اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُحلّل ابن عربي الدين إلى ثلاثة معانٍ: الانقياد والجزاء والعادة، ويُقسّمه إلى قسمين: تشريعي وإمضائي. يستقصي البحثُ فصوصَ الحكم والفتوحات المكية، ويستكشف نظرية تأييد الرهبنة إلى جانب الشريعة، ويُقوّم الأدلة القرآنية.

بحث في معنى الدين وأقسامه ومجاله من منظور ابن عربي
(مدخل إلى الشريعة والطريقة)[1]
بري إيرانمنش (حاصلة على الدكتوراه في الدراسات الإيرانية من جامعة كاليفورنيا)
جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأمريكية
يسعى هذا النص إلى تقديم وصف دقيق لبعض مباحث معرفة الدين عند واحد من أعظم منظّري الفكر الإسلامي. في بداية المقال، ومن خلال منهج التحليل اللغوي، يتم بحث المعاني اللغوية الثلاثة للدين والتي يرى ابن عربي أنها متضمنة أيضاً في معناه الاصطلاحي. ثم يُذكر مجال الدين استناداً إلى الأعيان الثابتة للأنبياء، وبعد ذلك، يتم وصف وتحليل إحدى أكثر نظريات ابن عربي إثارة للجدل، ألا وهي إقراره بالدين الإمضائي أو ما يُعرف بالرهبانية (أو العرفان التربوي) إلى جانب الدين التأسيسي التشريعي. وفي النهاية، يتم تقييم مستندات ومدى صحة فهم ابن عربي للآية 27 من سورة الحديد في إثبات الدين الإمضائي، مع ذكر آراء بعض المؤيدين والمعارضين.
ابن عربي من أشهر أبناء التاريخ الإسلامي الملتبس أمرهم، الذين أوقعوا الخاص والعام في هاوية تسجيله في سجلاتهم. لقد كان تاريخ ما بعده ميداناً لصراع المريدين والعاشقين لمدرسته مع خصومه الألداء الذين اعتبروه عديم المذهب سيئ النية[2]، وأن ما أتى به إما هو هذيانات في عشق صبية مكين الدين الأصفهاني[3]، أو وليد قوة خيال استثنائية وأدب شاعري قوي لديه. وفي المقابل، هنالك معسكر محبيه الذين يعدونه محيي الدين وأباً للعرفان الإسلامي[4]، ويرون أن أفكاره السامية جديرة بأن تُدعى حتى الأغيار[5] لقضاء عمر في البحث فيها. بل إن بعضهم ذهب إلى حد اعتباره معصوماً عن كل خطأ وزلل.[6] وهذه النزاعات بذاتها شاهد على عظمته، إذ ليس لقصار القامة الفكرية أن يصبحوا تاريخ نزاع المفكرين.[7]
هذا المقال بحث وصفي تحليلي في آخر وأكثر آثار ابن عربي نضجاً وأهمية،[8] وهو كتاب "فصوص الحكم" الموجز والعصي على الفهم،[9] وأثره العظيم الآخر "الفتوحات المكية"، في مجال المعنى اللغوي والاصطلاحي للدين، وأقسام الدين، وبحث قرآني في معنى الرهبانية المسيحية والتصوف الإسلامي (وتأييد ابن عربي لهما بالآيات الآفاقية والأنفسية)، وكذلك تبريره لإضافات الرهبان والمتصوفة الحقيقيين على الشريعة العيسوية والمحمدية باعتبارها طريقة أصيلة للوصول إلى حقيقة الشريعة. وفي النهاية نجلس لتقييم آرائه.
التركيز على "الفصوص" يعود لإتقان هذا الأثر، ولكثرة كتابات محيي الدين أيضاً.[10] آراؤه حول الدين وردت بشكل منظم في "فص يعقوبية"، وبشكل متفرق في "الفتوحات".
على الرغم من أن غالبية الباحثين المعاصرين في علم الأديان يرون استحالة وجود تعريف واحد للدين؛[11] إلا أن رأي ابن عربي النهائي في الدين يمكن اعتباره إلى حد ما ما اشتهر اليوم بوحدة الأديان المتعالية. فهو يعتقد أن الأصل الذي هو جذر جميع الأديان والحقائق الإلهية، هو أصل العلاقة بين الحق والخلق (الخالق والمخلوق)، وهذه العلاقة هي علاقة العشق.[12] وهو يسمي دينه في القصيدة الحادية عشرة من "ترجمان الأشواق" بالعشق؛ وهذه التدين وجدت لديه بفضل سعة قلبه وانشراح صدره:
لقد صار قلبي قابلاً كلَ صورۀ فمرعی لغزلان و دير لرهبان
و بيت لأوثان و كعبۀ طایف و الواح توراۀ و مصحف قرآن
أدين بدينِ الحُب أنى توجهت ركایبه فالحب ديني و إيماني[13]
بنابر نظر و شهود او، خداوند به اسمای گوناگون تجلی مییابد. منتهی قلوب غیرعارفانِ کامل، به تناسب ضیق خود، خدا را به اسمی میشناسند و منکر دیگر تجلیات او میشوند و از اینجاست که لعن و تکفیرها آغاز میگردد. در حالیکه:
از نظرگاه است ای مغز وجود اختلاف مؤمن و گبر و یهود (مثنوی)
معناو کارکرد دین:
بهنظر نگارنده ابنعربی را میتوان بهشکلی از پیشقراولان فلسفهی تحلیلی زبان دینی، البته با سبک مخصوص بهخود، دانست.[14] وی در بررسی بسیاری از موضوعات الهیاتی و حتی فقهی، به شیوهی تحلیلی کلمات، ریشهشناسی و بازگرداندن واژهها به مصدر نخستین و تحلیل معنای اصطلاحی بر مبنای معنای نخستین، وفادار میماند.[15] بنابر همین شیوة تحلیلی وی "فص حکمة روحیة فی کلمة یعقوبیة" را که به تحلیل دین اختصاص داده است، چنین میآغازد که کلمهی "روحیة" را هم میشود رَوح خواند و هم رُوح. صورت اول، برگرفته از آیه87 سوره مبارکه یوسف است که در آن، یعقوب به تبع آباء موحدش، فرزندانش را دعوت به روح مینماید:« یا بنی اذهبوا فتحسسوا من یوسف و اخیه و لا تیأسوا من رَوح الله، أنّه لاییأس من رَوح الله الّا القوم الکافرین».
بنابر وجه اول( که به معنای آسایش و راحتی است) یعقوب به فرزندان خود میگوید: به جستجوی یوسف بپردازید و از رحمت و آسایش الهی ناامید نشوید؛ زیرا که فقط کافران از رفاه و راحت الهی ناامید میگردند. به این دلیل که تمام نگاه آنان به محدودهی اسباب طبیعی است و وقتی تقطّعت بهم الاسباب(بقره166) شدند، حرارت امیدشان نیز به سردی میگراید، برخلاف مؤمن، که به خدای مسبّب و مسخّرالاسباب ایمان دارد و تنها ذکر و یاد اوست که آرامبخش واقعی قلبش است. بنابراین، آنچه باعث ایجاد آسایش و آرامش حقیقی، و نه توهّمی و یا موقتی، است ایمان و دین( به هر دو قسمی که خواهیم گفت) است. لذا وی این فصّ را به تحلیل معنای دین اختصاص میدهد. به عبارت دیگر، توصیهی یعقوب به فرزندانش، محور مباحث این فصل است.
اما وجه دوم(که همان روح مصطلح بخوانیم)، تناسبش با دین آنست که: دین با هر سه معنایی که نزد ابنعربی دارد( یعنی انقیاد و جزاء و عادت)، به روح تعلق میگیرد و تدبیر و کمال آن را تأمین میکند و سپس روح، بدن را تدبیر مینماید، و به وسیلهی آنسه است که رفا ه و آسایش روحی برای انسان حاصل میشود. لذا به فرمودهی قرآن،آآآ ابراهیم، فرزندانش و یعقوب، پسرانش را به دین دعوت نمودند. بعلاوه اینکه، روح انسانی بر مبنای دین و فطرت توحیدی ساخته و پرداخته شده است: "فطرۀ الله التی فطر الناس علیها"(روم30).[16]
وجه دیگرِ اینکه کلمهی یعقوبیه به حکمت روحیه اختصاص یافته است، به خاطر غلبه روحانیت بر حضرتش و علم او به عالم انفاس و ارواح است: انی لاجد ریح یوسف(یوسف84).[17]
اما این دین، که معروف و معهود نزد فطرت آدمی است و فطرت بر اساس آن سرشته شده است، تنها یکی از اقسام دینداری است و از همین جاست که محیالدین وارد اقسام دین میشود و آن را به دو قسم دین تشریعی(حقی) و دین امضایی(خلقی) تقسیم میکند.[18] خارج از این دو،[19] هر دین و مکتبی که نه تأسیس الهی داشته باشد و نه به امضای الهی رسیده باشد، محقّ و مقبول نیست؛ همانند دینی که فرعون برای پیروانش ساخته و پرداخته بود: انّی اخاف أن یبدّل دینکم او یظهر فی الأرض فساد(غافر26).
تحلیل معانی سه گانه دین
في التحليل اللغوي عند ابن عربي، يُحمَل الدين لغةً على معانٍ: الانقياد، والجزاء، والعادة؛ وهذه المعاني الثلاثة ملحوظة أيضًا في المعنى الاصطلاحي للدين؛ إذ فيه أيضًا حديث عن الإسلام والانقياد لله ودينه، واعتياد النفس على شهواتها، والاعتقاد بجزاء الأعمال. وعليه، فالمعنى اللغوي يتناسب تمامًا مع المعنى الاصطلاحي. فالدين في الاصطلاح جامع للمعاني اللغوية الثلاثة لكلمة الدين وخصائصها، وهي:
الانقياد: من المعاني الثلاثة المأخوذة في الدين، أحدها الانقياد، وهو في الاصطلاح تسليم الذات كليةً لله وطاعة أوامره ونواهيه: «فالدين هو الانقياد كليًا ظاهرًا وباطنًا، أما ظاهرًا فبإتيان ما أمر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، وأما باطنًا فبتصديق أنبائه وأخباره والإيمان بها من غير توقف فيها ولا ريب ولا ريث.»[20]
وكما يقول ابن عربي في فص هودية، الذي هو في باب التوحيد الربوبي، فإن الله في نظام التكوين هو القائد والموجودات منقادة له: ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها (هود: 56)؛ وفي نظام التكوين جميع الخلائق مسلمون مستسلمون له وسائرون إليه: وله أسلم من في السموات والأرض (آل عمران: 83). وفي سورة طه الآية 50 إشارة إلى هذا الأمر أيضًا، حيث ينبه موسى عليه السلام فرعون إلى الهداية التكوينية لجميع الموجودات.
وفي النظرة العرفانية، ليس الجميع مسلمين له فحسب، بل هم عشاق له أيضًا:
كفر وایمان عاشق آن کبریا مس و نقره بندهی آن کیمیا
علاوة على التكوين، يقول محيي الدين في هذا الفص إن الله في نظام التشريع أيضًا هو الشارع والمسلمون «بمعناها العام» متشرعون. فالكفر بمعنى عدم قبول وجود إله للعالم، لا وجود له في الحقيقة أصلًا. الكفر صفة عرضية نشأت بعد ظهور الشرائع؛ والكافرون هم مكذبو الأنبياء.[21]
وعليه، فحيث إن الدين هو الإسلام والإسلام هو الانقياد، فالدين هو الانقياد. والانقياد إضافة متخالفة الأطراف، أحد طرفيها الله وهو القائد، والطرف الآخر المسلمون وهم المنقادون له. إذن، فالدين بمعنى القيادة ووضع القوانين (الشرع) هو فعل الله سبحانه، وبمعنى الانقياد هو فعل العبد ويُسمى دينًا. وهذا الانقياد فرع عن تلك القيادة والتشريع، ولأن الوجود وشؤونه، كالتوفيق والقدرة الإنسانية، كلها من الله، فإن الدين كله يعود من الله أيضًا (أي إنه في التحليل الدقيق يصبح إضافة إشراقية). ومع ذلك، فإن أحد طرفي هذا الدين هو الإنسان، ولهذا أُمر العباد أن يقيموا أصل الدين: (أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، الشورى: 13)؛ لأن الإنسان إن قام، قام الدين؛ وإن قعد، قعد الدين. وفي الجانب الفردي قال: تقوموا لله مثنى وفرادى (سبأ: 46).
ولكن ما الهدف من تشريع هذا الدين؟ غاية طاعة الله هي أن يصير الإنسان مظهرًا لله. وآلية التشبه بالله والتحول إلى مظهر له تكون على هذا النحو: كما أن ألوهية الله تظهر بأفعاله، فإن سعادة البشر تظهر بأفعالهم. بعبارة أخرى، كما أن الأسماء الإلهية تظهر بآثارها وأفعالها، فالإنسان الذي هو خليفته، إن أراد السعادة فلا مناص له من إبراز الآثار المرضية، وإن وقع في شراك الآثار غير المرضية لله، ابتلي بالشقاوة.
ثم يصل ابن عربي إلى ملاحظة سيكولوجية في شأن الإنسان، وهي أن صدور الفعل عن الإنسان له مرتبتان: في البداية يعمل الإنسان بإرادته واختياره، وبعد مدة يؤدي تكرار الأفعال إلى خلق العادة ثم الملكات النفسانية فيه، ثم في المرحلة الثانية، ومنذ ذلك الحين، تنشأ أفعال الإنسان من ملكاته.
مرد افسونگر بخواند چون عدو او فسون بر مار، مار افسون بر او
گر نبودی دام او افسون مار کی فسون مار را گشتی شکار ؟ (مثنوی)
من وجهة نظره، فإن هذا الجبر قد نشأ بإرادة الإنسان واختياره، وفي الوقت نفسه، فإن طريق التحرر منه مفتوح... .[22] وفي باب الدين أيضاً، فإن الانقياد، وهو أمر معروف بالفطرة، يؤدي إلى تحقق ملكات نفسانية في الإنسان تكون ثمرتها سعادته وصيرورته مظهراً لله. وهو بالطبع يحلل ويفسر كل ذلك مستخدماً مفاهيم الأسماء الإلهية والأعيان الثابتة.
الجزاء: ثاني معنى لغوي للدين، وهو مأخوذ أيضاً في معنى الدين الاصطلاحي وحقيقته، هو مفهوم الجزاء. كان الدين جزاءً، أي أن مخالفته وموافقته تستتبعان جزاءً. وهو يبحث الجزاء في ثلاث مراتب: 1. الجزاء من حيث لسان أهل الظاهر ومعتقداتهم. 2. الجزاء من حيث الباطن الذي هو سر القدر. 3. الجزاء من حيث باطن الباطن الذي هو ما فوق سر القدر، أي تحليل الجزاء بالوحدة المحضة.
