اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الوقف، قبل أن يكون خيراً ونفعاً للآخرين، يُغيّر الواقف ويُهيّئه لتلقّي الإشراقات المعنوية؛ مقالة رضا بابائي المعنونة «الوقف من منظور الأخلاق والعرفان» تبحث في العواقب الروحية والأخلاقية لهذا الفعل.

الوقف، قبل أن يكون خيراً ونفعاً للآخرين، يغيّر الواقف ويجعله مستعداً لتلقي الفيوضات المعنوية؛ لأنه يحرر روحه من التعلقات ويسكب عليها أمطار التزكية والتحرر. كما أنه يخلّد رأس ماله الذي حصّله ببذل العمر، وينفخ فيه روح الحرية، ولهذا فإن للوقف، إلى جانب آلاف الفوائد المادية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية لجميع طبقات المجتمع، آثاراً جمة على مستوى معنوية المجتمع وسلوكه الأخلاقي. هذا التأثير مباشر، ويبدأ من لحظة نية الواقف ويستمر حتى ظهور الثمرات العينية للوقف.
للوقف جوانب واتجاهات متعددة: فهو من جهة إحدى ركائز الاقتصاد الديني ومن منابع الحياة المعنوية للمجتمع الحيوي المتقدم. ومن جهة أخرى، هو سبيل لحفظ الأموال والرؤوس الأموال الجارية أو الراكدة؛ لأن الوقف يضع رأس مال الواقف تحت مظلة الحماية الإلهية ويخلق لديه دوافع أكثر لحفظه وصيانته.
وبتعبير آخر، الوقف هو طريق لتحويل رأس المال الشخصي إلى رأس مال عام، وبهذا يصبح جميع أفراد المجتمع الديني ـ مع استخدامهم الأمثل له ـ مكلفين بحفظه وحراسته، ويتجسد هذا النشاط المهيب في هيكل «التولية».
النظرة التاريخية والظاهراتية للوقف هي منظور آخر استقطب بعض الباحثين في شؤون الوقف، وقد أبدعوا من خلاله آثاراً قيّمة. في هذه النظرة، يخبرنا ميزان التاريخ عن جوهر ثقيل وقيم اسمه الوقف، كان منشأ لكثير من التحولات الثقافية وتشكّل البنى المصيرية.
هناك نظرات ونوافذ أخرى لدراسة الوقف كانت مطمح نظر الباحثين والدارسين للوقف بدرجة أو بأخرى. يسعى هذا المقال إلى النظر إلى الوقف من منظور أخلاقي وإيراد عواقبه الروحية والمعنوية. لقد كان هذا المنظور دوماً نصب عين المجتمع الديني والمسلمين، وهذا المقال لا يدّعي تقديم زاوية جديدة أو بديعة، لكن الكاتب يعتقد أنه لم يُنظر إلى الوقف من هذه النافذة البهيجة بقدر أهمية هذا المنظور وبقدر اهتمام القرآن والروايات بهذا النطاق، بل إن الأمواج الخارجية للوقف هي التي استرعت الأنظار في الغالب. بكلمة أخرى، يخلق الوقف نوعين من الأمواج:
الأول: الأمواج الطولية أو الخارجية؛
الثاني: الأمواج العمقية أو الداخلية.
يدّعي هذا المقال أن الآثار الأخلاقية والمعنوية للوقف على الواقف ومن يعيشون معه هي أثمن بكثير من عواقبه الاقتصادية أو الاجتماعية؛ وإن كانت أقل ظهوراً وأقل تداولاً في الحديث. ما سيأتي هو دراسة البنى التحتية الأخلاقية للوقف استناداً إلى التعاليم القرآنية والروائية. كما يمكن بمعونة العقلانية الدينية والتجارب البشرية تحديد وتسجيل كثير من الفوائد المعنوية والأخلاقية للوقف، وسيتم في هذا المقال تذكير ودراسة طرف منها. يدّعي الكاتب أن للوقف آثاراً داخلية وأخلاقية على الواقف ومرافقيه تفوق آثاره الخارجية وفوائده الاقتصادية للمجتمع، وأنه يرتقي بهم ارتقاءً قد لا تحققه أشد الرياضات وأطول العبادات.
