اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الأدعية المأثورة إما أن تكون تجربة مناجاة للأولياء أو طقسًا دينيًا؛ وفي هذا يكمن الفرق بين المواجهة الخلّاقة والمقلّدة. ففي النظرة الأولى، يتقدم المضمون على اللغة، والزمن الأنفسي على التقويمي، والحوار مع الله على طلب الحاجة.

من الركائز التي عادة ما تهديها الأديان لأتباعها، الأدعية والمناجاة التي جرت على لسان مؤسسي الأديان وعظمائها أو دُوّنت في كتبها المقدسة، والتي حافظت عليها التقاليد الشفهية أو المكتوبة للأديان ووضعتها بين يدي أتباعها. لكن مواجهة المؤمنين وأتباع الأديان لهذه الركيزة ليست على وتيرة واحدة، إذ يختلف تلقيّهم لأهمية هذه الركيزة ومكانتها وماهيتها. كما ينطبق الكلام نفسه، بشكل آخر، على فهمهم للشعائر والشرائع وحتى العقائد الدينية.
بالنسبة لأولئك الذين يُشكّل «الإيمان» أهم مسألة ومطلب لديهم، يكتسب الدعاء أهمية وفاعلية في مسألة الإيمان تفوق بعض العقائد والشعائر والأحكام. إنهم لا ينظرون إلى الأدعية الواردة في التقاليد الشفهية أو المكتوبة للأديان بوصفها عملاً وشعيرة دينية – تُعتبر جزءاً من الدين – بل ينظرون إلى الأدعية بوصفها تجارب الأولياء في لحظة الدعاء والمناجاة. أي أنهم يعتبرون هذه الأدعية أحوال وأقوال أولياء الدين في مواجهتهم الحقيقية مع الله، والتي وصلت إلى أتباع الأديان بفضل التوفيق والإمداد الإلهي. لذلك، لا ينظرون أبداً إلى هذه الأدعية كجزء رسمي من الدين يكون قبولها شرطاً للدخول في الدين أو الخروج منه. بل يرون الدعاء لازمة وثمرة وعلامة للتدين والإيمان، وفي مواجهتهم للأدعية المأثورة لا يسعون إلى جمع الثواب أو الأثر التكويني لهذه الأدعية، بل يسعون إلى لغة وبيان يستطيعون بمساعدتهما أن يدعوا الله ويناجوه بشكل أفضل.
أما بالنسبة لأولئك الذين تُشكّل الشرائعية والعقيدة والهوية الدينية أهم مسألة ومطلب لديهم، فإن مكانة الدعاء وأهميته تأتي في المرتبة التالية للأعمال والشعائر والعقائد الدينية، ويكون الدعاء أشبه بزينة للتدين وليس أصلاً ومتن التدين. وكلما أرادوا توجيه عناية خاصة للأدعية، تتجلى هذه العناية الخاصة بأن استقلال الدعاء عن العقائد وسائر الشعائر الدينية يتلاشى تدريجياً، وتتحول الأدعية الدينية عملياً إلى عمل وعبادة دينية يجب على الفرد أن يؤديها وفق ضوابط خاصة وينتظر ثوابها وأثرها التكويني.
هذا الفهم والتلقي المختلف لأهمية الدعاء ومكانته وماهيته يؤدي، في مقام العمل، إلى اختلاف طريقة مواجهة هاتين المجموعتين للأدعية ونوع استفادتهما منها. عادةً ما ينظر «الإيمانويون»، بناءً على تلقيّهم لمكانة الدعاء وماهيته، إلى الأدعية المأثورة أو غير المأثورة الواردة في الكتب والمصادر الدينية على النحو التالي:
لغة الدعاء ليست ذات أهمية جوهرية، والمهم هو مضمون الدعاء. لذا يمكن التعبير عن مضمون هذه الأدعية بأي لغة. بل إن الفرد إذا استخدم مضمون الدعاء في قالب لغته الأم، استطاع التواصل مع الله بشكل أفضل، فالأولوية للغة الأم. علماً بأن المقصود بلغة الدين ليس اللفظ فحسب، بل أيضاً أفق ومستوى فهم وعاطفة ورغبة وطلب الشخص الداعي. لذا، كلما كان الدعاء من حيث المضمون أبعد عن أفق رغبة وفهم الداعي، كان أكثر غموضاً بالنسبة له وأكثر غرابة عن لغته، ولا يمكنه أن يكون ممهداً لحالة معنوية أو لاتصال «أنا-أنت».
الزمان المخصوص الذي ورد لبعض هذه الأدعية ليس له موضوعية أو أهمية جوهرية. والمعيار هو الزمان الأنفسي للشخص – حاله وهواه وطلبه الداخلي – لا الزمان التقويمي. وإن كان من غير المستبعد أنه إذا اقترن هذان الزمانان يزداد مستوى تأثير الدعاء. ولكن إذا لم يقترنا، فالأولوية للزمان الأنفسي. ويمكن أن ينطبق الكلام نفسه على مكان الدعاء – الذي ورد في بعض الأدعية – بالطبع، ما قيل لا يعني نفي تأثير الزمان والمكان التقويميين في الدعاء، بل المقصود هو أولوية الزمان الأنفسي على الزمان التقويمي.