الجزاء من حيث أهل الظاهر، الذي هو قمة الفكر ونهاية دقة الدارسين للدين الغارقين في العلوم الحصولية، هو عين ما لكل عمل من ظاهر في الدنيا وباطن يظهر في الآخرة. هناك يتم تجسم الأعمال واتحاد العامل والعمل. وأهل الباطن يرتقون من قمة الفكر الحكيم هذه إلى مرتبتين أعلى، أي تحليل الجزاء بلسان سر القدر والوحدة المحضة.
الجزاء من حيث سر القدر: من المعارف التي يصر عليها ابن عربي هي مسألة مرآتية الله والعالم أحدهما للآخر. فالأعيان الثابتة، وبالطبع الأشياء، أي الآيات الآفاقية والأنفسية، تكون أحياناً مرآة للحق: سنريهم آياتنا في الآفاق. وأحياناً يصير الحق مرآة لأشياء العالم. وهذا هو عين ما توصل إليه الحكيم قليلاً تحت عنوان برهان الصديقين (لكنه يرى برهان الصديقين الخاص بالحكماء ناقصاً لأنه لا يزال يفوح منه رائحة الاستدلال بالإمكان وبغير الله؛ فالحكماء والمتكلمون، لأنهم لم يشاهدوا الحقيقة، لذا يحسبون منسوجات أذهانهم إلهاً؛ وهو أساساً يرى المساعي الفكرية لغير العرفاء، من حكماء ومتكلمين وغيرهم، من حيث المعرفة والصدق، تخبطاً فاشلاً: چون ندیدند حقیقت ره افسانه زدند...، لكنهم معذورون ومأجورون).[23]
وأحياناً تقف هاتان المرآتان وجهاً لوجه في آن واحد، ويظهر كل منهما في مرآة الآخر. وبالطبع، في كل ضلع من أضلاع هذا المثلث، فإن المرآة الأصلية والأصيلة هي الله:
مرآت حق شدم من و مرآت من شداو با همدگر مقابله گشتيم بیجهات
والنكتة الأخرى هي أن هذه ليست ثلاثة مواقف خارجية، بل هي ثلاثة أحوال لشهود السالك؛ فأحياناً يبلغ السالك مقاماً يناله فيه قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله (البقرة 115) (الكثرة)، وأحياناً يبلغ مقاماً يناله فيه قوله: الله نور السماوات والأرض (النور 35) (الوحدة)، فيرى هذه السماوات والأرض وما فيهن بنور الله، وحين يبلغ الكمال يصل إلى مقام جمعي يرى فيه المرآتين معاً، حيث تعكس كل واحدة الأخرى ولا تكون أي منهما حجاباً للأخرى (من وجهة نظر ابن عربي، العارف الكامل هو من يشاهد الكثرات والوحدة معاً، أي يبلغ مقام الجمع). ولكن في صورة كون الحق مرآة للعالم، تظهر هنا حالات شتى: فهو تارة عليم، وتارة قدير وخالق وبارز وباسط... وتارة يكون ديّاناً. بعبارة أخرى، يصير الله مرآة باسم الديّان، وستُرى الأشياء في مرآة الديّان. في هذه المشاهدة يفهم السالك أن كل دين وجزاء ينال الأشياء ويدهمها، إنما هو كله من الأشياء ذاتها ويعود إليها. فالأشياء تُرى في مرآة الحق، والحق هو الديّان؛ وعليه فلا يصيب الأشياءَ من الحق شيء، بل كل ما هي عليه الأشياء تظهره مرآة الديّان. هذا هو معنى ما يقال من أن أعمال كل امرئ تعود إليه، وأن كل امرئ ضيف عمله: لا يحمدنّ إلا نفسه؛ لا يذمنّ إلا نفسه؛ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها (الجاثية 15). يُعطى كل امرئ ما طلبه؛ وفي نهاية المطاف، يظهر الله إما باسم غفور رحيم أو باسم منتقم: إنا من المجرمين منتقمون (السجدة 22)، أو بأسماء أخرى. وبالطبع، لأن رحمته سبقت غضبه، فإنه يجازي على الحسنات بأضعاف مضاعفة: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، أو: فله خير منها (الأنعام 160، النمل 89). وفي السيئات فقط يكون الجزاء متكافئاً: جزاء وفاقاً (النبأ 26).
خلاصة القول، إن الجزاء هنا هو تجلّي الحق في مرآة وجوده بحسب الأعيان الممكنة من أسماء الديّان؛ وعليه فإن الجزاء يقع فقط بمقتضى الأعيان الثابتة، وما يعود على الممكنات هو ما تقتضيه ذواتهم، لذا فكل ما يأتيهم هو من أنفسهم.
الجزاء بلسان باطن الباطن أو ما فوق سرّ القدر: بعد طيّ المرحلة السابقة، يقترب شيئاً فشيئاً من مقام الأحدية ويحلل المسائل من هذه النقطة العرفانية الأوج. في الأحدية لم يعد هناك أحد ولا شيء، إلا (وجه) الله والتجليات الإلهية والرضا والغضب والرحمة والسخط... إلخ الإلهية: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (القصص: 88). لم يعد ثمة حديث عن زيد وعمرو وبكر والالتذاذ والألم... إلخ؛ كل شيء فانٍ فيه. لا موجود إلا وجود الحق، الذي تلبّس بصور أحوال الممكنات، لذا فاللذة والألم أيضاً له. وعليه، فحيث لا مجازي في الأمر، يرتحل الجزاء أيضاً. لا التذاذ ولا تألّم. للعرفاء هنا عدة استدلالات، منها اثنان:
1 كان الله ولم يكن معه شيء، هنا ليس "كان" ولا "يكن"، أيٌّ منهما زماني. لا "كان" ماضٍ ولا "يكن" مضارع، حتى يضيف العارف نتيجةً لذلك، الآن أيضاً: كما كان. مثلاً، بشأن هذه الجملة: أنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (النساء: 32) لم يعد العارف بحاجة لأن يقول: الآنَ كَمَا كَانَ. لأن "كان" هذه ليست زمانية أصلاً، لذا فهي تحوي قيد "الآن كما كان" في ذاتها. وعليه، فالأعيان الثابتة (والأشياء) التي وصفها العرفاء بأنها "ما شَمَّتْ رائحة الوجود"، ليس الأمر أنها فجأة الآن "شَمَّتْ رائحة الوجود". بل الآن أيضاً ليس مع الله شيء، والأعيان الثابتة (وأشياء العالم) "ما شَمَّتْ ولا تَشَمُّ ولَيْسَتْ بِشامَّةِ الوجود".
پیش از این دیدی جهان چون بد در کتم عدم هم بر آن حال است حالی همچنان انداخته
2: الاستدلال الثاني، وهو مفتاح لكثير من المسائل العرفانية، هو استخدام وصف الله بعدم النهاية. أي أنه عندما يكون الله لا نهائياً، فلا يبقى مجال للغير. هذا الاستدلال يجري في باب الذات كما في باب الصفات. هذا هو لسان الأحدية عند العارف.[24]
نقطة بالغة الأهمية، أدى عدم فهمها والالتفات إليها عبر التاريخ إلى نزاعات كثيرة، وهي أنه خلافاً لتصور جهلة الصوفية (تعبير الملا صدرا) ليس المقصود من هذا الأمر أن بساط العالم يرتحل، بل المقصود هو نوع مشاهدة السالك (مع الالتفات طبعاً إلى اختلاف مصطلح الوجود والكون عند العارف)[25]. من لا يرى كثرات العالم، ويرى الآن أنه ليس مع الله شيء، فقد انسدت حاسة شمّه ولا يستنشق رائحة الوجود من الأعيان الثابتة والأشياء. كما أنه عندما يصل العارف إلى مقام الفناء، فليس معناه أنه يفنى، بل معناه أنه لم يعد يرى نفسه، أو أنه يرى أنه لا شيء غير الله وكل شيء هو، هنا يبرز البحث في وحدة الوجود أو وحدة الشهود ويصبحان عين بعضهما[26].
لكن ابن عربي يقرّ في مواضع شتى من الفصوص، بأن العارف الكامل ليس من يرى الكثرة فحسب، ولا من يرى الوحدة المحضة فحسب؛ بل هو من بلغ مقام جمع الجمع، فيرى الكثرات ويرى الوحدة معاً. والنتيجة أن النظام الفعلي للعالم موجود الآن، والدنيا والبرزخ والقيامة وجزاء الأعمال موجودة. وبناءً على عدالة الله في جزاء الأعمال، فالكافر في جهنم والمؤمن في برزخ جناني وفي جنة الراحة. لكن هذا السالك يصل أحياناً إلى حيث يرى الله والرضوان الإلهي فقط، أو يشاهد الله وسخطه لا غير. هناك، مقام اللطف، وهنا، مقام السخط. هنا تصير مسألة الجزاء أدق، لا أن تُبطل. إنه المعنى نفسه بدقة أكبر. المثال الديني الداخلي لهذه المسألة لتقريبها إلى الأذهان، هو معراج النبي. ففي أسفاره الملكوتية عليه السلام في المعراج، يرى كل هذه المشاهد، أي جهنم بأهلها والجنة بأهلها، وأن الكافر يُحرق والمؤمن يُنعّم. لكن العرفاء يؤوّلون هذه المشاهد كلها على أن النبي شاهد الأسماء الإلهية، أي أنه لا يرى في المعراج إلا الله وأسماءه.
يقول محيي الدين في تحليل الجزاء بلسان ما فوق سرّ القدر إننا إذا نظرنا إلى العالم بعين الوحدة الإطلاقية «لا الشخصية والعددية»، فلن يُرى إلا الله وفيضه الواحد، وعندها تتحلل مسألة الجزاء على هذا النحو: إن الذي يلتذ والذي يتألم هو ذاك الفيض المنبسط (الوحدة الممتدة)، وما يظهر في أعقاب العمل هو في الحقيقة اسم يظهر في إثر اسم آخر. ليس الكلام عن المُستَفيض، بل الكلام عن الفيض فحسب. وهذا الفيض الذي له الوحدة الإطلاقية، له شؤون مختلفة بعضها ملائم لبعض وبعضها غير ملائم. يمحّص المصنف هنا معنى العقاب ويقول إن العقاب سُمّي عقوبة لأن هذا الحادث يظهر في عَقِب العمل ودُبُره، سواء أكانت العاقبة غير سارّة أم سارّة. ومع أن الاصطلاح الشرعي يقضي بتسمية الجزاء الحسن ثواباً والنتائج غير السارّة عقاباً، فإن للعقاب والثواب معنىً عاماً من الناحية اللغوية يشمل كلا المعنيين المذكورين. فالقرآن الكريم يصف جهنم تارة والجنة تارة أخرى بالثواب. وعلى كل حال، فإن الإنسان يلبس ما نسجته يداه، فإما أن يكون ليّناً، وهو الثواب بالمصطلح الشرعي، وإما أن يكون حاداً خَشِناً ذا شوك[27]. وبعد أن يفرغ ابن عربي من هذا المطلب شبه الأدبي، يشرع في معنى العادة.
العادة: المعنى العرفي للعادة هو أن المرء إذا فعل شيئاً مرة ثم عاد إليه مرات صار ذلك الشيء عادياً عنده ويُقال إنه قد اعتاده. وابن عربي، وفق منهجه التحليلي، يحلل هذا المعنى نفسه ويقول: الدين الذي هو جزاء هو عادة أيضاً (دان = اعتاد). أي "يعود الأمر إلى صاحبه". فكل عمل يلحق بصاحبه، وبعبارة أخرى، كل عمل يصدر عن الإنسان (العمل بمعناه الواسع: الاعتقاد، والخُلق، والخُو، والعمل الظاهري)، لا يُعدَم ولا يترك عامله: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (النجم: 39). بل يعود إليه.
وباختصار، الدين هو العادة، لأنه حين يتكرر يصير عادة. وهنا أيضاً، حيث يوجد التكرار، توجد العادة؛ والوجه الثاني أن نقول: من حيث إن الإنسان يعود إلى محله الأصلي ويبلغ المعاد والميعاد الإلهي، يصير معنى الدين هو العادة. الدين عادة لأن فيه عَوداً ومعاداً.
ثم يدخل محيي الدين في بحث فلسفي عرفاني عميق مفاده أن العادة بمعنى رجوع الشيء إلى حالته الأولى محال؛ لأن التكرار في نظام التكوين محال، وحين تكون العادة بمعنى التكرار محالاً، فهي بالتبع محال في ركن من أركان الوجود يُدعى الجزاء. وهو إذ يبيّن علم الكونيات على أساس الأسماء الإلهية وتجلياتها، يقول: إن لكل اسم من الأسماء الإلهية دولته ويؤدي عمله، ولما لم يكن في الأسماء الإلهية تكرار، فلا تكرار إذن في تجليات الأسماء: "لا تكرار في التجلي". ونتيجة لذلك، لا عَود إذن، فالعادة بمعناها العقلي محال. وبالتالي، فالعادة موجودة من وجه ومعدومة من وجه آخر، وكذلك الجزاء؛ فإذا قلنا إن الجزاء بمعنى الرجوع إلى عين العمل، وأن كل من يعمل مثقال ذرة من خير أو شر يره، فلا يخلو ذلك من المجاز، لأنه لا عينية في الأمر، بل الجزاء حال يأتي في عَقِب حال آخر، بحسب ما يقتضيه الحال الأول (عقوبة).
وهناك نكتتان أخريان: الأولى أنه إذا نظرنا إلى العالم بعين الكثرة، طُرحت مسألة الانقياد والجزاء والعادة كلها، أما إذا لم نغفل عن مشاهدة الوحدة، صارت هذه الثلاثة نسبية لا مطلقة؛ أي إن الجزاء موجود من وجه، ومعدوم من وجه آخر، وهكذا الحال في باب الانقياد والعادة.
كذلك في العرفان والفلسفات المتأثرة بابن عربي (ولا سيما الصدرائية)، المعاد هو قوس الصعود نفسه، وقطعة منه فقط تُسمى، بالاصطلاح الديني، آخرة، تبدأ من عالم القبر وتنتهي إلى الجنة والنار.[28]
أقسام الدين والتدين
الدين التأسيسي أو التشريعي: هو دين ذو مسار تنزيلي، لكنه مألوف لدى الفطرة؛ ولذلك عندما يُذكر في القرآن، غالباً ما يأتي مقترناً بـ«أل» العهد. الدين التأسيسي هو الدين الذي يختاره الله لهداية البشر وإرشادهم وكمالهم وإتمام الحجة عليهم، ويبلغه إياهم بواسطة الأنبياء. غير أن هذا الدين ليس مفروضاً على البشر، لأنه معروف ومعهود لديهم (سواء في المعرفة أو في النزوع)، ولذا يذكره الله معرفة: إنّ الدين عند الله الإسلام (آل عمران 19 وآيات أخرى متعددة). الاسم العام لهذا الدين هو الإسلام، وهو ما طُلب من البشر، وكان موصى به من جميع الأنبياء، كإبراهيم ويعقوب: يا بني لا تموتن إلا وأنتم مسلمون (البقرة 132). ويوسف أيضاً بناءً على وصية يعقوب هذه يطلب من الله: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين (يوسف 101).
