اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أثّر شيخ الإشراق، ببنيته الفكرية المتميزة عن المشّائين، في الحكماء المسلمين على ثلاثة أصعدة: الشخصية، والمنهجية، والمكتسبات الفلسفية. ويكشف التحليل اليونغي لطباعه عن مدى تأثيره في الحكمة المتعالية والعرفان النظري.

في تقسيم غير جامع، ينقسم تاريخ الفلسفة الإسلامية إلى ثلاثة مناهج: المشّاء، والإشراق، والحكمة المتعالية. ويُعدّ مؤسس فلسفة الإشراق من أكثر الحكماء المسلمين نفوذاً، وقد ترك أثراً بالغاً في التيارات اللاحقة له، ولا سيما الحكمة المتعالية، والعرفان النظري، ومجالات دراسية أخرى كالدين المقارن، وإعادة قراءة الفلسفة ما قبل الأرسطية، فضلاً عن الدراسات الإيرانية، وذلك من حيث السيرة والشخصية، ومن حيث بنية الفكر على حد سواء.
ويمكن رسم معالم هذا التأثير في ثلاثة مجالات: 1) شخصية شيخ الإشراق وسيرته الخاصة؛ 2) ومنهجيته في الدراسات الفلسفية والدينية؛ و3) وإنجازاته الفلسفية والمنطقية والمعرفية.
تسعى هذه الورقة، باتباع المنهج الوصفي ـ التحليلي، أولاً إلى تحديد شخصية الشيخ استناداً إلى إطار نظرية الشخصية عند يونغ، وتستقصي أهم تأثيراته الشخصية في الحكماء اللاحقين؛ ثم تواصل البحث في تجلياته في مجال المنهجية والإنجازات الفلسفية والمنطقية والمعرفية ذات الأهمية في تشكيل التيارات، لكي تُبيّن من جهة محاور التأثير المذكورة بمعطيات رصينة، وتُثبت من جهة أخرى أن البنية الفكرية لشيخ الإشراق منفصلة تماماً عن البنية الفكرية للفلسفة المشّائية، وتتمتع بخصائص مدرسة فلسفية متميزة.
تُقسم الفلسفة الإسلامية إلى ثلاثة مناهج أو مدارس أو مذاهب عامة، هي: الفلسفة المشّائية؛ وفلسفة الإشراق؛ والحكمة المتعالية. ومع أن مثل هذه التقسيمات تظل دوماً محل جدل ولا يمكنها أن تغطي جميع الجهود الفلسفية للمسلمين في المجتمعات الإسلامية، إلا أنه يمكن قبولها في الوقت الراهن مع التسامح، نظراً لعدم وجود أبحاث شاملة لتاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي، كما هو الحال لدى الغربيين فيما يخص تاريخ الفلسفة الغربية.
لقد نشأ أحد هذه المناهج أو المدارس الثلاثة على يد حكيم شاب يُدعى الشيخ شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي، الذي ترك أثراً بالغاً في التيارات اللاحقة له، ولا سيما الحكمة المتعالية، والعرفان النظري، ومجالات أخرى كالدين المقارن، وإعادة قراءة تاريخ الفلسفة ما قبل الأرسطية، فضلاً عن الدراسات الإيرانية، وذلك من حيث شخصيته وسيرته الذاتية، ومن حيث جهوده الفلسفية والمنطقية والمعرفية على حد سواء (كوربان، 1380، 289). ومنذ العقود الأولى للقرن العشرين، استطاع أن يجذب انتباه المستشرقين بعمق بفضل جهود أشخاص مثل هنري كوربان (ليمن، 1389، ج2، 284).
شخصية شيخ الإشراق وسيرته الخاصة
منهجيته في الدراسات الفلسفية والدينية
إنجازاته الفلسفية والمنطقية والمعرفية
وسنتناول في هذه الورقة، وبصورة موجزة، تحليل أهم خيوط هذه التأثيرات الثلاثة.
يُعدّ شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك أبو الفتوح السهروردي، الملقب بشيخ الإشراق، شأنه شأن يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبي نصر الفارابي، وأبي علي ابن سينا، وخواجه نصير الدين الطوسي، وملا صدرا، من الفلاسفة الذين شكّلوا تيارات فكرية، والذين لم يقتصر أثرهم على زمانهم، بل امتد إلى عصور أخرى. وهذه الظاهرة لا تقتصر في حالة شيخ الإشراق على بنيته الفكرية وإنجازاته الفلسفية والمنطقية فحسب؛ بل إن نمط شخصيته، وسيرته، وطريقة عيشه الخاصة، كما هو الحال مع أشخاص مثل الحلاج وعين القضاة الهمداني، كانت دوماً محط أنظار، وتركت أثراً عملياً بالغاً في التيارات التي تلته. وبعبارة أخرى، وعلى عكس فلاسفة مثل ابن سينا الذين شكّلوا تيارات بجهازهم الفكري فحسب، أو مفكرين يقتصر مدى تأثيرهم على كتبهم، فإن أشخاصاً مثل شيخ الإشراق كانت حياتهم الشخصية ووجودهم الاجتماعي نموذجاً يُحتذى به، وإضافة إلى نشوء نوع من الجهاز الفكري والوجود الاجتماعي القائم على شخصياتهم، فقد وجدوا أيضاً مقلدين عمليين كُثراً أسسوا حياتهم على أساس سيرته أو تعليماتهم العملية. ومثل هذه الظاهرة لا تحدث في تاريخ الفكر الإنساني إلا لعدد قليل من الأشخاص؛ وإن كان مدى هذه النفوذ العينية والعملية ومعامل نفوذها الجماهيري متفاوتاً أيضاً.
ما نعرفه عن حياة الشيخ المقتول مستمد بشكل رئيسي من كتاب نزهة الأرواح لشهرزوري، شارح حكمة الإشراق وأحد أتباع الشيخ المخلصين، وهو بدوره استقى معظمها من إتمام التتمة لأبي الحسن علي بن موفق، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (يزدان بناه، 1391، 1، 11-13). لا نريد هنا أن نكرر سيرته الذاتية؛ لذا سنشير فقط إلى الخطوط العريضة التي تساعد في تحليل شخصيته بناءً على إطار نظرية يونغ (وهو الإطار الذي اخترناه للتحليل).
أهم الأمور التي نُقلت عن حياته في الكتب الثلاثة المذكورة أعلاه هي كما يلي:
الولادة في القرن السادس (549 هـ)؛ منطقة زنجان الجغرافية؛ سهرورد
قضاء الطفولة في مراغة والدراسة عند مجد الدين الجيلي
الهجرة إلى أصفهان والدراسة عند ظهير الدين الفارسي، والزمالة الدراسية مع فخر الدين الرازي
ميل شديد إلى الفلسفة المشائية في أصفهان، في العقد الثاني من العمر، وبداية الميل إلى الإشراق من سن الثلاثين إثر مكاشفة معروفة بـ«حكاية المنامية» (مجموعة مصنفات، ج2، ص10)
بدء الأسفار الكثيرة ومجالسة العرفاء والتجارب العرفانية الشخصية بفعل الرياضات الشديدة
التنقيب في المباحث العرفانية لتأييد إشراقاته؛ وكذلك البراهين التأييدية لإشراقاته (وهذا الأسلوب يبلغ ذروته في حكمة الإشراق)
دخول حلب سنة 579، ونيل مكانة علمية في البلاط وتعليم الأمير الملك الظاهر غازي، ابن صلاح الدين الأيوبي.
إكمال المنظومة الفلسفية حتى سن 33 عاماً وكتابة أهم كتبه في سن 32 و33 عاماً (حكمة الإشراق، المطارحات، التلويحات والمقاومات)
حسد علماء حلب ووشايتهم، ومراسلتهم لصلاح الدين، ونتيجة لذلك قتله عن عمر 38 عاماً أي سنة 587 هـ (شهرزوري، 1372، ص 13-21). وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون قتله أيضاً بسبب نظريته السياسية الخاصة (ليمن، 1382، ج2، 273).
علاوة على ذلك، نعلم أنه عاش في العصر السلجوقي. في عصره، بلغت معارضة الفلسفة المشائية ذروتها بظهور شخصيتين مهمتين، هما الغزالي وفخر الدين الرازي، حيث جعل الأول العرفان والثاني علم الكلام منافسين مهمين للفلسفة (نصر، 1371، 62). كما كان العرفان في قرنه مزدهراً بظهور عرفاء كبار. وكان لسهرورد عرفاء كبار أثروا في ازدهار الأجواء والحياة العرفانية بين الناس. فعلى سبيل المثال، كان نجم الدين السهروردي عارفاً عاش فيها قبل الشيخ وأثر في ازدهار هذا الشكل من الحياة. ويمكن أيضاً ذكر شهاب الدين عمر السهروردي (542-632 هـ)، صاحب عوارف المعارف، الذي كان معاصراً للشيخ.
لتحليل الشخصية نحتاج إلى إطار نظري لينظم البيانات المتفرقة في نسق كلي. نختار هنا نظرية الشخصية عند يونغ كفرضية تحليلية لنا.
عالم النفس السويسري الشهير، كارل غوستاف يونغ، كان يرى اتجاهين (الانطواء والانبساط) وأربع وظائف (التفكير، الشعور، الإحساس والحدس) ينتج عن تركيبها ثمانية أنماط شخصية: المنبسط المفكر، المنطوي المفكر، المنبسط الشعوري، المنطوي الشعوري، المنبسط الحسي، المنطوي الحسي، المنبسط الحدسي، المنطوي الحدسي. الاتجاه هو استعداد كل منهما للفعل ورد الفعل في جهة معينة. الانبساط هو توجيه الطاقة النفسية نحو العالم الخارجي، والانطواء نحو العالم الداخلي. هذان متساويان في القيمة، وكلاهما موجودان نسبياً، لكن مع غلبة أحدهما، يذهب الآخر إلى اللاشعور (1971، 1921). الوظيفة التي تغلب في الشعور تسمى الوظيفة السائدة، ونقيضها الذي يذهب إلى اللاشعور ويؤدي عمله هناك يسمى الوظيفة الدنيا (1948)، والوظيفتان الأخريان تلعبان دوراً مساعداً.