وجدير بالتذكير أيضاً أن الوقف من منظور الأخلاق والعرفان يعرّفنا بواحد من أجمل السلوكيات الإنسانية في مكافحة الرذائل الأخلاقية. يعلمنا هذا المنظور أن أعظم ربح وفائدة للوقف تعود على الواقف؛ لأنه يطهر ماله ويجعل روحه أهلاً للقاء.
يُرجى أن يضيف هذا البحث قطرة صافية إلى بحر النزوع إلى المعنوية والأخلاق المحورية لدى المسلمين؛ بعون الله تعالى.
1ـ أفق الوقف في المنازل العرفانية
يُعدّ الوقف في المقامات والأحوال العرفانية «فتحًا»؛ أي «انشراح مقام القلب وظهور صفاء الضمير»[1]؛ لأن المال يوجب القبض، والتخلّص منه منشأ الفتح وخفة الروح. فالنعمة عند العارفين «تلك النعمة التي تدل على المنعم»[2]. وكانوا يرون الواقف وسيلة لبسط النعم الإلهية، والوقف طريقًا للتقرّب إلى الله. والشكر عندهم خير من النعمة ذاتها وأثمن؛ لأن النعمة لا تقرّب أحدًا إليه، أما شكرها فيوجب القرب:
الشكر روح النعمة والنعمة كالقشر
لأن الشكر يوصلك إلى حيّ الحبيب[3]
وهذا المقام والأثر نفسهما للوقف أيضًا؛ فالوقف كالشكر باعث على القرب ومولّد له؛ خلافًا للنعمة ذاتها التي لم يبخل بها الله على صديقه وعدوّه، ولم يجعل امتلاكها مقامًا معنويًا:
يا كريمًا من خزائن الغيب
ترزق المجوسي والنصراني
أتحرم الأحبّة من عطائك
وأنت تنظر إلى الأعداء؟![4]
فالله العظيم شأنه «مطر رحمته بلا حساب قد عمّ الجميع، ومائدة نعمته بلا منع قد بُسطت في كل مكان. لا يهتك ستر عباده بذنب فاحش، ولا يقطع رزق المرتزقين بخطيئة منكرة»[5]. فالإله الذي لا يبخل بنعمته على أي كائن حيّ، ويرزق طير السماء وسمك البحر، قد جعل لنعمه اللامتناهية روحًا وحياة، وخصّ بها الشاكرين والمنفقين فحسب. النعمة عنوان رحمانيته، أما التوفيق للشكر والإنفاق فتجليّ لاسمه الرحيم. فالوقف كالشكر يهب النعمة روحًا ويوجب القرب.
ولم يكن العارفون يجلّون الوقف لمجرد كونه معينًا وملاذًا لعباد الله فحسب، بل كانوا يرونه ثمنًا وذريعة لمزيد من الدنو من مقام القرب؛ ولهذا كانوا يشترطون شروطًا كثيرة للانتفاع بالموقوفات، كي يبقى سبيل الخير مفتوحًا ويزداد باعثه. فالشيخ شهاب الدين السهروردي، صاحب عوارف المعارف، يذكر بعد نقاط عن الوقف شروطه، فيقول من جملتها:
وشرط آن است که آن کس که در خانقاه ساکن باشد، اگر روزگار به طاعات و عبادات بهسر تواند برد، شاید که از محصول موقوفات خانقاه چیزی تناول کند به سبب طعام و لباس، اما اگر به کاهلی و بطالت مشغول باشد، جایز نباشد از مال خانقاه چیزی بدو دادن.[6]
وعليه، فقد أحبّ العارفون الوقف لداعيين:
الأول: تأثيره في قطع العلائق المادية والتمهيد للتجرّد؛ والثاني: باعث خدمة الخلق التي كانوا يرونها لا تنفصل عن عبادة الخالق. فسعدي الذي تربّى في النظاميات[7] وكان يعلم جيدًا ما للوقف من دور عظيم في تأسيس المراكز العلمية والعرفانية، كان يقول:
العبادة ليست إلا خدمة الخلق
لا بالتسبيح والسجادة والخرقة[8]