يرى ابن عربي أن الإسلام هو المضمون المشترك لجميع الأديان الإلهية، والذي يتمثل في الإيمان بالله واليوم الآخر؛ فالإسلام يعني التوجه الكامل إلى الله والإحسان في القول والعمل.[29] وما يوجب الاختلاف بين الأديان هو اختلاف الشرائع والأحكام: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً (المائدة 48). والتي أُسست بالنظر إلى الأوضاع والأحوال والظروف الزمانية والمكانية.[30] وبناءً على هذا المضمون المشترك، يدين الله ضيق أفق اليهود والنصارى الذين كانوا يرون أنهم وحدهم المستحقون للجنة (البقرة 112). كما يصف القرآن جميع الأنبياء بالإسلام.
الدين الإمضائي: القسم الثاني، هو دين ذو مسار صعودي، أي أنه يُبنى من قبل أولياء الله العارفين وفي إطار الدين التشريعي، لكن الله يمضيه. هذه هي الرهبانية التي، وفقاً لتفسير ابن عربي للآية 27 من سورة الحديد، أيدها الله وأمضاها في المسيحية، وبالتبعية، الطريقة في الدين الخاتم. على خلاف الدين التأسيسي الذي يُعلن من جانب الله إلى الأنبياء وأتباعهم، فإن الدين الإمضائي هو دين ابتدعه واخترعه الخواص وأهل السير والسلوك، ولم يرد بشأنهم أمر خاص من جانب الشارع. كما أن أهل السلوك لا ينسبون تلك القوانين إلى الشارع كأمر خاص، لكنهم لم يُنهوا عنها من قِبله أيضاً. بعبارة أخرى، هذه الأساليب التي يصل إليها العارف بذوقه وتجربته وحكمته وفرقانه الناشئ عن الاستجابة لـ«اتقوا الله»، ويجدها مفيدة في السير والسلوك، يكفي في تأييدها الشرعي كونها ضمن الإطار العام للشرع، ومتوافقة ومنسجمة مع الأهداف الكلية للدين، ولم يرد بشأنها نهي خاص من الشارع، ولا تُعد من البدع المنهي عنها[31]. علاوة على ذلك، يستند ابن عربي إلى أدلة لفظية في إثبات رأيه. ففي نظره أن الآية 27 من سورة الحديد تؤيد هذا الأسلوب وتمضيه.
أما آلية ابتداع هذا الدين، من قبل أهل المعرفة، فتتم على النحو التالي: أنهم يتعلمون الكبريات الكلية من صاحب الشريعة، ثم يقومون، بتجربتهم واختبارهم العملي، بابتكار مصاديق لتلك المفاهيم الكلية الواردة في الشرع. وعليه، فإن الانتباه إلى ثلاث نقاط تحليلية مهم جداً هنا:[32]
1 هذه الابتكارات هي ابتكارات داخل الدين، وتتم بالاستعانة بالكبرى الشرعية، وتكون من مصاديقها وليس مخالفة لها. أي أن الخطوط الرئيسية والكلية قد بينها الله، وبيّن أيضاً إلى حد ما تطبيق تلك الكليات على بعض الجزئيات؛ أما تطبيق تلك الكليات على سلسلة من الجزئيات، التي لا يسهل على الجميع تحملها، وكشف مصاديق أخرى، فقد ابتدعها العارفون الكاملون العارفون بالدين (وليس كل مدعٍ للعرفان، ولا السالك الناقص، ولا حتى الكامل غير الفقيه والعارف بالدين): «ينبغي أخذ علم كل شيء من أهله، فلا ينبغي الرجوع في الفقه إلى صوفي غير فقيه، ولا في التصوف إلى فقيه غير صوفي»[33].
هذه السيرة الخاصة، أو ما يُسمّى بالعرفان التربوي، التي تتزامن وتتوافق مع الحكمة والمعرفة، والتي لم ترد عن صاحب الشريعة بالطريق المعتاد والمتعارف عليه (على غير الطريقة النبوية)، قد اختارها الخواص للسير إلى الله، لذا فهي ليست لازمة ولا مطلوبة لعامة الناس، بل قد تكون سبباً في ضلالهم. (يقول بعض شرّاح ابن عربي إنها وردت في بعض نسخ الفصوص: على الطريقة النبوية، ويتخذون ذلك تأييداً لتفسيرهم لكلام ابن عربي، بأن هذا الدين العرفاني يشتمل على أمور زائدة على التكاليف التي جاء بها الأنبياء، لا أموراً منافية لها.)[34]
2: إن أهل السلوك لا يسيرون في طريقهم الإبداعي هذا باعتباره طريقاً ورد فيه أمر خاص من الشارع، ولا ينسبون هذه المصاديق إلى الشارع، كي تُعدّ من مصاديق البدعة المنهي عنها من الناحية الفقهية. بل إن دعواهم هي أننا جربنا هذا الطريق ووجدناه حسناً ومثمراً في السير إلى الله. فأعمال وقوانين مثل العزلة عن الناس، والخلوة، والأربعينية، والأذكار وخصوصياتها من حيث الكيف والكم، وآداب اللباس والأكل والنوم ومقدارها ووقتها... وغيرها من الرياضات والأعمال التي نرى شذرات منها في كتب السير والسلوك العملي المعروفة، وكذلك ما كان يجري منها في مجالس السير والسلوك بين الشيخ الكامل والمرشدين، والتي لم يتسرب الكثير منها إلى خارج محافلهم؛ هي من هذا القبيل والباب. وبالطبع فإن بعض فرق التصوف كانت لها زيادات من قبيل السماع و...[35] ليست إجماعية ولا محل اتفاق بينهم جميعاً. كما أن بعض العرفاء الذين قبلوها ذكروا لها شروطاً دقيقة[36].
3: لما كانت هذه الإبداعات منسجمة مع الهدف الكلي للدين، وهو التكميل العلمي والعملي للبشر، فإن الله قد أمضاها. وعليه، فإن الأصالة هي للدين التأسيسي، ويجب أن يكون الدين الإمضائي منسجماً معه، وإلا لما كان مورد إمضاء من الله؛ لذا فإذا تعارض حكم من أحكام الدين الإمضائي تعارضاً حقيقياً أو تزاحم مع الأحكام القطعية للدين التأسيسي، فلن يكون مؤيداً ولا ممضى، لا حدوثاً ولا بقاءً، لأنه لا يمكن أن يكون شيء مطابقاً للفطرة فيؤسسه الله، ويمضي شيئاً آخر مخالفاً له. وبالتالي فإن الدين الإمضائي هو أيضاً موافق للدين التأسيسي، وبالتالي موافق وملائم للفطرة.
ويرى ابن عربي أن هذا الدين الخَلقي هو عين الرهبانية في المسيحية، والتي يرى أن الله يؤيدها في سورة الحديد: «وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ».
ويرى ابن عربي، بطرق تفسيرية متعددة، أن هذه الآية تدل على تأييد الرهبانية (وبالتبع، العرفان والتصوف الإسلامي، وربما جميع مسالك السير والسلوك التي نشأت في ظل الأديان السالفة)، وهو ما سنتناوله لاحقاً.
علاوة على الآية التي ينبغي تأويلها بما يتوافق مع مقصود ابن عربي، ثمّة أسئلة كان لا بدّ لابن عربي وأتباعه من الإجابة عنها؛ منها على سبيل المثال: لو سلّمنا بإمضاء الرهبنة المسيحية، حدوثاً أو بقاءً، ودلالة الآية على مراده، فهل هذه الرهبنة خاصّة بالأديان السالفة أم أنّها مؤيَّدة في الإسلام أيضاً (التصوّف والطريقة)؟ وكيف نؤوّل الروايات المنسوبة إلى النبيّ الأكرم في مخالفة الرهبنة ورفضها في الإسلام؟ أليس استبدال بعض الأعمال بالرهبنة في الإسلام هو نوع من تأسيس شعبة جديدة من الرهبنة؟ وهل يمكن بهذا أن نجد محملاً لتبرير كلام أهل العرفان؟ ما نسبة الدين الإمضائي إلى قول النبيّ المعروف: «كلّ ما يقرّبكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار» الذي أوردته؟ ألا تدلّ السيرة العملية لعليّ عليه السلام (الذي تعتبره كثير من فرق التصوّف رأس سلسلتهم) في المأكل والمشرب وسائر الشؤون الشخصية على تأييد هذه السيرة للخواصّ؟ وماذا عن تقسيم مخاطبي أهل البيت إلى عوامّ وخواصّ وخواصّ الخواصّ وإلقاء المعارف الخاصّة إلى الفئة الثالثة؟ هل يمكن تبرير هذه الرياضات الشاقّة بالحديث المعروف: «أفضل الأعمال أحمزها»؟ هل يجوز لأشخاص آخرين، إلى جانب أصحاب الشريعة، أن يشرّعوا؟ هل ترك أصحاب الشريعة شيئاً مهملاً وأوكلوه إلى غيرهم؟ هل يمكن، مع البُعد الزمني عن الشارع وابتناء غالب المباحث الفقهية على أمور ظنّية كخبر الواحد، أو بالاستناد إلى قول بعض كبار الفقهاء القائلين بانسداد باب العلم والعلميّ بالشريعة الحقيقية[37]، أو بالاستناد إلى أصالة الإباحة وعدم وجود نهي صريح في هذه الأمور، أو بالبحث في التسامح في أدلّة السنن،[38] أن نجد تبريراً للإبداعات العرفانية (بل والاجتماعية التي تقوم على العقل كمصدر لا كأداة فحسب) وللظنّ المطلق؟ إلى أيّ حدّ تتمتّع بالصحّة المعرفية دعوى بعض العرفاء الذين يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيستندون إلى الذوق والتجربة، ويعتبرون جميع رياضاتهم وأعمالهم مأثورة عن الشارع، ويستندون إلى الأدلّة اللفظية وسيرة أهل البيت والصحابة؟ والسؤال الأكثر مبدئية هو: إلى أيّ حدّ تصحّ دعواهم القائلة بأنّ التدّين الأصيل، في بُعديه المعرفي والوظيفي، هو تدّينهم هم، وأنّ الآخرين لم يتعلّقوا إلّا بظاهر الدين وقشرته، في حين أنّ الألفاظ الدينية تحتمل المعاني العرفانية العميقة (كما ورد مثلاً في كتب العرفان العمليّ في باب تفسير المفاهيم الدينية؛ نحو منازل السائرين الذي يحلّل كثيراً من هذه المفاهيم في طبقات ثلاث: العوامّ والخواصّ وخواصّ الخواصّ؛ أو القشيري الذي يرى التصوّف إحياءً للإسلام الحقّ)؟ وإذا لم نجد دليلاً لفظياً شرعياً على حجّيته، فهل يمكن تبيينه وتبريره بالعقل وإسناده إلى الشرع من باب «كلّما حكم به الشرع حكم به العقل»؟ ألا يفتح كلام ابن عربي وأتباعه الباب أمام بدع غير مقبولة بل وإباحية في الدين؟ كما نلاحظه في تاريخ بعض فرق التصوّف وعند بعض مدّعي زماننا هذا؟ ما حدود هذا التشريع وشروطه؟ وأسئلة كثيرة أخرى من هذا القبيل... .
آلية حجّية الدين الإمضائي: تقريران للآية 27 من سورة الحديد
1: «وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا»؛ أي جعلنا في قلوب أتباع عيسى الرحمة والرأفة والرهبنة. الرحمة والرأفة هما جاذبية ونزوع لا علاقة له بالآداب والقوانين والسنن، أمّا الرهبنة (بمعناها الأوّلي في العالم المسيحي) فتقترن بسيرة عملية أيضاً، وقد جعلها الله – وفقاً للقرآن – في قلوب أتباع عيسى. بعبارة أخرى، إنّ جذر الرهبنة هو ذلك النزوع الذي نشأ في قلوب المؤمنين بعيسى، والمبدأ الفاعليّ لهذا النزوع هو العناية والجعل الإلهيّان، وهذا النزوع هو عطاء ومنحة إلهية أدّت إلى نشوء ذلك السلوك العمليّ.
2: الطريق الثاني للإثبات: الاستناد إلى جزء آخر من الآية: «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» أي: الرهبنة التي ابتكروها وأبدعوها، الذين راعوا حقّها آتيناهم أجرهم، ولكنّ كثيراً منهم فاسقون لأنّهم لم يراعوا حقّها.
وكما أن الأفراد الملتزمين بأحكام الدين التأسيسي قلة نادرة: قليل من عبادي الشكور...، وآيات كثيرة تذكر تاريخ نبوة الأنبياء السابقين وتشير إلى قلة أتباعهم: فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (الذاريات: 36)؛ فإنه في الدين التأسيسي أيضًا، لم يؤمن بالأنبياء خلق كثير، ومن ذلك العدد القليل من المؤمنين، لم يكن لهم – وما زال – إيمان حقيقي إلا قلة منهم: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله (النساء: 136)، وآيات كثيرة تخطئ معتقدات المؤمنين وأقوالهم: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر (البقرة: 8)...، وآيات متعددة تصف الأكثرية بأنهم فاسقون (الأعراف: 102) جاهلون (الأنعام: 111) غير شاكرين (يونس: 60) غير مؤمنين (البقرة: 100)...؛ فمن بين أتباع الدين الإمضائي أيضًا، التزم عدد قليل جدًا منهم بمسائل هذا الدين الابتكاري؛ ولكن كثيرًا منهم لم يؤدوا حق هذا الدين وانضموا إلى الفاسقين.
مركز ثقل هذا الاستدلال هو إعطاء الأجر وعدمه. فالذين دانوا بالدين والتزموا به، يثني عليهم الله ويمدحهم ويجازيهم، ولو أن غيرهم أظهروا التزامًا بهذا الدين الإبداعي لأثنينا عليهم أيضًا. ثم يوبخ الذين لم يراعوا حق هذا الدين وحدوده.
ومن الواضح أنه لو كان هذا الإبداع بدعة مذمومة وغير مستحسنة، حتى وإن كان منشؤها نية خالصة، فلما كان الحُسن الفعلي مفقودًا، لما أثنى الله عليه أبدًا ولما جوزي أتباعه، بل إن هذا الثناء يدل على تأييد وإمضاء طريقتهم، من حيث الحُسن الفاعلي والحُسن الفعلي معًا. هذا المسلك هو الرهبانية بتعبير القرآن، ويسميه ابن عربي الدين الإمضائي أو الخلقي، وهو يشمل – بتنقيح المناط – العرفان والتصوف الإسلامي، أو ما يسمى بـ الطريقة أيضًا.
