واحدة
ويقول أيضاً في موضع آخر من المثنوي:
من الأعدام نحو الوجود في كل آن
يا رب، قافلة إثر قافلة في المسير
هذا العدم منه، فليفرح المرء، مقام دخل
وهذا الوجود بكثرته وقلته مقام خرج
يوصي مولانا بألا تخافوا من العدم، فالعدم ليس نهاية الطريق، بل هو استمرار لهذه الحياة. في الواقع، هذا الاختلاف في التلقي هو الذي يثير مقاربات وردود فعل مختلفة تجاه العدم. فالحكيم العدمي، لأنه يرى العدم محض انعدام وظلام، عندما يقف وجهاً لوجه أمام العدم يصيبه القلق والرعب ويفقد القدرة على تحمل عبء الجسد. ولهذا السبب، ولكي يجد حلاً لهذا القلق، يلجأ إلى شرب الخمر والمرح وانتهاز اللحظة. أما مولانا فعندما يواجه العدم وجهاً لوجه يجده منبع الجماليات واللطائف والتجددات في هذا العالم. ولهذا السبب، عندما يحدق مولانا في العدم لا يصيبه القلق والرعب، بل يفتتن ويُشغف به ويقول:
أنا سكران بالعدم لا بالموجود
لأن معشوق العدم أوفى
ينقل مولوي في المثنوي حكاية درويش طيب، رأى مائدة فارغة، فبدأ يرقص حولها بوجد. سأل أحدهم الدرويش عن سر هذا الوجد، فأجابه الدرويش جواباً يحكي علاقة مولانا العاطفية بتجربة العدم:
قال أبو الفضول للصوفي: ما هذا؟
مائدة معلقة وفارغة من الزاد
قال: اذهب اذهب، أنت طالب نقش بلا معنى
اذهب أنت تطلب وجوداً، فلست بعاشق
عشق الخبز بلا خبز غذاء العاشق
ليس في قيد الوجود من كان صادقاً
ليس للعاشقين شغل بالوجود
للعاشقين ربح بلا رأس مال
العاشقون نصبوا خيامهم في العدم
لأن العدم لون واحد ونفس واحد
عندما كان يرى أن الخبز ليس على هذه المائدة، لم أكن عاشقاً لذلك، ذلك "الغياب" يُذكِّر بالله. ولهذا يرقص حول المائدة الخالية، لأن انعدام الخبز وغيابه يُذكِّره بالعدم ويُذكِّره بالله. ولهذا السبب، وعلى عكس الخيام، لا يرى مولانا العدم تهديداً، بل يعتبره "ملاذاً". أنتم إذا اعتبرتم شيئاً تهديداً، فعليكم أن تهربوا منه، ولكن إذا اعتبرتموه ملاذاً، فإنكم تسرعون إليه. يقول مولانا:
جمله عالم زین غلط کردند راه
کز عدم ترسند و آن آمد پناه
من منظور مولانا، مأساة الوجود في هذا العالم تكمن في أن تظل نظرتكم محدودة ومحصورة في الظواهر. في الواقع، المأساة لا تنبع من ضيق العالم، بل تنبع من ضيق نظرة العالمين. لذلك، من وجهة نظر مولانا، فإن جذور المأساة وأساسها هو حصر النظر في الوجه الغربي لهذا العالم، وبمجرد أن يرى العدم ليس فناءً، بل غيب هذا العالم وباطنه، ويرى وجود الإنسان في ذلك السياق الأوسع، فإن المأساة بالطبع ستزول. لكي يتضح المعنى أكثر، أود إجراء مقارنة مختصرة بين تلقي الخيام للموت بصفته فناءً ونهاية طريق الإنسان، والصورة التي يُظهرها مولانا للموت. الموت، كما قلت، هو أحد أهم المجالي التي يتجلى فيها العدم، ويستطيع الحكيم أن يشاهد العدم في هذه الظاهرة. انظروا كيف يقدم لنا هذان الحكيمان صورتين مختلفتين عن الموت.
من وجهة نظر الخيام، الموت هو فناء الإنسان. هو نهاية الطريق وينتهي كل شيء، ونحن نُفنى وننعدم بالكامل. ولهذا السبب أيضاً، فإن الموت من منظور الخيام تجربة مرعبة. الصورة التي يقدمها الخيام عن الموت مثيرة للاهتمام، فهو يقول إن العالم الذي نحن فيه مثل خان يقع في وسط صحراء. أنتم تدخلون من باب، تدخلون من صحراء إلى هذا الخان، وتخرجون من باب آخر لتعودوا مجدداً إلى الصحراء.
