اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
العالم في تغيّر مستمر، غير أن عصر التنوير، بدعواه اليقين العلمي، تصوّر الطبيعة ثابتة. إيمانٌ أراد لكل سؤال جواباً واحداً، فانتهى إلى الاستبداد؛ جدلية التغيّر الدائم وخطر نزعة اليقين في السياسة.

كل آنٍ يتجدد العالم ونحن غافلون عن التجدد في البقاء
يُقرأ بيت مولانا هذا دون وقفة وسكون لكلمة «نحن»، وهذه القراءة هي الصحيحة. طبعًا، ليس معنى ذلك أن البيت لا يتضمن تجددنا، فهذا المعنى يظهر في الشطر الثاني. وإن كان بشيء من الغموض: أنحن في العالم غافلون عن تجدده، أم أننا نتجدد مع العالم ولا نشعر؟ لكن تأكيدي هنا على الشطر الأول؛ بافتراض أن الشطر الثاني غير موجود، وأن هذه الجملة فقط هي التي أمامنا: «كل آنٍ يتجدد العالم ونحن» أي أننا والعالم نتجدد في كل لحظة.
منذ العصور القديمة، طُرحت مسألة تغير العالم وثباته، وكون الكون متغيرًا أم ثابتًا، ويبدو أن أول من قال بتغير العالم هو هرقليطس. كان هرقليطس من أهل أفسس، وكل ما نعرفه على وجه اليقين عن تاريخ حياته هو أنه كان في الأربعين من عمره عام 500 قبل الميلاد، أي أنه كان كهلًا في نهاية القرن السادس قبل الميلاد.[1] قولته الشهيرة عن تغير العالم هي جريان ماء النهر أو تغير النهر. لكن عبارة «الشمس جديدة كل يوم» أسبق من هاتين العبارتين. نقل المرحوم شرف هاتين العبارتين من كتاب ديلز (Diels) بعنوان شذرات ما قبل سقراط[2] وترجمهما على هذا النحو: «الذين يخطون في نهر واحد، تجري عليهم مياه أخرى وأخرى» (أوائل الفلاسفة اليونان، ص237)؛ «لا يمكن النزول في النهر الواحد مرتين» (المصدر نفسه، ص241). لهرقليطس تمثيل أبلغ للتحول الدائم للعالم، وهو أقوى من تمثيل الماء والنهر، ويؤدي تمامًا المعنى الذي يقصده: «العالم نار حية أبدًا» (تاريخ الفلسفة اليونانية، ج1، ص509). يعتقد أرسطو في كتاب ما بعد الطبيعة أن نظرية المُثُل نشأت من هذا الفكر نفسه، ولأن أفلاطون كان يرى العالم في تغير دائم متأثرًا بالسيلان الدائم للأشياء، فقد اضطر إلى افتراض طبائع ثابتة أخرى لا تتعرض للتغير، ويمكن اتخاذها أساسًا للمعرفة، لأن المعرفة لا تتعلق بالأمور المتغيرة.[3] ولهذا السبب يعتبر هرقليطس النار العنصر الأساسي للعالم. فكل شعلة نار تندفع إلى الأعلى في كل لحظة، وتحل محلها شعلة أخرى، وفي الوقت نفسه، مع توهجها وعدم استقرارها الشديد، تغير الشيء الذي يحترق في كل لحظة. إذن، فالعالم المتغير هو نار متوهجة دائمًا (حقيقةً أو مجازًا). وقد فنّد أرسطو نظريته في الكتاب مو من ما بعد الطبيعة، ليتمكن من دحض مُثُل أفلاطون ويزعزع أسس نظرية المُثُل. رفض أرسطو، باستخدام مبدأ عدم التناقض، إمكانية أن يكون الشيء موجودًا وغير موجود في آنٍ واحد (وهو ما ورد في أقوال هرقليطس أيضًا، وإن لم يقله فهو نتيجة حتمية لنظريته)، وقال بالثبات والحركة معًا، فتشكل مبحث الحركة في الفلسفة المشائية.