يرى ابن عربي أن الرهبانية، وهي دين الخاصة، هي نواميس حكمية، أي شرائع وقوانين اقتضتها الحكمة والمعرفة، فمن أعرض من الرهبان عن الانقياد لها وأداء حقها، عُدَّ في هذا الدين المعتبر والممضى فاسقًا.[39]
يكن محيي الدين، في الأساس، احترامًا كبيرًا للرهبان، لأن الرهبان المسيحيين بنظره هم من سنخ العارفين، الذين يدركون أمرهم؛ وإن كانوا يؤمنون بشريعة منسوخة: «ثبت عندنا أن النبي نهى عن قتل الرهبان الذين اعتزلوا الخلائق وخلوا بربهم، وقال:
والجدير بالذكر أن بعض الشراح قدموا تقريرًا ثالثًا للآية[42] وهو استناد إلى مبحث أدبي مفاده تفسير: حق رعایتها الا ابتغاء رضوان الله،« ما واجب نگردانیدیم بر ایشان و بدین مجاهدات ملتزمه قیام ننمودند، مگر از برای طلب مرضات حق، ومع أنه ليس بواجب إلا أن كل من أوجبه على نفسه نال الأجر»؛ بناءً على كون الاستثناء الوارد في الآية منقطعًا أو متصلًا وهو ما يوجد نظيره في بعض تفاسير القرآن أيضًا ونحن نعرض عن ذكره هنا.
مجال الدين
في غضون المباحث، يتطرق ابن عربي إلى مسألة مجال الدين والتي تختلف بالطبع عما يُطرح اليوم تحت هذا العنوان في مباحث فلسفة الدين. وبالطبع يمكن العثور على جواب هذا السؤال حول ما يتوقعه البشر من الدين، وهو: ما هدف الدين في المقام الأول؟ هل جاء ليجعل بواطننا فردوسية أم ليصنع لنا فردوسًا أرضيًا؟ وبالتأكيد فإن نوع الإجابة عن هذا السؤال ستحدد وجهة نظر كل شخص في فهم الدين.[43]
يتناول محيي الدين، في معرض شرحه لمقتضى الأعيان الثابتة للأنبياء، توضيحًا حول صلاحياتهم ووظائفهم. وهو الذي جرت عادته العرفانية المألوفة على حل المسائل بالأسماء الإلهية والأعيان الثابتة، يتطرق هنا أيضًا، بمناسبة الحديث عن الأعيان الثابتة في تبيين سر القدر، إلى مقتضى الأعيان الثابتة للأنبياء ويقول: إن مقتضى الأعيان الثابتة للأنبياء هو، من جهة، خدمة الفطرة الآدمية وتخليص الأرواح من الأمراض الروحانية (جواب السؤال أعلاه)، ومن جهة أخرى خدمة الدين. بعبارة أخرى، لهم نسبة مع الدين، بحيث هم في خدمة الدين مطلقًا ومطيعون لكل ما يمليه الدين. ولهم نسبة مع المتدينين؛ لكن ليس بحيث يكونون في خدمتهم على نحو مطلق، لأن البشر، بالإضافة إلى فطرتهم الإلهية وقابليتهم للدين، لديهم طبيعة أيضًا، وهذه الطبيعة محفوفة بالشهوات وتثير الغبار على تلك الفطرة. لذلك، إذا أرادوا أن يكونوا خدّامًا مطلقين لمطالب الناس، فلن يستطيعوا أن يكونوا خدّامًا كاملين للدين، لأن الدين يدعو إلى الجنة والشهوات تدعو إلى جهنم: حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ. وكما أن أطباء البدن، هم في خدمة بدن الإنسان وعلاجه من جهة، وفي خدمة مهنة الطب وعلم الطب من جهة أخرى؛ فإن الأنبياء أيضًا هم في خدمة روح الإنسان وفطرته وقد جاءوا لعلاجه. وكما أن خدمة الأطباء للطب مطلقة وهم تحت تصرف علم الطب تمامًا، لكن خدمتهم للمريض نسبية، بمعنى أنه ليس كل ما تقتضيه طبيعة المريض المريضة، يطيعه الطبيب كذلك (مثلًا، من يعاني من نزيف يطلب ماءً كثيرًا بسبب العطش الشديد بينما ذلك يضره) بل يسعى إلى أن يحكم المزاج السليم على المريض حتى تصح تبعًا لذلك مطالب طبيعته أيضًا؛ فإن الأنبياء والمرسلين، الذين هم أطباء الروح (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ... الدين علاج والأنبياء معالجون، والقرآن عرّف الأمراض الروحية وطرق علاجها)، يقومون بإزالة الغبار عن الفطرة الباحثة عن الله، وتصحيح أمزجة البشر، حتى تصلح مطالبهم: لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ... وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ (نهج البلاغة). وورثتهم وخلفاؤهم الحقيقيون، أي الأولياء والعرفاء الحقة، هم كذلك في جميع الأدوار:
حکیمیم و طبیبیم ز بغداد رسیدیم بسی علتیان را که زغم باز خریدیم
طبیبان فصیحیم که شاگرد مسیحیم بسی مرده گرفتیم و در او روح دمیدیم
حکیمان الهیم ز کس مزد نخواهیم که ما پاک روانیم نه طماع و پلیدیم
طبیبان خبیریم که قاروره نگیریم که ما در تن رنجور چو اندیشه دویدیم
يتناغم كلام ابن عربي هذا مع قول الغزالي: «رسالة النبي هي دعوة الناس إلى الحق. لكن لما كان الناس يعيشون في الدنيا ويحتاجون إليها، وجب الالتفات إلى الدنيا بقدر الحاجة». وقد اعتبر الغزالي الفقه الحقيقي ورسالة الفقهاء بعد النبي هي الاضطلاع بتلك الرسالة النبوية ذاتها في معرفة آفات الروح وعلاجها (فقه الآخرة)، وذمّ أولئك الذين هجروا فقه الدين الحقيقي وتشبثوا بفقه الدنيا.[44]
ويتناول الملا صدرا أيضاً، في المفتاح التاسع عشر من مفاتيح الغيب، وخصوصاً في المشهدين الثاني والرابع، شرح شرف علم الآخرة على علم الدنيا.[45]
كذلك، فإن الأنبياء هم على نحو مطلق في خدمة الإرادة التشريعية للحق وتبليغ دينه، ويفعلون كل ما تقتضيه إرادته التشريعية دون اكتراث بردود فعل البشر. فإن اقتضى الأمر أمراً أمروا، وإن اقتضى نهياً نهوا، ولا يأبهون في سبيل إعلان هذه الأمور، المؤسَّسة على المصلحة الكلية الشاملة للإنسان، لرضا الناس أو سخطهم.
وبتعبير أدق، فإن تحليل المسألة يتم عبر رب العالمين وأسمائه: فلله إرادتان: تكوينية وتشريعية، وبناءً على ذلك، فإن لأنبياء الله سمتين: النبوة والولاية. وبالطبع فإن بعض الأنبياء لهم مقام الرسالة أيضاً. فالنبوة والرسالة تتعلقان بالجانب الظاهري من العالم، والولاية تتناسب مع باطن الوجود. (نعرض عن تفصيل هذا الجزء).
وفي ختام هذا القسم، وبناءً على هذا التقسيم ذاته، يشرع في شرح عرفاني وتفسير قرآني لكلام الرسول الأكرم: شيبتني سورة هود، وهو بحث تناوله بشكل أوسع في تفسير هذا الحديث في الفتوحات.[46]
بحث تمهيدي (مدخل إلى الشريعة والطريقة):
من بين الموضوعات المتعددة التي طُرحت في هذا البحث، لا يمكن في مقال واحد تناولها جميعاً بالتفصيل. لذا سنقتصر على موضوع الدين الإمضائي المثير للجدل، والذي كان على مر التاريخ (بصرف النظر عن البحث التاريخي) ذريعةً للنزاع وأحياناً للمقاتلة مع الصوفية وأهل العرفان.
عند بحث دعوى ابن عربي، يبدو أن أفضل السبل هو فحص مستنده، أي الآية 27 من سورة الحديد، التي تناولت مسألة الرهبانية المسيحية. ولهذا الغرض، نلقي أولاً نظرة على تفاسير متعددة، منها التفاسير الأثرية، ثم على آراء بعض شرّاح الفصوص، ومن ثم نعرّج على الانتقادات الموجهة إلى هذا المطلب.
من البديهي أن ذكر فهم جميع المفسرين للآية المذكورة غير ممكن هنا، لذا سنتناول فقط بضعة تفاسير مهمة من الشيعة وأهل السنة. وما يستفاد من غالب التفاسير هو تأييد فهم ابن عربي، على الأقل فيما يخص الرهبانية المسيحية.
مجمع البيان: «... في شأن عدم مراعاة حق الرهبنة رأيان: 1. لم يراعوا ما أوجبوه على أنفسهم من العبادة المبتدعة. 2. لم يؤمنوا برسالة النبي والقرآن... وهذا الرأي للزجاج يؤيده ما روي عن النبي. فقد روى ابن مسعود قال: كنت رديف النبي على دابة فقال: ألا يا عبد الله! هل تدري من أين ابتدع بنو إسرائيل الرهبنة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "استبدَّ بهم جبابرة غلاظ متعصبون، بعد رسالة المسيح، وقد انغمسوا في القبائح والآثام. ومن هول ذلك الحدث فاض صبر المؤمنين، فثاروا على المتسلطين ثلاث مرات؛ لكنهم هُزموا في كل مرة، فلم ينجُ إلا قليل، فقالوا: إن واجهنا هؤلاء الجبابرة مرة أخرى هلكنا جميعاً، ولم يبقَ من يتدين ليدعو الناس إلى الله ورسوله؛ فهلمّوا نتفرق في الأرض حتى يبعث الله النبي الذي بشّر به عيسى. فمن ثمَّ ذهبوا إلى الجبال والصحاري واخترعوا الرهبنة، وهي عبادة مبتدعة؛ غير أن فريقاً منهم لم يراعوا ذلك أيضاً، وانحرفوا عن تلك الطريقة وسلكوا سبيل الكفر والضلال". قال ابن مسعود بعد نقل هذه الرواية: ثم تلا النبي آية "ورهبانية..." وقال: "هل تدري ما رهبنة أمتي؟... الهجرة في سبيل الله والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة".
...ويقول ابن مسعود في موضع آخر (ناقلاً قول النبي في تفسير هذه الآية): "من شهد برسالتي ودعوتي السماوية وتذكّر بشارة عيسى بمجيئي فقد راعى حق الرهبنة، ومن كذّب برسالتي فقد أهلك نفسه"».[47]
تفسير ملاصدرا: وهو على دراية تامة بالمباحث العرفانية، وتدين تعاليمه إلى حد كبير بإنجازات ابن عربي؛[48] يئن في كتبه المتعددة من جهلة الصوفية ويعتبرهم سبباً في انحراف العرفان وسوء الظن به. وهو في تفسيره بعد أن يذكر الأقوال ومعنى الآية وخصوصاً معنى عدم المراعاة (وهو شبيه بما في التفاسير الأخرى، خصوصاً الطبري وفخر الرازي)، يتناول مطلباً يمكن أن يُعدّ وثيقة تاريخية أيضاً: «-الرهبنة الحقة-... كما أن المنسوبين إلى التصوف في هذه الأزمنة والدورة الإسلامية بعضهم ممن رعوا حقه – من تصفية الباطن والتزهد في الدنيا والانقطاع عن أهلها وذويها طلباً لمرضاة الله- وأكثرهم لم يراعوا حقه، بل ضموا إليه السمعة والرياء والتغني والسماع والاشتغال بالملاهي وصحبة الأباطيل والمعطلين عن الفكر والسير في الملكوت وعن ذكر الله إلا بمجرد اللسان عند مجمع الخلائق. فأتينا المؤمنين المراعين منهم لها أجرهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يراعوا ولم يوفوا بها...»[49].
الميزان: «كلمة رهبانية مأخوذة من مادة الرهبة، بمعنى الخشية والخوف، وتُطلق عرفاً على ترك الدنيا، بأن يقطع المرء علاقته بالناس ويكون دافعه إلى ذلك خشية الله. وكلمة الابتداع بمعنى أن يُدخل الإنسان في الدين ما ليس منه، وأن يستنَّ سنةً وعملاً لم يكن في دينٍ من الأديان. وجملة ما كتبناها عليهم، في معنى الجواب عن سؤال تقديري، كأن سائلاً سأل: ما معنى كونهم مبتدعين؟ فأجيب: بأن يُدخلوا في الدين ما لم نكتبه عليهم. ومعنى الآية هو: أن أتباع المسيح ابتدعوا من تلقاء أنفسهم رهبانية لم نكن شرّعناها لهم؛ إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، هذا الاستثناء، اصطلاحاً، استثناء منقطع، ومعناه مع الجملة السابقة هو: أنا لم نفرض تلك الرهبانية عليهم، ولكنهم هم فرضوها على أنفسهم طلباً لرضا الله وتحصيلاً للرضوان، غير أنهم لم يحفظوا تلك الرهبانية التي ابتدعوها كما ينبغي، وتجاوزوا حدودها. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن تلك الرهبانية التي استنّها أصحاب المسيح من عند أنفسهم، وإن لم يشرّعها الله تعالى، إلا أنها كانت موضع رضا الله تعالى. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون؛ هذه الآية إشارة إلى أنهم كأمم الرسل السابقين، بعضهم مؤمنون وهم مأجورون على إيمانهم، وأكثرهم فاسقون والغلبة للفسق...»[50].
ثم ينتقل العلامة إلى بيان قول مجمع البيان.
نموذج:«...وفقاً لهذا التفسير لم تكن الرهبانية في بدايتها جزءاً من شريعة المسيح، ثم ابتدعها أتباعه لاحقاً، لكنها كانت في البداية ضرباً من الزهد ومن البدع الحسنة، ككثير من المراسم والسنن الحسنة الرائجة الآن بين الناس، والتي لا يعتمدها أحد بوصفها تشريعاً وأمراً شرعياً، غير أن هذه السنّة انحرفت فيما بعد... . تعبير القرآن بجملة فما رعوها حق رعايتها، دليل على أنها لو رُوعي حقها لكانت سنّة حسنة...، وخلاصة القول إنه إذا شاعت بين الناس سنّة حسنة تكون أصولها الكلية (كالأمر بالزهد) في الدين الحق، ولم ينسب الناس تلك السنّة بوجه خاص إلى أمر إلهي، بل اعتبروها مصداقاً من مصاديق الأوامر الكلية وأدّوا حقها، فليس ذلك بعمل سيئ، وتبدأ المصيبة حين تقع الإفراطات والتفريطات فتحيلها إلى سنّة سيئة... وإذا كنا نرى الإسلام يحارب هذه الرهبانية بشدة، فذلك بسبب وجهها الأخير. الحديث المعروف لا رهبانية في الإسلام، يُرى في كثير من المصادر الإسلامية. ومن جملة بدعهم القبيحة: تحريم الزواج، والعزلة الاجتماعية، والتنصل من واجبات الإنسان في المجتمع، واختيار الصوامع والأديرة النائية للعبادة والعيش، ثم المفاسد التي نشأت في هذه الأديرة».
