اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تتساءل حنة آرنت في مقالها «الدين والسياسة»: هل الصراع بين العالم الحر والشيوعية صراعٌ ديني؟ وهي تبحث في تأويل الإيديولوجيات السياسية بوصفها أدياناً دنيوية، وتُحلّل العلاقة بين الدين والسياسة في عصر الشك والعلمانية.

كُتبت مقالة «الدين والسياسة» لتُقدَّم في مؤتمر جامعة هارفارد حول سؤال: «هل الصراع بين العالم الحر والشيوعية هو صراع ديني في الأساس؟» نُشرت هذه المقالة في مجلة Confluence، المجلد الثاني، العدد 3، 1953. ردّ جول مونرو على مقالة آرنت في رسالة إلى هنري كيسنجر، محرر Confluence، ونُشر هذا الرد في العدد التالي من المجلة، المجلد الثاني، العدد 4، 1953. وفي رسالته، إذ يذكر أن آرنت «تتهمه بالخلط بين الأيديولوجيا والدين»، ينتقدها بدوره لعجزها عن تعريف كل منهما. نُشر رد آرنت في المجلد التالي من Confluence، المجلد الثالث، العدد 1، 1954.
من الجوانب المثيرة للدهشة في الصراع بين العالم الحر والعالم التوتاليتاري كان الميل القوي إلى تأويل هذا الصراع بمفردات دينية. قيل لنا إن الشيوعية هي «دين دنيوي» ["secular religion"] جديد يدافع العالم الحر في مواجهته عن «نظامه الديني» المتعالي. لهذه النظرية لوازم تتجاوز علتها المباشرة، وقد أعادت «الدين» إلى حيز الشؤون العامة-السياسية، وهو «دين» كان قد أُقصي عن هذا الحيز طويلاً منذ فصل الكنيسة عن الدولة. وعلى هذا المنوال، ورغم أن المدافعين عن هذه النظرية غالباً ما يجهلون ذلك، فقد وضعوا مجدداً مسألة العلاقة شبه المنسية بين الدين والسياسة على جدول أعمال العلوم السياسية.
1
إن تأويل الأيديولوجيات السياسية الجديدة بوصفها أدياناً سياسية، أو دنيوية (سيكولار)، قد سار، على نحو متناقض، وإن لم يكن ربما مصادفة، على خطى تقبيح ماركس الشهير الذي يرفض كل الأديان بوصفها أيديولوجيات محضة. لكن المنبع الحقيقي لهذا الرأي أقدم من ذلك. لم تكن الشيوعية، بل الإلحاد أو إنكار وجود الله هو أول «مذهب» (ism) يُقبَّح أو يُمدح بوصفه ديناً جديداً.[1] لم يكن هذا القول يعدو كونه مفارقة طريفة، وكان هذا هو المقصود منه في البداية، إلى أن أعطاه دوستويفسكي وكثيرون غيره من بعده مضموناً. ذلك أن الإلحاد كان أكثر من مجرد ادعاء أحمق نسبياً بأننا قادرون على إثبات عدم وجود الله؛ لقد اعتُبر الإلحاد بمعنى التمرد الفعلي لإنسان العصر الحديث على الله نفسه. على حد تعبير نيتشه: «لو كان هناك آلهة، كيف كنتُ لأحتمل ألا أكون أنا أحدهم».[2]
إن تبرير تسمية الإلحاد ديناً يرتبط تحديداً بطبيعة الاعتقادات الدينية في عصر العلمانية [secularity]. منذ ظهور العلوم الطبيعية في القرن السابع عشر، لم يكن الاعتقاد أقل تعرضاً للشك من عدم الاعتقاد؛ نظرية كيركغور الشهيرة عن القفزة إلى الاعتقاد كان لها سلفها في باسكال، وكان كيركغور، مثل باسكال، يسعى للإجابة على مقولة ديكارت: "De omnibus dubitandum est"، «يجب الشك في كل شيء».[3] كانا يعتقدان أن الشك المطلق مستحيل، ومتناقض ذاتياً، وموقف مدمر لذاته، وغير ملائم للعقل البشري، لأنه في هذه الحالة يصبح الشك نفسه موضع شك. من وجهة نظر كيركغور، الشك «لا يُقضى عليه بالمعرفة بل بالاعتقاد، تماماً كما أن الاعتقاد هو الذي جاء بالشك إلى العالم».[4] إن اعتقاد العصر الحديث، الاعتقاد الذي قفز من الشك إلى الاعتقاد، وإلحاد العصر الحديث، الإلحاد الذي قفز من الشك إلى عدم الاعتقاد، يشتركان في هذا الأمر: كلاهما متجذر في الدنيوية الروحية للعصر الحديث [modern spiritual secularism] وهذه الدنيوية قد حلت ارتباكاتها الذاتية بحل عنيف دفعة واحدة وإلى الأبد. في الحقيقة، ربما كانت القفزة إلى الاعتقاد قد قوضت الإيمان الأصيل أكثر مما قوضته الحجج المبتذلة عادة للمتنورين [enlighteners] المحترفين أو الحجج العامية للملحدين المحترفين. لم تكن القفزة من الشك إلى الاعتقاد ممكنة إلا بالشك في الاعتقاد، وهكذا بدأت الحياة الدينية نفسها تفترض ذاك التوتر العجيب بين الشك الإلحادي الكافر والاعتقاد، وهو التوتر الذي نعرفه من روائع دوستويفسكي النفسية العظيمة.
عالمنا من الناحية الروحية عالم دنيوي أو علماني، وذلك تحديدًا لأنه عالم مشوب بالشك. إذا كنا جادين في إزالة العلمانية [secularity]، فعلينا أن نزيل العلم الحديث وما أحدثه من تحول في العالم. العلم الحديث قائم على فلسفة الشك، وبهذا يتميز عن علم القدماء، العلم القائم على فلسفة thaumadzein، أو الدهشة التي يكون فيها ما هو كائن هو ما هو كائن. فبدلًا من أن ننذهل بمعجزات عالم يكشف عن نفسه في ظهوره لحواس الإنسان وعقله، نرتاب في أن الأشياء قد لا تكون كما تبدو عليه. وما كنا لنكتشف أن الأرض تدور حول الشمس، خلافًا لكل خبراتنا اليومية، إلا بعد أن فقدنا الثقة في إدراكاتنا الحسية. ومن انعدام الثقة الأساسي هذا في الظواهر، هذا الشك في أن الظاهر يكشف الحقيقة، يمكن استخلاص نتيجتين مختلفتين جوهريًا: يأس باسكال القائل بأن «الحواس تخدع العقل بظواهر كاذبة» les sens abusent la” raison par de fausses apparences”[5]، الذي ينتج عنه «الإقرار ببؤس الإنسان بدون الله»[6]، أو التأكيد البراغماتي للعلم الحديث القائل بأن الحقيقة ليست بديهية بذاتها على الإطلاق، بل هي، بالأحرى، سيرورة دائمة التغير لأنماط الفرضيات العملية.
في مقابل هذا التفاؤل العلمي الذي ينبغي أن يفترض أن مسألة وجود الله لا تتناسب مع إمكانيات (المحدودة بالتأكيد) قوة الإدراك البشري، تقف البصيرة الدينية للعصر الحديث القائلة بأن لا شك ولا فرضية عملية تقدم إجابة مُرضية للغز طبيعة العالم وللغز الأكثر إثارة للقلق، ألا وهو وجود الإنسان نفسه. لكن هذه البصيرة لا تكشف إلا مرة أخرى عن تعطش الإنسان نفسه للمعرفة، وهذا الفشل الجوهري للإيمان في قدرة الظاهر على كشف الحقيقة هو ما يكمن في أساس العالم الحديث، سواء أكان ذلك في صورة وحي إلهي أم وحي طبيعي. لا تزال الطبيعة الدينية للشك الحديث حاضرة في هذا الريبة المسيحية القائلة بأن روحًا شيطانيًا، لا العناية الإلهية، هو الذي يضع حدودًا لتعطش الإنسان للمعرفة، وأن كائنًا أسمى يمكنه أن يخدعنا عن عمد.[7] لا يمكن لهذا الريبة أن تنشأ إلا من رغبة شديدة جدًا في الأمان[8]، ينسى معها البشر أن حرية الفكر والعمل الإنسانيين، كما أثبت كانط فلسفيًا، ممكنة فقط في ظل ظروف معرفة غير يقينية ومحدودة.
يتميز الاعتقاد الديني في العصر الحديث عن الإيمان المحض لأنه «اعتقاد بالمعرفة» لدى أولئك الذين يشكون في إمكانية المعرفة أصلًا. ومن الجدير بالذكر أن الكاتب الكبير الذي قدم لنا شخصيات روائية عديدة، لم يستطع أن يُظهر وجهًا للإيمان الحقيقي يعبر عن التوتر الديني في العصر الحديث بين الاعتقاد والشك إلا في شخصية الأبله. الإنسان المتدين في العصر الحديث ينتمي إلى العالم العلماني أو الدنيوي نفسه الذي ينتمي إليه خصمه الملحد، وذلك تحديدًا لأنه ليس «أبلهًا» في هذا العالم. المؤمن في العصر الحديث الذي لا يستطيع تحمل التوتر بين الشك والاعتقاد يفقد فورًا تماسك وعمق اعتقاده. إن تبرير وصف الإلحاد، باختصار، بأنه دين، وهو ما يبدو مفارقة واضحة، مستمد من الألفة الذهنية لأعظم المفكرين الدينيين في العصر الحديث — باسكال، كيركغور، دوستويفسكي — مع تجربة الإلحاد.