التفكير،[1] عملية عقلانية، إما أن تكون ذات شكل موضوعي أو تجريدي. لا يعتبر يونغ إلا التفكير النشط الموجّه والهادف إلى غاية محددة عقلانياً، وليس التفكير المنفعل. أما الشعور،[2] فهو عملية تقييم ذاتي تتم إما بناءً على معلومات وقيم خارجية مقبولة، وإما على تصورات ذهنية. الشعور الحاد يتحول إلى انفعال (1921). والإحساس،[3] هو وظيفة تلقي المنبه المادي وتحويله إلى وعي إدراكي، وهذا الإدراك إما أن يكون متأثراً كمياً بالمواقف الذهنية وقريباً من الموضوعية، وإما أن يكون تأثير التصورات والتأويلات الذهنية فيه كبيراً. يشمل الإحساس أيضاً الإحساس الباطني. أما الحدس، فهو إدراك يتجاوز أنشطة الوعي، وهو بعبارة أخرى وظيفة تتوسط الإدراك من العالم بطريقة لاواعية (1921) وتثمر يقيناً واقتناعاً فورياً. قسط من الحدس متاح للجميع قليلاً أو كثيراً، وقسم آخر ليس في متناول الجميع، مثل إبداع مخترع، وذوق شاعر وفنان، والإدراك الحدسي لعَارِف. هذا الإدراك الحدسي يسهم في جمع البيانات وفي تحليلها على السواء. وهذا الحدس إما أن يتعلق بالوقائع الخارجية وإما بالذهنية والباطنية (كما عند العرفاء والأنبياء). لا الإحساس ولا الحدس يقومان على أساس عقلاني، بل هما مجرد إدراك مباشر للأحداث الداخلية والخارجية (المرجع نفسه). الحدس والإحساس هما أسلوبا إدراك وجمع البيانات، والتفكير والشعور هما أسلوبا الحكم عليها.
لا ينبغي لأي نمط شخصية أن يعتبر وظيفة نمط شخصية آخر غريبة. عادة ما تطغى وظيفة واحدة على الأفراد، وفي حالات استثنائية جداً تطغى وظيفتان أو ثلاث. أولئك الذين يبلغون التفرد وتحقيق الذات يبلغون بوظائفهم الأربع جميعاً إلى الازدهار والتوازن. المغزى هو أن هذه الأنماط الشخصية لكل منها كفاءة واستعداد خاص لعمل معين (1921، 1971).
مفهوم تحقيق الذات أو التفرد (وهو عملية لا نهائية ناجمة عن ولادات متكررة) هو دمج العوامل النفسية المتضادة والنمو المتوازن للوظائف الأربع، والانطواء والانبساط، وشجاعة مواجهة اللاواعي، والظل، وتوازن النزعة الأنيمية[4] والأنيموسية[5]، وتقليص القناع إلى أدنى حد، وسيطرة الذات اللاواعية المتوازنة على الشخصية. من وجهة نظر يونغ، لا تقع هذه الأحداث أبداً قبل منتصف العمر. وللنجاح في إحداث التوازن بين النزعات والوظائف والقوى النفسية المتضادة، يلزم مستوى أعلى من الوعي (1943).
أُنجزت أعمال كثيرة حول أوجه التشابه بين آراء يونغ والتقاليد العرفانية (بما فيها التصوف الإسلامي). وقد استُخدم اللاوعي الجمعي عند يونغ كثيراً في تفسير الوحي؛ غير أن بعض المتألهين مثل سيد حسين نصر وشوان يهاجمون هذا الاستخدام (ملكيان، دروس في إبستمولوجيا الوحي، الجلسة الثالثة عشرة).
استناداً إلى نظرية يونغ والمعلومات المتوفرة لدينا عن شخصية شيخ الإشراق، يمكننا تقسيم حياته إلى فترتين تختلف فيهما غلبة نزعاته ووظائفه. فترته الأولى تعود إلى الأيام التي كان غارقاً فيها في الحكمة المشائية ولم تكن الوظيفة الحدسية غالبة عليه، والفترة الثانية تعود إلى الزمن الذي يحدث فيه تحول عميق في داخله وتنجذب نزعته نحو الباطن.
من اللافت للنظر أننا نرى نمط الحياة ذا المرحلتين وحدوث ثورة معرفية أو عاطفية لدى العديد من المفكرين المؤثرين في العالم. ومع أن حدوث تحول في الشخصية أمر مستبعد، فإن هذه الثورة لدى هؤلاء الأفراد تكون على نحوٍ وكأننا أمام شخصيتين. حتى يونغ نفسه يروي مثل هذا الجانبين من الشخصية في ذاته. فقد أدرك يونغ في سنوات دراسته الشخصية رقم واحد (العقلانية والانبساطية) ورقم اثنين (الحدسية والانطوائية)، وكان يعد كل حالة أو سلوك له انعكاساً لإحداهما تتغلب عليه بالتناوب في كل حين. وبلغت انطوائية يونغ ذروتها في أزمة منتصف العمر الحادة التي مر بها (فيست وفيست، 2009). وقد انعكست هذه الازدواجية في الشخصية على ازدواجية اهتماماته أيضاً، ولم يفارقه هذا الانقسام والصراع الداخلي أبداً. ففي سن السادسة عشرة إلى التاسعة عشرة، ومع تغلب شخصيته الأولى، أقبل على الفلسفة واسترعى انتباهه أكثر من سواها أفكار شوبنهاور ونيتشه وغوته وكانط. وفي المرحلة الوسطى مال إلى الحدس والاستبطان والعرفان والطقوس الشرقية، واستطاع أخيراً أن يقيم توازناً بينها وأن يحقق، بتعبيره هو، تحقيق الذات. كان مهتماً بمجالات شتى من العلوم التجريبية والإنسانية: علم الآثار، وعلم اللغة، والتاريخ، والفلسفة، والعلوم الطبيعية، والكيمياء القديمة، وعلم الأديان، والعرفان، وعلم الأساطير، وعلم الأعراق، والفلسفات الشرقية... إلخ؛ وبالطبع كان يستخدم كل ذلك في نظرياته.[6]
ومثل هذا الوضع نراه لدى السهروردي أيضاً، ولعل هذه الثورة الداخلية هي التي وضعته في زمرة المفكرين المؤثرين الذين ساروا على خلاف التفكير السائد في زمانهم. يمكننا أن نسمي المرحلة الأولى من حياته، استناداً إلى معلومات السيرة الذاتية، الشخصية الأولى التي هي وفق الإطار اليونغي الانبساطي المفكر، وما يتغلب عليه بالترتيب هو: الانبساط، والتفكير، والشعور، والإحساس.
أما استناداً إلى معلومات السيرة الذاتية نفسها، فإن السهروردي في المرحلة الثانية من حياته يتمتع بشخصية الانطوائي الحسي (الحدسي) التي تتغلب عليه فيها بالترتيب السمات التالية: الانطواء، والإحساس، والشعور، والتفكير.
إن تأثير النمط الشخصي لشيخ الإشراق يعود عموماً إلى الحقبة التي خرج فيها من الانتماء إلى التيار الفكري الرسمي السائد وتحول هو نفسه إلى شخصية خلاقة ومبدعة ومؤثرة. وعليه فإن التأثيرات تعود إلى شخصيته الثانية. ففي هذه الشخصية التي سميناها الانطوائي الحسي (الحدسي):
أ) الانطوائية: يحيى بن حبش في شخصيته الثانية متوجه غالباً إلى عالمه الداخلي. إن حكاية المنام ووصية أرسطو ببدء المعرفة من معرفة الذات، وكذلك الرياضات الشديدة في هذه المرحلة لخلع البدن، جعلته متوجهاً إلى عالمه الداخلي هذا. والوعي الذاتي هو أهم أهدافه (ليمن، المصدر نفسه، 293-305). وبالطبع، فإن هذا السير الأنفسي ينتهي في الختام إلى الرجوع من الحق إلى الخلق، ويقوم الشيخ برسالته في التوجه إلى الخارج ونشر مكتسباته الداخلية. ويمكن اعتبار تجنبه الاستقرار في مكان واحد، وميله الشديد إلى الأسفار المتعددة ومعاشرة مختلف الأشخاص، فضلاً عن سعيه الواسع لإظهار وترويج مكتسباته وأفكاره، علاماتٍ على ظهور انبساطيته الأولى إلى جانب انطوائيته الشديدة، وهو ما يمكن تسميته بلغة العرفاء السير من الحق إلى الخلق. لكن هذه الحقبة الأخيرة يمكن تسميتها حقبة ازدهار وتفرد شيخ الإشراق، حيث يبلغ الميل إلى الانطواء والانبساط عنده حد التوازن؛ فلا الانبساطية السائدة في الحقبة الأولى تتغلب عليه، ولا الانطوائية في الحقبة الثانية؛ بل ينشد الشيخ التعالي بينهما. ولعل هذا التوازن بين الانطوائية والانبساطية هو ما يحوله إلى شخصية مؤسسة لمدرسة فكرية. ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن الشيخ من الفلاسفة المسلمين القلائل الذين شرعوا في حياتهم نفسها، وبوعي وقصد، في تأسيس مدرسة فلسفية عبر السفر وترويج آثاره وتعاليمه وتربية التلاميذ (مجموعه مصنفات، 1، 505؛ يزدان بناه، المصدر نفسه، 17).
ب) الإحساس (الحدس): يبلغ هذا الميل ذروته مع حادثة حكاية المنام (مجموعه مصنفات، 1، 70) والسؤال والجواب مع أرسطو حول ماهية المعرفة والوعي الذاتي وخصائص الحكماء الحقيقيين، ويترك أثراً في الشيخ لا يغير بنيته الفكرية والفلسفية فحسب، بل يرسخ أيضاً الميول الحدسية في شخصيته ويدفعه إلى نمط جديد من الحياة للوصول إلى الوعي الذاتي الحدسي (ليمن، المصدر نفسه).
بطبيعة الحال، لم يكن ميله الشديد نحو الحدس والعرفان شيئًا حدث له فجأة. بل ربما يمكن تلمّس جذور هذا الميل في طفولته. مع أننا لا نملك أدلة كافية على هذا الادعاء، ولو تمكنا من الوصول إلى الكتب التي يدّعي أنه كتبها في صباه، لربما أمكننا استخلاص حالته النفسية في طفولته ويفاعته منها (يزدانبناه، المصدر نفسه، 12-13). يروي فخر الدين الرازي، الذي كان معاصرًا له وزميل دراسة في أصفهان، قصة ذهنه الوقّاد وميله المتّقد (مجموعه مصنفات، س، 18-19، مقدمة المصحح).