وهذا التفسير أيضاً ينقل بعد ذلك رواية تفسير مجمع البيان.[51]
الطبري: هذا التفسير المعتبر لدى أهل السنّة، يبدأ بنقل الاختلافات في معنى عدم رعاية حق الرهبانية؛ ثم يتجه، بناءً على منهجه الحديثي في تفسير القرآن، إلى نقل الأحاديث. وما يبدو للطبري من هذه الأحاديث هو: 1. أنهم ابتدعوا الرهبانية لتحصيل رضا الله. 2. في باب سبب عدم رعاية حقها: بعض الأحاديث تقول ما ورد في مجمع البيان؛ وبعضها يشبه الأدلة التي وردت في تفسير نموذج، وأحاديث تعدد أدلة أخرى. 3. هذه الجماعة غير المراعية هي غير جماعة المبتدعين.[52]
فخر الرازي: لا يحمل هذا التفسير نقطة إضافية على ما ذُكر في التفاسير الأخرى. يذكر فخر الرازي في البداية معنى الرهبانية ويؤكد كثيراً أن البدعة في هذه الآية لا تحمل معنى مذموماً. ثم يأتي بخمسة أوجه تفسيرية في معنى فما رعوها حق رعايتها، التي يراها في شأن الرهبان اللاحقين بعد الجماعة المؤسسة: الميل إلى التثليث والاتحاد، وترك الرهبانية الأولى بالتوجه إلى الدنيا والرياء والاتباع اللساني المحض (قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون)، وترك الواجبات، وعدم الإيمان بالنبي مع إدراكهم له.»[53]
من البديهي أن هذه الادعاءات الروائية، بالإضافة إلى فحص السند والدلالة وتفاسير المفسرين، تستدعي من حيث تاريخ المسيحية وخصوصاً تاريخ العرفان المسيحي، بحثاً مستفيضاً وربما نقداً.[54]
الدين الإمضائي في نظر شرّاح الفصوص:
يُعد فصوص الحكم من أكثر الكتب حظوةً في جذب انتباه المفكرين من مؤيدين ومعارضين، وله شروح كثيرة[55] لا يتسع المقام لنقل جميع آرائها؛ لكن غالب الشرّاح، ومنهم: القونوي، والجندي، وابن تركة، والجامي، والخوارزمي، والكاشاني، والقيصري، والبارسا، وكثير من الشرّاح القدامى والمعاصرين،[56] قد قبلوا كلامه وأضافوا إليه أحياناً تتمات. ونظراً لضيق المجال، اخترنا فقط كلام اثنين من كبارهم، وهو يشمل تقريباً كلام سائر الشرّاح أيضاً:
تاج الدين الخوارزمي:«...الأول، دين اختاره الحق سبحانه وتعالى، والدين الثاني ما يكلّفه ويلزم به أرباب الهداية بنور الحق وأصحاب التفكر في عالم الأمر والخلق أنفسَهم من المشقة من تلقاء أنفسهم بسبب معرفة مقام عبوديتهم...، كما قال تعالى: ورهبانية ابتدعوها...، وهي شرائع اقتضتها الحكمة والمعرفة؛ لا أن رسولاً معلوماً من عند الله قد جاء بها إلى عامة العباد، بل الرهبان بطريقة خاصة معلومة في العرف ابتدعوها واخترعوها. فلما وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة في هذه النواميس الحكمَ الإلهي فيما هو مقصود من وضع الشرع الإلهي، وهو تكميل النفوس من حيث العلم والعمل، اعتبر الحق تعالى مبدعاتهم ومخترعاتهم اعتباره لشرائعه، واعتباره لما فرضه على عامة العباد؛ لأن هذه طريق الخاصة لا العوام.
...ما أوجبناه عليهم، وما قاموا بهذه المجاهدات الملتزمة إلا لطلب مرضاة الحق (معنى الآية)، فعظّم في قلوبهم ما اخترعوه وشرّعوه، ليطلبوا به رضا الحق على غير الطريقة النبوية. كتقليل الطعام، ومنع فضول الكلام، وترك الاستئناس والاختلاط بعامة الناس، واختيار الخلوة وإيثار العزلة، وكثرة الصيام وقلة المنام، والذكر على طريق الدوام؛ لا اختيار ما ينافي الطريقة النبوية، كشرب الحرام وعبادة الأصنام...»[57]
عفيفي في شرح فص عزيري: أما الرهبانية فلا تختص بالمسيحيين، بل إن الإسلام أيضاً قد سار في خط موازٍ لهم هو خط تعاليم الزهاد والصوفيين. يرى الصوفيون أن هذه السنّة كلها مأخوذة من علم باطن ورثوه عن صاحب هذا العلم، أي محمد صلى الله عليه وسلم. ذلك أن لمحمد في نظرهم علمين: علم بظاهر الشرع، وهو ما أوحاه الله إليه، وعلم بباطن الشرع، وهو ميراثه لأولياء المسلمين من بعده. وقد جعل ابن عربي هذه النظرية، التي يشرح فيها ماهية الرسالة والنبوة والولاية، أساساً لدفاعه عن الرهبانية والتصوف، ونظر إلى تعاليم الصوفية على أنها جزء من تعاليم الإسلام، الإسلام بمعناه الأعم مما يفهمه الناس، لا الإسلام الذي يقتصر على قواعد الشرع المنزّل فحسب. نعم، إسلام يحوي هذه القواعد ويتشكل أيضاً من علم باطن الشريعة الذي أشرق بلا واسطة من عالم الغيب على قلب النبي وانكشف له لا من حيث هو نبي، بل من حيث هو وليّ، وسينكشف على الدوام لكل وليّ مسلم من بعده.»[58]
مخالفون لرأي ابن عربي
السيد حيدر الآملي: هو من عرفاء الشيعة الخلّص والمتيّمين بأهل بيت العصمة والطهارة، وقد أثّر هذا التوجه في علمه تأثيراً بالغاً في كثير من الموضوعات.
يستشهد السيد في كتابه البالغ الأهمية «جامع الأسرار ومنبع الأنوار»،[59] مرارًا بموضوع الرهبنة، فيذكر على سبيل المثال في الصفحة 210، النقطة 404، حكاية عن قدوم جماعة من الرهبان إلى المدينة في عهد خلافة أبي بكر، حيث عجز الخليفة عن الإجابة عن سؤالهم العرفاني حول نظرة القرآن لوجه الله، ولكنهم بوساطة سلمان الفارسي يُرشَدون إلى الخليفة الحق، وبعد أن يتلقوا الجواب الدقيق من أمير المؤمنين، يُسلمون: فاسلم الرهبانيون كلهم بذلک علی یده و صاروا موحدین عارفین.
وفي الصفحة 358؛ يعدّ السيد دين موسى مائلًا إلى إكمال الجوانب المادية، ودين عيسى مائلًا إلى الجوانب المعنوية، ولهذا السبب نشأت فيه نزعات عرفانية، مثل الرهبنة. أما في الإسلام، فيعتقد أن الرهبنة قد رُفعت بسبب شموليته وجامعيته: « و قد اورد بعض الفضلاء هذا البحث بعینه فی بعض تصانیفه و هو قوله: لما کان التکمیل الموسوی فی طریق الکمال المطلق النوعی، کان میله الی تکمیل الجزء الاخس من الانسان و هو البدن؛ و لذلک شحنت التوراة ببیان مصالح المعاش. و لما کان عیسی اکمل منه، کان تکمیله للجزء الاشرف منه و هو النفس و لذلک شحن الانجیل ببیان المصالح المعاد. و لما کان محمد ص قد حاز الکمال المطلق النوعی کان تکمیله لجزء ی الانسان معاً. فان غایة المرکب هو اکمال جمیع اجزائه المادیة و الصوریة و هو سلوک الفضیلة، و هذا هو سر رفع الرهبانیة فی دینه.»
يتناول السيد في الصفحة 453 بيان وشرح أنواع وأقسام الوحي والإلهام والكشف. وفي معرض حديثه عن الإلهام العام، يقول إن كل إلهام وكشف وذوق يجب أن يُقاس بالكتاب والسنة (كشف المعصومين). وبالطبع، وعلى خلاف ما سبق، لا يمكن اعتبار هذا الكلام، الذي ورد أيضًا في الفصل السابع من مقدمات شرح القيصري على الفصوص، في تقابل مباشر أو دينًا إمضائيًا.
العلامة الطباطبائي: يتناول في رسالة الولاية، بدايةً، بحث ماهية التكامل الحقيقي وكُنهه (التوحيد)، ثم ينتقل إلى بحث طريق هذا الكمال، ويهاجم بشدة أولئك الذين يقولون إن طريق الكمال أو جزءًا منه لم يُبيَّن في الشريعة، وبالتالي يقولون بطريقة مرضية عند الحق تعالى، على غرار ما قيل في باب الرهبنة:
«...إن الله سبحانه هو الحقيقة النهائية لكل كمال... والكمال الحقيقي لكل ممكن الوجود هو أن يفنى فيه، والكمال الحقيقي للإنسان أيضًا هو أن يصير مطلقًا ويتحرر من جميع القيود ويفنى فيه، بل ليس للإنسان كمال غير هذا: كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام.(الرحمن26-27)، ومعرفة النفس هي أفضل وأقرب طريق للوصول إلى الكمال ولا شك في هذا. ولكن الكلام هو في كيفية وأسلوب السير والحركة في هذا المسار؟ فقد ظنّ البعض أن كيفية السير في هذا الطريق لم تُبيَّن وتُوضَّح في الشرع. حتى أن بعض الكتّاب ادّعوا أن أسلوب السير والسلوك في الإسلام هو كالرهبنة في الدين المسيحي التي ابتدعها النصارى دون نزول حكم إلهي وأحدثوها بدعة، ولكن الله سبحانه تقبّلها منهم، استنادًا إلى الآية 27 من سورة الحديد: « رهبانية ابتدعوها...»؛ وقالوا أيضًا إن طريقة معرفة النفس لم ترد في الشريعة، وإن كانت الشريعة طريقًا إلى الكمال المرضي. هذا خلاصة من أقوالهم. ولهذا السبب نجد عند بعض سالكي هذا المسلك رياضات وسلوكيات مخصوصة لم تُذكر في المصادر الشرعية ولا تُشاهد في سيرة النبي وأهل بيته. وجميع هذه الأساليب مبنية على ذلك الاعتقاد الذي ذكرناه. وهدفهم هو العبور والوصول (إلى الكمال المنشود)، بأي نحو ممكن، مع الحفاظ على ذلك الهدف. وكذلك يشبه هذا، الأساليب التي وصلت إلينا من غير المسلمين، من الحكماء المتألهين وأهل الرياضات منهم.
أما الطريقة الحقّة والصحيحة، التي يلتزمها أهل الحقيقة ويدلّ عليها ظاهر الكتاب والسنة، فهي أنّ الشريعة الإسلامية لا تسمح للسالك إلى الله بأيّ وجه من الوجوه بالتوجّه إلى غير الله، ولا تجيز التمسّك بغير الله سبحانه، إلّا من طريق أمرت الشريعة نفسها بلزومه والعمل به. والحقيقة أنّ الشريعة الإسلامية لم تترك شيئاً ممّا يتعلّق بسعادة الإنسان وشقاوته دون أن تذكره، بل بيّنته وأوضحت كلّ ما يلزم من الأمور الصغيرة والكبيرة والصعبة واليسيرة للسير والسلوك نحو الله تعالى...: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ؛ النحل 89». «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؛ الأحزاب 21»...، علاوةً على آيات القرآن المتعدّدة، وصلتنا روايات مستفيضة بل متواترة عن أهل البيت في هذا الباب، يُستفاد من جميعها أنّ نصيب كلّ أحد من الكمال بقدر متابعته للشرع. وبالطبع كما تعلمون، للكمال درجات متعدّدة... . وخلاصة القول إنّ الشرع المقدّس لم يُهمل أو يُقصّر في بيان كيفية السير والسلوك من طريق النفس ومعرفة النفس ذرّة واحدة.»[60]
ثمّ يشرع العلّامة في شرح وتحليل التقسيم الثلاثي المعروف للعبادة والتدين ويعدّد النتيجة المترتّبة على كلّ واحد منها. بلوغ الكمال المنشود يكون من طريق عبادة الأحرار التي منشؤها العشق والمعرفة: أنا عبد العشق حرّ من كلا الكونين.
الخلاصة:
لا يسعى الكاتب البتّة إلى تبرئة بدع بعض المتصوّفة غير الأسوياء، والآفات التي حلّت بتاريخ هذه الأمّة من ناحية بعض مدّعي العرفان، ولكنّه في سلوكه لطلب الحقيقة، يعتقد حالياً أنّ الاعتماد على معارف وإنجازات العرفان الأصيل يمكنه في الصراع الحداثيّ اليوم بين الحداثة والتقليد (الذي يمثّله الدين أبرز تمثيل) أن يخفّف إلى حدّ كبير من خسائر هذا الصراع ويُبقي الدين خصماً حيّاً نابضاً في ميدان الصراع مع المادّية؛ ومحيي الدين في هذا الطريق سراج وهّاج لا ينبغي الغفلة عنه.
الحكم في باب الشريعة والحقيقة صعب للغاية وواسع النطاق، نشير إليه هنا إشارة يسيرة. مصطلحات الشريعة والطريقة والحقيقة الثلاثة هي من الألفاظ كثيرة الاستعمال في الكتب العرفانية وقد قُدّمت لها تعاريف متعدّدة. أحد تعاريفها البسيطة هو:
الشريعة: تُستعمل الشريعة في المباحث العرفانية بمعنيين: أ: المعنى العام الذي يشمل كلّ ما جاء في الإسلام ويكون مرادفاً للدين؛ ب: المعنى الخاص: يُطلق فقط على التعليمات الفقهية والقيمية للدين أي الأحكام (والأخلاق الدينية). في بحث الشريعة والطريقة والحقيقة، يكون محلّ النزاع هو المعنى الخاص للشريعة، وإن كان المعنى العام يدخل في هذا البحث في بعض المواضع.
الطريقة: المقصود هو مجموعة التعليمات التي يكون العمل بها شرطاً في الوصول إلى الحقّ تعالى والبلوغ إليه، ولا يتيسّر التقرب إلى الله من وجهة نظر العارف بدونها. الفرق بين التعليمات الواردة في الشريعة والدين، والتعليمات المبيّنة في العرفان، هو أنّ تلك التعليمات تُذكر في الشريعة بشكل عام، ولكنّها تُبيّن في العرفان العملي على شكل برنامج تفصيلي، أو تُذكر لها مصاديق لم ترد في الشريعة.
