اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الفرق بين المثقفين الدينيين والمجتهدين التقليديين ليس في منهج الاجتهاد، بل في «موضع الاجتهاد»؛ حيث يرى كلاهما الحاجة إلى التجديد. وجذر هذا الفرق يكمن في حساسياتهم ونظرتهم، لا في مقدار العلم أو التدين.

يختلف المثقفون الدينيون والمجتهدون التقليديون، في «منهج الاجتهاد» وفي «موضع الاجتهاد» معًا. يكمن الاختلاف في منهج الاجتهاد، على سبيل المثال، في أن الفريق الأول (المثقفين الدينيين) يولون أهمية أكبر من الفريق الثاني (المجتهدين التقليديين) للمقتضيات العقلية والقواعد العرفية، بينما يتوقف الفريق الثاني عند ظواهر النصوص ونصوصها أكثر من الفريق الأول. لكني أعتقد أن الخلاف الرئيس ليس في منهج الاجتهاد؛ بل في «موضع الاجتهاد»؛ أي في الموضع الذي يرى فيه المجتهد أو المثقف حاجة إلى التجديد والاجتهاد.
ليس الخلاف الرئيس في أن أحدهم ملتزم بالنصوص الدينية والآخر غير ملتزم. ربما لم يصدر المجتهدون التقليديون فتاوى مخالفة لمفاد ومضمون بعض النصوص والقضايا الدينية أقل مما فعل المثقفون الدينيون. كما أن الكثير من الفتاوى لا تستند إلا إلى الأصول العملية؛ أي لا يمكن إيجاد مستند لها من النص الديني. إن كنا لا نستطيع إيجاد مستند واضح وجلي في النص الديني لبعض آراء وأفكار المثقفين الدينيين، فإننا لا نستطيع ذلك لبعض الآراء التقليدية أيضًا. ليس الأمر أن أحدهم يمتلك مستندات معتبرة ورصينة لكل آرائه وفتاواه والآخر لا يمتلكها. الخلاف الرئيس يكمن في المواضع التي مارسوا فيها الاجتهاد للوصول إلى أحكام جديدة. إذا كان المثقف الديني قد أدلى بأقوال مختلفة في مسائل مثل كيفية الحجاب وكميته، والجزاء، والقصاص، وإرث النساء، والجهاد، وأسلوب الحكم على الناس، فإن المجتهدين التقليديين قد أتوا بأحكام جديدة في مسائل مثل صلاة الجمعة والاعتكاف. إذًا، الفرق ليس في ميل كلا الفريقين إلى التغيير؛ الفرق هو في الموضع الذي يرون فيه الحاجة إلى التغيير ويمارسون فيه الاجتهاد.
على سبيل المثال، يمكن النظر في تاريخ أحكام «صلاة الجمعة» و«الاعتكاف» ليتضح أنه كلما تقدمنا في الزمن تغيرت أحكام هذين الأمرين. لقد اعتبر معظم كبار فقهاء الشيعة في العصور السابقة صلاة الجمعة حرامًا إلا في زمن حضور الإمام المعصوم أو نائبه الخاص[1] وبخصوص الاعتكاف أيضًا، لم يُجز أكثر الفقهاء السابقين إقامته إلا في مسجد صلى فيه الإمام المعصوم (مثل المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة)[2] والروايات المؤيدة لهذه الفتاوى كثيرة جدًا. ورغم ذلك، استطاع الكثير من فقهائنا المعاصرين إيجاد وجه شرعي لصلاة الجمعة في عصر الغيبة وللاعتكاف في أي مسجد. لماذا؟ لأنهم وجدوا فيهما نفعًا معنويًا، ولم يستصوبوا تأجيلهما إلى زمان خاص أو قصرهما على مكان خاص. لذلك، توصلوا من خلال الاجتهاد في النصوص إلى فتاوى تخالف بوضوح ظاهر ومفاد جملة من الروايات صحيحة السند. لو كانوا يستصوبون هذا المقدار نفسه من الاجتهاد وإعادة النظر والتجديد في مسائل أخرى (مثلًا في إرث النساء أو الجزاء)، لكان الطريق مفتوحًا أمامهم بنفس القدر الذي انفتح به في جواز الاعتكاف وصلاة الجمعة.
في المقابل، اختار المثقفون الدينيون موضوعات ومسائل أخرى للاجتهاد؛ مسائل مثل إرث النساء، والجزاء، والديات. لقد توصل المثقفون والمفكرون الدينيون الجدد إلى نتائج جديدة في هذه الموضوعات ذاتها، لأنهم يولون حساسية واهتمامًا أكبر لمسائل مثل الأمور الجزائية، وحقوق الإنسان، والحريات المدنية، وحقوق الأقليات. لو كان المجتهدون التقليديون يتصرفون في هذه المسائل ذاتها كما تصرفوا مثلًا في الاعتكاف وصلاة الجمعة، لربما توصلوا إلى النتائج نفسها التي توصل إليها المثقفون الدينيون.