وكما قلنا، فإن الشخصية الثانية لشيخ الإشراق هي التي مثّلت نموذجًا مؤثرًا. بعض السمات المهمة النابعة من هذه الشخصية الجديدة، والتي من أهمها الالتفات إلى الباطن، والوعي الذاتي، والحدس، ونمط الحياة القائم على الرياضة، قد تركت أثرًا بالغًا على البنية الفكرية وحياة الحكماء من بعده، ونذكر منهم ما يلي:
وكما سنذكر في قسم المنجزات المعرفية، يرى الشيخ أن سيكولوجيا شخصية المُدرِك هي العامل الحاسم في اكتساب المعرفة المعتبرة (ليمن، المصدر نفسه، 293-395). وهو يعتبر الاتصال بالعالم النوراني واقتناص الحكمة النورانية رهينًا بالبنية الشخصية للفيلسوف. ومع أن بلوغ هذه المعرفة ممكن للجميع، إلا أنه يتطلب تغييرات في شخصية الأفراد، بعضها إيجابي وبعضها سلبي. وفي هذا السياق، يعدد مجموعتين من السمات السلبية والإيجابية (السلبية والموجبة) التي تعيق الحكمة الإشراقية أو تيسّرها. السمات التي ينبغي إيجادها تكمن في صفاء الباطن وتلطيف القلب والعقل والحدس من خلال الرياضة والعبادة وممارسة الحكمة الإشراقية، وباختصار، إعداد مرآة الباطن لتلقي النور من منبع نور الأنوار (يزدانبناه، المصدر نفسه، 38-39)
أما الموانع فهي كثيرة، ومن هنا يقول الشهرزوري، بعد تقسيمه العلوم الحقيقية إلى ذوقية أو كشفية [أي المشاهدة المباشرة للحقائق عبر تجريد الروح من البدن] وبحثية أو نظرية [أي التخبط في المفاهيم المجردة]، في مقدمة حكمة الإشراق، إن قلة قليلة جدًا هي التي تظفر بالحكمة الإلهية (مجموعه مصنفات، 2، 5). وهو يعتبر الحكماء ما قبل الأرسطيين أساطين هذه الحكمة: أغاثاذيمون، وهرمس، وأنبادقلس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون (المصدر نفسه).
وبما أن هدف الفلسفة هو بلوغ الواقع، فإن الفلاسفة أو الحكماء هم فقط أولئك الذين يجدون سبيلاً إلى عالم الواقع؛ أما البقية فليسوا سوى متفلسفين «لا يعرفون إلا ظاهرًا من العلم». وبالطبع، فإن سبيل بلوغ الواقع هو الحدس (كما هو حال العرفاء الحقيقيين، كالحلاج وبايزيد والتستري)، وكذلك العقل المنبثق من الحدس.
1_ الشخصية الاستعراضية والنرجسية
الشخصية الاستعراضية هي شخصية متزعزعة، يكون جذب انتباه الآخرين إليها أقوى منظم لأحوالها وأفعالها. أما الشخصية النرجسية فهي شخص يظن نفسه محور العالم، ولديه انشغال ذهني بذاته لدرجة أنه لا يملك القدرة على مواجهة الحقائق خارج ذاته. السمة الأساسية لكلتا الشخصيتين هي الالتفات الشديد إلى الخارج، مما يحول دون الالتفات إلى الباطن والوعي الذاتي. من وجهة نظر السهروردي، فإن إحدى سمات المتظاهرين بالحكمة هي الشخصيات الاستعراضية والنرجسية التي هدفها جذب انتباه الآخرين من خلال المباحث الفلسفية، لا بلوغ الحقيقة بأنفسهم. يشرح الشهرزوري، شارح حكمة الإشراق، في مقدمته للكتاب هذه السمة التي قصدها الشيخ على النحو التالي:
«إنهم [أتباع الحكمة المشائية] انشغلوا بالبحث والرد والإثبات لهذا الرأي وذاك، والسؤال والجواب فيما بينهم، وأمور من هذا القبيل، التي تشترك جميعها في صفة واحدة هي أنها كانت تصرفهم عن اكتساب الأمور الذوقية» (مجموعه مصنفات، ج2، 5).
لا تقتصر اضطرابات الشخصية المانعة للإشراق على هذه فحسب، ويحتاج استقراؤها إلى فرصة أخرى.
2_ الشخصية الميالة إلى التسلط والسيطرة
يكتب الشهرزوري في تتمة النص نفسه: «ولا سيما أن حب الرئاسة قد أضيف أيضًا إلى كل تلك الموانع، ونتيجة لذلك، فكلما كانوا ينمون، كان الذوق وكشف الحقائق يضعف فيهم» (المصدر نفسه)
3ـ الدخول في السلطة السياسية ونظام الهيمنة الاجتماعية
كما يجلب الفقه في المجتمعات المسلمة اليوم للأفراد المكانة والسلطة السياسية والاجتماعية، كانت هذه الميزة في زمنٍ ما نتاج علم الكلام، وفي زمنٍ آخر انتمت إلى الفلسفة؛ ولا سيما أن الطبيعيات والطب كانتا تُعدّان أيضاً جزءاً من الفلسفة، فكان الفلاسفة والأطباء عادةً شيئاً واحداً، ومن ثم كان اهتمام الجهاز الحاكم بهم كبيراً. وكما يتبين من التاريخ، فإن المشائين بعد أبي علي سينا كانوا يتقلدون مناصب حكومية ويحظون بشؤون اجتماعية خاصة كانت تضعهم في مركز الاهتمام (يزدان بناه، المصدر نفسه، 30). ومن منظور شيخ الإشراق، فإن مثل هذه السلطة السياسية والثقل الاجتماعي تشكل عائقاً أمام بلوغ الحكمة. فمن جهة، مقتضيات هذه المناصب، ومن جهة أخرى، إقصاء المنافسين الفكريين بالسلطة السياسية (لا بالقوة الفكرية)، كانت تُبعدهم عن اكتساب الحكمة الحقيقية (قطب الدين الشيرازي، 1376، ص5). وهكذا كان المشاؤون قد لوثوا الحكمة بطريقتين: الأقاويل والجدليات الفلسفية؛ والدخول في دورة السلطة السياسية والهيمنة الاجتماعية. ونتاج هذا التلوث هو الابتعاد عن سلوك السبيل القدسي ومشاهدة الحقائق النورانية (مجموعة مصنفات، 1، 361) وتحول الفلسفة إلى شبه فلسفة، والفيلسوف إلى فرد مغرور ونرجسي يحفظ بضع وريقات من الكتب والأقوال.
تجربة دخول الشيخ شهاب الدين إلى البلاط ومعاينته عن قرب لأجواء السلطة ومقتضياتها قد لا تكون بلا تأثير في مثل هذه النتيجة، وكما قلنا فإن بعضهم يعتقد بشدة أن عامل مقتل السهروردي كان نظريته السياسية المتأخرة (ليمَن، المصدر نفسه، 273). ولعل لقب أميرك في اسمه يدل أيضاً على أنه عاش في طفولته تجربة العيش في أسرة ذات مناصب حكومية.
4ـ عبادة الجسد
هذه العبارة للشيخ هي من مشهوراته: «لا يُعدّ الإنسان في الحكماء ما لم يطّلع على الخميرة المقدسة، وما لم يخلع ويلبس؛ ما دام لم يظفر أحد بتلك الخميرة الأزلية للحكمة ولم يستطع خلع البدن والعودة إليه مرة أخرى، لا يُحسب من زمرة الحكماء» (مجموعة مصنفات، 1، 503). وأن يكون هذا العمل يسيراً عليه والبدن تحت اختياره بحيث يخرج الروح من البدن متى شاء كلبس الثوب.
الحكيم هو من يكون فكره وقلبه متوافقين ومتآلفين معاً، وهذا التناغم لا يحصل إلا عبر إضعاف قوى البدن من خلال رياضات كالجوع والعبادات وأيضاً العشق. وهنا تبرز أهمية علم النفس المُدرِك مرة أخرى في نيل المعرفة المعتبرة.
الخصائص التي يعددها الشيخ الشهيد لشخصية الحكيم تتحول تدريجياً إلى بيان (مانيفستو) لنيل المعرفة الإشراقية، والذي يقتفي أثره الحكماء والعرفاء لسنين وقرون من بعده (انظر نصر، 1371؛ يثربي، 1392، و1397).
عمدة مباحث يحيى بن حبش حول المنهجية وردت في مقدمة كتابيه المشارع والمطارحات وحكمة الإشراق (ليمَن، المصدر نفسه، 274). وكما قيل، كان شيخ الإشراق في حدود العشرين إلى الثلاثين من عمره «شديد الذب عن طريقة المشائين» (مجموعة مصنفات، ج2، ص10؛ الشهرزوري، 156) ويمكن ملاحظة منهج البحث المشائي وكذلك الموضوعات التي يقبلونها وينكرونها في بعض كتبه، حتى في الوقت الذي كان غارقاً فيه في المباحث الإشراقية (يزدان بناه، 1391، ج1، 14). وعلى سبيل المثال، فقد كتب التلويحات بالأسلوب المشائي، وبالطبع نقدياً؛ لأنه يسعى إلى إعادة بناء المنطق ونظرية المعرفة والطبيعيات وما بعد الطبيعة بالمنهج الإشراقي (ليمَن، المصدر نفسه، 275-276). وعلى هذا الأساس، فإن الشيخ، للحفاظ على التمايز التام عن المدرسة المشائية وعلم الكلام وحتى العرفان السائد، بالإضافة إلى ابتداعه منهجاً جديداً في اكتساب المعرفة، بادر إلى ابتكار لغة جديدة أيضاً.
وهو الذي يعد حكمة الإشراق، من حيث البنية والمحتوى والأسلوب التعليمي، أسمى كتبه في الحقبة الجديدة من حياته وتفكيره، ويسمي منهجه إشراقياً ذا الخصائص التالية:
محتوياتها انكشفت له بدايةً عبر الشهود، والتجربة القلبية الناشئة عن سنوات من الرياضة الشاقة والمتواصلة (مجموعه مصنفات، ج 2، 9).
إنه لا يعتبر فقط الأجزاء المنفصلة المكشوفة، مثل عالم المثال المنفصل، أو التقسيم الرباعي لعالم الوجود (عالم العقول والأنوار القاهرة؛ عالم النفوس والأنواع المدبرة؛ عالم المادة والجسم [الجسم العنصري والجسم الفلكي]؛ وعالم المثال المنفصل أو الصور المعلقة التارك والروشن) ناشئة عن شهوداته (همان، 232)؛ بل يعدّ نظامه الفلسفي الجديد بأكمله، الذي يعتبره ميتافيزيقا نورية، إلقاءً دفعةً واحدةً من النافث القدسي في يوم عجيب (مجموعه مصنفات، ج2، 258).
ثم تُبذل محاولة، بالنظر إلى الخلفية المشائية والتمكن من المباحث العقلية، لبرهنة الشهودات القلبية وجعلها مقبولة لدى أهل النظر (مجموعه مصنفات، 2، 5، 10، 271؛ ج1، 121).