الحقيقة: تُطلق الحقيقة على المعارف والحقائق التي ينالها العارف الواصل عن طريق الشهود والكشف، والتعبير عن تلك الحقائق والمعارف هو العرفان النظري.[61]
معركة الآراء بين فقهاء البحث الفقهي والعرفاء حول هذه الثلاثة، مألوفة لدى الخاص والعام. فمن جهة، يؤجج العرفاء هذا الخلاف المستنزف للفرص بوصفهم الفقهاء وأهل الشرع بأنهم أهل ظاهر (لا يُسأل الشافعي عن أمثال هذه المسائل)، ومن جهة أخرى، تؤججه هذه الطائفة بوصف بعض أهل التصوف والعرفان بأنهم أهل بدعة وإباحية وبلا دين.[62] ويبدو أن كثيرًا من هذه الخلافات ناشئ عن عدم التفاهم اللغوي وسوء الفهم المعنوي لدى كلا الفريقين. علاوة على ذلك، فإن عدم امتلاك أفق فكري واحد في فهم المفاهيم الدينية، وفي منهج التفقه وعلم الدين، والمبادئ المقبولة بشأن نطاق الدين وهدفه وغايته وجوهره وقشوره، وتوقعات البشر من الدين والعكس، وكذلك الأداء التاريخي لكلا الفريقين...، هي من العوامل الأخرى لهذه الخلافات، التي لم توجد في دين الإسلام فحسب، بل وجدت ولا تزال في جميع الأديان، خصوصًا تلك التي تؤدي الشريعة فيها دورًا فاعلًا. والنقطة المهمة الأخرى هي أن كلا الفريقين يستند في إثبات رأيه إلى المصادر الدينية الأصيلة، وليس الأمر بحيث يمكن بسهولة إخراج أحدهما من الميدان بهذا المعيار.
للتعرف إجمالًا على رأي العرفاء بشأن لزوم الشريعة وعدم لزومها والعلاقة بينهما، نورد أولًا قسمًا من شرح اللاهيجي على المنظومة العرفانية «كلشن راز» (الذي هو خلاصة آراء العارفين والباحثين الكبار في العرفان، ومنهم القيصري في رسائله)، ثم نجلس للحكم على آراء محيي الدين. ألف: الأبيات من 346 إلى 367 من كلشن راز تتناول هذه الألفاظ الثلاثة ورأي أهل العرفان في هذا الشأن:
...الشريعة قشر، والحقيقة لباب وبين هذه وتلك تكون الطريقة...
«وجه التطبيق بين كلام الأولياء والعرفاء والعلماء هو أن هذه الطوائف الثلاث التي بلغت مقام الجمع والتوحيد الحقيقي، القسم الأول منها الذي قيل إنه لم يخرج من مرتبة الاستغراق والسكر إلى مقام الصحوة وصار مسلوب العقل؛ باتفاق الجميع، لا تكاليف شرعية ولا عبادات ظاهرة عليهم، وهم طلقاء الحق، «لا يقتدى بهم ولا ينكر عليهم»، هو في شأنهم. وأما الطائفتان الأخريان، المأمورتان بالإرشاد والخارجتان من مرتبة السكر والاستغراق إلى ساحل الصحوة، فالتكاليف الشرعية والعبادات غير ساقطة عنهما... وبإجماع الكل، ينبغي لهما طبعًا رعاية جميع مراسم الشرائع والعبادات: أولًا لكي تصلا بأنفسهما من مرتبة التلون والاحتجاب إلى مقام التمكين؛ وثانيًا لكي تستطيعا هداية المسترشدين وإرشادهم. ومن هذه الجهة، الأوامر والنواهي غير ساقطة عنهما. وإذا كان المبتدئون مكلفين مأمورين من جهة واحدة، فهما مكلفان من جهتين...»[63].
وعليه، فإن مرام تلك الفئة من صوفية السوق المتخلفين عن الشريعة (الذين يقسمهم اللمع إلى ثلاث فئات) وكلامهم القائل: لو ظهرت الحقائق لبطلت الشرائع:
وجدت الله أبصرت الحقيقة خرجت من قيد الشريعة
هو مسلك وكلام غير صواب، وهذا الكلام لمولانا، الذي هو نفسه من أنصار وحدة هذه الثلاثة، ينبغي تفسيره وتأويله وتوجيهه بالنظر إلى سائر كلامه:
حين تصعد فوق سطوح السماء يغدو البحث عن السلم باردًا
إلا لإعانة الغير وتعليمهم يغدو طريق الخير بعد الخير باردًا
والحاصل أن الرأي الغالب لدى الصوفية هو أنه لا تمييز ولا اختلاف بين هذه الثلاثة، وأن الاختلاف والانفصال يعود إلى درجات التدين والمتدينين. كما أن التدين الحقيقي يعود إلى الجمع بين هذه الثلاثة: «إنّ الشريعة والطريقة والحقيقة أسماء صادقة على حقيقة واحدة، هي حقيقة الشرع المحمدي باعتبارات مختلفة ولا فرق بينها إلا باعتبار المقامات». وكما يقول ابن عربي: وما ثم حقيقة تخالف شريعة لأن الشريعة من جملة الحقائق، فهي حقيقة لكم تسمى شريعة، وهي حق كلها، فعين الشريعة عين الحقيقة، والشريعة حق... لكن تخيل من لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة وهيهات لمن تخيلوه، بل الحقيقة عين الشريعة، فإن الشريعة جسم وروح، فجسمها علم الأحكام وروحها الحقيقة... فالشريعة لب العقل والحقيقة لب الشريعة، فهي كالدهن في اللب الذي يحفظه القشر، فاللب يحفظ الدهن، والقشر يحفظ اللب، كذلك العقل يحفظ الشريعة، والشريعة تحفظ الحقيقة فمن ادعى شرعًا بغير عقل لم تصح دعواه... ومن ادعى من غير شريعة فدعواه لا تصح»[64].
ب: الحكم على رأي ابن عربي[65]
1 : ابن عربي عالم من الطراز الأول في الدراسات الإسلامية والعلوم المتصلة بها كالتفسير والحديث والفقه والأصول والفلسفة وعلم الكلام...إلخ.[66] لذلك لا يمكن طرده بعصا الجهل.
2: الشريعة عنده موضع احترام بالغ وواجبة الاتباع، وهي المسار اللازم لبلوغ الحقيقة: الشريعة أدب إلهي، وطريق السعادة والوصول إلى المكاشفات. قوانين الشريعة نُظمت على أساس مصلحة الدنيا والآخرة ولا بد من العمل بها ورفعها محال: لا تقتدِ بالذي زالت شريعته عنه؛ الحقيقة عين الشريعة؛ من ادعى نبوة التشريع بعد محمد (ص) فقد كذب....[67]
وهو كسائر العرفاء البارزين، يعد الفقاهة أو علم الشريعة مقدمة لـعلم الحقيقة (أُحيل القارئ إلى رسالة السُّلَّمي الجليلة في شأن هذين العلمين)[68]؛ وهو مثلهم يقر بأن: «لا تصوف إلا بفقه... لا فقه إلا بالتصوف»[69]. وهو في كلام جامع له، يقسم أهل الدين، بمن فيهم العلماء، إلى ثلاث طوائف: الظاهرية، والباطنية، وأهل الله. ويرى أن الطائفة الأولى تعاني من نقصان في فهم الدين والتدين، ويحكم على الطائفة الثانية بالبطلان كلياً، ويعتبر الفهم الأصيل للدين والتدين الأصيل من نصيب الطائفة الثالثة التي تهتم في فهم الدين بالباطن وفلسفة الأحكام وروح الدين، وتجمع في تدينها بين الظاهر والباطن. ويقول في شأن الباطنية الذين لا يرون ظاهر الدين والشريعة واجبي الاتباع: «هذه الطائفة التي لا تتعامل إلا مع الباطن وتنحي الظاهر جانباً، ضلت وأضلت (يصفهم الهجويري والسهروردي بالملحدين)[70]... الإمام أبو حامد في (المستظهري) كشف عن خطئهم (وأجاز قتل بعضهم)[71]... السعادة كلها مع الذين جمعوا بين الظاهر والباطن، أي أهل الله والصوفية العارفون وهم قلة قليلة...»[72]
وهو في معرض تمييز فهم أهل الله للدين عن فهم علماء الظاهر من رجال الدين (علماء الرسوم)، يضيف إلى عناية أهل الله بفلسفة التشريع وحكمته وروح الدين، وعدم تمسكهم بلا داعٍ بالظواهر والعرضيات الدينية؛ قوله إن أهل الله يأخذون أحكام الشريعة من منابعها الأصلية مباشرة دون وساطة الرواة والنقلة، وهذا مرهون بمجاهداتهم التي يرتقون بها بأنفسهم، لا أنهم ينزلون الدين إلى مستوى أفهامهم: «كثير من أحكام محمد المقررة في الشرع أخذناها عن علماء الرسوم ولم نكن نملك منها شيئاً. ولما أخذنا هذه الأحكام من هذه الطريقة (الحكمة والفرقان العرفاني الذي يعتبره من منابع استنباط الأحكام الشرعية لدى أهل الله)، وجدنا أن ما لدى علماء الرسوم هو عين ما لدينا. وبهذه الطريقة أحكم على صحة الأحاديث النبوية الواردة وسقمها. ولهذا أيد الشارع حكم المجتهد حتى لو أخطأ؛ أما أهل الطريقة فلا يأخذون إلا بما حكم به رسول الله. وهذه وصية من الأفراد وطريقته في تلقي العلوم طريقة الخضر، مع موسى. وهو على شرعنا أيضاً، وإن تعددت طرق الوصول إلى العلم الصحيح»[73].
وعليه، فكما أن لعالم الوجود، ومنه الوجود الإنساني، ظاهراً وباطناً، فكذلك الشريعة في نظره. ثمة خطاب من الله مع الظاهر وخطاب منه مع الباطن، وأهل الله لا يفضلون أياً منهما على الآخر، خلافاً للطائفتين الأخريين.
يورد محيي الدين في سبب قلّة تسامح ذينك الفريقين الآخرين، ولا سيّما علماء الرسوم، تجاه أصحاب العقائد المخالفة لعقائدهم، سببًا عرفانيًّا وسببًا معرفيًّا-نفسيًّا: 1. في فصّ شعيبيّة، الذي يحلّل فيه معنى القلب (الذي أكّد عليه القرآن والعرفان كثيرًا)، يقول إنّ قلوب البشر غالبًا ما لم تتّسع وتنشرح، وإنّ غير العرفاء الكاملين من الناس يعانون من ضيق القلب؛ ولذلك فهم لا يعرفون الله تعالى إلّا باسمٍ خاصّ، وينكرون سائر الأسماء والصفات التي يتجلّى بها عند غيرهم، فيقعون من ثمّ في اللعن والتكفير؛ أمّا أهل الله فبسبب ما حصل لهم من شرح الصدر، يعلمون أنّ "لله الأسماء الحسنى"، وبناءً على هذه المعرفة الواسعة بوجه الله المطلق، لا ينكرون تجلّيه بسائر الأسماء ولا يقعون في اللعن والتكفير. بيد أنّ الآخرين سيدركون هذه الحقيقة في القيامة أيضًا، بفعل التكامل المعرفيّ الموهوب. وهو يعلّل بهذا السبب النزاع بين الأديان والمناقشات بين الجماعات داخل الدين الواحد.
جنگ هفتاد و دو ملت همه را عذر بنه چون ندیدند حقیقت ره افسانه زدند
وجدير بالذكر أنّ العلّامة الطباطبائيّ أيضًا قد فسّر "الهداية" في تفسير الميزان بشرح الصدر.[74]
2: ثَمّة فرق معرفيّ عميق كامن بين أهل الله وغيرهم. فأهل الله غارقون في بحر حيرة تفوق المعرفة، ولا يجرؤون على ادّعاء اليقين:[75]
حیرتی آید ز عشق،آن نطق را زهره نبود که کند او ماجرا
لأنّ الحقيقة نفسها متلوّنة ومتكثّرة؛[76] خلافًا لعلماء الرسوم في كلّ دين (الفقيه، والمتكلّم، والفيلسوف غير العارف – قيد الثلاثة –) الذين يدّعون اليقين بسهولة ويزعمون أنّ الحقيقة قد صارت من نصيبهم، ولذلك يحسبون أنفسهم المدافعين عنها والحافظين لها، لكنّهم لا يعلمون أنّ التجلّيات الإلهيّة في جريان دائم. إنّهم لا يعلمون شيئًا عن التغيّر والتحوّل الدائمين لهذه التجلّيات...
این حقیقت دان،نه حقّاند اینهمه نی به کلّی گمرهاناند این رمه
آنکه گوید جمله حقند، احمقیست و آنکه گوید جمله باطل، او شقیست
لكنّ ابن عربيّ، مع ذلك، يعتبرهم معذورين ومأجورين من جهة، بل ويشكرهم ويقدّرهم شأنه شأن سائر العرفاء المتديّنين، وذلك لمنعهم شيوع طريقة العرفان الخاصّة بالخواصّ بين العوامّ، الذين قد يتسبّبون بسوء فهمهم أو عدم فهمهم لهذه التعاليم العميقة (التوكّل، والرضا، والتسليم، والفناء، والقضاء والقدر...) في ضلال أنفسهم، ومن ثمّ في تخلّف المجتمع (كالجبر والتقديريّة المتكلّفة والكسل الفرديّ والاجتماعيّ الناشئ عنه)، وفي انحراف تعاليم العرفان اللطيفة والإساءة إلى سمعتها؛ بل إنّه يخطّئ العرفاء الذين يفشون هذه الأسرار لدى العامّة ويعتبرهم مستوجبين للعقاب: «فالذي يقيم عليه الحدّ مأجور وهو في نفسه غير مأثوم كالحلّاج ومن جرى مجراه»[77].