مع تقدم العلوم وبزوغ عصر النهضة والرينسانس، تعاظم مَثل اليقين الأعلى في العلم، وادعى علماء العصر الحديث أن العلوم يجب أن تبلغ من اليقين ما بلغته الرياضيات. ولم يمض وقت طويل حتى تحول «يجب» إلى «هو»، واعتقد فلاسفة حركة التنوير أن العلوم الطبيعية تتمتع بالدقة واليقين التامين، وكانوا يرون الطبيعة ذات نظام دقيق وثابت، وثبات موزون ومنسجم، يمكن اكتشافه وبيانه استنادًا إلى العلوم الطبيعية، وبهذا اليقين والجزم يمكن تسخير الطبيعة وبلوغ التقدم والحقيقة. كانت ذروة حركة التنوير تأليف الموسوعة (Encyclopédie, ou Dictionannaire raisonné des arts et des métiers) بتحرير ديدرو ودالمبير. كان دالمبير رياضيًّا بارعًا أراد أن يرتقي بجميع العلوم إلى دقة الرياضيات ووضوحها. ولم يكن ادعاؤه هذا من قبيل المبالغة الفارغة. فقد كانت إنجازات نيوتن وغاليليو وكبلر كافية لإقناعهم بأن الطبيعة ذات نظام ثابت وبنية واحدة يمكن إدراكها باستخدام العلوم الحديثة. كان غاليليو قد قال إن كتاب الكون «مكتوب بلغة الرياضيات، وحروفه هي المثلثات والدوائر وسائر الأشكال الهندسية، التي يستحيل على الإنسان بدونها أن يفهم ولو كلمة واحدة من هذا الكتاب».
تسبب هذا المثال الأعلى في مشكلات من عدة وجوه. أولاً، في القرن العشرين، شكك علماء وفلاسفة كبار في يقينية بعض فروع العلوم وعدم تناقضها المنطقي. توصل كورت غودل بمبدأ عدم الاكتمال إلى أن الرياضيات غير منسجمة، ووصل فريجه وراسل، بفشل مشروع المنطقانية واصطدامهما بتناقضات منها مفارقة راسل، إلى تناقضات في نظرية المجموعات. وأظهر هايزنبرغ أن قياسنا لا يمتلك الدقة التامة وطرح مبدأ اللايقين، إلى جانب تطورات أخرى أسقطت ادعاء الدقة واليقين الكاملين عن الاعتبار.
ثانياً، في نفس العصر الذي كان يُظن فيه أن العلوم الطبيعية لا تقبل الخدش، فكر الفلاسفة وعلماء العلوم الإنسانية في نقل هذا الادعاء إلى العلوم الإنسانية، وادعوا أن الحقيقة واحدة فقط لا غير، وببلوغ هذه الحقيقة نصل إلى مجتمع وإنسان مثاليين أقاما أساسهما وبنيانهما على علوم دقيقة ويقينية وحقيقة لا تقبل الخدش. وانتهوا إلى أن لكل سؤال جواباً واحداً فقط، وأن هذا الجواب أوحد لا يُخدش. حين تدرك هذه النقطة، لن تتعجب بعدها كيف أنه في العصر الحديث، عصر العقل، عصر العلم، عصر التنوير، في القرن العشرين، ارتُكبت أكثر الاستبدادات والجرائم دموية على أيدي أناس كانوا يدّعون إنقاذ البشرية والوصول إلى الكشف والنور والحقيقة. حين يكون لكل سؤال، حتى الأسئلة الواقعة في نطاق المجتمع والسياسة والثقافة، جواب واحد فقط لا غير، وحين تنحصر الحقيقة في فرد أو أفراد معينين، فمن الطبيعي أن يمنح أصحاب تلك الحقيقة أنفسهم الحق في دعوة الآخرين إلى تلك الحقيقة الوحيدة التي لا حقيقة سواها، وفي إعادة المنحرفين عنها إليها، أو في إفنائهم حفاظاً عليها. والمثال البارز على مثل هذا الشخص هو روبسبير.