وهذه النظرة القائلة إن خدمة المؤمنين تعميق للإيمان وتوسعة لروح الإنسان، كانت تدعوهم إلى وقف أموالهم؛ كما ورد في تراجم كثيرين منهم، كالشيخ عبد الواحد السياري (القرن الرابع الهجري) أنه وقف داره ومسكنه.[9]
وبعضهم كانوا، فضلًا عن بيوتهم، يقفون حصيلة كسب أيديهم على السالكين، وربما أوصوا المريدين أيضًا بوقف ممتلكاتهم.[10]
للوقف من منظور خدمة الخلق توافق كبير مع ماهية العرفان والتصوف؛ إذ كانوا يعرّفون طريقهم بأنه «تقديم الآخرين على النفس» ويسمونه «الإيثار». ومنزل الإيثار الذي هو من منازل السائرين ومن مقامات العارفين يقتضي تقديم الآخرين على النفس. وهذا التقديم يتجسد حين يجعل السالك بيته دارًا لرفاقه وماله رأس مال لإخوانه. يقول ابن بطوطة في رحلته المشهورة، ضمن شرحه لسفره إلى بخارى وإقامته في الخانقاه: «سيف الدين الباخرزي كان من كبار الأولياء، والخانقاه التي كنا نازلين فيها منسوبة إليه. لهذه الخانقاه الكبيرة أوقاف كثيرة تُصرف على إطعام المسافرين»[11]. ويكتب شهاب الدين السهروردي أيضًا: «اختارت هذه الطائفة الخانقاه لهذا السبب، حتى يقيم عندهم المسافرون والغرباء الذين يذهبون إلى المدن ولا يعرفون فيها أحدًا ولا قرابة لهم، ليستريحوا من عناء الطريق ووحشة السفر»[12].
بدأ ارتباط سنّة الوقف بمجال العرفان والتصوف الإسلامي بتخصيص الموقوفات للرُّبُط، واستمر قرونًا. كان الوقف الدعامة الاقتصادية الكبرى لمراكز العبادة وبيوت الرياضة. حتى إن تنوع الأوقاف واتساعها أتاح بناء خانقاوات وتكايا وزوايا محترمة وباقية، تقضي فيها جماعات من أهل القلوب ساعات من ليلها ونهارها في راحة تامة. لا يمكن إنكار دور مراكز التصوف الإسلامي في نشر وتقديم الخدمات العلمية والثقافية لأهل العلم، ومن هنا كان للوقف، بوصفه السند المادي والمعنوي لهذه المراكز، أثر بالغ الأهمية في مسيرة التطور العلمي والثقافي للبلاد الإسلامية.[13]
وسّع هجوم المغول على إيران في القرن السابع الهجري القلق من الوضع القائم، وأوجد حالاً خيف معها من زوال الحضارة الإسلامية. ولعل أحد العوامل المهمة والنادرة في إعادة بناء البلاد وإحياء معنويات الناس كان سنّة الوقف. يرى مؤرخو التاريخ أن التصوف الإسلامي ومراكزه الدينية، التي كانت جميعها من حسنات الوقف، كانت عاملاً مهمًا في عودة الأمل إلى الناس. لقد نهض الوقف في حقبة من حياة الحضارة الإسلامية بدور المُحيي، وهو بلا شك مدين بدين ثقيل على عاتق الثقافة والحضارة الدينية. أنعش الوقف أولاً المراكز العلمية والعبادية كالخانقاوات والأبنية الشبيهة بها، ثم أسعف الحسينيات والتكايا الدينية وتولى تشييدها أو إحياءها. وفي الوقت نفسه جعل الخدمات العامة مجانية أو رخيصة وحرّك دورة الحياة. وهكذا كان الوقف في أحلك عصور تاريخ هذه الأرض حاضرًا كعلامة أمل وحياة وراية عزم ونشاط، وفتح الطريق. لا يزال هذا الدور الرفيع والخالد يثقل كاهل الوقف، وعلى المتولين والمؤمنين أن يكروا هذا الطريق المقدس ويمهدوا مجرى المجتمع لجريانه.