البراهين ليست سوى مؤيدة لشهوداته، وحتى في حال ضعف الاستدلال ورفض الآخرين، فإن ما يتقدم هو تلك المشهودات الشخصية وليس لديه أي شك في صحتها (همان، ج2، 232، 10).
أساس رأي شيخ الإشراق هو أن العقل والشهود ليسا ضدين؛ لأن الواقع واحد وطريق الوصول إليه اثنان: الشهود والعقل. ونتيجة لذلك، إذا وُجد تناقض بينهما، وجب وفق القواعد المنطقية الشك في صحة أحدهما. لا يمكن للشهود أن يكون على خلاف مسلمات العقل كمبدأ التناقض، ولا يمكن للعقل أن يرفض الشهود السليم (الذي لا سبيل للعقل إليه). العقل المسلّم هو معيار تقييم الشهودات، والشهود سلم كمال العقل. العقل الذي كان الشيخ وغيره من العرفاء على خلاف معه، هو العقل المحصور في العقل المشائي (يزدانپناه، همان، 45).
لأول مرة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، قسّم ما بعد الطبيعة إلى قسمين: عام وخاص، مما أدى إلى بناء أصل منهجي مهم. الحكمة العامة تشمل المباحث الرائجة في موضوعات كالوجود، والوحدة، والجواهر، والأعراض، والزمان، والحركة... إلخ. الحكمة الخاصة هي نهج جديد في تحليل الموضوعات فوق العقلية كوجود الله، والعلم الإلهي، والتجارب الشهودية، والرؤيا الصادقة، وغيرها من مكتسبات عالم الخيال (ليمن، همان، 281).
من وجهة نظر شيخ الإشراق، التجارب غير العادية كالرؤى الصادقة، والمكاشفات الشخصية، والمعرفة الشهودية بالكل، والتنبؤ بالمستقبل، والتجارب خارج الجسد، وإحياء الموتى، وسائر الظواهر الخارقة للعادة قابلة للتفسير العلمي بواسطة علم الأنوار و فقه الأنوار (مجموعه مصنفات، ج2، 10؛ ليمن، همان، 280). ومن هنا، فإنه يقوم بمثل هذه التفسيرات في الفصول الأخيرة من أعماله الفلسفية الكبرى (انظر: ليمن، همان، 311، پينوشت 36).
هنا لا ينبغي إغفال نقطة بالغة الأهمية، وهي أن شيخ الإشراق، على عكس التيارين الآخرين المناهضين للمشائية في عصره، لا يعتبر الفلسفة عبثاً؛ بل يعدها غير كافية، ولا يساوي بين الإشكالات الواردة على المشاء ونفي كلية الفلسفة. هذان النهجان طرحهما الغزالي وفخر الدين الرازي (وكذلك الشهرستاني)، حيث يحل العرفان محل الفلسفة في الأول، ويحل علم الكلام محل الفلسفة المشائية في الثاني (يزدانپناه، همان، 25-27). من وجهة نظر الشيخ، طريق الوصول إلى الواقع ليس محصوراً في القلب (العرفان) أو العقل (المشاء)؛ بل في الجهد المشترك لكليهما والاستفادة المتزامنة من المنهج الشهودي والاستدلالي. الجهد العقلي أيضاً ليس محصوراً في الطريقة المشائية كثيرة الإشكالات، ويمكن خلق مناهج بديلة للتفكير الفلسفي (همان، 28).
ليس هذا الأسلوب غريبًا. فليس في الفلسفة الغربية وحدها نجد مثل هذا الأمر؛ بل في علوم مثل علم النفس أيضًا يمكننا أن نعثر بكثرة على أثر للحدس (عالم المثال المنفصل) أو الاستبطان (عالم المثال المتصل). فعلى سبيل المثال، نجد هذا الحدس بكثرة لدى يونغ. فهو يقول: «لم تكن أفكاري نتاج عقلي فحسب، بل إن قسطًا وافرًا منها انبثق من قلبي» (1953/1943، ص116). كان يونغ يرى أن محتوى اللاشعور عبارة عن أنماط كلية ووراثية تُدعى النماذج البدئية. كما أنه، على عكس فرويد، لم ينسب إلى اللاشعور وظيفة تشويه الواقع وإحداث الاضطراب النفسي فحسب؛ بل نسب إليه أيضًا وظيفة الإبداع والعبقرية والصحة النفسية (وهو أمر قريب من الخيال المنفصل/ عالم المُثُل/ المثال/ البرزخ/ في عرفان ابن عربي).[7] وعلى هذا الأساس، تنبأ في كتابه المعنون الكتاب الأحمر (The Red Book)[8] بوقوع الحرب العالمية الأولى، إثر مواجهة مع لاشعوره ورؤيته صورة أوروبا تغرق في النار والدماء.
يترك البناء الأساسي والمدعى المنهجي للحكمة الإشراقية أو علم الأنوار عند شيخ الإشراق أثرًا بالغًا على أجيال المفكرين اللاحقين. ويمكن رؤية هذا الأثر في ثلاث مجموعات:
العرفاء الذين يولون اهتمامًا للمباحث الفلسفية. هذا البناء الفكري الجديد يبلغ كماله في القرن السابع الهجري، الذي هو عصر صعود العرفان الإسلامي، مع ظهور شخصيات مثل ابن عربي، والقونوي، والرومي، والفرغاني، والجندي وغيرهم.
الفلاسفة المائلون إلى العرفان، مثل الخواجة نصير الدين والميرداماد.
الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي (يزدان بناه، المصدر نفسه).
يتعلق الابتكار المنهجي الثاني للشيخ بلغة فلسفته. فهو فضلًا عن اقتراضه لغة جديدة في تبييناته الفلسفية (بإبرازه للرموز الإيرانية)، وسعيه أيضًا إلى خلق لغة تطبيقية مشتركة وإجراء تطبيقات لغوية كثيرة لمصطلحات النحل المختلفة (استنادًا إلى الأساس الفلسفي لتجربة الحقيقة الواحدة في ألبسة متعددة)، يُعد أيضًا مؤسسًا لأسلوب جديد في اللغة الفلسفية: لغة التمثيل والاستعارة (انظر: كوربان، 1380، الفصل السابع).
اللغة التمثيلية، وإن لم تكن شائعة في الحكمة الإسلامية ولم يلتفت عموم الحكماء إلى قدرات اللغة في التعبير عن المسائل الفلسفية وفهمها، (وكذلك الحال في الفلسفة الغربية حتى وقت قريب)؛ يمكن أحيانًا العثور على فلاسفة اهتموا بهذه القدرة اللغوية في فهم المعاني العميقة وتعليمها. ابن سينا هو أحد هؤلاء الفلاسفة. فهو في مطلع النمط التاسع من الإشارات يقسم السالكين إلى ثلاث فئات: الزهاد، والعُبّاد، والعارفين، ويعدد للعارفين أيضًا درجات ومقامات يبلغونها بالرياضة. ولتوضيح هذا الأمر، يحيل إلى قصة سلامان وأبسال التي هي من تأليفه هو. سلامان يرمز إلى الإنسان وأبسال يرمز إلى الدرجات التي يمكن بلوغها في السلوك العرفاني. ومن آثاره الثلاثة الأخرى التي يبرز فيها استخدام لغة التمثيل والاستعارة: رسالة الطير، وحي بن يقظان، والقصيدة العينية.
بين فلاسفة العصر الوسيط، يبلغ هذا الأسلوب ذروته عند شيخ الإشراق. ويمكن رؤية تأثره بأسلوب ابن سينا التمثيلي في ترجمته لرسالة الطير وتأليفه رسائل متعددة بهذا الأسلوب. فلأول مرة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، كتب عددًا كبيرًا من الحكايات التمثيلية، وغالبًا باللغة الفارسية، للمبتدئين، لم يتبق منها إلا القليل (ليمن، المصدر نفسه، 273). ومن هذه الآثار التمثيلية: قصة الغربة الغربية، آواز پر جبرئيل، العقل الأحمر، يوم مع جماعة الصوفية، في حالة الصفولية، في حقيقة العشق، لغة النمل، وصفير السيمرغ.
بالإضافة إلى اللغة التمثيلية، تُعد اللغة الرمزية أيضًا من سمات لغة الشيخ. وقد قدمنا سابقًا توضيحات حول رمز النور.
لقد هجر شيخ الإشراق المباحث الفلسفية المشّائية وأسّس نسقاً جديداً ذا طبيعة ميتافيزيقية أو حكمة نورية أطلق عليه هو نفسه اسم فقه الأنوار أو علم الأنوار (مجموعه مصنفات، ج2، 10). وهو يردّ نسب هذه الحكمة الإشراقية إلى حكماء العصر القديم ويعتبر أفلاطون رئيس الحكمة وسيّد الحكماء (همان). (وجدير بالذكر أنه يكرر أيضاً الخطأ التاريخي الذي وقع فيه المسلمون بشأن مؤلف أثولوجيا. مع فارق أنه في حكمة الإشراق يذكر اسم أفلاطون بدلاً من أرسطو؛ انظر: يزدانپناه، همان، 104).
بطبيعة الحال، لا ينبغي أن يغيب عن البال أن فلسفته ناظرة إلى الحكمة المشّائية، بل إنه في بعض المباحث كالنفس وقواها، والعقول، والمقولات، والعناصر، والهيولى، والصورة، والجسم وأمثالها يفترض مباحث المشّاء ويقدم، دون بحث جديد، تقريراً جديداً لها بناءً على أسسه الخاصة. لذلك، فمن لا يعرف المشّاء (خصوصاً كتب ابن سينا، والبصائر النصيرية لابن سهلان الساوي، والتحصيل لبهنيار) لن يفهم الإشراق بسهولة أيضاً (يزدانپناه، همان، 111-112؛ ليمن، همان، 277-278). ومن وجهة نظره، فإن الأسس المنطقية للميتافيزيقا ونظرية المعرفة الأرسطية تعاني من انقطاعات أساسية ينبغي إعادة بنائها.
الحكمة من منظور شهاب الدين هي: «البحث في المفارقات ومبادئ العالم، أي الله والمباحث الكلية المتعلقة بالموجودات (كمبحث الوجود الذي يتعلق بالأعيان)، ومثل هذه الأمور لا تنحل ولا تحصل إلا عن طريق الذوق والشهود وتلقي النور من نور الأنوار. ومن وجهة نظره، لا يُطلق لقب حكيم إلا على من يشاهد الأمور المتعالية ويذوق الحقيقة، وخلاصة القول، أن يكون من أهل التألّه... المتألّه هو من ينتسب في الواقع إلى الألوهية... من يذوق الحقيقة» (يزدانپناه، همان، 32؛ مجموعه مصنفات، 1، 199).