لكن سؤالنا ليس ما إذا كان يحق لنا، عند وصفنا الشيوعية بالدين، أن نستخدم الكلمة نفسها التي تُستخدم للمؤمنين والكافرين على حد سواء، بل ما إذا كانت الإيديولوجيا الشيوعية تنتمي إلى المقولة نفسها وإلى التقليد نفسه من الشك والعلمانية، مما يضفي على اعتبار الإلحاد دينًا ما هو أكثر من مجرد تبرير شكلي. وبالطبع ليس الأمر كذلك. فالإلحاد سمة هامشية للشيوعية، وإذا كانت الشيوعية تدّعي معرفة قانون التاريخ، فإنها لا تنسب هذا القانون إلى التاريخ بالطريقة نفسها التي «ينسبها مؤمنو الأديان المعهودة والمألوفة إلى الله».[9]
الشيوعية، بوصفها أيديولوجيا، وإن كانت من بين ما تنكره وجود إله متعالٍ، فهي ليست مرادفة للإلحاد. فالشيوعية لا تحاول قط الإجابة بشكل محدد عن الأسئلة الدينية، بل تؤكد أن الأنصار الذين تربوا على أيديولوجيتها لن يطرحوا مثل هذه الأسئلة أبدًا. والأيديولوجيات التي تناقش دائمًا تفسير حركة التاريخ لا تقدم أيضًا النوع نفسه من التفسير الذي يقدمه اللاهوت. فاللاهوت يناقش الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا يطرح أسئلة ويحتاج عقله إلى الاتساق، حتى وإن كان يُتوقع منه أن يعتقد بشيء يتجاوز العقل. أما الأيديولوجيا، والشيوعية في صورتها السياسية المؤثرة أكثر من أي أيديولوجيا أخرى، فقد ناقشت الإنسان كما لو كان حجرًا في حالة سقوط، وقد مُنح مَلَكة الوعي وبالتالي القدرة على ملاحظة قوانين الجاذبية النيوتنية أثناء سقوطه. إن تسمية هذه الأيديولوجيا التوتاليتارية دينًا ليس مجرد تمجيد غير لائق بالمرة، بل هو أيضًا تجاهل لحقيقة أن البلشفية، وإن نمت من داخل التاريخ الغربي، لم تعد تنتمي إلى ذلك التقليد نفسه من الشك والعلمانية، وأن عقيدتها وكذلك ممارساتها قد فتحت هوة شاسعة بين العالم الحر والأجزاء التوتاليتارية من العالم.
حتى سنوات قليلة مضت، لم يكن هذا الأمر برمته أكثر من نزاع في الاصطلاح، ولم يكن استخدام مصطلح «الدين السياسي» للحركات السياسية المناهضة للدين صراحة أكثر من تلاعب بالألفاظ.[10] وقد كان بعض الأنصار الليبراليين، تحديدًا لأنهم لم يفهموا ما يجري في «التجربة الكبيرة والجديدة» في روسيا، مولعين بشكل خاص بهذا المصطلح. وفيما بعد، وإلى حد ما، استخدم الشيوعيون الساخطون هذا المصطلح لوصف تأليه ستالين لجثمان لينين، أو جمود النظرية البلشفية التي بدت مستذكرة لأساليب «المدرسية القروسطية». لكن مؤخرًا، تبنى المصطلح «دين سياسي أو علماني» اتجاهان متميزان تمامًا في الفكر والمقاربة. أولًا، هناك مقاربة تاريخية ترى أن الدين العلماني هو، بالمعنى الحرفي تمامًا، دين ينمو من داخل علمانية العالم الروحية في عصرنا ذاته، وبالتالي فالشيوعية ليست سوى الرواية الأكثر جذرية لـ«هرطقة حلولية» [”immanentist heresy“].[11] وثانيًا، مقاربة العلوم الاجتماعية التي يُناقش فيها الدين والأيديولوجيا بالطريقة نفسها تمامًا، لأنه يُعتقد في هذه العلوم أن الشيوعية (أو القومية أو الإمبريالية إلخ) تؤدي لأنصارها «الوظيفة» نفسها التي تؤديها الطوائف الدينية في مجتمع حر.
٢
الميزة الكبرى للمقاربة التاريخية هي إقرارها بأن الهيمنة التوتاليتارية ليست مجرد حادثة قابلة للاستكشاف في التاريخ الغربي، وأن أيديولوجياتها يجب أن تُناقش بناءً على الفهم الذي تملكه عن نفسها والنقد الذي توجهه لنفسها. أما أوجه القصور المحددة لهذه المقاربة فتكمن في سوء الفهم المزدوج لطبيعة العلمانية أو السيكولارية والعالم الدنيوي أو السيكولار.
السيكولار، بدايةً، له معنى سياسي وكذلك معنى روحي [spiritual]، وهذان ليسا بالضرورة شيئًا واحدًا. العلمانية، من الناحية السياسية، تعني تحديدًا أن المعتقدات والمؤسسات الدينية لا تملك أي سلطة أو ولاية عامة ملزمة، وبالمقابل، لا تحظى الحياة السياسية بأي حرمة دينية.[12] هذا المعنى للعلمانية يطرح السؤال المهم عن مصدر سلطة وولاية «قيمنا» المعهودة، ومصدر قوانيننا وأعرافنا ومعاييرنا للحكم، وهي أمور كانت تمنحها الديانة حرمتها لقرون. لكن الرابطة الطويلة بين الدين والسلطة والولاية لا تثبت بالضرورة أن مفهوم السلطة والولاية [authority] ذاته ذو طبيعة دينية. بل على العكس، من الأرجح في نظري أن الولاية، بقدر ما تستند إلى التقليد، هي ذات أصل روماني، وأن الكنيسة لم تحتكرها إلا عندما أصبحت الوريث السياسي والروحي للإمبراطورية الرومانية. لا شك أن إحدى الأزمات الكبرى في عصرنا هي انهيار كل سلطة وكل خيط متصل من تقاليدنا، لكن لا ينتج عن هذا أن هذه الأزمة هي في المقام الأول دينية أو ذات أصل ديني. بل إنها لا تشير بالضرورة حتى إلى أزمة في الإيمان المعهود والمألوف، وإن كانت قد عرضت سلطة وولاية الكنائس للخطر أيضًا، بقدر ما هي مؤسسات عامة، ومن جملة ما هي عليه من أشياء أخرى.
أما سوء الفهم الثاني، في ظني، فهو أوضح وأكثر صلة بموضوعنا. إن مفهوم الحرية (وهو في المقام الأول صراع بين العالم الحر والشمولية) ليس له بالتأكيد أصل ديني. ولتبرير تأويل وتفسير النضال من أجل الحرية بوصفه أمراً دينياً في جوهره، لن يكفي إثبات أن الحرية متوافقة مع «النظام الديني» في عصرنا. وسيكون هذا في الحقيقة أمراً عسيراً، على الرغم من «حرية الإنسان المسيحي» عند لوثر. فالحرية التي جلبتها المسيحية للعالم كانت حرية من السياسة، حرية أن يكون المرء خارجاً وباقياً خارج نطاق المجتمع الدنيوي أو العلماني أيضاً، وهو أمر لم يسمع به العالم القديم. كان العبد المسيحي، ما دام مسيحياً، يظل إنساناً حراً إذا ما حرر نفسه فحسب من التعلقات الدنيوية. (وهذا أيضاً هو السبب في أن الكنائس المسيحية استطاعت أن تظل على هذا القدر من اللامبالاة إزاء مسألة العبودية، في حين تمسكت بسرعة بعقيدة المساواة بين جميع البشر أمام الله). وهكذا، لم يكن من الممكن قط للمساواة المسيحية ولا للحرية المسيحية، بحكم جوهرهما، أن تفضيا إلى مفهوم «حكم الشعب، بالشعب، من أجل الشعب» أو إلى أي تعريف حديث آخر للحرية السياسية. إن المصلحة الوحيدة التي توليها المسيحية للحكم الدنيوي هي حماية حريتها هي، كي تسعى لأن تمنح السلطات الدنيوية حرية التحلل من السياسة إلى جانب حريات أخرى. لكن العالم الحر لا يقصد من الحرية هذا المعنى: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، بل يقصد بها أن لكل إنسان الآن الحق في أن يمد يده إلى تلك الأمور التي كانت يوماً من حق قيصر. إن هذا الأمر نفسه، وهو أننا، بقدر ما يتعلق بحياتنا العامة، نهتم بالحرية أكثر من اهتمامنا بأي شيء آخر، يثبت أننا لا نعيش في حياتنا العامة في عالم ديني.[13]
وكون الأنظمة الشيوعية تقضي على المؤسسات الدينية وتلاحق المعتقدات الدينية، إلى جانب العديد من الجمعيات الاجتماعية والروحية الأخرى ذات المواقف الأكثر تبايناً من الدين، ليس سوى وجه آخر لهذا الأمر نفسه. ففي بلد يتوجب فيه حتى على نوادي الشطرنج أن تُباد بين عشية وضحاها ثم تنبعث من قبرها على الطريقة البلشفية، لأن «لعب الشطرنج من أجل الشطرنج نفسه» يُعد تحدياً للإيديولوجيا الرسمية، لا يمكن أن تُعزى ملاحقة الدين، عن حق، إلى دوافع دينية على وجه الخصوص. إن الشواهد التي بحوزتنا عن الاضطهادات والملاحقات القائمة في البلدان الشمولية لا تشهد على ذلك الادعاء الذي كثيراً ما نسمعه، وهو أن الدين مثّل التحدي الأول الذي شعر به النظام الحاكم، أكثر من أي نشاط حر وروحي آخر. لقد كان حياة تروتسكي في الثلاثينيات، أو تيتوي في أواخر الأربعينيات، في خطر بالتأكيد داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة السوفيتية، أكثر من حياة قس كاثوليكي أو بروتستانتي. وإذا كان المتدينون، إجمالاً، قد تعرضوا للاضطهاد والملاحقة أكثر من غير المؤمنين في كثير من الأحيان، فما ذلك إلا لأن «إقناعهم» كان أصعب.