2_ ثمن العمر
يُحصّل المال بثمن إضاعة العمر؛ وما يُجمع بهذا الثمن الباهظ والضخم جدير بأن يخلد؛ ولا سبيل لخلود المال أفضل من الوقف والإنفاق (الباقيات الصالحات). لقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بألسنة وبيانات مختلفة، وتقرير موجز لها على النحو التالي:
يوبّخ القرآن الكريم محبي المال ويعتبر عاقبتهم الندامة: «وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا»[14].
ما هي عوارض حب المال وآثاره حتى يشنّع الله تعالى عليه في عدة آيات من القرآن ويعتبره غير لائق؟
يُحصّل المال والملك بثمن صرف العمر. لذا حين نصرف عمرنا في تكديس الثروة والرأسمالية، نكون قد حصلنا بثمن باهظ على حاصل زهيد. بعبارة أخرى، إننا نعطي أثمن وأقدس ما نملك لنحصل على الثروة ورأس المال. هل يُتصور في هذه الصفقة ربح؟ كما يقول حافظ:
صُرف العمر الغالي في المعشوقة والخمر
حتى ماذا عسى أن يأتيني من ذاك، وماذا عسى أن يصيبني من هذا
للحرص والتكاثر في المال أضرار أخرى لعل أقلها إضاعة العمر. بعبارة أخرى، إن من يبذل عمره ليجمع الدراهم والدنانير، أقل ما يخسره هو إهدار العمر وثوانيه الثمينة. أما الخسارة الأكبر فهي إفساح المجال للفساد والتباب في بيت الروح والإيمان. في روايات كثيرة عُدَّ حب المال والإفراط في تكديس الثروة عدواً للإيمان وآخرة الإنسان، وهو ما يعني الهلاك الأبدي وسواد الروح. رُوي عن الإمام علي (عليه السلام): «المالُ وَبالٌ عَلی صاحِبِه إلّا ما قُدِّم»[15]؛ المال وبال على صاحبه إلا ما قُدِّم منه.
رأى الإمام (عليه السلام) المال هلاكاً للمستقبل، فقال: ما يُفسد اليوم يُسوِّد المستقبل أيضاً.[16] ومثل هذه الروايات في ذم تكديس المال كثيرة، وهناك بالطبع روايات تستحسن ذات امتلاك المال والعيش الرغيد؛ من ذلك الرواية المشهورة المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيها قال: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالح»[17]. وقد نظم جلال الدين الرومي هذه الرواية ومثَّل لها بقوله:
مال را کـز بهـر دین باشی حَمول
نِعـم مـالٌ صالحٌ خواند آن رسول
آب در کشتی هلاک کشتی است
آب اندر زیر کشتی پُشتی است
چون که مال و ملک را از دل براند
زان سلیمان خویش جز مسکین نخواند
چیست دنیا از خدا غافل بُدن
نه قماش و خانه و فرزند و زن[18]
أي أنه كما أن الماء خارج السفينة نجاتها، لكنه في داخلها هلاكها، فالمال كذلك ما لم ينفذ إلى قلب الإنسان فهو عطاء إلهي، وإلا صار شركاً شيطانياً.
في رواية مشابهة، عدّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الغنى وامتلاك المال خير عون على التقوى؛ أي أن الفقر والحاجة ليسا لازمين للتقوى فحسب، بل إن الاستغناء والتمتع بالمال ييسران التقوى. في عبارة النبي الكريم (ص) وُصف الغنى بأنه «نِعْمَ العونُ علی التقوی»: «نعم العون علی تقوی الله الغنی»[19]؛ خير معين على تقوى الله الغنى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الناس في روايات كثيرة نُهوا عن التوسع في الطلب وتكديس المال، وأوصوا بالزهد والورع. بعبارة أخرى، إن الروايات الدينية والثقافة الإسلامية، في مجموعها، لم توصِ كثيراً بتكديس المال وجمع الثروة الطائلة، وعدت الإفراط في تجميع المال قبيحاً.