ويجب الانتباه إلى أن النور في فلسفته هو رمز للتعبير عن الأسس الأنطولوجية للوجود المشكّك. ومن هنا، فهو مثلاً يسمي واجب الوجود المشّائي نور الأنوار، والعقول المفارقة أنواراً مجردة (ليمن، همان، 285). الأنوار، مع اختلافها في الشدة والضعف، لها هوية واحدة، وتتحدد درجات النورانية بالقرب والبعد من منبع النور، أي نور الأنوار. وقد سُمّي النور لاحقاً في الفلسفة الصدرائية، بتأثير من شيخ الإشراق، وجوداً وأصبح محور الحكمة المتعالية.
هذه الحكمة النورانية التي تتجاوز الفلسفة المشّائية تُنال عن طريق الذوق والشهود. وللوصول إلى هذه الحقائق النورانية، يلزم عنصر يتجاوز النفس الناطقة المشّائية التي تتقدم بقوة عاقلة نحو اكتساب العلم الحصولي. هذا العنصر المختلف في فلسفة الشيخ هو نفس نورانية تنضم، بالرياضة والعشق، إلى عالم النور وتصطاد الحقائق النورانية من هناك، وهو ما يشكّل أهم تمييز بين الفلسفة المشّائية والإشراقية.
الفلسفة المشّائية هي نتاج القوة العاقلة للنفس الناطقة واتحادها بالعقل الفعّال، والفلسفة الإشراقية ناشئة عن اتصال النفس النورانية بالعالم النوراني. وبالطبع، فإن طريق الحصول على الفلسفة الإشراقية لا ينحصر في الاتصال بالعالم النوراني؛ بل إن الممارسة في الفلسفة الإشراقية نفسها تفتح أيضاً طريق الإشراق والشهود والاتصال بنظام الأنوار أمام المتعلم (يزدانپناه، همان، 29؛ مجموعه مصنفات، 2، 271). ويمكن رؤية مثل هذا الفرق لاحقاً في التمييز بين مفهومي المجذوب السالك والسالك المجذوب.
لذلك، فإن علم النفس المشّائي والإشراقي بينهما فروق جوهرية؛ لأن ماهية النفس من منظورهما مختلفة، ومن وجهة نظر الشيخ، فإن حقيقة النفس لا تُنال إلا بالطريقة الإشراقية.
إبداعات شيخ الإشراق المضمونية في المجالات المذكورة، والتي تتسم بخاصية خلق التيارات، هي كما يلي (للاطلاع على تقرير جيد لهذه التأثيرات اللاحقة، انظر: ليمن، همان، الفصل التاسع والعشرون):
أول فيلسوف مسلم تناول الحدس أو الشعور أو التجربة بمعنى ما هو السهروردي (يزدان بناه، نفسه، 45). في الفلسفة الإسلامية، يُقصد بالحدس أحيانًا 1) التجربة الحسية؛ أي أن تجربتنا الحسية ذات طابع حدسي، ومتعلَّق الحدس هو الشيء الخارجي المحسوس نفسه (لا صورته الإنشائية في النفس؛ نظرية الملا صدرا)؛ 2) وأحيانًا بمعنى العلم الحضوري بالمتعلقات الإنسانية (كالجوع)؛ 3) وأحيانًا بمعنى الحدس العقلي أو العلم الحضوري بالمفاهيم؛ 4) وأحيانًا بمعنى الحدس القلبي أو رؤية الحقائق بتجاوز عالم المادة؛ وأحيانًا) يكون حدسًا روحياً (يزدان بناه، نفسه، 45-46). المعنى الأول هو ما أسسه شيخ الإشراق لأول مرة، وتحول لاحقًا في الحكمة المتعالية إلى حدس عالم المثال. وهو لا يقبل المعنى الثالث.
كما نعلم، في المنطق الكلاسيكي، الحدسيات الحسية (الأوليات) وحدها هي المعتبرة، ويُعتبر طريق الحدسيات القلبية والعقلية لتحصيل العلوم البرهانية مسدودًا. الشيخ من أوائل الفلاسفة الذين يدّعون إمكانية استخدام الحدس في البرهان، ويقوم بتدوين هذا الاستخدام. من وجهة نظره، المشاهدات أعم من الحس الظاهر، وتشمل الحس الباطن والحدس القلبي أيضًا، وبكليهما يمكن بناء علوم برهانية. وكما أن للأوليات حجية معرفية ذاتية، فإن الحدسيات القلبية كذلك، ولها حجية بذاتها، ويمكنها أن تكون، مثل الأوليات، مقدمة للبرهان وأساسًا للفلسفة، وأن يُبنى نسق فلسفي على أساس حدس العوالم الملكوتية (مجموعة مصنفات، 2، 18، 13).
وكما هو الحال في الفلسفة المشائية والصدرائية وفي الفلسفة عمومًا، فإن العديد من المباحث الأساسية، بما في ذلك إثبات أصل الوجود والواقع (الطباطبائي، 1409، 4) أو تجرد النفس (ابن سينا، 1381، 292) أو العلم الحضوري (الطباطبائي، 236) أو حتى بعض مقدمات أصالة الوجود (الطباطبائي، 9) وعشرات المسائل الفلسفية الأخرى (كالحركة، والوجود الذهني، والعلية، والمعقولات الثانية، إلخ) تقوم على أساس الحدس العقلي وإدراك الحقائق الكلية والمعقولة، أو ما يُعرف بالمواجهة الفلسفية مع العالم الخارجي والأشياء الخارجية (يزدان بناه، نفسه، 50-56). ومثل هذا الاستخدام شائع أيضًا في الفلسفة الغربية (انظر: جيلسون، 1367، 289-290).
يخطو شيخ الإشراق خطوة أبعد من الحدس العقلي بصفته أهم أداة للفلسفة، وإيمانًا منه بوجود قوة أسمى من العقل المدرك للكليات، يطرح قوة إدراكية أعلى تُسمى القلب، تتحقق معرفتها التجريبية من خلال الرياضة (ك الذكر المتواصل، والصلاة، والصوم، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والأفكار اللطيفة، والعشق، إلخ) وتلطيف الروح وخلع البدن (مجموعة مصنفات، 1، 113؛ ليمن، نفسه، 281)، وتكون نتائجها من اليقينيات ويمكن أن تكون مقدمة للبرهان، وأساسًا للفلسفة؛ كما أن الشيخ يجعل من حدسه لعالم المثال أو عالم العقل (المُثُل والعقول والمفارقات) بنفسه مقدمة للبحث الفلسفي في هذا المجال (مجموعة مصنفات، 2، 156). فالقلب يرى حقائق العالم أو يسمعها، والعقل الذي هو قوة أدنى يستنير بنوره، ويؤيدها تبعًا للقلب، ويقوم بتحليلها ويؤسس فلسفته الخاصة (الحكمة النورانية) (مجموعة مصنفات، 2، 271)، والتي تختلف بالطبع عن العرفان وتظل فلسفة (يزدان بناه، نفسه، 73-82).
يمكن اعتبار هذا الإبداع الأساس الأكثر جوهرية للعرفان النظري، وكذلك للحكمة المتعالية والظاهراتية الفلسفية (ابن تركة، 1360، 248؛ القيصري، 1375، 70)، وهو ما يناقشه شيخ الإشراق بإسهاب، ويدين له اللاحقون في هذا المجال. ليس عبثًا أنه يعتبر نفسه محيي هذه الحكمة الأزلية التي خبت بفعل هيمنة المنهج الأرسطي (مجموعة مصنفات، 1، 503). وبالطبع، فإن فهمه للقلب مدين لآيات القرآن، والسنة الدينية، والجذور الإشراقية لدى كبار الفلاسفة المشائين كابن سينا، والتي تبلغ ذروتها في النمط التاسع والعاشر من كتاب الإشارات (يزدان بناه، نفسه، 100-105). علاوة على ذلك، فهو مدين بشدة لفلسفة ابن سينا؛ لكنها مديونية نقدية تمامًا (ليمن، نفسه، 277-278).
كما يتبين من الحكاية المنامية، فإن المسألة الأساسية لدى شيخنا هي تبيين المعرفة وماهية العلم. فهو يرى أن نظرية المعرفة المشائية غير كافية. ومع أن مسألته الرئيسية هي تقديم تبيين جديد للمعرفة، إلا أنه لا يبدأ فلسفته من نظرية المعرفة؛ وذلك لأنه، بفعل شهوده المنامي وسؤاله لأرسطو عن ماهية العلم وإحالة أرسطو إلى معرفة الذات/النفس، يرى الشيخ أن حل عقدة مسألة المعرفة يكمن في علم النفس والوعي بالذات. فالعلم بالنفس، لكونه حضورياً وشهودياً، هو أمر قائم بذاته ولا يحتاج إلى شيء آخر، ويصير الفرد واعياً بذاته بواسطة ذاته (اتحاد المُدرِك والمُدرَك). ورمز النور هنا كاشف للغاية. فالله هو نور الأنوار لأنه أكثر الموجودات وعياً بذاته، وبأنواره الإسفهبدية تُستنار سائر الأشياء ويحصل الإشراق/المعرفة.
وعلى هذا الأساس، يمكن للوعي بالذات أن يصير أساساً للمعرفة البشرية كلها. ولإدراك أهمية العثور على مثل هذا الأساس، انظر إلى فلسفة ديكارت الذي، متأسياً بالرياضيات والهندسة، بحث في الفلسفة عما يجعله أساساً للمعرفة اليقينية؛ فوجده في الأساس غير الكافي المتمثل في «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
من وجهة نظر الشيخ، إذا كان العلم الحضوري أو اتحاد المُدرِك والمُدرَك هو أساس المعرفة وأيقنها؛ فإن مقياس المطابقة بينهما في معرفة كل شيء هو الذي يحدد اعتبار المعرفة. وهذا الاستنتاج هو ما يجر الشيخ الشهيد إلى المسار المعرفي للمشاهدة الإشراقية أو مشاهدة الإشراق. فالمعرفة المعتبرة لشيء ما تعني التجربة المباشرة لذلك الشيء، وإدراك الظاهرة كما هي. وللوصول إلى المعرفة المعتبرة، لا بد أن يحدث اتحاد بين المُدرِك والمُدرَك، ومن ثم فإن الحالات النفسية للمُدرِك تكون حاسمة في إيجاد مثل هذا الاتحاد. وهذا الأساس هو أغنى أشكال الظاهراتية المنهجية التي سنتناولها في القسم التالي.