يُعرف روبسبير بفترة الإرهاب في فرنسا وثورة المقصلة التي يُعتقد أن بدايتها كانت عام 1793. لقد كان متأثراً بشكل واضح بروسو، حتى أنه زاره سابقاً. وكان كتاب «العقد الاجتماعي» قد ترك أثراً عميقاً فيه وفي ثوار فرنسا. كان روسو داعية حياة بسيطة وعدواً للثقافة الأرستقراطية وتهذيب النبلاء. ففي نظره، إن الفرد الريفي البسيط في أبسط أشكال الحياة هو الأقرب إلى فطرته وإلى «الطبيعة» أكثر من أي شخص آخر، وهو يعلم أين يكمن خيره، أما البشر الذين اعتادوا الثقافة الجديدة والحياة الجديدة فقد ابتعدوا عن الطبيعة ولم يعودوا يعرفون أين يكمن خيرهم وإلى أي وجهة ينبغي أن يتجهوا. يقول: «الحمد لله أننا نجونا الآن من شر جهاز الاستدلالات الفلسفية المرعب، أي أننا نستطيع أن نكون بشراً دون أن نكون علماء. لن نضطر بعد الآن إلى قضاء أعمارنا في دراسة كتب الأخلاق، وبجهد أقل وتحت هداية قائد موثوق يمكننا أن نجد طريقنا في هذه المتاهات اللامتناهية من الآراء العامة، ولكن لا يكفي أن يكون هذا الدليل موجوداً، بل يجب أن نستطيع معرفته واتباعه. إذا كان يخاطب كل القلوب، فلماذا إذن يندر أن تسمع قلوب صوته وتصغي إلى كلامه؟ السبب هو أنه يتكلم بلغة الطبيعة» (إميل، ص288). ومن هنا تحديداً، ومن خلال استغلاله لغموض مفردات مثل الطبيعة والفطرة والوجدان، كان يؤكد على الكشف والمشاهدة الداخلية ويعتبر الحقيقة والواقع رهينين بذلك. ثم، وكعادته، يتحدث عن مفهوم الحرية والديمقراطية لكنه يصل في النهاية إلى ما هو نقيض ذلك. الحرية جيدة، ولكن ما هي الحرية؟ إجبار الفرد على أن يكون حراً (أي إيصاله إلى الحالة الفطرية والطبيعية حيث يكون الشخص في حالة تحرر من القيود العبثية). ما هي الديمقراطية؟ الديمقراطية جيدة ولكنها لا تتحقق إلا بين الآلهة؛ ما نسميه نحن ديمقراطية هو في الواقع نوع من الجدارة. ثم يصل إلى مفهومي الإرادة العامة والعقد الاجتماعي. روبسبير ليس سوى مثالنا؛ لينين وماركس والشيوعيون وكثير من مستبدي العصر الحديث المتعطشين للدماء متهمون بأنهم كانوا أتباعاً لأفكار روسو. في الواقع، وبهذه النظرة الروسوية، عندما تكون الحقيقة الوحيدة والجواب الوحيد هو الوصول إلى الحالة الطبيعية والتحرر من قيود الحضارة وأغلالها، ويكون الحكام على الناس هم فقط أولئك النخبة الذين بلغوا تلك المرتبة، فيسوقون الناس إليها ويجبرونهم على الحرية بتعريفه هو، لم يعد هناك مجال للشك عند روبسبير في إبادة أعداء الطبيعة الإنسانية الحقة بالمقصلة. «ذات مرة، لام تاجر توماس كارلايل، مؤلف كتاب الثورة الفرنسية، لأنه مهتم جداً بالأفكار المحضة. فأجابه كارلايل: ‹في زمان ما، كتب رجل يدعى روسو كتاباً لم يكن فيه سوى الفكر. طُبعت الطبعة الثانية من الكتاب وجُلدت بجلود الذين سخروا من طبعته الأولى›».[4]