من جهة أخرى، لا مناص للإنسان من العمل والكدح. والروايات التي شجعت على السعي لكسب المال ليست قليلة.[20] إذن فقد شُجِّع على كسب المال وأُعلِنَ النفور منه في آنٍ واحد! كيف يمكن الجمع بين هاتين الحالتين؟ لماذا أوصي المؤمنون بالكسب والعمل وأوصوا في الوقت نفسه بالانصراف عن تكديس المال وجمع الثروة؟ هل من سبيل للجمع بين هذه التوصيات التي تبدو متضادة؟
لعل الجمع بين تلك التوصيات التي تبدو متباينة ومتعارضة ليس عسيراً؛ إذ بوسائل كثيرة يمكن جعل كسب المال وسيلة للتقرب والآخرة، ومن جملتها آلية «الوقف» وأمثاله، التي توفق توفيقاً حسناً بين جمع المال والتفكير في المآل. وهذه الآليات لها أساس قرآني وأخلاقي أيضاً. على النحو التالي:
في القرآن المجيد، يقول الله تعالى: «ما عِنْدَكُمْ ینْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ وَ لَنَجْزِینَّ الَّذِینَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ ما كانوا یعْمَلونَ»[21]؛ أي: ما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.
في هذه الآية يقول الله تعالى: إن ما تحصلون عليه لا دوام له ولا بقاء. فلماذا إذن نصرف عمراً قيمته خارجة عن الحساب في متاع لا يدوم؟ هل يعقل أن يرذل عاقل ما لا نهاية له في سبيل أمور محدودة وحقيرة؟!
الوقف طريق يصل اللانهائي باللانهائي. إنه سبيل لاسترداد ثمن أعمارنا، ولننال بقدر ما أعطينا. الوقف لا يضيّع عمل الإنسان وعمره، بل يمنح ربحًا أبديًا مقابل صرف العمر الذي هو ذو قيمة لانهائية.
إن فضائل كالوقف والإنفاق، ترفع قيمة المال إلى مستوى قيمة عمر الإنسان. فمن يترك جزءًا من ماله عند الله، يكون قد احترم القيمة السامية لعمره. المال، من أي طريق جمعناه، نكون قد دفعنا ثمنًا باهظًا مقابله، ألا وهو العمر والصحة وفرص الحياة القليلة. ومقابل هذا الثمن الباهظ، أيًا كان ما نحصّله، نكون قد خسرنا؛ إلا أن نودع جزءًا منه أمانة عند الله، ونؤمن بأن «ما عند الله باقٍ».
وبعبارة أخرى، الوقف طريق للفرار من الخسران الأبدي. الوقف هو مصداق العمل الصالح الذي تتحدث عنه سورة العصر، وتجعله سببًا لأمان الإنسان من الخسران: «وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»[22].
رسالة هذه السورة الشريفة هي أن الإنسان لفي خسر، إلا إذا أقبل على الأعمال الصالحة. فأي عمل صالح يعطي عمر الإنسان الثمين ثمنًا يليق به؟ ذلك العمل ينبغي أن تكون له قيمة البقاء والأبدية، وقد قال الله تعالى إن كل ما تودعونه عندي أمانة، أحفظه لكم إلى يوم الجزاء. الوقف ينقذ مال الإنسان من خطر التلف، ويجعل الله أمينًا عليه.
وفي سورة مريم أيضًا، يبلغنا الله رسالة مفادها: إن كنتم لا تريدون أن تهدروا أعماركم، وأن تتركوا من أنفسكم شيئًا باقيًا، فسلّموا حصيلة أعماركم وكدّ أيديكم إلى الله: «وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا»[23].
أليس الوقف من أفضل السبل لتسليم المال والنفس إلى الله؟ بهذه الطريقة، ما تم تحصيله بثمن العمر (أثمن رأس مال للإنسان) لا يذهب هدرًا، وهذا الأسلوب المبارك ينقذ عمر الإنسان من آفة العبث والتلف.
والخلاصة أن المال يحصّل بثمن إتلاف العمر، وما يتم توفيره بهذا الثمن الباهظ الجسيم، جدير بأن يصير خالدًا؛ ولا سبيل لخلود المال أفضل من الوقف والإنفاق.
3_ الحرية
لقد عرّف الفقهاء الوقف بأنه «تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة».[24] أي حبس المال في موضع وإطلاق الانتفاع به للعموم أو لجماعة خاصة. هذا التعريف للوقف يتحدث عن إباحة الانتفاع بالمال الموقوف للناس، ومقتضاه إطلاقه لهم؛ لكن في الواقع، من يريد أن يطلق ماله ويسلمه للمؤمنين، ينبغي أولاً أن يتحرر هو نفسه منه ويصير حرًا. فمن كان أسيرًا لماله، كيف يستطيع أن ينفصل عنه ويجعله في متناول العموم؟! إذن، فالوقف طريق للتحرر من كل ما يكبّل الإنسان ويقيده.