إذا كانت عملية الحكمة النورانية عبارة عن خلع البدن، وصعود النفس المجردة إلى العالم النوراني، وإشراق الأنوار الإسفهبدية على النفس، والتجربة التشكيكية للنور، وكشف الحقائق ومشاهدتها، والعودة إلى البدن وتحليل المشاهدات بواسطة العقل؛ فإن الأداة الرئيسية لمثل هذه الفلسفة هي النفس. ومن ثم، فهو يبدأ فلسفته لا من نظرية المعرفة ولا من الأنطولوجيا؛ بل من علم النفس القائم على العلم الحضوري والشهود. فالأنطولوجيا النورية، وعلم النفس الإشراقي، والمنهج الإشراقي هي أضلاع ثلاثة لمثلث في حكمته النورانية، تدور فيما بينها دورة هرمنيوطيقية. وعلى هذا الأساس، فإن الشيخ 1) يبدأ نظامه النوري من علم النفس، 2) ويكشف عن هويته النورية بالإجمال عبر العلم الحضوري، 3) ويصعد نحو نور الأنوار (الله)، 4) ويشاهد الهوية النورية لجميع الأمور حتى نور الأنوار؛ 5) وفي قوس النزول يحدد مواضع الأنوار (أي: النور الأقرب أو المعلول الأول؛ والأنوار القاهرة الطولية أو العقول والمفارقات؛ والأنوار القاهرة المتكافئة أو المُثُل) حتى يصل إلى النفس أو الأنوار الإسفهبدية ويبين موضعها في هذا النظام النوري بالتفصيل، تلك التي وقعت الآن في ظلمة المادة، وعليها بالرياضة والعشق والمحبة وما شابهها أن تتخلص من هذه الظلمة أو المغرب، وتتصل بعالم النور أو المشرق، وتشاهد الحقائق (يزدان بناه، نفسه، 84). ومن هنا تنشأ مفردات المغرب والمشرق والعودة إلى الوطن في فلسفته وتكتسب أهميتها.
وقبله، كان ابن سينا قد وضع أساس هذه النظرة بتأليفه كتاب الحكمة المشرقية (بمعنييه المحتملين: حكمة حكماء المشرق؛ وفلسفة ذات منهج إشراقي) ومنطق المشرقيين. وإن كان شيخ الإشراق يراه غير موفق في إحياء حكمة المشرق أو الخسروانيين (مجموعه مصنفات، 1، 195) وينتقد بشدة ادعاء ابن سينا بناء الفلسفة المشرقية في كتاب مجهول بعنوان كراریس فی الحکمة (ليمن، نفسه، 279-280).
كان السهروردي على معرفة وألفة بـ البصائر النصيرية لعمر بن سهلان الساوي (ت. 540). ويُعد البصائر من أوائل الكتب التي أعرضت عن التقسيم التساعي المتعارف (كتب الأرغانون التسعة) وقسمت المنطق إلى قسمين: مادي وصوري. وقد استفاد الشيخ لاحقاً من إبداع الساوي هذا في إبداعه لمنطقه الثلاثي الأقسام الذي يشمل علم الدلالة، والمنطق الصوري، والمنطق المادي (ليمن، 1382، 2، 272).
من تأثيراته المنطقية يمكن الإشارة إلى مباحثه في الجهات المتكررة، وبنية القضية الضرورية البتاتة، ومسألة السلب لا سيما في العكس المنطقي، وإرجاع الحدود والشكل الأم للقياس (الذي تُستنتج منه سائر أشكال القياس)، والقضايا الموجهة (خصوصاً رفض القيمة غير المشروطة للقضية الموجبة الكلية في تحصيل العلم اليقيني بسبب الإمكان المستقبلي)، ونظرية المقولات (التي صارت منشأ لنظرية الحركة الجوهرية عند ملاصدرا)، ومسائل أخرى كثيرة (نفسه، 282).
أحد المجالات الأخرى التي كان الشيخ مؤثراً فيها هو مجال علم الدلالة أو دلالة الألفاظ، وهو بمثابة إعادة بناء لعرق رواقي ـ ميغاري ضعيف في الفلسفة الإسلامية. مباحث التسمية، والدلالة، وأنواع الدلالة، وعلاقة عناوين الطبقات بالأعضاء، وأنواع حضور الأعضاء في الطبقات بما فيها الاندراج، والاستغراق، والإدخال، والشمول... هي من هذا القبيل من المسائل (نفسه).
من إبداعاته المنطقية والدلالية الأخرى نقوده الواسعة للنظرية الذاتية المشائية حول التعريفات القائمة على الذات وكذلك الحد التام، التي تعد التعريف الماهوي المركب من الجنس والفصل لشيء ما الخطوة الأولى والأهم في التبيين العلمي والتفلسف. يعد شيخ الإشراق التعريف الماهوي مستحيلاً لعدة أسباب منطقية ودلالية (انظر: ليمن، نفسه، 287-291)، وكما قلنا سابقاً، فإنه في إبداع جديد وبنقده لنظرية المعرفة المشائية، يؤسس المعرفة على معرفة الذات القائمة على العلم الحضوري والإشراقي والتجربة الشهودية، وبهذه الطريقة يحيي التيار الأفلاطوني في الفلسفة الإيرانية (ليمن، نفسه، 287). بناءً على هذا، فإن الشيء لا يُعرَّف تعريفاً تاماً إلا عندما يدركه الفرد في وعيه الذاتي.
كما قلنا، بالنظر إلى الحكاية المنامية، فإن بناء فلسفة سهروردي الشيخ يبدأ بالتساؤل عن ماهية المعرفة وتبيين جديد لها.
الهدف الأساسي لفلسفة الشيخ هو تقديم إطار فلسفي يكون أداة أدق وأكثر علمية لـ 1) البحث في ماهية الأشياء؛ 2) الوصول إلى السعادة الفردية؛ وفي النهاية 3) تحقيق حكمة أكثر علمية في خدمة الحكم العادل (ليمن، نفسه، 280). يمكن رؤية تأثير أفلاطون هنا بوضوح. المباحث التي طرحها شيخ الإشراق لم تؤثر فقط على الفلسفة والعرفان من بعده، بل أثرت أيضاً على الفكر السياسي (نفسه، 283).
فضلاً عن إبداعاته المعرفية التي مرت أعلاه، يمكن عده من أوائل من رسموا خطوطاً منهجية عُرفت بعد قرون باسم الظاهراتية المنهجية الهوسرلية (يزدان بناه، نفسه، 75). أوجه الشبه بينهما مذهلة للغاية (لتبيين شفاف للظاهراتية انظر في سيغال، 1390، هوامش المترجم على فصل ظاهراتية الدين).
سهروردي برفضه الإمكان المنطقي والدلالي للتعريف الماهوي بالجنس والفصل للظواهر، يعد طريق تعريف الأمور أو معرفتها هو «العودة إلى الأمور المحسوسة أو الظاهرية من طريق آخر» (مجموعة مصنفات، 2، 210). لا يمكن معرفة الشيء بتفكيكه إلى مقوماته غير القابلة للإحصاء، المبهمة والمترادفة (أي: الجنس والفصل)؛ بل يجب مشاهدة كليته كما هي وتجربتها (ليمن، نفسه، 291، 293).
بما أنه من جهة لا يريد أن تنحصر الفلسفة في عدد من الخواص الذين يشرقون حقيقة العالم، ومن جهة أخرى فإن المسائل الفلسفية لا تشمل فقط الموضوعات العالية بل تشمل أيضاً المسائل المادية كالطبيعيات؛ لذلك ينبغي تقديم تعريف للمعرفة يكون ميسوراً للجميع وناجعاً في جميع المسائل المعرفية. هذه المعرفة هي طيف يمكن تسميته طيف المشاهدة الإشراقية أو طيف المشاهدة ـ الإشراق (ليمن، نفسه، 279-305).
المشاهدة الإشراقية هي حالة أولية من المعرفة المباشرة، وهي أعمّ استخداماً من مشاهدة المُثُل الأفلاطونية أو الصور المعلقة في عالم المثال أو المشاهدات في التجارب العرفانية. المعرفة القائمة على المشاهدة هي طيف يمتد من المشاهدة الفينومينولوجية لكُلية ظاهرة ما إلى المشاهدات العرفانية والإشراقية. يمكن اعتبار المشاهدة الإشراقية الدنيا في هذا الطيف هي ذاتها المنهج الفينومينولوجي الهوسرلي الذي يلعب فيه الحدس والإبداع الدور الرئيسي (المشاهدة الفينومينولوجية في عالم الخيال المتصل)، أما شكلها الأعلى فهو ما اكتسب به الشيخ نفسه أصول فلسفته (مشاهدة الموجودات غير المادية المثالية وذات الجوهر في الخيال المنفصل بإرشاد واهب الصور) (مجموعه مصنفات، ج2، 10). جوهر المشاهدة هو نوع من تجربة حقيقة الظواهر في قالب كُلي؛ أي تجربة الظواهر كما هي عليه؛ لأن كل شيء بنفسه لديه نور من نور الأنوار، ولا يحتاج إلى شيء آخر لكي يستنير. لذلك، فإن ما يُعرّف نفسه بنفسه لا يحتاج إلى شيء آخر كالجنس والفصل لكي يُعرف. يكفي أن تشاهد وتجرب نورَ كُلية ظاهرة ما: «لا يمكن الوصول إلى التعريف إلا بالأمور المختصة بكُلية الشيء» (مجموعه مصنفات، ج2، 210؛ اقتباس از: ليمن، همان، 292). يجب أولاً ترك العالم بممارسة الرياضات (مثل وضع الظواهر بين قوسين في الفينومينولوجيا) حتى تصبح بتقوية قوى الحدس مستعداً لتلقي هذه التجربة ومشاهدة الأنوار الإلهية، وبعد أن تصبح صاحب علم إشراقي، تقوم بمفهمة وتبرهين وتدوين وكتابة تلك المشاهدات الحضورية وتأسيس العلم/الفلسفة الإشراقية. هذه المراحل الأربع ممكنة لأي شخص (لمزيد من التفصيل انظر: ليمن، همان، 293-395). إنه يذهب إلى حد أنه حتى ظاهرة الإبصار/المشاهدة بالحس الظاهر لا يعللها بالعمليات المادية لخروج الشعاع من العين واصطدامه بالمبصرات وانطباع الصورة المرئية في العين؛ بل يعرّفها أيضاً تعريفاً فينومينولوجياً: «الإبصار ... لا يقع إلا بمقابلة الشيء المستنير للعين السليمة مقابلة مباشرة» (مجموعه مصنفات، 2، 134). مرة أخرى، في هذه المواجهة المباشرة وبلا حجاب (العودة إلى الأشياء نفسها؛ الذي كان شعار هوسرل)، وانفتاح الذات لتلقي رسالة الظواهر، يمكن رؤية جذور الفينومينولوجيا الفلسفية. يكفي أن يحصل الفرد الساعي إلى الإدراك على شخصية سليمة، ويواجه المُدرَك مواجهة مباشرة، حتى يشرق عليه نور المعرفة من جانب الحق. إذن، صيغة الإدراك الفينومينولوجي هي كالتالي: فعل المشاهدة بلا حجاب من قِبَل مُدرِك له سيكولوجيا خاصة؛ بالإضافة إلى نور يشرق من نور الأنوار؛ يساوي المعرفة الإشراقية (ليمن، همان).