والشيوعية، في الواقع، تتجنب بدقة أن يُخلط بينها وبين الدين. فعندما قررت الكنيسة الكاثوليكية مؤخراً طرد الشيوعيين من جماعة المسيح، بسبب عدم التوافق الواضح بين الشيوعية والتعاليم المسيحية، لم يصدر عن الجانب الشيوعي أي تحرك مماثل. بالتأكيد، من وجهة نظر الفرد المسيحي، هذه حرب دينية، تماماً كما هي بالنسبة للفيلسوف حرب من أجل الفلسفة. لكنها، بالنسبة للشيوعية، ليست شيئاً من هذا القبيل. إنها حرب ضد عالم لا يمكن فيه البتة وجود أي من هذه الأشياء: دين حر، فلسفة حرة، فن حر، وما إلى ذلك.
۳
لقد ازدادت أهمية مقاربة العلوم الاجتماعية التي تساوي بين الأيديولوجيا والدين بوصفهما متكافئين وظيفيًا في النقاش الراهن. وتستند هذه المقاربة إلى الافتراض الأساسي للعلوم الاجتماعية القائل بأن هذه العلوم لا تعنى أبدًا بجوهر ظاهرة تاريخية وسياسية، كالدين، أو الأيديولوجيا، أو الحرية، أو الشمولية، بل تهتم فقط بالوظيفة التي تؤديها هذه الظاهرة في المجتمع. ولا يكلف علماء الاجتماع أنفسهم عناء الانتباه إلى أن كلا طرفي النزاع، العالم الحر وكذلك الحكام الشموليين، قد امتنعوا عن تسمية نزاعهم دينيًا، وهم يعتقدون أنهم يستطيعون أن يكتشفوا «بشكل موضوعي» ما إذا كانت الشيوعية دينًا جديدًا أم لا، وما إذا كان العالم الحر يدافع عن نظامه الديني أم لا، وذلك دون إيلاء أي اهتمام لما ينبغي أن يقوله كل طرف. في أي حقبة سابقة، كان هذا الامتناع عن قبول كل طرف وفقًا لخطابه الخاص، وكأن من البديهي أن ما تقوله هذه المصادر نفسها لا يمكن إلا أن يكون مضللاً، ليبدو على الأقل غير علمي تمامًا.
إن أبا مناهج العلوم الاجتماعية هو ماركس. لقد كان أول من نظر، بشكل منهجي — وليس فقط بذلك الوعي الطبيعي بأن الكلام يمكن أن يخفي الحقيقة كما يمكن أن يكشفها — إلى التاريخ بوصفه كاشفًا عن ذاته في أقوال كبار السياسيين، أو التجليات الفكرية والروحية لعصر ما. لقد امتنع عن الاعتداد بالقيمة الظاهرية لأي منها، ووصمها بأنها واجهات «أيديولوجية» تختبئ وراءها القوى التاريخية الحقيقية. وقد أطلق عليها لاحقًا اسم «البنية الفوقية الأيديولوجية»، لكنه لم يبدأ ذلك بإصدار حكم بعدم أخذ «ما يقوله الناس» على محمل الجد، بل حكم فقط بشأن «البشر الواقعيين والفاعلين» بأن أفكارهم هي «انعكاسات وأصداء أيديولوجية لسيرورة حياتهم».[14] وهكذا، كان من بين جميع الماديين أول من أول الدين بوصفه أكثر من مجرد خرافة أو إضفاء طابع روحي على التجارب الإنسانية الملموسة، واعتبره ظاهرة اجتماعية يكون فيها الإنسان «تحت سيطرة نتاج رأسه، تمامًا كما هو في الإنتاج الرأسمالي تحت سيطرة نتاج يده».[15] لقد أصبح الدين بالنسبة إليه واحدًا من الأيديولوجيات الممكنة.
من المؤكد أن العلوم الاجتماعية في العصر الراهن قد ترعرعت من الماركسية؛ وهي لم تعد تشاطر ماركس تحيزه لصالح «أيديولوجيته» هو. وفي الواقع، منذ كتاب «الأيديولوجيا واليوتوبيا» لكارل مانهايم، اعتادت هذه العلوم أن تتكلم بوقاحة وتقول للماركسيين إن الماركسية هي أيضًا أيديولوجيا. ولكن، بالمثل، فقدت هذه العلوم حتى ذلك القدر من الوعي بالفارق الجوهري الذي كان لا يزال أمرًا عاديًا بالنسبة لماركس وإنجلز. كان إنجلز لا يزال بوسعه أن يعترض على أولئك الذين كانوا في زمانه يسمون الإلحاد دينًا، وأن يقول إن لهذا الكلام من المعنى بقدر ما لاعتبار الكيمياء خيمياء بدون حجر الفلاسفة.[16] إنما في زماننا هذا فقط يحق للمرء أن يسمي الشيوعية دينًا دون أن يفكر حتى في سياقها التاريخي، ودون أن يسأل حتى ما هو الدين فعلاً، وما إذا كان ثمة شيء حين يكون دينًا بدون إله.
علاوة على ذلك، في حين أن الورثة غير الماركسيين للماركسية قد أدركوا الطابع الأيديولوجي للماركسية، وبذلك صاروا، على نحو ما، أذكى من ماركس نفسه، فإنهم قد نسوا الأساس الفلسفي لكتابات ماركس نفسه، واحتفظوا بهذا الأساس لكتاباتهم هم، لأن مناهجهم تنبثق من تلك الكتابات ولا تكتسب معناها إلا في إطارها.
إن عزوف ماركس عن أخذ "ما تقوله كل حقبة عن نفسها وما تتخيل أنها عليه" على محمل الجد، نابع من اعتقاده بأن الفعل السياسي كان، في المقام الأول، عنيفاً، وأن هذا العنف هو قابلة التاريخ.[17] لم يكن هذا الاعتقاد ناتجاً عن وحشية لا مبرر لها في المزاج الثوري، بل كان له موضعه في فلسفة ماركس للتاريخ، الفلسفة التي قامت على الاعتقاد بأن التاريخ، الذي كان البشر يصنعونه في حالة وعي زائف، أي في حالة الإيديولوجيات، يمكن أن يصنعه البشر بوعي كامل بما يفعلونه. إن هذا الجانب الإنساني من تعاليم ماركس هو تحديداً ما يوصله إلى تأكيده على الطابع العنيف للفعل السياسي: لقد رأى صنع التاريخ على غرار الصناعة؛ فالإنسان التاريخي عنده هو في المقام الأول "الإنسان الصانع" [homo faber]. إن صناعة جميع الأشياء التي يصنعها الإنسان تستلزم بالضرورة عنفاً مورس على المادة التي تشكل المادة الأساسية للشيء المصنوع. فلا تُصنع طاولة دون قتل شجرة.
لقد واجه ماركس، شأنه شأن جميع الفلاسفة الجادين منذ الثورة الفرنسية، هذا اللغز المزدوج: أن الفعل الإنساني، تمييزاً له عن الصناعة والإنتاج، نادراً ما يحقق تماماً ما ينشده، لأنه يعمل ضمن إطار من "إرادات عديدة تعمل في اتجاهات مختلفة"،[18] وأن مجموع الأفعال المسجلة التي نسميها تاريخاً يبدو، مع ذلك، ذا معنى. لكنه رفض قبول حل أسلافه المباشرين الذين أدخلوا "العناية الإلهية" [deus ex machina] في الشؤون الإنسانية عبر "حيلة الطبيعة" (كانط) أو "مكر العقل" (هيغل). وبدلاً من ذلك، اقترح حل هذا اللغز بتفسير وتأويل كامل نطاق المعنى القابل للتفسير بوصفه "بنية فوقية" للنشاط الإنتاجي الأكثر بدائية، النشاط الذي يكون فيه الإنسان سيد منتجاته ويعرف ما يفعله. لقد نُظر إلى ما كان قابلاً للتفسير في التاريخ حتى الآن بوصفه انعكاساً لمعنى كان، بقدر من اليقين، إنتاجاً بشرياً كالتطور التقني للعالم. وكانت مشكلة أنسنة الأمور السياسية – التاريخية برمتها، نتيجة لذلك، هي كيف نصبح أسياداً على أفعالنا، كما نحن أسياد على قدرتنا على الإنتاج، أو بعبارة أخرى، كيف "نصنع" التاريخ كما نصنع الأشياء الأخرى. وعندما يتحقق هذا عبر انتصار البروليتاريا، لن نعود بحاجة إلى الإيديولوجيات — تلك الإيديولوجيات التي هي تبرير لعنفنا، لأن هذا العنصر العنيف سيكون بين أيدينا: وبهذه الطريقة يصبح العنف مروضاً ولا يشكل خطراً أكبر من قتل شجرة لصنع طاولة. لكن حتى ذلك الحين، فإن جميع الأفعال السياسية والأحكام القانونية والأفكار الروحية تغطي الدوافع الخفية لمجتمع لا يتظاهر إلا بأنه يتصرف سياسياً، بينما هو في الواقع "يصنع التاريخ"، ولو بطريقة لا واعية، أي لا إنسانية.