من هنا يمكن أن ندرك أن صفات مثل «تقليدي» و«مثقف»، أكثر مما تخبر عن منهجين في الاجتهاد وعلم الدين، فإنها تتحدث عن نوعين من الحساسية والوعي بالمشكلات، وعن نظرتين إلى الإنسان والمجتمع والمستقبل. وإذا كان منهجهما في الاجتهاد وعلم الدين مختلفاً أيضاً، فإن ذلك مرهون بالحساسيات خارج الدينية والنظرة الكونية لدى المجموعتين، أكثر مما يعود إلى رصيدهما الديني والعلمي. لذلك لا يمكن القول إن الفارق الرئيسي بين المثقفين الدينيين والمجتهدين التقليديين يكمن في مقدار المعرفة أو مدى التزامهم بالنصوص والقضايا الدينية؛ لأن كليهما يتجاوز النصوص والظواهر بنفس المقدار تقريباً؛ لكن كل واحد منهما حيث يرى ضرورة لذلك. أحدهما يسعى إلى تحديث الفقه في الاعتكاف وصلاة الجمعة وتوسيع نطاق الولاية وما شابه ذلك، والآخر في الحجاب والديات وإرث النساء وحقوق الإنسان. إذا كان المجتهدون التقليديون لا يحدثون الفقه في الإرث والديات والجزاء والحجاب، فذلك لأنهم لا يرون حاجة إلى التغيير في هذه المجالات؛ لا لأن منهجهم في الاجتهاد لا يسمح لهم بالإبداع في هذه المجالات. بعبارة أخرى، الفرق ليس في «عمل الاجتهاد»، بل في «موضع الاجتهاد». إذا توصلوا هم أيضاً، مثل المثقفين الدينيين، يوماً ما إلى نتيجة مفادها أنه ينبغي مساواة إرث ودية الرجل والمرأة، وتقديم تعريف آخر للحجاب، والأخذ بحقوق الإنسان، واعتبار الحرية الأساس الأول والأصيل للتربية الروحية، فسيفعلون ما يفعله المثقفون الدينيون اليوم؛ ولكن متى يكون ذلك اليوم؟ إنه اليوم الذي تتغير فيه حساسياتهم واهتماماتهم؛ لا مقدار التزامهم بالنصوص والظواهر أو مقدار معارفهم الدينية؛ لأنه بنفس هذا المنهج التقليدي في الاجتهاد وبنفس هذا المقدار من الالتزام بظواهر الآيات والروايات، يمكن التوصل إلى النتائج التي توصل إليها بعض المثقفين الدينيين؛ شريطة أن تحل الاهتمامات الجديدة محل تقييم الاحتياجات التقليدي.
على أية حال؛ إن التحول في علم الدين التقليدي يحتاج، قبل كل شيء وقبل أي شيء آخر، إلى تغير في الذهنيات والحساسيات ونظرة علماء الدين إلى الإنسان والمجتمع، وهذا التغير يحدث خارج جهاز الاجتهاد. إن الظن بأن كيفية علوم الدين متأثرة بكمية التدين هو ظن خاطئ؛ لأن ما يجعل علوم الدين مختلفة هو معتقدات الإنسان واهتماماته خارج الدينية، أكثر من مقدار التزامه بالنصوص والظواهر. لا يمكن لأحد أن يثبت بأي طريق كان أن تدين مجموعة من علماء الدين هو أكثر أو أقل من تدين مجموعة أخرى.
.
.
[1] الشيخ الطوسي، الخلاف، ج۱، ص۵۹۳؛ السيد المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، ج۱، ص۲۷۲؛ ابن إدريس، السرائر، ج۱، ص۲۹۰؛ …
[2] السيد المرتضى، الانتصار، ص۱۹۹ ورسائل الشريف المرتضى، ج۳، ص۶۰؛ الشيخ الطوسي، النهاية، ص۱۷۱؛ له أيضاً، الخلاف، ج۲، ص۲۲۵؛ ابن إدريس، السرائر، ج۱، ص۴۲۱؛ علي بن بابويه القمي، فقه الرضا، ص۱۹۰ و۲۱۳؛ …
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سؤالی که بعد از خواندن این متن برای من پیش اومده اینه که: واقعاً میشد تقلیلگرایانهتر از این هم نوشت؟ آخر براساس کدام استقرا چنین نتیجهای گرفتهاید؟