لنعد إلى السؤال الأول. لقد أظهر التاريخ أن فكرة القطعية واليقينية في العلوم، والتي أثرت هكذا على العلوم الإنسانية والثقافة والسياسة والمجتمع، ما هو موقعها الآن في عصرنا الذي يُتحدث فيه في كل مكان عن الديناميكية والسيولة والتعددية؟ لنطرح السؤال بشكل أبسط: الآن وقد اتضح أنه ينبغي فصل حساب الدقة واليقينية والقطعية في العلوم الطبيعية عن كيفية الإجابة على الأسئلة الاجتماعية والإنسانية، هل ينبغي أن نقول بالتغير أم بالثبات؟
أبرز مثال على الثبات في الفيزياء الحديثة كان قانون القصور الذاتي. أي ميل الجسم إلى السكون والحفاظ على حالته السابقة. في قانون نيوتن الأول، طُبقت هذه القاعدة على سرعة الجسم لكنها أصبحت موضع تساؤل في نظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم. لكن قانون حفظ المادة والطاقة لا يزال يثبت نوعاً من الحفظ، والذي لا ينطبق على المادة إلا في التفاعلات النووية. إذن، وكما حاول أرسطو أيضاً إثباته، ينبغي أن نقول بالثبات في موضع وبالتغير في موضع آخر. في العلم، كانت الحاجة إلى الثوابت دائماً ملحة ولا تزال، لأنه في غياب الثوابت لن يكون هناك إمكان لإجراء الحسابات، والنقاش الأوسع حول هذا الأمر، أي حول توفر أو عدم توفر ثوابت لا تقبل الجدل أو سائر المسائل المتعلقة بأسس كل علم، هو من اختصاص علماء ذلك المجال، أما في العالم الإنساني وفي حيز الفكر والمجتمع والثقافة والسياسة، فإن الأمر يجري على نحو آخر.
فيما يتعلق بالعلوم والشؤون الإنسانية في القرن العشرين وما بعده، وبعد انكشاف المشكلات الناجمة عن إقحام الدقة الرياضية في العلوم الإنسانية والشؤون الاجتماعية، سلك الفلاسفة والمفكرون كلٌّ سبيله، وطرحوا نظريات جديدة للفصل بين هذين النوعين من العلم. فمن أمثال هوسرل ودلتاي من انتهج كلٌّ منهما منهجاً قائماً على الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا ليفصل بين هذين الحقلين ويُظهر أن منهجية وماهية هذين التخصصين تختلفان اختلافاً جوهرياً. أما في إيران، فإن من أدرك هذه النقطة المهمة وتنبّه لمعضلات النظرة السابقة وسعى لإيجاد حل لها، لكنه للأسف لم يُرَ ولم يُفهم على النحو الصحيح، هو آخر فيلسوف إيراني أصيل، العلامة محمد حسين الطباطبائي. لقد طرح، بفهمه الصحيح والدقيق لهذه النقطة، نظرية الإدراكات الاعتبارية لمنع أو للرد على المعضلات التي نشأت عن تدخل العلوم الطبيعية في العلوم الإنسانية، وقد تنبّه لهذه الدقيقة في زمن لم يكن فيه أحد على علم بمثل هذه المعضلة والنتيجة، ولم يكن قد فكر في حل لها (في المجالين الإيراني والإسلامي). لكن سوء فهم شارحيه جعل هذه النظرية تُعتبر نوعاً من النسبوية، وتُدفع إلى الهامش بملاحظات خالية من الروح وقليلة العمق (ولم تكن انتقادات المرحوم المطهري عديمة التأثير في ذلك).