إن نظرية ماركس عن البنية الفوقية الإيديولوجية، القائمة على التمييز "بين ما يتظاهر المرء بأنه عليه وما هو عليه حقاً"، وما يرافقها من عدم اكتراث بالكيفية التي يكشف بها الكلام عن الحقيقة، تستند بالكامل إلى هذا التطابق بين الفعل السياسي والعنف. ذلك أن العنف هو، في الحقيقة، النوع الوحيد من الفعل الإنساني الذي هو، بحكم تعريفه، صامت، لا يتوسل الكلمات ولا يُمارس عبرها. إننا، في جميع أنواع الفعل الأخرى، سياسية كانت أم غير سياسية، نتصرف بالكلام، وكلامنا هو فعل. في الحياة السياسية العادية، لا تنفصم هذه العلاقة الوثيقة بين الكلمات والأفعال إلا بعنف الحرب، وحينها، وحينها فقط، لا يعود شيء يعتمد على الكلمات، ويعتمد كل شيء على القسوة الصامتة للأسلحة. لذلك، تحمل أجندات الحرب دوماً حلقة مزعجة من عدم الصدق: هنا تتحول الكلمات إلى "مجرد كلام"، وتفقد أي قدرة على الفعل، ويعرف الجميع أن الفعل قد غادر نطاق الكلام. هذا "الكلام المجرد"، الكلام الذي ليس سوى تبرير أو ذريعة للعنف، كان دوماً أعزل في وجه عدم الثقة، واعتُبر "إيديولوجياً" فحسب. وهنا يكون البحث عن الدوافع الخفية مبرراً تماماً، كما اشتهر المؤرخون بذلك منذ ثوقيديدس. وعلى سبيل المثال، كان الدين في الحرب الدينية دوماً معرضاً لهذا الخطر الكبير بأن يصبح، بالمعنى الماركسي، "إيديولوجيا"، أي مجرد ذريعة وتبرير للعنف. والأمر نفسه ينطبق، إلى حد ما، على جميع علل الحرب.
لكن فقط بناءً على افتراض أن كل تاريخ هو بالأساس صراع بين الطبقات ولا يمكن حله إلا بالعنف، وافتراض أن الفعل السياسي «عنيف» بطبيعته ويغطي طبيعته الحقيقية نفاقًا، إذا جاز هذا التعبير، إلا أثناء الحروب والثورات التي يشعلها، يحق لنا أن نعتبر هذا التأويل الذاتي غير ذي صلة. يبدو لي أن هذا هو أساس تجاهل ما يقوله العالم الحر والشيوعية عن نفسيهما.
٤
إذا نظرنا إلى المسألة نفسها من وجهة نظر علمية بحتة، يبدو واضحًا أن أحد أسباب إضفاء الطابع الرسمي على مقولات العلوم الاجتماعية هو هذه الرغبة المفهومة علميًا في إيجاد قواعد عامة يمكنها أن تندرج تحتها أحداث كل العصور والأنواع. إذا أردنا أن نثق بتأويل إنجلز لماركس، فإن ماركس بهذا المعنى العلمي البحت كان أبًا للعلوم الاجتماعية. كان أول من قارن بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وفي الوقت نفسه مع [أوغست] كونت اعتبر «العلم الاجتماعي» تخصصًا شاملاً، «جامعًا للعلوم المسماة تاريخية وفلسفية»،[19] تخصصًا سيكون له نفس معايير العلم الطبيعي وسيسلك وفقًا لها. «نحن لا نعيش في الطبيعة فحسب، بل نعيش أيضًا في المجتمع البشري»[20] ولذلك يجب أن يكون المجتمع، مثل الطبيعة، منفتحًا على نفس المناهج وقواعد البحث. شكل التأكيد على الطابع التكميلي للطبيعة والمجتمع منذ ذلك الحين أساس المقولات الصورية واللاتاريخية التي بدأت تهيمن على العلوم التاريخية والاجتماعية.
لم تشمل هذه المقولات «الصراع الطبقي» لماركس فقط، الذي كان يُتصور أنه قانون التطور التاريخي، تمامًا كما كان قانون البقاء للأصلح لداروين هو قانون التطور الطبيعي،[21] بل شملت أيضًا، بشكل أحدث، «التحدي والاستجابة» لتوينبي أو «الأنماط المثالية» لماكس فيبر، ولكن بالطبع كما تُستخدم اليوم، وليس كما كان يستخدمها ماكس فيبر نفسه. يبدو الأمر كما لو أن «الأديان السياسية أو العلمانية» هي أحدث إضافة، بقدر ما أن هذا المصطلح، رغم أنه صُمم في البداية للحركات التوتاليتارية، قد عمّ الآن ويُستخدم ليشمل طيفًا واسعًا من الأحداث، أحداث متفرقة في الزمان وكذلك في المكان.[22]
يدين العلم الاجتماعي بنشأته إلى الرغبة في إيجاد «علم وضعي للتاريخ» يمكنه أن ينافس العلم الوضعي للطبيعة.[23] «العلم الوضعي للتاريخ»، بسبب هذا الأصل الاشتقاقي، من الطبيعي فقط أن يتذكر دائمًا أنه متأخر بمرحلة عن العلم الطبيعي الذي كان مثاله الأعلى. وهكذا، يعرف علماء الطبيعة اليوم أن ما لم يكتشفه علماء الاجتماع بعد هو أن كل فرضية تقريبًا يقتربون بها من الطبيعة تخرج إلى حد ما نتائج وضعية، وأن مرونة الأحداث الملاحظة تبدو كبيرة جدًا لدرجة أنهم يقدمون دائمًا إجابة محتملة للإنسان. وكأنه في اللحظة التي يطرح فيها الإنسان سؤالاً أمام الطبيعة، يسارع كل شيء ليعيد ترتيب نفسه وفقًا لسؤاله. سيأتي يوم يكتشف فيه علماء الاجتماع، من رعبهم، أن هذا الأمر أكثر صدقًا حتى في تخصصهم، وأنه لا يوجد شيء لا يمكن إثباته، وقليل جدًا هو ما يمكن دحضه، وأن التاريخ يرتب نفسه بسهولة وتماسك تحت مقولة «التحدي-والاستجابة» أو متطابقًا مع «الأنماط المثالية» كما رتب نفسه تحت مقولة الصراعات الطبقية. لا يوجد سبب يمنع من إظهار هذا الامتثال نفسه عندما نلجأ إلى التاريخ بمصطلح الأديان العلمانية أو الدنيوية.
لنضرب مثالاً أوضح: لقد قطع ماكس فيبر نمطه المثالي عن «الزعيم الكاريزمي» على نموذج يسوع الناصري؛ ولم يجد تلامذة كارل مانهايم أي مشكلة في إطلاق المقولة ذاتها على هتلر.[24] من وجهة نظر عالم الاجتماع، كان هتلر ويسوع [عليه السلام] واحداً لأنهما حققا الوظيفة الاجتماعية ذاتها. ومن البديهي أن مثل هذه النتيجة لا تتسنى إلا لمن يمتنعون عن الإصغاء إلى ما قاله يسوع أو هتلر. ويبدو الآن أن شيئاً مشابهاً قد حدث بصدد كلمة «الدين». إنها ليست مصادفة، بل هي من صميم هذا التيار الذي يرى الأديان على هذا النحو في كل مكان، حتى إن أحد أبرز أنصار هذا التيار ينقل في حاشية كتابه، بتأييد، هذا الاكتشاف المذهل لأحد زملائه «بأن الله ليس فقط كائناً دخل الدين متأخراً، بل إن دخوله إلى الدين لم يكن ضرورياً».[25] هنا يظهر خطر الكفر، الكامن دوماً في صميم عبارة «الدين الدنيوي»، بحرية. إذا كانت الأديان الدنيوية أو العلمانية ممكنة بمعنى أن الشيوعية «دين بلا إله»، فإننا لم نعد نعيش ببساطة في عالم دنيوي أقصى الدين عن الشؤون العامة، بل نعيش في عالم حذف حتى الإله من الدين — وهو ما كان ماركس وإنجلز يعتقدان باستحالته.[26]
لا يمكن إنكار أن هذه الوظائفية المجردة من الجوهر [desubtantializing functionalization] لمقولاتنا ليست ظاهرة منعزلة تحدث في البرج العاجي لفكر أكاديمي. إنها ظاهرة مرتبطة تحديداً بالوظائفية المتزايدة لمجتمعنا، أو، بدقة أكثر، مرتبطة بأن إنسان العصر الحديث يتحول على نحو متزايد إلى مجرد وظيفة في المجتمع. إن العالم الشمولي وإيديولوجياته لا يعكسان الوجه الراديكالي للعلمانية أو الإلحاد؛ إنهما يعكسان الوجه الراديكالي لوظائفية البشر. إن أساليب هيمنتهم تقوم على افتراض أن البشر يمكن تشريطهم لأنهم ليسوا سوى وظائف لقوى طبيعية أو تاريخية عليا. الخطر هو أننا قد نكون جميعاً في طريقنا، بثبات، إلى أن نصبح أعضاء فيما كان ماركس لا يزال يسميه بحماسة «الإنسانية المنتمية إلى المجتمع» (gesellschaftliche Menschheit). إنه لأمر مدهش أن نرى كيف أن أولئك الذين يعارضون بحماسة «تحويل وسائل الإنتاج إلى ملكية المجتمع» ["socialization of the means of production"] هم أنفسهم، في كثير من الأحيان، من يساهمون ويدعمون، دون وعي، تشييئاً اجتماعياً [socialization] للإنسان أشد خطراً بكثير.
٥
في خضم هذه النزاعات الاصطلاحية وسوء الفهم المتبادل، يصبح السؤال الأساسي حول العلاقة بين الدين والسياسة شديد الغموض واللاتمايز. وللاقتراب منه، قد يكون من الجيد النظر إلى العلمانية من جانبها السياسي، الجانب غير الروحي فحسب، ونسأل: أي عنصر ديني كان في الماضي مرتبطاً بها سياسياً إلى حد أنه فقد تأثيره المباشر في حياتنا السياسية؟ أو، بصيغة أخرى، أي عنصر سياسي بالتحديد كان موجوداً في الدين المألوف والمتعارف عليه؟ يكمن تبرير هذا السؤال في أن فصل المجالين العام والديني عن الحياة، الذي نسميه العلمانية، لا يفصل السياسة عن الدين بشكل عام فحسب، بل يفصلها، على نحو محدد جداً، عن المعتقدات المسيحية أيضاً. وإذا كانت إحدى العلل الكبرى لاضطرابات الحياة العامة الراهنة هي دنيويتها [secularity] هذه، فلا بد أن الدين المسيحي ينطوي على عنصر سياسي قوي أدى فقدانه إلى تغيير طابع وجودنا العام [public existence] ذاته.