الحرية نوعان: أحيانًا تأتي بعد كلمة حرية كلمة «من»، فنقول مثلاً: حرية من الأهواء النفسانية، أو حرية من الجاه، أو حرية من المال. النوع الثاني هو أن تأتي بعد كلمة «حرية» كلمة «في»، فنقول مثلاً: حرية في التعبير، أو حرية في الفكر. الحرية من النوع الأول مقدّمة على أي نوع آخر من الحريات. فمن كان أسيرًا للمال والجاه، ماذا تنفعه الحريات الخارجية؟ الحرية من النوع الثاني، بدون الحرية من النوع الأول، ليست حرية بل هي وبال وسبب لخسائر أكبر.
الوقف وكل سخاء مالي، يمهد الأرضية لـ «الحرية من ...» وبهذه الطريقة يزيّن روح الإنسان ونفسه بالمكارم الأخلاقية. في تعقيبات صلاة الظهر نقرأ: «اللهم إني أعوذ بك من مال لا نفع فيه». وفي الأمثال العربية أيضًا: «خيرُ مالِكَ ما نَفَعَكَ».
أعلى نفع يصل إلى الإنسان من المال هو روح التحرر، وهذا النفع لا يكون إلا في إيثار المال لا في حبه.
الوقف والإنفاق وما شابههما يدرّان على صاحب المال أعظم نفع منه؛ لأنهما يبلغانه درجة من التحرر والتحرر الروحي قد لا تتحقق حتى عبر الجهاد والعبادة. يقول الله الكريم في القرآن المجيد: كل ما تنفقوه يعود نفعه إليكم؛ أي أن المستفيد الحقيقي من الإنفاق هو المنفِق: «ما تُنْفِقوا مِنْ خَیرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ»[25]. يختلف مدلول هذه الآية عن مدلول الآيات التي تعد بأجر عظيم على الإنفاق.[26] فهذه الآية تقول: إن نفع الإنفاق كامن فيه نفسه، وسيتبعه بالطبع أجر عظيم.
ثمة فرق بين ما يأتي أجره وانعكاسه في المستقبل، وبين ما يُعتبر هو نفسه الأجر. تقول الآية 272 من سورة البقرة: إن السخاء والإنفاق نافعان لكم أولاً، ثم لمن يتلقونه. إذن، في الإنفاق والوقف وما شابههما فضيلة لا ينبغي الغفلة عنها. يعتقد الكاتب أن أعظم نفع للإنفاق يعود على المنفِق، وهو تحرره من التعلقات الدنيوية الحقيرة.
نرى في رواية عن رسول الإسلام الكريم (ص) تعريفاً مختلفاً للمال. يقول ذلك الرسول الكريم (ص): المال الحقيقي هو ما تقدمونه لآخرتكم، لا ما تتركونه لورثتكم[27]. يعني هذا الكلام أن المال الحقيقي وما يخص الإنسان بحق، هو تلك الممتلكات والمكتسبات التي تمنح الإنسان مقاماً وتخلق له فضيلة، لا ما يتسبب في سقوطه ويمهّد لساحة الرذائل.