إن نقد تلك الآراء ومطابقتها مع آراء بعض الفلاسفة الجدد ومزيداً من إيضاح النظرية في ضوء فلسفات أحدث يحتاج إلى مجال ومقال آخر، ونحن هنا بعد تقرير موجز سنُظهر كيف أن العلامة بهذه النظرية قد نزع سم سيطرة القطعية في العلوم الإنسانية وساقها إلى سبيل لا يؤدي إلى النسبية فحسب، بل يمنع من الأحادية وضيق الأفق والفهم الحصري للحقيقة والواحدية في الإجابة عن المسائل الإنسانية، وبالتالي يمنع من نشوء الاستبداد السياسي والاجتماعي والفكري (سواء على أيدي العلماء، مثل أصحاب دائرة المعارف، أم على أيدي الحركات الفكرية والاجتماعية).
إذا بدأ المرء فلسفة العلامة من البداية ومن كتاب بداية الحكمة، يرى أن الإدراكات الاعتبارية ليس لها دور محوري في أفكاره وآثاره فحسب، بل إنه بسبب ابتناء كثير من المسائل على هذه الإدراكات، لن يتمكن من فهم صحيح لآثاره الفلسفية. أولاً، هو يرى أن ثلاثة أصناف من الأمور لها ثبوت نفس أمري: 1_ ثبوت الوجود 2_ ثبوت الماهيات بواسطة الوجود 3_ ثبوت المفاهيم الاعتبارية العقلية؛ والبحث يدور حول الصنف الثالث من هذه الأمور. وبناءً على نظرية «الإدراكات الاعتبارية» فإن هذه المفاهيم «لم تؤخذ مباشرة من الخارج، وإنما العقل فقط، بسبب الضرورة والحاجة، حصل عليها واعتبرها بنوع من التحليل العقلي. كمفاهيم الوجوب والعلية وغيرها» (بداية الحكمة، ص37). هذه هي النقطة ذاتها التي غفل عنها المرحوم المطهري في انتقاداته لنظرية العلامة، واعتبر الاعتبارية بمعنى عدم كونها عينية ومتحققة، مما يفتح الباب أمام النسبوية. ومن بين فلاسفة الغرب الجدد، فإن فتغنشتاين بعدم قوله باللغة الخاصة وسائر كتاباته التي أتى بها في هذا الشأن (وسنأتي عليها في موضعها ونوضح نسبتها مع الإدراكات الاعتبارية)، يتوافق مع العلامة من هذه الناحية.
بيان العلامة هو أن بعض القضايا موضوعها ذهني، سواء كان لها حكم خارجي أم ذهني، مثل «الإنسان نوع»، فبما أن ظرف ثبوت هذه القضايا هو الذهن، فإن صدق هذه القضايا هو أن تطابق الذهن (المصدر نفسه، ص38). في الواقع، إذا أُشكل على العلامة بأنه بجعله القضايا ذهنية (كما أشكل المرحوم المطهري)، قد حكم بعدم عينيتها، فالجواب هو أن «كون القضية تسامحية لا ينافي كونها نفس أمرية» (المصدر نفسه، ص41). أي أن مجرد كونها ذهنية ليس دليلاً على كونها كاذبة. مثلاً، إذا لم تكن هناك غيوم، فلا مطر. القضية سالبة كلية وذهنية ولكنها ليست كاذبة.