قد تكون الإشارة التمهيدية هي المقولة الخام والعامية على نحو غير معتاد لمَلِك أصابه ذعر شديد، ملك هاله اضطراب عام 1848 فهتف قائلاً: «لا ينبغي للناس أن يدعوا دينهم يذهب أدراج الرياح». لقد أظهر هذا الملك ثقته بالقوة الدنيوية للمعتقدات المسيحية، وهذا القول مدهش حقاً إذا تذكرنا أن المسيحيين وغير المسيحيين على حد سواء كانوا قد اعتبروا المعتقدات المسيحية، خلال القرون الأولى لوجودها، غير ذات صلة بالمجال العام للحياة في أحسن الأحوال، إن لم يعتبروها خطيرة ومدمرة لهذا المجال العام. إن عبارة ترتليان: «ليس ثمة ما هو أغرب عنا [نحن المسيحيين] من الشأن العام» تلخص فحسب موقف المسيحيين الأوائل من الحياة الدنيوية والسياسية.[27] ما الذي كان قد حدث في هذه الأثناء حتى صار بالإمكان الآن، في عصر يكاد يكون دنيوياً (علمانيًا)، المطالبة بالحفاظ على الحياة السياسية ذاتها؟[28]
إن جواب ماركس، الذي لا يقل خامة عن جملة الملك، مشهور جداً: «الدين أفيون [مُسكّن] الشعب».[29] هذا الجواب غير مُرضٍ البتة، ليس لأنه عامي، بل لأنه من المستبعد جداً أن تصلح التعاليم المسيحية خاصة، بتركيزها الذي لا يلين على الفرد ودوره الخاص في خلاص نفسه، وإصرارها على إثم الإنسان وما يستتبعه من وضع قائمة مفصلة بالخطايا الموجودة في كل دين، لأن تصلح حتى كبديل لشيء مهدئ كالأفيون. من المؤكد أن الإيديولوجيات السياسية الجديدة في البلدان الشمولية التي يسودها الإرهاب أو الرعب، بقدرتها على تفسير كل شيء واستعدادها لكل شيء في جو من انعدام الأمن الذي لا يُطاق، هي أكثر ملاءمة بكثير لتأمين النفس الإنسانية ضد الأثر المزلزل للواقع من أي دين مألوف نعرفه. إن التسليم الورع بمشيئة الله، بالمقارنة مع هذه الإيديولوجيات، أشبه بسكين جيب طفل إزاء أسلحة ذرية.
ولكن ثمة عنصر قوي في الدين المألوف تبدو فائدته جلية في دعم السلطة والولاية، ومنشؤه على الأرجح ليس ذا طبيعة دينية، على الأقل ليس في المقام الأول — ألا وهو تعليم القرون الوسطى عن الجحيم. لا يدين هذا التعليم ولا وصفه المفصل لمكان العقاب بعد الموت بالكثير لموعظة يسوع[30] أو للإرث اليهودي. في الحقيقة، كان لا بد من مرور عدة قرون على رحيل يسوع حتى يعبر هذا التعليم عن نفسه أصلاً. ومن المثير للاهتمام أن هذا الادعاء تزامن مع سقوط روما، أي، انهيار نظام دنيوي مستقر انتقلت سلطته ومسؤوليته عندئذٍ فحسب إلى عهدة الكنيسة.[31]
وعلى النقيض المدهش من ندرة الإشارات في الكتابات العبرانية والمسيحية المبكرة، يبرز الأثر القوي لأسطورة أفلاطون عن العالم الآخر في الفكر السياسي القديم والتعليم المسيحي في الفترة المتأخرة، وبها يختم أفلاطون العديد من محاوراته السياسية. بين أفلاطون والانتصار الدنيوي للمسيحية الذي نشأت معه القداسة الدينية لتعليم الجحيم (ومنذ ذلك الحين صار هذا التعليم سمة عامة للعالم المسيحي لدرجة أن الرسائل السياسية لم تعد ترى حاجة لذكره على نحو محدد)، نادراً ما نجد نقاشاً مهماً للمسائل السياسية — إلا في فلسفة أرسطو — لا يُختتم بمحاكاة للأسطورة الأفلاطونية.[32] ذلك أن أفلاطون هو الرائد الأهم لأوصاف دانتي المفصلة، وليست المصادر اليهودية – المسيحية تحديداً؛ في أعمال أفلاطون نجد الفصل الجغرافي بين الجحيم والمطهر والفردوس، وليس مجرد مفهوم الدينونة الأخيرة بخصوص الحياة الأبدية أو الموت الأبدي والإشارة إلى العقاب المحتمل بعد الموت.[33]
لا جدال في المعنى الضمني والسياسي المحض لأسطورة أفلاطون في الكتاب الأخير من الجمهورية، وكذلك في الأجزاء الختامية من فيدون وغورغياس. تتوافق هذه الأسطورة في الجمهورية مع قصة الكهف، القصة التي هي محور العمل بأكمله. يُستخدم التمثيل، قصة الكهف، لأولئك الأفراد القلائل القادرين، دون خوف من العالم الآخر أو أمل فيه، على إجراء "التحول التمهيدي" [periagogē] الأفلاطوني والانصراف عن الحياة الظلية للواقع الظاهري لمواجهة سماء "المُثُل" الصافية. هؤلاء الأفراد القلائل وحدهم هم من يفهمون المعايير الحقيقية للحياة بأسرها، بما في ذلك الأمور السياسية، وإن لم يعد اهتمامهم بالشأن السياسي قائماً لذات هذه الأمور في حد ذاتها.[34] لم يكن يُتوقع ممن استطاعوا فهم قصة الكهف أن يعتقدوا بالأسطورة الختامية عن الثواب والعقاب في الآخرة، لأن كل من أدرك حقيقة المُثُل بوصفها معايير متعالية[35] لم يعد بحاجة إلى أي معيار ملموس مثل الحياة بعد الموت. لا يحمل مفهوم الحياة بعد الموت معنى كبيراً بالنسبة لهم لأن قصة الكهف تصف الآن الحياة على الأرض بأنها نوع من الحياة في العالم السفلي. في الواقع، إن استخدام أفلاطون لكلمتي eidōlon و skia، وهما الكلمتان المفتاحيتان في وصف هوميروس للعالم السفلي (هادس) في الأوديسة، يؤول هذه القصة بأكملها على أنها معكوس لهوميروس، ورد عليه، فليست النفس هي الظل، وليست حياتها بعد الموت في حركة جوهرية، بل إن حياة الجسد للبشر الفانين العاديين هي التي لا تنجح في الانصراف عن كهف الحياة الأرضية؛ حياتنا على الأرض هي في عالم سفلي، وجسدنا ظل، وحقيقتنا الوحيدة هي النفس. وبما أن المُثُل بديهية، فإن المعايير الحقيقية للحياة الأرضية لا يمكن أن تكون مُدللاً عليها وبرهانية على نحو مُرضٍ أبداً.[36]
لذلك، فإن الاعتقاد بالعالم الآخر ضروري لأولئك الخلائق الذين يفتقرون إلى عيون لرؤية المعايير غير المرئية لكل الأشياء المرئية. وأياً تكن طبيعة اعتقاد أفلاطون نفسه في بقاء النفس، فإن أسطورة درجات العقاب الجسدي بعد الموت هي، بوضوح، من ابتداع فلسفة تعتبر الأمور السياسية ثانوية، وبالتالي تابعة لحقيقة لا يُتاح الوصول إليها إلا لقلة من الأفراد.[37] في الحقيقة، لم يكن سوى الخوف من سيطرة الأكثرية قادراً على إرغام قلة من الأفراد على القيام بأنشطتهم السياسية.[38] لا يستطيع أولئك الأفراد القلائل إقناع الخلائق بالحقيقة لأن الإقناع هو السبيل الوحيد للتعامل مع الخلائق. ولكن، بينما لا يمكن تعليم الخلائق الحقيقة، يمكن إقناعهم بالاعتقاد برأي ما، كما لو كان هذا الرأي حقيقة. الرأي المناسب الذي يحمل حقيقة الأفراد القلائل إلى الخلائق هو الاعتقاد بالجحيم، وإقناع المواطنين بوجوده يدفعهم إلى التصرف كما لو كانوا عالمين بحقيقته.