شباهت جالب توجهتر دیگر شیخ اشراق با رویکرد پدیدارشناسی، اهمیت او به نقش شعر و دیگر گونههای نمادین زبان در بیان یافتههای شهودی است که مارتین هایدگر، به عنوان یک پدیدارشناس فلسفی مبانی آن را به خوبی پرورانده است (سگال، همان).
همچنین، از آنجا که نور انسان بیشترین بهره را از هستی دارد، مشاهدة حقیقت انسان در شناخت دیگر پدیدهها کمک فراوانی میکند (لیمن، همان، 293).
سرانجام، باید توجه داشت که معرفتشناسی شیخ ما چه در بخش مشاهده و چه اشراق، یک رئالیسم خام است که دستیابی به یقین را آسان میشمارد؛ حتی در مسایل حسی.
چنانچه هانری کوربن میگوید (1380، 300) سهرودی نخستین فیلسوفی است که عالم واسطی به نام عالم مثال را بیان نمود و حکما و عرفای بعدی به شرح و بسط آن پرداختند. «عالم مثال، عالم واسط میان عالم معقول وجودات محض نورانی و عالم محسوس است و عضوی که به ادراک آن نایل میشود خیال فعال است. عالم مثال، عالم مثال افلاطونی نیست؛ بلکه عالم صور معلقه است ... . عالم مثال نقش سهگانهای دارد: رستاخیز بهواسطة این عالم تحقق پیدا میکند، چراکه محل اجسام لطیف است؛ از مجرای همین عالم رموزی که پیامبران و نیز همة تجربههای شهودی که به آن اشاره کردهاند تحقق پیدا میکند؛ و درنتیجه، تأویل دادههای وحی قرآنی به واسطة همین عالم انجام میپذیرد» (کوربن، 1380، 299-301).
شیخ اشراق را میتوان در کنار ابوریحان بیرونی یکی از منادیان دینشناسی تطبیقی و فلسفة تطبیقی دانست، که متأسفانه مورد استقبال چندانی در جهان اسلام قرار نگرفت و به تشکیل شاخههای علمی مستقلی در این حوزهها منجر نشد.
علاوة على ذلك، يُعد الشيخ من أوائل من ابتكروا فكرة الحكمة الخالدة أو العقل الأبدي. العقل الأبدي أو الحكمة الخالدة مصطلح في العرفان والفلسفة استخدمه لأول مرة في الغرب أغوستينوس ستويكوس عام 1540، وأشاعه لايبنتس في رسالة كتبها عام 1715. وقد اكتسب العقل الأبدي، بخلاف المعنى الذي فهمه فلاسفة أوروبا بعد العصور الوسطى، معناه الأصيل في كتابات التقليديين أمثال رينيه غينون، وأناندا كوماراسوامي، وفريتيوف شوون، وتيتوس بوركهاردت، ومارتن لينغز، ووليم ستودارت، وسيد حسين نصر، وتحول إلى تيار فكري مهم، من أهم سماته، إضافة إلى فكرة الوحدة المتعالية للأديان، إبراز العقل الحدسي في اكتساب المعرفة (انظر: ملكيان، 1381، فصل التقليديين).
وقد تابع مفكرون آخرون مثل هذه الأفكار بأساليب أخرى. فعلى سبيل المثال، سعى يونغ، من خلال البحث في اللاشعور الجمعي وكذلك الأديان الشرقية، إلى البحث عن جذور هذه الوحدة. إن الاهتمام بالأحلام، والاهتمام بالتيارات الداخلية والبصيرة بها، والسلوك نحو الكمال والمعنى والتفرد، واكتشاف "الذات" (باعتبارها منبع الحكمة والهداية الداخلية والسلوك الفردي)، واللاشعور الجمعي (الوجه الموحِّد لنا معشر البشر)، هي من جملة أفكار يونغ التي تُستخدم في كتب التيار المعنوي. وقد استُخدمت آراء يونغ، ولا سيما النماذج البدئية، بكثرة لشرح آراء الحكمة الخالدة (الحكمة العامة الكونية) القائمة على الوحدة الكامنة وجذور جميع الأديان (وولف، 1997).
يؤمن السهروردي بوحدة الحقيقة، ومن ثم فإن معرفة تلك الحقيقة والانتفاع بها، والتي تُسمى الحكمة الحقّة، هي واحدة وأبدية. وهو يرى أن جوهر مشاهدات حكماء اليونان مثل أفلاطون يتحد مع مشاهدات حكماء فارس مثل كيخسرو وزرادشت وغيرهم من حكماء إيران كجاماسب وفرشاوشتر وبزرجمهر وغيرهم. واختلافهم من جهة هو الصور الخيالية والمثالية في عالم الخيال التي، مع وحدتها الجوهرية والفردية، تظهر للسالك بأشكال مختلفة (جبرائيل، سروش، هاتف، ...) بسبب الحركة الجوهرية (ليمن، نفسه، 299). ومن ثم، يعود الاختلاف التالي إلى العنصر الثقافي للغة (مجموعه مصنفات، 2، 157، 10، 11). وبالطبع، ينبغي الانتباه إلى أنه يميز الحكمة التوحيدية الإيرانية عن الثنوية المانوية (نفسه، 10-11؛ ج4، 92، 128) ويعتبر رسالته هي تنقيتها وإحيائها، وقد بلغت هذه الرسالة كمالها في كتاب حكمة الإشراق (نفسه، 128). ومن المثير للاهتمام أن التفاسير الفلسفية الزرادشتية المتأخرة قد تأثرت بالشيخ (كربن، 1380، 130).
من منظور السهروردي، هذه الحكمة: 1) واحدة؛ 2) ثابتة ومتكاملة؛ 3) أزلية أبدية؛ 4) قدسية؛ و5) يمنحها ربُّ النوع الإنساني؛ 6) للحكيم السالك الذي بلغ الشهود من خلال القدرة على خلع البدن ولُبسه. وبحسب ادعائه، فإن الجوهر المشترك لهذه الحكمة أو "الخميرة الأزلية" التي بدأت من هرمس الهرامسة أو إدريس النبي، يمكن رؤيتها في اليونان والهند ومصر وفارس وبابل وأماكن أخرى (مجموعه مصنفات، 1، 464، 494، 502، 503). وهو بهذا الجوهر الأزلي يخلق وحدة بين شرق العالم وغربه.
كما يحيي بن حبش هنا، تحت عنوان الحكمة الخسروانية، يذكر أيضاً حكماء البهلوية، كيومرث وفريدون وكيخسرو، الذين وصلت حكمتهم إلى آخرين مثل بايزيد البسطامي والحلاج وأبو العباس قصاب الآملي وأبو الحسن الخرقاني؛ مثلما يعد ذا النون المصري وسهل التستري ورثة الفيثاغوريين (نفسه، 502-503) ويعتبر نفسه وارث كلا الطريقين (نفسه، 503). ويذكر مجموعة أخرى مزجت الحكمة الفيثاغورية بالخسروانية وساعدت في تكامل المباحث النظرية (نفسه).
إن دعوى شيخ الإشراق بشأن هذه الحكمة الخالدة ليست مجرد دعوى بلا تحقيق. فهو يستخدم الحكمة اليونانية (ولا سيما أفلاطون) وما قبلها (ولا سيما هرمس، فيثاغورس، أنبادقليس، أغاثاذيمون [شيث النبي] وسقراط) (مجموعه مصنفات، 1، 111، 112، 464، 460؛ ج2، 10، 156)، والحكمة الفارسية البهلوية والزرادشتية، والمصرية، والبابلية، والهندية، وربما الصينية في تدوين أصوله. وهذا الاستخدام يقع في الموضوعات، وفي المبادئ التصورية والتصديقية، وفي المباحث التطبيقية، وكذلك بوصفها رموزاً وأسراراً يقوم هو نفسه بكشفها (مجموعه مصنفات، 1، 453؛ 2، 10).
علاوة على ذلك، يستعير من الحكمة الفارسية العديد من المصطلحات: أضواء مينوية، خُرّه (ومضات روحية من عالم المينو)، كيان خرّه أو كيان فرّ (النور الروحي والعظمة الملكوتية للفرد التي تحل عليه)؛ وعبارات تدل على أرباب الأنواع، والملائكة، والمثل الإلهية: خرداد (رب نوع الماء)، مرداد (رب نوع الأشجار)، أرديبهشت (رب نوع النار)، إسفندارمذ (رب نوع الأرض)، بهمن (النور الأقرب والمعلول والصادر الأول)، روانبخش (روح القدس) (مجموعه مصنفات، ج4، 157،199، 128، 291، 149) وكذلك هورخش أو الشمس التي يسميها السيد/النير العظيم (المصدر نفسه، ج1، 494) ويكرمها كالنار (المصدر نفسه، ج1، 196) لطبيعتهما النورانية، ويعتبرهما إلى جانب النفس الناطقة (إسفهبد)، رمزاً ومظهراً وآية لنور الأنوار في عالم المادة، فهما نور في ذاتهما ويمنحان النور لغيرهما.
وهو يعد العرفان أقرب قراءة إسلامية لهذه الحكمة الخالدة، ويرى العرفاء واصلين إلى منبع النور حضورياً (مجموعه مصنفات، 1، 113)؛ تماماً كما في الحكاية المنامية حيث يعد أرسطو وحده عرفاء مثل بايزيد البسطامي وأبي سهل التستري أهلاً للقب حكيم (مجموعه مصنفات، 1، 73-74). معظم رسائله الرمزية التأويلية، مثل آواز پر جبرئیل، عقل سرخ، صفیر سیمرغ، فی حالة الطفولیة، قصة الغربة الغربیة و کلمات ذوقیة، تنظر إلى التعاليم العرفانية وتستعير لغتها.