3:ولكن، ما هي الشريعة؟
أ: الشريـــــــعة هي السنّة الظاهرة التي جاءت بها الرسل عن أمر الله، ومن ثمّ تكون وظيفة المجتهد أن يستنبط هذه الأحكام بالأدلّة المعتبرة (لا مثل القياس). وهنا يقول: «ليس عندي شيء إلّا من السجّادة».[78] ولكن كما مرّ، للشريعة باطن، كما أنّ للإنسان باطن. فالشريعة المحضة التي لا لبّ لها والظاهريّة الخالية من الروح والآليّة (وهي نتاج نوع من علم الدين) تنافي هدف التديّن وروحه: السعادة كلّ السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن.[79]
ب: للشريعة، علاوة على ما مرّ، قسم آخر: والسنن التي ابتُدعت على طريقة القربة إلى الله كقوله تعالى: ورهبانيّة ابتدعوها. وقال رسول الله: من سنّ سنّة حسنة...؛ فأجاز لنا ابتداع ما هو حسن، وجعل فيها الأجر لمن ابتدعها ولمن عمل بها.[80]
هذا الجزء من كلام ابن عربي، يتقارب كثيرًا ويُمكن توجيهه مع ما ذهب إليه كاتب تفسير الأمثل المحترم، وهو من الفقهاء المكرّمين. كما أن السرّاج في اللمع يسمّيه بدعة حسنة.[81]
4.ما يبدو بالغ الأهمية هو أن هذا الابتداع: أولاً: ليس شأن كل مدّعٍ للعرفان: فليس كل من أضاء وجهه يعرف العشق؛ بل هو فن العرفاء الكاملين الذين بلغوا، في ظل آداب الشريعة التأسيسية، مقام الفرقان والحكمة الإلهية، وهم من جانب آخر علماء في العلوم الدينية وفقهاء.
ثانيًا:يؤكد ابن عربي وأتباعه أن هذا الابتداع يقع في طول الدين التأسيسي (لا في عرضه ولا قسيمًا له) وهو موافق لأهدافه وروحه الكلية. لذلك، وبالإضافة إلى الشرط المذكور، ينبغي للمُبدِع أن يكون على معرفة تامة بالدين التأسيسي وأهدافه وروحه. بعبارة أخرى، أن يكون فقيهًا كامل الأهلية – بالمعنى العام للفقاهة، أي إسلاميًا كاملاً – وليس مجرد عارف باستنباط الأحكام الفرعية للدين. (يُرجى التدقيق)
ثالثًا: إن عدم وجود نهي صريح من الشارع بشأن هذه الإبداعات، كافٍ لمشروعيتها (أصالة الإباحة).
5.بطبيعة الحال، وكما قال اللاهيجي، فإن غالب العرفاء يقولون بعدم توجّه خطاب التكاليف الشرعية (لا سقوط التكليف) على العارف الذي يكون في حال سُكر وغيبوبة عن الذات، أو في حال وعي بالذات غير إرادي. لذلك، في هذه الحالة النادرة (التي هي بنظر ابن عربي حال السالكين المتوسطين، أما الكمّل فقد بلغوا البقاء بعد الفناء والصحو بعد المحو؛ لذا لا يسقط عنهم أي تكليف، بل يُرفع عنهم تكلّف الطاعة والعبادة وكلفتها)[82]، إذا صدر شطح، فرغم أنه ناشئ عن نقص في السلوك وبقاء للأنا،[83] فلا حرج فيه. لأن العقل والوعي من شروط التكليف، وعن فاقد الوعي (سواء كان سكرانًا من السُكْريات أو مستغرقًا في الفناء الإلهي) رُفع القلم:
ليس للسكران والمخدَّر طلاق ولا بيع هو كالطفل، معفوّ عنه ومعتوق
بطبيعة الحال، حتى في وصف هذه الحال، يقول الهجويري: «إن الله يكلّف العبد بأداء أعماله في حال الفناء، ليقوم بحكم الوعد؛ بأني لن أنسخ شريعة محمد أبدًا»[84].
ثمة توجيه آخر، وهو تقسيم العرفاء إلى محفوظ وغير محفوظ، وتفصيله يحتاج إلى مجال آخر.
الكلمة الأخيرة هي أنه يجدر بالتفقه المتداول أيضًا أن يُولى اهتمامًا بروح الشارع وأهدافه وحكمة تشريعه وعلله (فقه المقاصد) (مما يستلزم بالطبع إعطاء وزن أكبر للمكتسبات المستقلة للعقل البشري)؛ كي لا يعجز الدين عن مسايرة الزمن، فتزدهر وتترسخ أخبارية جديدة. لا ينبغي حفظ الدين ودراسته كمجرد تراث تاريخي، منفصلاً عن الإنسان المرتبط بزمانه؛ بل ينبغي، مع الحفاظ على جوهره، استخراج إجابات عن "ما ينبغي فعله لإنسان اليوم" منه. إن خدمة الدين وعالميته هي التزام بغاياته وأهدافه وأهداف أصحابه، لا التعنت والتصلب عند بعض الأقوال والأفعال الخاصة التي صدرت بناءً على مصلحة ومقطع زماني ومكاني معين؛ وهذا الإهمال للزمان والمكان في التفقه وعالمية أحكام الله، هو عين إغفال هدف الشارع وغايته من إنزال الدين للبشر. أختم كلامي بهذه الكلمة المسيحانية للمسيح (ع): «السَّبْتُ جُعِلَ لِلإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لِلسَّبْتِ»[85].
.
.
آقانوری، علی، عارفان مسلمان و شریعت اسلامی. قم، نشر مرکز ادیان، 1387 .
آملی، سید حیدر، جامع الاسرار و منبع الانوار، با مقدمه هانری کربن و عثمان یحیی. تهران: شرکت انشارات علمی و فرهنگی، 1368 .
ابن ترکه، صائن الدین، شرح فصوصالحکم. قم: بیدار، 1378 .
ابن عربی، ترجمان الاشواق، مترجم و شارح رینولد نیکلسون، ترجمه فارسی گل بابا سعیدی. تهران: روزنه، 1377 .
ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكية. القاهرة 1405 (4 مجلدات).
أبو زيد، نصر حامد، هكذا تكلم ابن عربي، ترجمة إحسان خلخالي. طهران: نيلوفر، 1385.
أستين، رالف، خلاصة فصوص الحكم، ترجمة حسين مريدي. قم: طه، 1384.
الإمام الخميني، روح الله، تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس. قم: باسدار إسلام، 1406هـ.
الإمام الخميني، روح الله، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية. مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني، 1372.
إيزوتسو، توشيهيكو، الصوفية والطاوية، ترجمة محمد جواد كوهري. طهران: روزنة، 1378.
بديعي، محمد، محيي العرفان. طهران: بازينة، 1384.
البقاعي، برهان الدين، تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي. القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 1957م.
بارسا، خواجه محمد، شرح فصوص الحكم، تصحيح جليل مسكرنژاد. طهران: مركز النشر الجامعي، 1366.
بيترسون، مايكل، العقل والاعتقاد الديني، ترجمة نراقي وسلطاني. طهران: طرح نو، 1376.
الجامي، عبد الرحمن، شرح فصوص الحكم، تصحيح إبراهيم الكيالي. بيروت، 1425.
الجامي، عبد الرحمن، نفحات الأنس من حضرات القدس، تصحيح مهدي حيدري. طهران: أعلمي، 1375.
الجامي، عبد الرحمن، نقد النصوص في شرح نقش الفصوص، تصحيح ويليام تشيتيك. طهران: مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، 1370.
الجندي، مؤيد الدين، شرح فصوص الحكم، تصحيح جلال الدين آشتياني. منشورات جامعة مشهد، 1361.
الجوادي الآملي، عبد الله، نداء التوحيد، شرح رسالة الإمام إلى غورباتشوف. مؤسسة التنظيم والنشر، 1370.
جهانغيري، محسن، مجموعة مقالات. طهران: حكمت، 1383.
تشيتيك، ويليام، عوالم الخيال، ابن عربي ومسألة التعددية الدينية. ترجمة محمود يوسف ثاني. طهران: پژوهشكده الإمام الخميني، 1383.
خرد جاويدان، مجموعة مقالات ندوة نقد الحداثة من منظور التقليديين المعاصرين. طهران: جامعة طهران، 1383.
الخوارزمي، تاج الدين، شرح فصوص الحكم، باهتمام نجيب مايل هروي. طهران: مولى، 1368.
داود القيصري، شرح فصوص الحكم، تحقيق آية الله حسن زاده آملي. قم، بوستان كتاب، 1382.
دباغ، سروش، الدين في المرآة، مراجعة لآراء عبد الكريم سروش في علم الدين، طهران: صراط، 1384.
زماني، كريم، مرآة العشق. طهران: ني، 1382.
السراج الطوسي، عبد الله بن علي، اللمع في التصوف. القاهرة: دار الكتاب، 1960م.
سروش، عبد الكريم، قصة أرباب المعرفة. طهران: صراط، 1373.
السهروردي، شهاب الدين، عوارف المعارف، باهتمام قاسم أنصاري. طهران: المنشورات العلمية الثقافية، 1374.
الشعراني، عبد الوهاب، اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي، 1378هـ.
الشيرازي، صدر المتألهين، مفاتيح الغيب. ترجمة محمد خواجوي. طهران: منشورات مولى، 1384.
صدر المتألهين، تفسير القرآن الكريم. قم: بيدار، 1366.
الطباطبائي، محمد حسين، ترجمة تفسير الميزان، ترجمة الموسوي الهمداني. قم: دفتر المنشورات الإسلامية، 1384.
الطباطبائي، محمد حسين، رسالة الولاية، ترجمة صادق حسن زاده. قم: بخشايش، 1382.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، ترجمة مجموعة مترجمين، مؤسسة الطباعة والنشر لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1380.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن. بيروت: دار المعرفة، 1409.
عفيفي، أبو العلاء، شرح فصوص الحكم، ترجمة نصر الله حكمت. طهران: إلهام، 1380.
فناري، محمد بن حمزة، مصباح الأنس، تقديم وتصحيح محمد خواجوي. طهران: مولی، 1374.
القاشاني، عبد الرزاق، شرح فصوص الحكم. قم: بيدار، 1370.
قونوي، صدر الدين، كتاب الفكوك، ترجمة محمد خواجوي. طهران: مولی، 1371.
كاشاني، عز الدين، مصباح الهداية ومفتاح الكرامة، تصحيح جلال الدين همائي. طهران: هما، 1367.
كاكائي، قاسم، وحدة الوجود برواية ابن عربي ومايستر إيكهارت. طهران: منشورات هرمس، 1381.
كبری، نجم الدين، فواتح الجمال وفواتح الجلال، تصحيح يوسف زيدان. القاهرة: دار المصرية، 1378ق.
.
.
كسنزاني حسيني، محمد، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان. بيروت: دار المحبة 1426ق.
الكلاباذي، محمد بن إسحاق، التعرف لمذهب التصوف، تعليق أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413ق.
غوهرين، صادق، شرح اصطلاحات التصوف. طهران: زوّار، 1376.
لاهيجي، شمس الدين، مفاتيح الإعجاز في شرح غلشن راز. طهران: زوّار 1371.
محمد الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب. بيروت: دار الفكر، 1405.
محمد غزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، ترجمة مؤيد الدين محمد خوارزمي. طهران: منشورات علمي فرهنكي، 1377.
محمد غزالي، أبو حامد، كيمياء السعادة، بجهود حسين خديوجم، طهران: منشورات علمي فرهنكي، 1374.
محمود الغراب، محمود، الفقه عند الشيخ الأكبر ابن عربي. دمشق: مطبعة نضر، 1414.
محمود الغراب، محمود، شرح رسالة روح القدس في محاسبة النفس من كلام الشيخ الأكبر ابن عربي. دمشق: مطبعة نضر، 1416.
محمود الغراب، محمود، شرح فصوص الحكم. دمشق: مطبعة نضر، 1416.
مطهري، مرتضی. آشنایی با علوم اسلامی. قم: جامعة المدرسين، 1362.
مطهري، مرتضی، الإنسان الكامل. طهران: صدرا 1362.
مفتاح، عبد الباقي، المفاتیح الوجودیة والقرآنیة لكتاب فصوص الحكم. بیروت: دار البراق، 1425.
مكارم شيرازي، ناصر، تفسير الأمثل. قم: دار الكتب الإسلامية، 1353-1356.
ملكيان، مصطفى. التقليدية، الحداثة، ما بعد الحداثة، دروس الأستاذ ملكيان، جامعة شريف الصناعية، 1378.
نسفي، عز الدين، الإنسان الكامل، مع تقديم هنري كوربان وماريجان موله. طهران: جمعية إيران شناسي فرانسه، 1377.
ولائي، عيسى، فرهنگ تشریحی اصطلاحات اصول. طهران: ني، 1386.
إلهامي، داود، داوریهای متضاد دربارهی ابن عربي. قم: مكتب إسلام، 1379.
هانس كونغ، نشانة راه، ترجمة حسن قنبري. قم، منشورات جامعة الأديان، 1387.
هجويري، علي بن عثمان، كشف المحجوب، تقديم قاسم أنصاري. طهران: طهوري، 1358.
يحيى، عثمان، مؤلفات ابن عربي، ترجمة عن الفرنسية أحمد محمد الطيب. القاهرة، دار الصابوني، 1413.
يزدان بناه، يد الله. جزوه درسي عرفان نظري. موجود در كتابخانه جامعة الأديان.
يوسف خطار، محمد، الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية. دمشق 1423.
.
.
[1] .المصطلحات الثلاثة: الشريعة والطريقة والحقيقة، مأخوذة من كلام النبي: الشريعة أقوالي والطريقة أفعالي والحقيقة أحوالي؛ انظر مجموعة هذه الأحاديث وموقف كبار المتصوفة منها في: موسوعة الكسنزان، ج12 ص61-91.
[2] .ثمة مؤلفات كثيرة جدًا للمعارضين والمؤيدين في هذا الشأن، انظر على سبيل المثال: تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، ص1-16 و66؛ محيي العرفان، الفصول 6 و7 و8؛ (من وجهة نظر المعارضين:) أحكام متضاربة حول ابن عربي؛ و...؛ ينقل جامي في نفحات الأنس (تحقيق مهدي توحيدي بور) ص558-559، القول بكفره ويحمله على سوء فهم أفكاره.
[3] . ترجمان الأشواق، ص29 وص41-45.
[4] . الإنسان الكامل ص20-21، المدخل إلى العلوم الإسلامية: العرفان، ص217-218؛
[5] . نداء التوحيد، ص77-87
[6] شرح فصوص الجندي، ص سبع وأربعون.
[7] حول حياته ومذهبه، انظر: ترجمة الفتوحات المكية لابن عربي الباب 1-4، ج1، محمد خواجوي، مقدمة المترجم؛ حياة ابن عربي ومذهبه، آسين بلاثيوس؛ وأثر سيد حسين نصر:
Three Muslim Sages:Cambridge:Mass:1964:Pr 84-121
[8] يرى جامي أنه آخر مؤلفات ابن عربي وأكثرها نضجًا وإثارة للجدل، وينقل عن الخواجه أبي نصر بارسا قوله: "الفصوص هي الروح، والفتوحات هي القلب"؛ شرح الجندي، ص28، نقلاً عن: نفحات الأنس، ص548.