بعبارة أخرى، إن تعليم الجحيم في فلسفة أفلاطون هو، بوضوح، أداة سياسية ابتُكرت لأغراض سياسية.[39] لا شك أن التخمينات حول الحياة بعد الموت وأوصاف العالم الآخر قديمة قِدم الحياة الواعية للإنسان على الأرض. ومع ذلك، لعلنا نجد في فلسفة أفلاطون أنه "لأول مرة في تاريخ الأدب، وُظفت أسطورة من هذا القبيل (بمعنى الثواب والعقاب بين الموتى) بشكل محدد في خدمة الاستقامة"[40]، أي في خدمة الحياة العامة والسياسية. ويبدو أن ما يؤيد ذلك هو أن الكتّاب الدنيويين المحض في العصر القديم استخدموا هذه الأسطورة الأفلاطونية بحماس بالغ، كتّاب أظهروا بوضوح، بقدر وضوح أفلاطون، أنهم لا يعتقدون بها بشكل جاد، بينما لا يُظهر الاعتقاد المسيحي، من جهة أخرى، تعليماً مماثلاً عن الجحيم طالما بقيت المسيحية بلا اهتمامات ومسؤوليات دنيوية.[41]
أيًّا تكن التأثيرات التاريخية الأخرى التي قد تكون أسهمت في صياغة عقيدة الجحيم، فقد استمر استخدام هذه العقيدة لأغراض سياسية خلال العصر القديم. ولم تتبنَّ المسيحية هذه العقيدة رسميًّا إلا بعد أن اكتمل تطوّرها الديني المحض. وعندما أدركت الكنيسة المسيحية، في مطلع العصور الوسطى، مسؤولياتها السياسية على نحو متزايد، وسعت إلى تولّيها، وجدت عقيدتها المسيحية نفسها في حيرة مماثلة لتلك التي واجهتها فلسفة أفلاطون السياسية. فقد سعى كلاهما إلى ترسيخ معايير مطلقة في حقل تبدو طبيعته ذاتها نسبية، وذلك في ظلّ الوضع البشري الأبدي القائل إن أسوأ ما يمكن أن يفعله إنسان بإنسان هو قتله، لأن يومًا سيأتي حيث يضطرّ، بطريقة ما، إلى ارتكاب هذا الفعل. إن «التقدّم» في هذا الوضع، الذي اقترحته عقيدة الجحيم، هو بالتحديد أن العقاب يمكن أن يعني ما هو أكثر من الموت الأبدي، أي أن يكون ألمًا أبديًّا تتوق فيه النفس إلى الموت.[42]
يبدو أن السمة السياسية البارزة لعالمنا الدنيوي الحديث هي أن الأشخاص يفقدون، على نحو متزايد، الإيمان بالثواب والعقاب بعد الموت، في حين أن أداء ضمائر الأفراد لواجبها أو قدرة الخلائق على إدراك الحقيقة غير المرئية يظلّ، سياسيًّا، غير موثوق به كما كان دائمًا. إننا نكاد نرى، في الدول الشمولية، محاولة متعمّدة لبناء نوع من الجحيم الأرضي، متمركز في المعسكرات وغرف التعذيب، يتمثّل فارقه الرئيسي عن صور الجحيم في العصور الوسطى في التقدّم التقني والتنظيم الإداري، وهو بالطبع يفتقر أيضًا إلى الأبدية. علاوة على ذلك، أظهرت ألمانيا هتلر أن أيديولوجيا قلبت، عن وعي تقريبًا، وصية «لا تقتل» لم تجد حاجة لمواجهة أي مقاومة شديدة من ضمير تربّى في التقاليد المسيحية. بل على العكس، كانت الأيديولوجيا النازية قادرة في كثير من الأحيان على قلب أداء هذا الضمير لواجبه، وكأن هذا الضمير لم يكن سوى آلية للإشارة إلى ما إذا كان الفرد في توافق انقيادي مع المجتمع ومعتقداته أم لا.
إن النتيجة السياسية لعلمنة [secularization] العصر الحديث، بعبارة أخرى، يبدو أنها، إلى جانب إزالة الدين من الحياة العامة، إزالة الخوف من الجحيم من الحياة العامة أيضًا، أي العنصر السياسي الوحيد في الدين التقليدي. هذه الخسارة، من الناحية السياسية، وإن لم تكن بالتأكيد من الناحية الروحية، هي أهم تمييز بين فترتنا الراهنة والقرون الماضية. من المؤكد، من وجهة نظر المنفعة المحضة، أنه لم يكن بمقدور أي شيء أن ينافس الخوف من الجحيم، أفضل من الإكراه الداخلي للأيديولوجيات الشمولية في ممارسة السلطة على النفس البشرية. لكن، لا يهمّ كيف يمكن لعالمنا أن يتديّن من جديد، أو كمّ الإيمان الأصيل الذي لا يزال موجودًا فيه، أو إلى أي مدى يمكن لقيمنا الأخلاقية أن تكون متجذّرة بعمق في أنظمتنا الدينية، لم يعد الخوف من الجحيم من بين تلك الدوافع التي كانت رادعة أو محفّزة لأفعال غالبية الناس. يبدو هذا أمرًا لا مفرّ منه، إذا كانت دنيوية [secularity] العالم تنطوي على فصل حيّزي الحياة الديني والسياسي، وفي ظل هذه الظروف كان الدين مضطرًّا لفقدان أكثر عناصره السياسية بدائية، تمامًا كما كانت الحياة العامة مضطرة لفقدان القداسة الدينية لولايتها المتعالية. هذا الفصل حقيقة، وفضلاً عن ذلك، له امتيازاته الفريدة للأشخاص المتديّنين وغير المتديّنين على حدّ سواء. لقد أظهر تاريخ العصر الحديث، مرارًا وتكرارًا، أن التحالف بين «العرش والمذبح» لا يمكنه إلا أن يجرّد كليهما من الاعتبار. لكن، بينما كان الخطر في الماضي يتمثّل أساسًا في استخدام الدين كذريعة محضة، وبالتالي شبهة إلباس العمل السياسي، وكذلك الاعتقاد الديني، ثوب النفاق، فإن الخطر اليوم أعظم بلا حدود. إن أعظم أخطاره، في مواجهة أيديولوجيا كاملة، هو مواجهتها بأيديولوجيتنا الخاصة. إذا حاولنا أن ننفخ «الحماسة الدينية» من جديد في الحياة العامة-السياسية، أو أن نستخدم الدين كأداة للتمييزات السياسية، فقد تكون النتيجة مؤاتية جدًّا لتحوّل الدين وانحرافه إلى أيديولوجيا، ولتدمير نضالنا ضد الشمولية بتعصّب غريب كلّيًّا عن جوهر الحرية ذاته.
النقطة الأساسية في حجة مونرو هي أنه يتجاهل الفرق بين مقولة ماركس بأن الأديان هي إيديولوجيات، ونظريته هو القائلة بأن الإيديولوجيات هي أديان. بالنسبة لماركس، يقع الدين، مثل أمور أخرى كثيرة، في نطاق البنى الفوقية الإيديولوجية، وبالطبع لم يكن كل شيء في هذا النطاق متساويًا؛ فالإيديولوجيا الدينية لم تكن هي ذاتها الإيديولوجيا غير الدينية. لقد كان التمييز في المحتوى بين الديني وغير الديني معكوسًا. يقول مونرو وغيره من المدافعين عن «الأديان الدنيوية» إنه لا يهم ماذا يكون محتوى الإيديولوجيا، فكل الإيديولوجيات هي أديان. في هذه النظرية، ولكن ليس في تعاليم ماركس، أصبح الدين والإيديولوجيا شيئًا واحدًا.
الدليل الذي يُساق على هذا التوحيد هو أن الإيديولوجيات تقوم بنفس ما تقوم به الأديان. وبالقدر نفسه من الصحة، يمكن للمرء أن يوحد بين الإيديولوجيا والعلم، وهذا ما يفعله مونرو تقريبًا، حين يصرح بأن الإيديولوجيا الشيوعية «تغتصب المكانة التي يحتلها العلم في أعين الجماهير». بالطبع، سيكون التوحيد بين العلم والإيديولوجيا الشيوعية خاطئًا لهذا السبب، لكن هذا الخطأ سيحمل في الواقع حقيقة أكثر من هذا التوحيد المشابه منطقيًا بالدين، ما دامت الشيوعية تتظاهر بأنها «علمية»، لا «دينية»، وتجادل بطريقة علمية؛ بعبارة أخرى، تجيب الشيوعية على أسئلة علمية أكثر مما تجيب على أسئلة دينية. بقدر ما يتعلق الأمر بأسئلة مونرو، فإن الاحترام الوحيد الذي يكنه للعلم (تمييزًا له عن الدين) قد يمنعه من أن يرى، وفقًا لحجته هو، أنه لا يوجد سبب يمنعه من أن يوحد بين الإيديولوجيا الشيوعية والعلم أكثر مما يوحدها بالدين.
الخلط والالتباس الأساسي بسيط، ويظهر بوضوح شديد في قول مونرو إن «الشيوعيين لديهم جواب لكل شيء. هذه خاصية كل العقائد السليمة [orthodoxy]»، مما يدل على أن الشيوعية إذن هي عقيدة سليمة. المغالطة في هذه الحجة كانت معروفة حتى منذ أن كان اليونانيون يسليون أنفسهم بالمغالطات ويتبعون مسارًا منطقيًا مشابهًا كان يبهجهم بإيصالهم إلى تعريف الإنسان بوصفه دجاجة منتفة الريش. لكن للأسف، في أيامنا هذه، هذا النوع من العمل ليس مضحكًا فحسب.
يشكو مونرو من أنني لا أتبع الأساليب المعيارية السائدة ولا «أعرّف» الدين والإيديولوجيا. (لا يمكن الإجابة على سؤال ما هي الإيديولوجيا إلا تاريخيًا، لأن الإيديولوجيات ظهرت لأول مرة في بداية القرن التاسع عشر. لقد حاولت الإجابة على مثل هذا السؤال في مقالتي «الإيديولوجيا والإرهاب: صورة مستجدة من الحكم»، في The Review of Politics، يوليو 1953، وإن لم يكن ذلك في صورة إعطاء تعريف.)[43] لا أستطيع هنا أن أتناول سؤال ما هو التعريف وإلى أي مدى يمكننا أن نصل إلى التعاريف عبر البحث في طبيعة الأشياء. هناك نقطة بديهية: لا أستطيع أن أعرّف إلا ما هو متميز، ولا أصل إلى التعاريف، إن وُجدت أصلًا، إلا عبر وضع التمييزات. إن القول بأن الإيديولوجيات هي أديان ليس تعريفًا لأي منهما، بل على العكس، إنه يدمر حتى ذلك المقدار من التمييز الذي يُشعر به بشكل مبهم، التمييز المبهم الكامن في طبيعة اللغة اليومية، والتمييز الذي يُفترض أن البحوث العلمية تبرزه وتوضحه.