يستفيد الشيخ أيضاً من المصادر القرآنية والحديث الإسلامي ويتابع إطاره النظري الكلي الذي يقوم برمته على المشاهدات الشخصية (مجموعه مصنفات، ج2، 9). ومن هنا يستثمر تشبيه الله بالنور كثيراً (مجموعه مصنفات، 2، 162)، أو يعد جبرائيل هو رب النوع الإنساني (المصدر نفسه، 200) أو يستعير من الروايات لإثبات عالم المثل (المصدر نفسه، 234).
بطبيعة الحال، لا نعرف حقاً إلى أي مدى تمكن من الوصول إلى مصادر الحِكَم التي قصدها، وإلى أي حد تستند استنباطاته إلى النص وليس إلى المشهورات الشائعة والتخمين. فيما يخص الحكمة الزرادشتية والبهلوية، ربما يمكن الوثوق بمصادره واستنباطاته أكثر بسبب موطنه؛ لكن هذه الثقة صعبة في باب الحكمة المصرية والبابلية والهندية والصينية. استنادات الشيخ العامة والمبهمة جداً إلى هذه الحِكَم (مجموعه مصنفات، ج2، 156، 217) دليل على هذا الادعاء بأنه إنما يستند إليها انطلاقاً من تخمين قائم على وجود خميرة حكمة كهذه في العالم بأسره. بوجه عام، لا نعرف ما هي المصادر التي كانت متاحة له عدا المصادر المشائية الرائجة (ليمن، المصدر نفسه، 285). رغم أن تأثيرات فكر السهروردي تمتد حتى الهند (انظر: ليمن، المصدر نفسه، الفصل 28 و29).
كما ينبغي الانتباه إلى أن شيخ الإشراق، شأنه شأن المفكرين الآخرين الذين يبحثون عن شواهد لتصور كلي بعد قبوله، يقدم أحياناً تفسيرات يصعب قبولها. لذا، إذا كان تطبيق المباحث اليونانية والإيرانية والعرفانية في آثاره يبدو خشناً أحياناً، فما هو إلا من باب هذا التطبيق على التصور الكلي الذي تبناه، أي الحكمة الأزلية وخميرة الحكمة، التي يريد من خلال فك رموز القضايا والاستعارات واللغة الرمزية للحِكَم المذكورة، أن يكشف المحجوب عن ذلك الجوهر الواحد.
يمكن بحق تسمية شيخ الإشراق بالمؤسس. بناءً على ما مر في النص والمعطيات التي استخرجناها من ثنايا التاريخ، وتحليل الشخصية، ودراسة نصوص آثاره، فقد توفرت لديه جميع الشروط اللازمة لإنشاء حركة فكرية جديدة. السمات التي تم بحثها في النص كانت:
التفتح والتفرد
الكاريزما
الأهمية والجهد الفردي لنشر الفكر
الإبداع والجدة في الموضوعات أو المسائل أو الأجوبة
النظام والانسجام والاتساق
إتقان المباحث والاستدلالات
استنادًا إلى الشواهد التي قُدّمت في المقال، فإن تصوّر البعض القائل بأن بنية فكره ليست سوى حاشية على الفلسفة المشّائية وتقرير جديد فاشل لها، أو أنه مجرد مُحيٍ لنوع من الفلسفة الإيرانية أو لنزعة إيرانية زرادشتية أو لنوع من الفكر التلفيقي، ليس صحيحًا (ليمن، نفسه، 275-278). إنه، شأنه شأن مفكرين كبار أمثال ديكارت، يبدأ عمله من ماهية المعرفة والسعي لبناء معرفة يقينية. وهو يجد مثل هذا البناء في نوع من العلم الحضوري، ويشيّد بنيته الفلسفية على أساس هذا البناء. وبعد تشييد هذه البنية، واستنادًا إلى شهوداته والنسق الفكري الذي أقامه، يصل بالضرورة إلى شمولية مكتشفاته في جميع الأزمنة والأمكنة، ويخلص إلى أنه بناءً على وحدة الحقيقة ومتانة الأداة المعرفية المتمثلة في الحدس القلبي، يوجد تيار من الحكمة الخالدة في جميع أنحاء الكون، ورغم امتلاكه لعجينة واحدة، فإن العناصر الثقافية قد أضفت عليه اختلافًا ظاهريًا. ثم يسعى إلى تطبيق هذا المكتشف العظيم على الفلسفات الغربية والشرقية المعروفة في زمانه، ويستخدم تطبيقات لغوية كثيرة لإظهار مثل هذا الإشراق، والتي تغلب عليها النزعة الإيرانية بالطبع بحكم بيئته. يسعى الشيخ إلى إحياء هذه الحكمة الأزلية الأبدية، الحكمة التي تُعرف في أيامنا هذه بالعقل الخالد أو الحكمة الخالدة.
.
.
ابن تركة، صائن الدين. تمهيد القواعد. تصحيح جلال الدين آشتياني. طهران: انجمن حكمت وفلسفة إيران، 1360.
ابن سينا. الإشارات والتنبيهات. تحقيق مجتبى زارعي. قم: بوستان كتاب، 1381.
جيلسون، إتيين. نقد تفكر فلسفي غرب. ترجمة أحمد أحمدي. طهران: حكمت، 1357.
سيغال، روبرت. راهنماي دينپژوهي. ترجمة محسن زندي ومحمد حقاني فضل، قم، انتشارات جامعة أديان، 1391.
السهروردي، الشيخ شهاب الدين. مجموعة مصنفات. تحقيق هنري كوربان. طهران: نشر انجمن حكمت وفلسفة إيران، 1396ق.
الشهرزوري، شمس الدين محمد. شرح حكمة الإشراق. تحقيق حسن ضيائي. طهران: مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1372.
الشيرازي، قطب الدين. شرح حكمة الإشراق. قم: بيدار، 1376.
الطباطبائي، محمد حسين. نهاية الحكمة. قم: انتشارات إسلامي، 1409ق.
كوربان، هنري. تاريخ فلسفة إسلامي. ترجمة جواد طباطبائي. طهران: كوير، 1380.
ليمن، أوليفر؛ نصر، سيد حسين. تاريخ فلسفة إسلامي. جمع من المترجمين. طهران: حكمت، 1389.
ملكيان، مصطفى. راهى به رهايى: جستارهايى در باب عقلانيت ومعنويت. طهران، نگاه معاصر، 1381.
نصر، سيد حسين. سه حكيم مسلمان. ترجمة أحمد آرام. طهران: انتشارات كتابهاي جيبي، 1371.
يثربي، يحيى. حكمة إشراق سهروردي: گزارش حكمة إشراق، با تطبيق ونقد همراه با متن حكمة الإشراق. قم: بوستان كتاب، 1392.
يثربي، يحيى. قلندر وقلعه: بر اساس زندگي شيخ شهاب الدين سهروردي شيخ إشراق . طهران: قو، 1397.
يزدانبناه. سيد يد الله. حكمة إشراق، گزارش، شرح، وسنجش دستگاه فلسفي شيخ شهابالدين سهروردي. قم: پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، 1391.
Feist−Feist. Theories of Personality, Seventh Edition. London: McGraw-Hill, 2009.
Jung, C. G. (1921/1971). Psychological Types. In Collected Works, Vol. 6, 1971. (German edition 1921)
Jung, C. G. (1943a). On the Psychology of the Unconscious. In Collected Works, Vol. 7 (2nd ed.), 1966, pp. 1-119. (Fifth German edition 1943).
Jung, C. G. (1948). The Phenomenology of the Spirit in Fairytales. In Collected Works, vol. 9, Part I (2nd ed.), 1968, pp. 207-254. (Revised German edition 1948).
Jung, C. G. (1953). Aion: Researches into the Phenomenology of the Self. In Collected Works, Vol. 9, Part II (2nd ed.), 1968. (First German edition 1951)
Wulff, D. (1997). Psychology of religion: Classical and contemporary. New York: Wiley.
.
.
[1] thinking
[2] feeling
[3] sensation
[4] anima
[5] animus
[6] . ما ورد بشأن يونغ، مقتبس في معظمه من كتاب سيكولوجيا الدين والمعنوية، من تأليف الدكتور محسن زندي، وهو قيد النشر وقد تكرّم مشكوراً ووضع قسماً من خلاصاته تحت تصرّفي. ([email protected]).
[7] انظر: شيتيك، ويليام، عوالم الخيال؛ ابن عربي ومسألة اختلاف الأديان. ترجمة قاسم كاكائي. طهران: هرمس، 1385. ومن هنا ظنّ يونغ في البداية أنه مصاب بذهان؛ لكن بما أن المريض في الذهان يخلط بين خياله والواقع، أدرك أن هذا كان مواجهة مع لاوعيه. ومن هنا أسّس أسلوب التخيّل النشط لمثل هذه المواجهات (انظر: قرباني، 1393، ص80).
[8] توفي يونغ عام 1961، وبعد وفاته، بقي هذا الكتاب في منزله بزيورخ، وأودع في السنوات اللاحقة في صندوق أمانات بأحد البنوك. وبناءً على وصيته، كان ينبغي فتح هذا الكتاب بعد عدة عقود من وفاته. عُرض هذا الكتاب بعد 80 عاماً في أكتوبر 2009 في متحف مدينة نيويورك الجديد. الكتاب بخط يد يونغ ويحتوي على رسوم عديدة لتوضيح تحليلاته، وهذه هي المرة الأولى التي يتمكن فيها الباحثون وعامة الناس من مشاهدته.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
با عرض سلام و تشکر از زحمات علمی شما. ببخشید چگونه میشود با خانم دکتر ایرانمنش ارتباط گرفت؟ تز دکتری من هم در مورد شخصیت شناسی شیخ اشراق است و بهترین چارچوب نظری که تا به حال در این زمینه دیده ام همین است که در مقاله ایشان آمده است. ای کاش کل مقاله را به همین بحث اختصاص میدادند و به طور مفصل تری بحث میکردند. غربیها در مورد ارتباط تیپ شخصیتی فیلسوف و نوع فلسفه او بعضا کار کرده اند. اما در فلسفه اسلامی به گمانم مقاله ایشان اولین کار جدی در این زمینه باشد. امیدوارم همین خط سیر را ادامه دهند. رویکرد تازه ای است.
با سلام و احترام برای کار تحقیقی و علمی در این زمینه در خدمت هستم. ایمیل بنده: [email protected]
بسیار مقاله خوب و جامع و پخته ای است. بخش تحلیل شخصیت هم کاری کاملا ابتکاری و تازه است و جایش در سیر اندیشه شناسی عالمان مسلمان بشدت خالی میباشد. دست مریزاد به نویسنده.به امید انتشار کارهای بیشتر از ایشان.