دنیا که در او ثبات کم میبینم
در هر نفسش هزار غم میبینم
چون کهنه رباطی است که از هر طرفش
راهی به بیابان عدم میبینم
معلوم است که ساکنان کاروانسرا بر خود میلرزند مبادا به بیرون رانده شوند. به هر حیلهای میکوشند رفتن خود را به تأخیر افکنند تا در سایهسار امن کاروانسرا اندکی بیشتر و خوشتر بیاسایند، و وحشت آن بیابان تاریک را از خود بتارانند.
لكن الأمر مختلف تماماً لدى مولانا. يقول مولانا إن هذا العالم الظاهر الذي نعيش فيه هو قفص وُضع في وسط بستان يانع مخضر. ونحن مثل طائر في هذا القفص. عندما ننظر إلى خارج القفص، تذهب قلوبنا، البستان الجميل المخضر اليانع وأصدقاؤنا والطيور الأخرى هناك، في البستان يغنون. قلبي لا يقر في صدري وأنا في لهفة لأن يُفتح باب هذا القفص فأطير وألتحق بأصحابي في البستان. صورة مولانا ليست خاناً في صحراء، بل هي قفص في وسط بستان جميل. يقول مولانا:
مرگ شیرین گشت و نقلم زین سرا
چون قفس هشتن پریدن مرغ را
آن قفس که هست عین باغ در
مرغ میبیند گلستان و شجر
جوق مرغان از برون گرد قفس
خوش همی خوانند ز آزادی قصص
مرغ را اندر قفس زان سبزهزار
نه خورش ماندست و نه صبر و قرار
سر ز هر سوراخ بیرون میکند
تا بود کین بند از پا برکند
چون دل و جانش چنین بیرون بود
آن قفس را در گشایی چون بود؟
هذا التصور للموت هو ما يمنح روح مولانا الجرأة في مواجهة الموت:
هذا الموت الذي الخلق لقمته
نحن نجعله لقمة ولا نبالي
إن كان الموت رجلاً فليأتني
حتى أعانقه بشدة في كنفه
آخذ منه روحاً بلا لون ولا رائحة
ويأخذ مني دلقاً ملوناً
وهنا تحديداً يمكنكم أن تروا سعادة مولانا وعربدة الخيام. فعربدة الخيام هي في الواقع رد فعل روحه على المرارة العميقة التي تعتصر روحه من مأساة الوجود، وهنا يلجأ الحكيم إلى العربدة لتضميد هذا الألم الموجع. هذه السعادة في الخارج ويجب حقن هذه السعادة. هذه السعادة هي سعادة مكتئبة. أما سعادة مولانا فهي من نمط آخر، ليست ناتجة عن عوامل خارجية وملهية، بل نابعة من التوازن والغنى الداخلي لمولانا:
أنا منجم السكر، أنا غابة القصب
ينبت مني وآكله أنا
كان مولانا يجد ينبوع السعادة في داخله. نعم، كان مولانا ثملاً، ولكن ليس من خمر العنب. كان سكره يفور من الداخل ويفيض إلى الخارج:
الخمر سكرت منا لا نحن منها
القالب صار موجوداً منا لا نحن منه
يشير مولانا في غزل بالغ الجمال إشارة تهكمية إلى السعادة المكتئبة الخيامية. هناك يضع مولانا شرب السعادة العرفاني في مقابل شرب السعادة المكتئب الخيامي ويقول إن تلك السعادات تأتي من الخارج وهي نتاج الغم والحزن، أما سعادتي فتفور من الداخل ولا سبيل للغم إلى حمانا:
ليس للعارفين شمع وشاهد من خارجهم
لم يشربوا دم العنب وخمرهم دمهم أيضاً
كل من في العالم صار مجنون ليلى
العارفون ليلى أنفسهم وفي كل لحظة مجنون أنفسهم
ساعة ميزان ذاك وساعة موزون هذا
بعد هذا كن ميزان نفسك لتصبح موزون نفسك
الخمر يشربها الغمين ونحن من الخمر أطيب قلباً
وجّه إلى مسجوني الغم، أيها الساقي، أفيون نفسك
دمنا على الغم حرام ودم الغم علينا حلال
كل غم دار حولنا غرق في دم نفسه
الخمر غلجونة على وجنة مرضى الغم
نحن طيبون من لون أنفسنا ووجنتنا الغلجونة
لست موقوفاً على نفخ الصور كالأموات
في كل زمان يمنحني العشق روحاً من سحره
من الآن فصاعداً لا تسلني كيف أنت وتجاوز الكيف
فمن ذا الذي يتنفس عن كيفية وقد صار بلا كيف نفسه؟
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
من مشتاقم که اندیشه ی مولانا حقیقت داشته باشه ولی زشتی های دنیا رو چطور میشه تعبیر کرد؟ اصلا حکمت خلقت انسان چه بود؟ جز جنایت چه هنر دیگه ای دارد؟ شفقت و مهربانی که توی وجود حیوانات هم هست . این چه حکمتی هست که در خلقتش انقد انسان بی گناه بخصوص کودک کشته بشه.