مع ذلك، في حين قد يكون من الممكن تعريف ظاهرة حديثة نسبيًا كالأيديولوجيا، فكم يجب أن أكون مغرورًا حتى أجرؤ على تعريف الدين! لا لأن العديد من الباحثين قبلي حاولوا القيام بذلك وفشلوا، بل لأن كنز المواد التاريخية وذخيرتها ينبغي أن يدفعا أي شخص لا يزال يكنّ احترامًا للمصادر والتاريخ وفكر الماضي إلى التواضع كما يليق. لنفترض أنني عرّفت الدين وغابت عن بالي بعض الشخصيات الدينية العظيمة — لا عبدة الكنغر بالطبع، الذين كان بإمكاني بسهولة أن أحسبهم في الحسبان أيضًا! في الأبحاث التاريخية، ليس المهم الوصول إلى تعريفات جاهزة، بل المهم هو رسم التمييزات بشكل متواصل، ويجب أن تتبع هذه التمييزات اللغة التي نتحدث بها والموضوع الذي نناقشه. وإلا، فلن يطول بنا الوقت حتى نقع في مأزق حيث يتحدث كل شخص بلغته الخاصة، ويعلن بغرور قبل أن يبدأ كلامه: ما الذي يعينني عليه قولي: «أعني بـ ... كذا»، وما الذي يخطر ببالي في تلك اللحظة.
ينبع هذا الخلط والالتباس جزئيًا من المنظور الخاص لعلماء الاجتماع الذين — متجاهلين بشكل منهجي الترتيب الزمني ومكان الوقائع وتأثير الأحداث وتفردها والمحتوى الجوهري للمصادر والواقع التاريخي عمومًا — يركزون على «الأدوار الوظيفية» في ذاتها ولذاتها، وبهذا يجعلون المجتمع «مطلقًا» ويربطون كل شيء به. يمكن تلخيص افتراضهم الأساسي في جملة واحدة: لكل أمر وظيفة، وماهيته هي ذلك الدور الوظيفي الذي تؤديه تلك الماهية.
لقد اكتسب هذا الافتراض اليوم في بعض الأوساط مكانة مشكوكًا فيها لأمر مبتذل، وبعض علماء الاجتماع، مثل مونرو، لا يستطيعون ببساطة أن يثقوا بأعينهم وآذانهم إذا صادفوا شخصًا لا يشاركهم الرأي. أنا، بالطبع، لا أعتقد أن لكل أمر وظيفة، ولا أن الوظيفة والماهية شيء واحد، ولا أن هذين الأمرين المختلفين جملةً — كالاعتقاد بقانون التاريخ والاعتقاد بالله على سبيل المثال — يؤديان وظيفة واحدة. وحتى لو حدث، في بعض الظروف والأحوال العجيبة، أن يؤدي شيئان مختلفان «دورًا وظيفيًا» واحدًا، فلن يكون ظني بأنهما واحد أكثر من ظني بأن كعب حذائي مطرقة لأنني أستخدمه لدق مسمار في الحائط.
.
.
٭ نُشرت الترجمة الفارسية لهذه المقالة أول مرة في إشراق، الدورة الجديدة، العددان الثاني والثالث، ربيع وصيف ۸۴، ص ۶۵–۲۳۸. هذه المقالة ترجمة لـ:
Hannah Arendt, “Religion and Politics”, in Essays in Understanding: 1930-1945, ed. by Jerome Kohn, Harcourt Brace & Company, 1994, pp. 368-90.
[1] يذكر إنجلز أنه في باريس أربعينيات القرن التاسع عشر اعتاد المرء أن يقول: [«إذن، الإلحاد هو دينكم»] Donc”, l’athéisme c’est votre religion“، وكان يعتقد أن ذلك لأن المرء «لم يكن يستطيع تصور الإنسان بلا دين إلا كغول في الصحراء». راجع:
“Feuerbach and the the End of Classical German Philosophy” in Karl Marx and Frederick Engels, Selected Works, London, 1950, II, 343.
[2] هكذا تكلم زرادشت، الجزء الثاني، «في الجزر السعيدة». — المحرر الإنجليزي.
[3] إن اعتماد باسكال السلبي على ديكارت أشهر من أن يحتاج إلى مزيد من التوثيق. ينتمي كتاب Johannes Climacus أو De omnibus dubitandum est إلى أولى المخطوطات الفلسفية لكيركغور (شتاء ٣/١٨٤٢)؛ وكيركغور، الذي كان يكتب وكأنه يكتب نقداً لسيرة سلوكه الروحي، يخبرنا كيف أن هذه الجملة أدّت دوراً جوهرياً في مجمل حياته، وكان آسفاً لأنه بعد أن تعلّم من هيغل عن فلسفة ديكارت لم يبدأ دراساته الفلسفية بديكارت (ص ٧٥). وهو، متّبعاً تأويل هيغل لديكارت، رأى في هذه الجملة العنصر الأساسي لفلسفة العصر الحديث، أي مبدأها وبدايتها. هذه الرسالة الصغيرة واردة في الطبعة الدنماركية لمجموعة أعمال كيركغور، ١٩٠٩، مج ٤. وقد استخدمتُ الترجمة الألمانية لفولفغانغ شتراو، دارمشتات، ١٩٤٨.
[4] المصدر نفسه، ص ٧٦ .
[5] Pensées, ed. Jacques Chevalier, La Pléiade, Paris, 1950, No. 92, p. 370.
بل إن الفقرة بأكملها تُظهر بشكل أوضح إلى أي مدى كان اعتقاد باسكال متجذراً بعمق في يأسه إزاء إمكانات المعرفة اليقينية:
“L’homme n’est qu’un sujet plein d’erreur, naturelle et ineffaçable sans la grâce. Rein ne lui montre la vérité. Tout l’abuse. Ces deux principes de vérité, la raison et les sens, outre qu’ils manquent chacun de sincérité, s’abuscent réciproquement l’un l’autre. Les sens, abusent la raison par de fausses apparences; et cette même piperie qu’ils apportent à la raison, ils la reçoivent d’elle à leur tour: elle s’en revanche. Les passions de l’ àme troublent les sens, et leur font des impressions fausses. Ils mentent et se trompent à l’envie.”
على الرغم من أن باسكال يخبرنا هنا، كما في موضع آخر، أن العقل أيضاً ليس سوى مصدر للخطأ، فمن الواضح أن المصدر الرئيسي للخطأ هو الحواس (العقل فقط «ينتقم لنفسه») بمعناها المزدوج: الإدراك الحسي والشهوة الحسية.
[6] المصدر نفسه، ش ٧٥، ص ٤١٦ .
[7] ديكارت، Principes، ش ٥: ينبغي الشك في كل شيء
“principalement parce que nous avons ouï dire que Dieu, qui nous a crée, peut faire tout ce qui lui plaît, et que nous ne savons pas encore si peut-être il n’a point voulu nous faire tels que nous soyons toujours trompés … car, puisqu’il a bien permis que nous soyons trompés quelquefois … pourquoi ne pourrati-il pas permettre que nous nous trompions toujours?”
[8] Descartes, Discourse de la Méthod, Première Partie : “Et j’avais toujours un extrême désir d’apprendre à distinguer le vrai d’avec le faux, pour voir clair en mes actions et mes actions et marcher avec assurance en cette vie”
[9] ويقدم فالدمار غوريان، في تاريخه الموجز والممتاز عن البلشفية، نوتردام، 1952، السبب التالي بشكل رئيسي لفهمه للحركة البلشفية-الشيوعية «كدين دنيوي واجتماعي وسياسي»: ما ينسبه مؤمنو الأديان المعهودة والمألوفة إلى الله، وما ينسبه المسيحيون إلى يسوع المسيح والكنيسة، ينسبه البلاشفة إلى قوانين التطور الاجتماعي والسياسي والتاريخي المزعومة علمياً، والتي ... شرحها ماركس وإنجلز ولينين وستالين بالتفصيل في تعاليم مثبتة. وبالتالي، فإن قبول هذه القوانين التعليمية ... يمكن اعتباره السمة المميزة للدين الدنيوي»، ص 5.
إن الربوبيين [deists] وحدهم، الذين يستخدمون الله «كفكرة» لتفسير مجرى العالم، أو الملحدين، الذين يعتقدون أن ألغاز العالم تُحل بافتراض عدم وجود الله، هم المسؤولون عن هذا النوع من العلمنة [secularization] للمفاهيم المعهودة.
[10] على قدر ما أستطيع أن أفهم، يظهر هذا المصطلح أولاً بمعناه الاصطلاحي المحدد وفيما يتعلق بالحركات الشمولية للعصر الحديث في كتاب إريك فوغلين الصغير (Eric Vögelin, Die Politischen Religionem)، في 1938، وهناك يقتبس هو نفسه عن سلفه الوحيد ألكسندر أولار، انظر:
Alexander Ular, Die Politik (in the series Die Gesellschaft, ed. M. Buber, 1906, vol. III).
يدعي ألكسندر أولار أن كل سلطة وولاية سياسية لها أصل وطبيعة دينية، وأن السياسة نفسها دينية بالضرورة. وهو يأخذ براهينه في المقام الأول من الأديان البدائية والقبلية، ويمكن تلخيص استدلاله كله في الجملة التالية: «إن إله العصور الوسطى لدى المسيحيين ليس في الواقع سوى طوطم ذي أبعاد هائلة .... المسيحي هو ابنه تماماً كما أن الأسترالي الأصلي هو ابن الكنغر». لا يزال فوغلين في كتابه المبكر يستخدم في المقام الأول أمثلة من الأديان التبتية لتبرير استدلاله. ومع أنه تخلى لاحقاً عن هذا النمط من الاستدلال بالكلية، فمن الجدير بالذكر أن هذا المصطلح قد أُخذ في البداية من الأبحاث الأنثروبولوجية وليس من تأويل التقليد الغربي في حد ذاته. ولا تزال اللوازم الأنثروبولوجية والسيكولوجية القبلية لهذا المصطلح واضحة تماماً في استخدام العلوم الاجتماعية له.