4_ مرآة الكرامة
من منظور العرفان، حاجة الكرماء إلى الفقراء أشد وأجمل من حاجة الفقراء إلى الكرماء؛ لأن ما يأخذه المحتاج من الإنسان الكريم هو المال، أما الإنسان الكريم فينال عبر مساعدة المحتاجين فضيلة الكرامة. إذن، أحدهما يأخذ من الآخر خبزاً وماءً، والآخر يأخذ جاهاً وإيماناً؛ ومن هنا فإن الوقف وما شابهه، أكثر مما يلبي حاجة المحتاجين، يساعد الكرماء على تفعيل كرامتهم. وكما يقول آية الله حسن زاده آملي: «الشحاذ يتوسل إلى الله، والله يتوسل إلى الشحاذ»[28]. أي: إذا كان الشحاذ يدعو الله ليمنحه خبزاً وبيتاً وماءً وصحة، فإن الله أيضاً يستدعي الشحاذين ليعكس عبرهم اسمه المبارك «الكريم» في مرآة وجودهم وفقرهم. لعل حافظاً يشير إلى هذا المعنى في البيت التالي حيث يقول:
إن وقع ظل المعشوق على العاشق فماذا عساه أن يكون
نحن كنا محتاجين إليه، وهو كان مشتاقاً إلينا
ظواهر كالوقف تهيئ للإنسان الكريم النبيل الأرضية ليكشف عن مكنوناته الإنسانية والعرفانية. الوقف، إن كان وسيلة لتلبية حاجات المجتمع العامة، فهو أيضاً طريق لتمييز كبار البشر عن عامتهم. في الواقع، من يبذل ماله ويضعه في متناول العموم يكون قد أنجز عملين كبيرين: أولاً، لبّى حاجة من حاجات المجتمع الإيماني؛ وثانياً، أبرز فضيلة من الفضائل الإنسانية الكبرى إلى حيز الظهور. العمل الثاني، إن لم يكن أهم من الأول، فليس بأقل منه.
إذن، الوقف يبلغ الواقف درجة الكرامة، وهو سلم لارتقائه إلى مقام الكرماء. سلم الوقف يوصل المنتفعين منه في النهاية إلى سطح التمتع بالمواهب والنعم الإلهية، أما الواقف فيبلغ عبر هذا السلم نفسه معراج الكرامة والشرف، وهو أسمى وأرفع بكثير من التمتع بالنعم المادية الدنيوية.
5_ برهان الإخلاص
قلما نجد عبادة أو فضيلة بمنأى عن الرياء ومتصفة بالإخلاص بمقدار الوقف؛ لأن الرياء يعني إظهار العمل للعيان، أما الواقف فإن ماله يختفي عن الأنظار بعد وقفه، وعادة ما يقع الانتفاع بماله في غيبته؛ لذا فالوقف برهان قاطع على إخلاص الواقف؛ خاصة وأن الوقف غير معلق على تمنٍّ مباشر من أحد. بعبارة أخرى، الوقف بذل لا ينبع من استمداد مباشر وطلب شفهي من المحتاجين والمراجعين. الواقف، دون أن يطلب منه أحد مساعدة، يساعده ويمد له يد العون. وكما قال الشاعر:
لا يمنح الشحاذ فرصة إظهار التمني
لم تسمع أذن هذه الطائفة صوت المتسوّل
في روايات كثيرة، كُرِّمَ الباذلون الخفيّون وأُثني عليهم. قال الأئمة المعصومون ? في فضلهم: نحن أهل بيت النبي ? لا ننتظر أن يسألنا أحد شيئاً ثم نجيبه. وفي أدعية رجب نقرأ: «يا مَن يُعطي مَن سأله ومَن لم يسأله ومَن لم يعرفه»[29] والواقف أيضاً يساعد من لم يسأله ومن لا يعرفه أصلاً؛ وهذا أسمى وأقوى برهان على الإخلاص.
6_ مطر التزكية
المرحوم العلامة الطباطبائي ? في ذيل آية «خُذ من أموالهم صدقةً تُطَهِّرُهم وتُزَكّيهم بها...»؛[30] (خذ من أموال المؤمنين الصدقات تطهّرهم [من الدنس والقذارة]) يكتب:
«التطهير هو إزالة الأوساخ عن الشيء حتى يصفو وجوده ويصير مستعداً ومهيئاً للنشوء والنماء وظهور الآثار والبركات؛ والتزكية هي الإنماء وإعطاء النمو له بواسطة لحوق الخيرات وظهور البركات؛ كالشجرة التي يزيد قطع الزوائد من فروعها وأغصانها في حسنها ونموها وطيب ثمارها؛ ومن هنا فإن الجمع بين التطهير والتزكية في الآية من التعابير اللطيفة»[31].