لقد أوضح المرحوم العلامة في كتابه «نهاية الحكمة» مقصوده من الاعتبار من خلال إقامة تمييزات لغوية بين أنواعه، ولا يتسع المقام في هذا المقال الترويجي للخوض فيها. لكننا نكتفي بالإشارة إلى أنه في «نهاية الحكمة»، وبعد تقسيم العلوم الحصولية إلى حقيقية واعتبارية، عُدَّ العلم الحصولي الاعتباري من العلوم التي «لها مصاديق ذهنية» (انظر: نهاية الحكمة، ص339). وفي الكتاب المذكور، وقبل الشروع في بحث هذين النوعين من العلم وردّ الدعاوى التي تؤدي إلى السفسطة (من قبيل نسبية المعلومات)، أشاروا صراحةً إلى أنه «بالطبع، في العلوم العملية (الأخلاق والآداب والسياسة) يوجد
من هنا نصل إلى الغرض الرئيسي من المقالة الذي أشرت إليه في البداية. إذا لم يكن التجدد في نطاق المسائل الخارجة عن متناول الإنسان، فهو ممكن في كل شيء آخر. «يجب الإقرار بأنه من الممكن للإنسان أو أي كائن حي آخر (بقدر شعوره الغريزي) أن يبني، بفعل أحاسيسه الداخلية الناتجة عن سلسلة من الاحتياجات الوجودية المرتبطة ببنيته الخاصة، مجموعة من الإدراكات والأفكار التي ترتبط ارتباطًا خاصًا بتلك الأحاسيس، وتكون نتيجتها وغايتها رفع الاحتياجات المذكورة، وتزول وتتبدل ببقاء العوامل الشعورية أو النتائج المطلوبة وزوالها وتبدلها» (أصول الفلسفة، ص398). نحن في نطاق هذه العلوم التي هي إدراكات اعتبارية ما بعد الاجتماع، نستطيع أن نصير كل يوم أكثر تجددًا، وأن نبنيها على نحو يجعل الحياة والعيش أسهل وأكثر راحة لنا، وبعد اختبارها في ميدان الحياة والمجتمع، نجد لها بدائل أخرى، وعندما لا تساعد هذه الاعتبارات حياة البشر ورفاههم وراحتهم ورفاه المجتمع، بل تتسبب في التخريب، نجددها. والشواهد على ذلك كثيرة. عندما تسوق الماركسية اعتباراتها ويتبين أن تلك الاعتبارات ليست في خدمة البشرية بل تهدف إلى خيانتها، وتحد من فردية الإنسان وشخصيته وتحصرها في الحزب والإطار الضيق للتاريخ، نستفيد من اعتبارات أخرى وبدائل أخرى لا تدوس الكرامة الإنسانية ولا تضع الإنسان في خدمة رغبات فرد أو أفراد معينين. من هنا يتحول مبدأ القطعية والحتمية في العلوم الإنسانية إلى وهم يؤدي القول به إلى هلاك المجتمع والفرد. وفي ضوء هذه النظرية، نستطيع بالقول بالإجابات المتعددة وتكثّر القيم، ليس فقط أن نروج للتساهل والتسامح في المجتمع ونجعل إمكانية السلام والحوار أكبر كل يوم، بل بتجديد القيم والبنى والأفكار نحول العالم كل يوم إلى مكان أفضل وأكثر أمنًا. أجل، كل آنٍ يتجدد العالم «ونحن».
.
.
قائمة المراجع:
- الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة)، أرسطو، ترجمة شرف الدين الخراساني (شرف)، نشر حكمت، 1385.
- أوائل الفلاسفة اليونان، شرف الدين الخراساني، منشورات علمي فرهنكي، 1395.
- تاريخ الفلسفة اليونانية، و. ك. س. غوثري، ج1، ترجمة مهدي قوام صفري، منشورات جامعة طهران، 1395.
- مجموعة الآثار 6 (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي)، مرتضى مطهري، منشورات صدرا، 1393.
- بداية الفلسفة (ترجمة نهاية الحكمة)، محمد حسين الطباطبائي، ترجمة محمد علي كرامي، بوستان كتاب، 1387.
- نهاية الحكمة، محمد حسين الطباطبائي، ترجمة مهدي تدين، مركز النشر الجامعي، 1392.
- إميل، جان جاك روسو، ترجمة غلام حسين زيرك زاده، نشر ناهيد، 1385.
- تاريخ الفلسفة الغربية، أنتوني كيني، ج1، ترجمة رضا يعقوبي، نشر بارسه، 1398.
.
.
[1] . لمزيد من الدراسة، انظر: شرف: 1395، كيني: 1398، غوثري: 1395.
[2] . Die Fragmente der Vorsokratiker
[3] .انظر: الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة)، أرسطو، ترجمة شرف الدين الخراساني، 1078ب
[4] .نقلاً عن ألسدير ماكنتاير في
A Short History of Ethics (London: Routledge, 1976), p. 182.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.