[11] يمكن العثور على ألمع وأكثر الشروح إثارة للفكر حتى الآن في الكتاب التالي:
Eric Vögelin, The New Science of Politics, Chicago, 1952.
[12] أنا أتفق تماماً مع مقولة رومانو غوارديني الأخيرة بأن دنيوية العالم، أي كون وجودنا العام واليومي «بدون وعي بقدرة إلهية»، «لا تعني أن الأفراد يصبحون غير متدينين بشكل متزايد؛ بل تعني أن الوعي العام يتجه بشكل متزايد نحو الابتعاد عن المقولات الدينية»، وإن كنت لا أتبعه في استخلاص النتيجة أنه حيثما يوجد الدين فإنه «في حالة تراجع إلى ”العالم الداخلي“». أنا أقتبس من المجلة التالية:
Commonweal, vol. LXVIII, no. 13, July 3, 1953,
التي تنشر مقتطفات موسعة من مقال في مجلة Dublin Review الحالية، لندن.
[13] إن القول بأن هذا النضال ديني في الأساس قد يعني بشكل قاطع أننا نريد أن ندّعي ما هو أكثر من الحرية. لكن مثل هذا الادعاء سيكون خطيراً، ولا يهم كم سيكون تعريف ما-هو-أكثر-من-الحرية متسامحاً؛ إذ من الممكن جداً أن يورطنا في نوع من الحرب الأهلية الروحية نستبعد فيها من نضالنا المشترك كل ما يتعارض مع «الدين». وبما أنه في هذا المجال، كما في سائر المجالات، لا توجد ولاية ملزمة لتعريف قاطع وجامع لما هو متسق وما ليس بمتسق، فسنكون عرضة لتأويلات دائمة التغير.
[14] Die deutsche Ideologie, MEGA, Feuerbach, I, v, 15.
[15] Das Kapital, I, chap. xxiii, I.
[16] إنجلز، مرجع سابق، «إذا كان بوسع الدين أن يوجد بدون إلهه، فبوسع الخيمياء أيضاً أن توجد بدون حجر الفلاسفة الخاص بها».
[17] وبتعبير ماركس نفسه:
“Die Gewalt ist der Geburtshelfer jeder alten Gesellschaft, die mit einer neuen schwanger geht. Sie selbst ist eine ökonomische Potenz”. Das Kapital, chap, xxiv, §۶.
وكذلك:
“In der wirklichen Geschichte spielen bekanntlich Eroberung, Unterjochung, kurz Gewalt die grosse Rolle.” Ibid., §۱.
[18] Engels, Selected Works, 354.
[19] Ibid., p. 340.
[20] Ibid.
[21] كان إنجلز يقارن ماركس بداروين مراراً، وكان أبلغها في «خطاب تأبين ماركس»: «تماماً كما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري»، المرجع نفسه، ص 153.
[22] وخير مثال على هذا المنهج الخلط برمته كتاب جول مونرو:
Sociology and Psychology of Communism, Boston, 1953.
[23] لقد ذهب الظن بهذين العلمين الوضعيين معاً إلى أنهما لا يشتملان على معرفة كل المعطيات فحسب، بل يشتملان أيضاً على كل فكر جوهري ممكن: «إن ما يتبقى من كل فلسفة سابقة هو علم الفكر وقوانينه، أي المنطق الصوري والجدل. وكل شيء آخر يندرج في العلم الوضعي للطبيعة والتاريخ». انظر:
Engels, “Socialism: Utopian and Scientific”, in Selected Works, II, 123.
وفي الوقت نفسه، سيكون من المجدي بيان إلى أي مدى تدين فروعنا الجديدة في المنطق الصوري والسيميولوجيا بأصلها إلى العلوم الاجتماعية.
[24] وهكذا على سبيل المثال في:
Hans Gerth, “The Nazi Party,” American Journal of Sociology, vol. 45, 1940.
لا يعني اختياري لهذا المثال أن ماكس فيبر نفسه كان يمكن أن يكون مذنباً في مثل هذه المماثلات المتطرفة.
[25] ينقل مونرو، في المصدر السابق، ص ١٢٤، عن الكتب التالية:
Van der Leeuw, Phénoménologie de la religion, Paris, 1948, and Durkheim, De la Définition des phénomènes religieux.
[26] كان ماركس وإنجلز يعتقدان أن الأديان هي إيديولوجيات، ولم يظنا أن الإيديولوجيات يمكن أن تتحول ببساطة إلى أديان. وعلى حد قول إنجلز، «لم تستبدل [البرجوازية] قط ديناً جديداً [أي إيديولوجيتها الجديدة] بالدين القديم. يعرف الجميع كيف فشل روبسبير في محاولته». انظر:
“Fuerbach and the End of Classical German Philosophy”, Selected Works, II, 344.
[27] Apol. 38: nobis nulla magis res aliena quam publica.
[28] لا يمكن ملاحظة عدم جدوى الدين المحتملة للولاية الدنيوية إلا في ظروف الدنيوية الكاملة للحياة العامة-السياسية، أي في بداية عصرنا وفي العصر الحديث. خلال العصور الوسطى، كانت الحياة الدنيوية نفسها قد أصبحت دينية، وبالتالي لم تكن قادرة على التحول إلى أداة سياسية.
[29] العبارة التي يُساء اقتباسها مراراً لا تعني أن الدين اختُرع كمسكّن للشعب، بل تعني أنه استُخدم لهذه الأغراض.
[30] إنجيل لوقا، الإصحاح ١٦، الآيات ٢٣-٣١، هو، على حد علمي، المقطع الأكثر صراحة.
[31] انظر:
Marcus Dods, Forerunners of Dante (Edinburgh, 1903), and Fredric Huidekoper, Belief of the First Three Centuries Concerning Christ’s Mission to the Underworld, New York, 1887.
[32] من أبرز هذه الرؤى حلم سكيبيو الذي يختتم به شيشرون كتاب الجمهورية، والحلم الختامي في «تأخيرات العدالة الإلهية» لبلوتارخ. قارن أيضاً بالكتاب السادس من الإنيادة، المختلف جداً عن الكتاب الحادي عشر في الأوديسة.
[33] يُؤكد على هذه النظرة بشكل خاص في كتاب ماركوس دودز السابق ذكره.
[34] انظر بشكل خاص الجمهورية، الكتاب السابع، ٥١٦د.
[35] «إن فكرة وجود فن سامٍ للقياس وأن معرفة الفيلسوف بالقيم هي قدرة على القياس، تستمر في أعمال أفلاطون حتى النهاية. انظر:
Werner Jaeger, Paideia, II, 416, note 45.
[36] خصوصية جميع محاورات أفلاطون عن العدالة هي أنه يحدث انقطاع في موضع ما، ويتعيّن بالضبط التخلي عن مسار الاستدلال. في الجمهورية، يتهرّب سقراط مراراً من محاوريه؛ السؤال المحيّر هو ما إذا كانت العدالة لا تزال ممكنة إذا كانت خافية عن أعين البشر والآلهة. انظر خصوصاً إلى الانقطاع الموجود في 372a والذي يُستأنف في 427d حيث يعرّف سقراط الحكمة وeuboulia [حُسن التدبير]؛ يعود إلى السؤال الرئيسي في 430d ويناقش sōfrosynē [ضبط النفس]. ثم يستأنف النقاش في 433b ويكاد يصل فوراً إلى مناقشة صور الحكم، 445d وما بعدها، حتى يُترك كامل الاستدلال في الكتاب السابع مع قصة الكهف على مستوى مختلف تماماً وغير سياسي. هنا يتضح لماذا لا يستطيع غلوكون الوصول إلى إجابة مُرضية: العدالة مثال ويجب أن تُدرَك؛ هذا هو البرهان الوحيد الممكن.
[37] أوضح برهان على الطابع السياسي لأساطير أفلاطون عن العالم الآخر هو أنها، بقدر ما تحكي عن عقاب جسدي، تقع في تناقض حاد مع نظريته عن فناء الجسد وخلود النفس. علاوة على ذلك، كان أفلاطون مدركاً تماماً لهذا التناقض. انظر: غورغياس، 524.
[38] الجمهورية، 374c.
[39] هذا الأمر يبدو جلياً أيضاً من الأساطير الختامية في فيدون وغورغياس، وهي أساطير لا تتضمن تمثيلاً كقصة الكهف، وفيها يقول الفيلسوف الحقيقة. يناقش فيدون في المقام الأول خلود النفس، لكنه "دفاع مُراجَع أكثر إقناعاً من خطاب (سقراط) دفاعاً (عن نفسه) أمام القضاة". انظر:
M. Cornford, Principium Sapientiae: The Origin of Greek Philosophical Thought, Cambridge, 1952, 69 .
غورغياس، الذي يُظهر استحالة "إثبات" القول بأن معاناة الظلم خير من اقترافه، يروي هذه الأسطورة في النهاية بوصفها نوعاً من ultima ratio [الضمان النهائي]، بتردد كبير وبما يشي بوضوح أن سقراط نفسه لم يكن يأخذها على محمل الجد.
[40] Marcus Dods, op. cit., p. 41.
[41] اعتقد الكتّاب المسيحيون خلال القرون الأولى برسالة المسيح إلى العالم السفلي، حيث كان قصده الرئيسي تقويض الجحيم وهزيمة الشيطان وتحرير نفوس الخطاة الموتى، تماماً كما حرر نفوس المسيحيين من الموت وكذلك من العقاب. كان الاستثناء الوحيد هو ترتليان. انظر: Huidekoper, op. cit.
[42] الشوق إلى الموت كان فكرة متكررة في الروايات العبرانية عن الجحيم. انظر:
Dods, op. cit., p. 107ff.
[43] أُدرجت هذه المقالة في طبعة 1958 وجميع الطبعات اللاحقة من أصول الشمولية. — المحرر الإنجليزي.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام متاسفانه متن خیلی بدترجمه شده است وخوانئن آن واقعا خسته کننده است.