بناءً على الرواية النبوية ?: «خير ما يخلّفه المرء ثلاثة: ولد صالح يدعو له؛ وصدقة جارية دائمة (وقف) يلحقه ثوابها؛ وعلم يُعمل به من بعده»[32]. إذن، فالإنفاق والصدقة والوقف التي وردت في الروايات بصفتها من الباقيات الصالحات والصدقات الجاريات، توجب تزكية نفس الإنسان وروحه. مساعدة ابن السبيل، وإعطاء القرض الحسن، والتعاون مع الأصدقاء، ومساعدة الفقراء، وكفالة اليتيم، والإنفاق والتعاون والأمور الخيرية من هذا القبيل، تطهّر الروح أكثر من أي رياضة وعبادة وتستبدل الإفاضات بالإضافات.
بعبارة أخرى، يُستفاد من الآية المذكورة والروايات الواردة في ذيلها أن الوقف هو أحد أفضل السبل لتزكية النفس والتطهير الباطني؛ وذلك من جهتین: بسبب الرياضة الحاصلة في الانقطاع عن المال، وبسبب الازدهار والنمو الذي يولّده حذف الزوائد المالية والدنيوية للإنسان. التزكية في اللغة بمعنى النمو والازدهار. الصدقة والوقف، مع حذف الزوائد وتقليم الأعشاب الضارة، يمهّدان الأرضية لنمو الروح الإنساني، وبهذا، فمن خلال تصفية الباطن والتطهير الروحاني، تتهيأ الأرضية لازدهار النفس الإنسانية.
المدهش أن الوقف، إضافة إلى تزكية الواقف، يهذّب المجتمع أيضاً؛ لأنه عندما يشيع تقليد الوقف ويسري في مجتمع ما، فإن جميع الناس يُشجَّعون نوعاً ما على البذل والإيثار والسخاء. إن الوقف في الواقع دعوة علنية وعامة للناس إلى الإيثار والمودة فيما بينهم. رُوي عن الإمام الصادق ? أن ادعوا الناس إلى الخير بأعمالكم: «كونوا دُعاةَ النّاس بأعمالكم ولا تكونوا دُعاةً بألسنتكم»[33]. إذن فوجود الواقف بين الناس هو رسالة دعوة إلهية حية لتشجيع الناس والمؤمنين على الخير والبر.
.
.
[1] راجع: سجادي، فرهنگ اصطلاحات عرفانی، ذيل مدخل وقف.
[2] الهجويري، كشف المحجوب، ص 221.
[3] مولوي، المثنوي
[4] سعدي، كلستان، الديباجة، ص1.
[5] المصدر نفسه.
[6] عوارف المعارف، ص56.
[7] المدارس العلمية الشافعية في القرن الخامس وما بعده التي كانت أهم مصادر تمويلها الأوقاف.
[8] البوستان.
[9] جامي، نفحات الأنس، ص146.
[10] أوراد الأحباب، ص 35، المقدمة.
[11] ابن بطوطة، الرحلة، ج1، ص 416.
[12] عوارف المعارف، ص50.
[13] انظر: أبو سعيد أحمد بن سلمان، مدخل إلى ثقافة الوقف، منشورات منظمة الأوقاف، ص 135.
[14] سورة الفجر، الآية 20.
[15] عيون الحكم والمواعظ، ح1493.
[16] غرر الحكم، ح1427.
[17] نِعمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ. (انظر: فروزانفر، أحاديث المثنوي، منشورات الجامعة، ص11)
[18] المثنوي، الدفتر الأول.
[19] المصدر نفسه.
[20] انظر: كنز العمال، ح10516.
[21] سورة النحل، الآية 96.
[22] سورة العصر.
[23] سورة مريم، الآية 76.
[24] انظر: تحرير الوسيلة، ج2، ص62.
[25] سورة البقرة، الآية 272.
[26] مثل الآية 8، في سورة الحديد.
[27] منتخب ميزان الحكمة، ص568.
[28] آية الله حسن زاده آملي، ديوان الأشعار، قافية الدال.
[29] مفاتيح الجنان، تعقيبات شهر رجب.
[30] سورة التوبة، الآية 103.
[31] الميزان، ج 9، ص377.
[32] نص الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بخير.» يكتب صاحب جامع الشتات: «يقول العلماء إن الصدقة الجارية هي الوقف. وقد اعتبر الشهيد الأول في الدروس الوقف هو الصدقة الجارية بعينها».
[33] سفينة البحار، ج2، ص 78.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.