[9] هكذا تكلم ابن عربي، ص97
[10] حول مؤلفات ابن عربي، راجع: ترجمة الفتوحات، المصدر نفسه؛ مؤلفات ابن عربي، تواريخها وتصنيفاتها، عثمان يحيى، ترجمة عن الفرنسية الدكتور: أحمد محمد الطيب، يعدّ 856 أثرًا لابن عربي
[11] فلسفة الدين، ص15-20؛ العقل والاعتقاد الديني، ص18-23
[12] هكذا تكلم ابن عربي ص25-26؛ راجع: الوحدة المتعالية للأديان، مصطلح من شوان في كتاب:
The Transcendent Unity of Religions:U.S.A. A Quest Book 1994
[13] ترجمان الأشواق، ص57. حول رأي ابن عربي في مسألة التعددية الدينية، انظر: عوالم الخيال، ص159-185 (مع أن الكتاب كله علمي وجدير بالقراءة)؛ الحلاج يقول أيضًا: تأملت في الأديان مليًا باحثًا متحققًا، فوجدتها أصلًا واحدًا ذا شعب كثيرة:
تفكّرت في الأديان جدّ تحقق فألفيتها أصلًا شعبًا جمّا؛ العقل الخالد، ص91.
[14] انظر: الصوفية والطاوية، ص21 و78 و95؛ بالإضافة إلى الصفحات المذكورة، تجد أمثلة كثيرة لهذه الطريقة في هذا الكتاب.
[15] هكذا تكلم ابن عربي ص254-264 و296-317
[16] شرح فصوص القيصري، ج1 ص638
[17] المصدر نفسه، ص637، تعليقة المحقق.
[18] ذُكرت لهذين أسماء متعددة: عقلي وشرعي في فكوك القونوي ص57-63؛ حقي وخلقي في: خلاصة فصوص الحكم، رالف أوستن، ص140-142.
[19] اختلق البعض لهذه التقسيمات الثنائية عند ابن عربي أدلة قرآنية: المفاتیح الوجودیة لکتاب فصوص الحکم، عبد الباقي مفتاح، ص157-159.
[20] شرح فصوص الجندي، ص392؛ نقد النصوص، جامي، ص172
[21] هكذا تكلم ابن عربي، ص158
[22] شرح القيصري، ص641-643؛ انظر أيضاً:
التقليدية، الحداثة، ما بعد الحداثة؛ دروس الأستاذ ملكيان، الجلسات 13-20 .
[23] المصدر نفسه، ج2، فص شعيب، ص793-840، يعتبر ابن عربي هناك أن معرفة الله عند الفلاسفة والمتكلمين هي نتاج نسجهم الذهني، ويرى أن المعرفة الأصيلة بالله، تبعاً للقرآن، هي لأصحاب القلوب وتابعيهم. انظر أدلة العرفاء في هذا الباب في: مصباح الأنس، الفصل الثالث، ص9-32.
[24] انظر: مقالة آية الله جوادي آملي، مجلة ميراث جاويدان، السنة الثانية، العدد الثاني، ص96.
[25] في العرفان، الوجود مختص بالله تعالى، ولذلك يُقال للعالم "كائن" لا "موجود"؛ انظر: ذيل مصطلحي الوجود والكون في: اصطلاحات الصوفية، عبد الرزاق القاشاني؛ فرهنگ اصطلاحات عرفاني ابن عربي، غل بابا سعيدي.
[26] حول هذا الموضوع، انظر الشروح المفصلة في: وحدة الوجود برواية ابن عربي ومايستر إيكهارت، ص243-266.
[27] شرح القيصري، المصدر نفسه، ص642-648.
[28] المصدر نفسه، ص652-654؛ دروس فصوص الحكم، آية الله جوادي آملي، الأعداد 355-360.
[29] الفتوحات، ج1، ص362؛ هكذا تكلم ابن عربي، ص217-265؛ انظر أدلة ابن عربي الثمانية في سبب اختلاف الشرائع في: المصدر نفسه، ص288-289.
[30] العالم والمصلح الهندي الكبير ذو النزعة القرآنية، شاه ولي الله الدهلوي (1703-1762)، يذهب في كتابه البالغ الأهمية "حجة الله البالغة" إلى أن بعضاً من الناس يُبعثون ليُخرجوا البشر من الظلمات إلى النور. هذه هي غاية الغايات لجميع الأديان. حتى يمكن القول بهذا الاعتبار إن جميع الأديان هي في الحقيقة دين واحد. وطبعاً، شرط الدخول في النور هو طاعة الأوامر والنواهي الإلهية، وفي هذا المقام تتحقق الشريعة. ولكن على الرغم من وحدة الأديان، فإن الشرائع مختلفة؛ لأن اختلاف الشرائع ناشئ من جهة عن اختلاف مصالح المكلفين وأحوالهم وعاداتهم، ومن جهة أخرى نابع من اختلاف رسوم الزمان وتقاليده وعلومه. انظر ترجمة هذا الجزء من الكتاب في: كيان، السنة التاسعة، العدد 46، ص46-53.
[31] يسمي بعض المعاصرين، كالأستاذ يزدان بناه في دروسه العرفانية، هذا الأمر بالعرفان التربوي.
[32] شرح القيصري، ص643-646؛
[33] المناوي، طبقات الصوفية، ج4، ص45-55.
[34] شرح القيصري، المصدر نفسه؛ و: شرح فصوص تاج الدين الخوارزمي، ص319.
[35] ميناگر عشق، كريم زماني، الموسيقى والسماع من منظور مولانا، ص566-573؛ عارفان مسلمان وشريعت اسلامي، الفصل الخامس.
[36] انظر: شريعت اسلام وعارفان مسلمان، آقانوري، بتحرير محتوايي نگارنده، الفصل المتعلق بالسماع.
[37] انظر: كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ج2، ص114؛ فرائد الأصول، الشيخ الأنصاري، ص111؛ أنوار الهداية، الإمام الخميني، ج1، ص345؛ نهاية الأصول، آية الله المنتظري، ص545 وغيرها.
[38] فرهنگ تشريحي أصول، عيسى ولايي، ص72، 235، 211؛ عوائد الأيام، النراقي، ص269.
[39] شرح القيصري، نفسه، ص643-646. يرى الإمام الخميني أن النواميس الحكمية هي الشرع نفسه الذي ينقسم إلى خمسة أقسام: الحياة، والعقل، والمال، والعِرض، والشريعة (المعبودية والمعروفية). ثم يعدد لكل منها تعريفاً ووظيفة. راجع: تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس، ص142-145.
[40] الفتوحات، ج1، ص251.
[41] الفتوحات، ج1، ص180؛ هكذا تكلم ابن عربي، ص267-270؛ پژوهشنامه متين، العدد 22، ربيع 1383، ص187-188. بالطبع يدعي أتباع كل دين مثل هذا الادعاء الكمالي: نشانه راه، ص146.
[42] شرح الخوارزمي، ص319-320، شرح ابن تركة، ص405-406؛ وغيرها.
[43] للتعرف على هذا البحث راجع: راهي به رهايي، ص279-312؛ آيين در آيينه، ص60-117؛ وكتاب: انتظار بشر از دين، لمحمد أمين أحمدي، پژوهشگاه فرهنگ و علوم اسلامي قم، بأكمله وهو كتاب عالِم.
[44] إحياء علوم الدين، كتاب المراقبة والمحاسبة، ص401؛ وشرحه في: قصه أرباب معرفت، لعبد الكريم سروش، ص1-133.
[45] مفاتيح الغيب، ترجمة محمد خواجوي، ص797-806.
[46] شرح القيصري، نفسه، ص655-663؛ الفتوحات، ج4، ص182.
[47] . ترجمة مجمع البيان، ج14، ص548 إلى 552.
[48] أثر مناسب في هذا الباب: تأثيرات ابن عربي بر حكمت متعاليه، للدكتورة فرشته ندری، بنياد حكمت اسلامي صدرا.
[49] تفسير القرآن، ج6، ص295 وما بعدها.
[50] ج19، ص300-307 .
[51] ج23، ص378 وما بعدها؛ آية الله مكارم الشيرازي.
[52] جامع البيان في تفسير القرآن، ج11، ص138 إلى 140.
[53] التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، ج15، ص245-247.
[54] أثران تمهيديان في هذا المجال:
1.The Christian Mystery From Pagan Myth to Christian Mysticism: Louis Bouyer:Translated by Illtyd Trethowan:T&T Clark Internhtional 1990
2.Christian Mystics,Their Lives and Legacies throughout the Ages:Ursula King:Routledge 2004.
[55] عثمان يحيى: «عدد هذه الشروح والتعليقات في الوقت الحاضر يزيد على المئة، وعدد الكتب التي كتبت في ردها ونقدها وكذلك الرسائل التي كتبت دفاعاً عن متن الكتاب ومؤلفه لا يقل عن هذا المقدار»؛ راجع: مقدمته على: المقدمات من كتاب نص النصوص في شرح فصوص الحكم.
[56] عناوين الكتب حسب ترتيب أسمائها: كتاب الفكوك للقونوي ص57-63؛ شرح مؤيد الدين الجندي ص392-401؛ شرح ابن تركة ص400-418؛ شرح فصوص الجامي، ص208-221؛ نقد النصوص للجامي، ص171-176؛ شرح الكاشاني ص124-133؛ شرح خواجه محمد بارسا، ص199-211؛ تعليقات الإمام الخميني ص142-145؛ هداية الأمم، غلام حسين رضانژاد، ج1، ص428-464؛ شرح فصوص محمود الغراب، ص121-127؛ وغيرها.
[57] شرح الخوارزمي ص310-314.
[58] شرح أبو العلاء عفيفي، ص277.
[59] البيانات الببليوغرافية، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، مع مقدمة هنري كوربان وعثمان يحيى، منشورات علمي فرهنكي.
[60] رسالة الولاية، ترجمة صادق حسن زاده، ص77-81.
[61] مقتبس من: العرفان النظري، دروس الأستاذ يزدان بناه، الجلسة العشرون فما بعد، موجود في مكتبة مركز الأديان.
[62] عمل مناسب في هذا المجال: العارفون المسلمون والشريعة الإسلامية، علي آقانوري، بتحرير الكاتب.
[63] مفاتيح الإعجاز في شرح كلشن راز، ص246-255.
[64] شرح رسالة روح القدس في محاسبة النفس من كلام الشيخ الأكبر، ص13-15؛ الفتوحات المكية ج1 ص347، ج2 ص133، 364، 366، 383، 562، 563، ج3 ص151، وج4 ص419؛ ويقول السيد حيدر أيضاً: إن الشريعة والطريقة والحقيقة أسماء صادقة على حقيقة واحدة وهي حقيقة الشرع المحمدي باعتبارات مختلفة ولا فرق بينها لا باعتبارات المقامات...: جامع الأسرار ص456 إلى 459.
[65] للا طلاع على رأي سائر كبار العرفاء في هذا الشأن، انظر في: شرح اصطلاحات التصوف، سيد صادق كوهرين، ذيل ألفاظ الشريعة والطريقة والحقيقة؛ العارفون المسلمون والشريعة الإسلامية، الفصل الرابع. كنت قد أعددت رسماً بيانياً لهذه الآراء، لكني صرفت النظر عن إدراجه تجنباً للإطالة.
[66] مقدمة ترجمان الأشواق، ص10.
[67] للاطلاع على تفصيل المباحث الفقهية وأقوال ابن عربي في باب الفقه، انظر في: الفقه عند الشيخ الأكبر، خصوصاً ص14-47.
[68] منشور في: مجلة معارف، الدورة الرابعة عشرة، العدد3، آذر-اسفند 1376.
[69] كلام لأحمد زروق في الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية، حطار محمد، ص85؛ وانظر أيضاً: ترجمة اللمع في التصوف ص142؛ الإنسان الكامل، النسفي، ص439-463؛ التعرف لمذهب التصوف، الكلاباذي، ص97.
[70] كشف المحجوب، ص7-9 و498-499؛ وأيضاً: عوارف المعارف ص31؛ نفحات الأنس، ص57-80.
[71] كيمياء السعادة، ج2، ص307-309؛ ج1، ص462.
[72] الفتوحات، ج1، ص372-373؛ هكذا تكلم ابن عربي، ص274-275.
[73] الفتوحات، ج1 ص251؛ ج2، ص180 و188؛ هكذا تكلم ابن عربي ص271 و281-282.
[74] ترجمة تفسير الميزان، ج1، ص56.
[75] هكذا تكلم ابن عربي، ص272؛ هذه الحيرة العرفانية تختلف عن الشكوكية المعرفية الحديثة - خصوصاً ما بعد الحداثية منها - الناشئة عن الجهل بالحقيقة والتي ترى اليقين أمراً نادر المنال: أخلاق الآلهة، عبد الكريم سروش، ص8.
[76] مأخوذ من: شرح فصوص القيصري، ج2، ص808، 813، 830.
[77] الفتوحات، ج2، ص370؛ مقالات الدكتور جهانكيري ص275؛ ويعدد مولانا أيضاً سببين رئيسيين لكتمان العارفين أسرارهم: أحدهما سوء فهم المخاطبين غير المؤهلين، والآخر قصور اللغة الوضعية البشرية عن نقل الحقيقة: الدفتر الأول من المثنوي، الأبيات: 690-693 و1760-1762؛ الدفتر الخامس: 3241-3243. يقدم ويليام جيمس، في كتابه الشهير: The Varieties of Religious Experience (أصناف الأحوال الدينية)، بحثاً مستوفى في التعصب الديني من منظور علم النفس. وانظر أيضاً: الدين في المرآة، 411-460.
[78] دروس معرفت نفس، آیة الله حسن زاده آملی، درس 37.
[79] . الفقه عند الشيخ الأكبر، ص14-47 .
[80] الفتوحات، ج3، ص69؛ ج2، ص195 و562؛ الفقه عند الشيخ الأكبر، ص13-23.
[81] اللّمع ص147؛ مصباح الهداية للكاشاني، ص146-147.
[82] فوائح الجمال و فواتح الجلال، ص171.؛ اليواقيت و الجواهر، للشعراني، ص273.
[83] وحدة الوجود برواية ابن عربي وإيكهارت، 364-375؛ ونظر الإمام الخميني هو نفسه: مصباح الهداية ص207، تعليقة على فصوص الحكم، ص140.
[84] كشف المحجوب، باب الجمع والتفرقة.
[85] إنجيل مرقس، الإصحاح الثاني، الآية 27.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
بسیار عالی و کم نظیر بود این نگاشته در فهم مبانی ابن عربی. البته کمی طولانی بود. امیدوارم از این دست نوشته های تحقیقی در سایت فخیم صدانت زیادتر شود. با آرزوی موفقیت
با سلام به جرات می توانم گفت یکی از بهترین مقالاتی که خوانده ام هم از حیث انسجام و هم از این حیث که چقدر همدلانه نویسنده با موضوع پیش رفته است. معتقدم یکی از موانع فهم ابن عربی این است که محققان نمی توانند با او هم افق شوند.
سلام و بسیار سپاسگذار.مقاله جذاب و مفیدی بود خدا به شما خیر عطا کند