مقدار وكيفية تكرار أو عدم تكرار مقاطع من الدعاء (خصوصاً في أثناء المناجاة الفردية للدعاء) يحدده انجذاب الشخص وطلبه، لا الأمر والشكل الوارد للدعاء. بل قد يتصرف الفرد في عبارات الدعاء ومضمونه ويغير بعض عبارات الدعاء تبعاً لحاله وطلبه (وهذا الأمر ليس مصداقاً لتحريف هذه الأدعية على الإطلاق، لأن الفرد يقدم على هذا العمل في مقام مناجاته ودعائه الشخصي، لا في أثناء كتابة ذلك الدعاء وتحليله).
أي قسم من الدعاء يُقرأ، ومن أي قسم يُبدأ، وفي أي موضع يُختم، يختاره حال الداعي وانجذابه وقدرته.
الأصل في الدعاء والمناجاة أن يتوجه الفرد إلى الدعاء في خلوته. لذا فإن الأصل في قراءة هذه الأدعية المأثورة وغير المأثورة أن يقرأها الفرد في خلواته الخاصة، ذلك أن الدعاء ليس كالصلاة التي تزداد فضيلة أو تأثيراً بقراءتها جماعة، أو ورد الأمر عن أولياء الدين بالدعاء الجماعي. لكن السبب في أن الدعاء الجماعي قد يستساغ أحياناً أكثر من الدعاء الفردي هو أن انخراط العواطف والمشاعر في الدعاء له موضوعية وأهمية خاصة، وحين تنخرط العواطف يشعر الفرد بإمكانية الاستجابة والقرب بشكل أكبر. ففي الدعاء الجماعي تقوم العوامل الخارجية (صوت المادح، وقراءة المراثي، وصوت التصفيق الجماعي، وسماع بكاء ونحيب المحيطين) بإشراك العواطف. أما إذا استطاع الفرد في خلوته ومن خلال أسباب ذاتية أن يُشرك عواطفه في الدعاء، فإن إمكانية الاستجابة ستكون أكبر لأنه هو الذي يشارك بفاعلية لا الأمور الخارجية.
الدعاء عابر للحدود، بمعنى أنه قد لا يتفق الفرد قلباً مع بعض المعتقدات الواردة في متن دعاء ما، أو الاعتقاد الكامن خلف الدعاء (مثل الاعتقاد بعصمة من ورد عنه الدعاء)، لكنه يستطيع أن ينتفع بفقرات أخرى من ذلك الدعاء. لذا، وعلى عكس المناسك والعبادات والأحكام التي قد يتسبب الاختلاف الديني أو المذهبي في قبولها أو رفضها، يمكن للفرد أن ينتفع بالأدعية الواردة في الأديان والمذاهب المختلفة أثناء مناجاته.
ختم الأدعية هو الأقل أهمية، وينتهي الدعاء حيث تنقطع الصلة العاطفية والروحية للفرد مع الدعاء ويخرج من حالة الدعاء والمناجاة. وقد ورد عن أولياء الدين حتى فيما يخص المناسك الدينية أنه حين لا يكون هناك انجذاب قلبي يُكتفى بالواجبات فحسب، أو نُقل عن الإمام علي عليه السلام أن همّ الشخص في قراءة القرآن لا ينبغي أن يكون منصباً على بلوغ آخر السورة.
فيما يتعلق بهيئة الجلوس والتهيؤ لحالة الدعاء، المهم هو قدرة وإحساس الفرد الداعي. وبالطبع، أثبتت التجربة أن بعض هيئات الجلوس تؤثر في الداعي بشكل أكبر.
الدعاء ليس مجرد طلب وسؤال حاجة من الله، ولا ينبغي أن ينصب اهتمام الداعي حصراً على الطلبات والاستجابة، لأن الجزء الجوهري من الدعاء هو الإحساس بحوار "الأنا والأنت" مع الله، وفي هذه الحالة قد يكون القسم الأعظم من الدعاء مجرد مناجاة، أي حوار وبوح مع الله وتسبيح وتقديس له. وفي الأدعية المأثورة أيضاً نشهد مراراً أن الأئمة يخصصون قسماً كبيراً من الدعاء للتسبيح والتقديس ومناجاة الله. وسبب ذلك أن ما يُقعد الفرد للدعاء ليس بالضرورة طلب مطلوب أو رفع بلاء ومصيبة، بل الشوق للحوار مع الله والإحساس بالضجر من الدنيا.
حتى لا يساء الفهم:
ما قيل بخصوص المواجهة الخلاقة مع الدعاء ليس فهماً شخصياً أو عقلياً محضاً لمسألة الدعاء، بل توجد في النصوص الدينية وسيرة أولياء الدين وكبارهم شواهد متعددة تؤيد المواجهة الخلاقة مع الدعاء. هذه الشواهد ليست مجهولة لدى الملمين بالنصوص الدينية. لكن هدف هذه الكتابة هو بيان إجمالي لنمطين من التعامل مع مسألة الدعاء، والبيان التفصيلي لهذه الشواهد يتطلب كتابة أكثر تفصيلاً.
العلاقة بين الدين والدعاء هي إلى حد ما كالعلاقة بين الدين والأخلاق. لذلك، فرغم أن الفرد بغض النظر عن أي دعاء مأثور أو غير مأثور يمكنه أن يرفع يديه بالدعاء والمناجاة، إلا أن الدين ومناسكه يمكن أن تؤثر في الدعاء. وذلك بأن بعض المعتقدات والمناسك الدينية تؤدي دور المُيسِّر والمُعين في الدعاء، ولأن الدعاء ليس مسألة معرفية بحتة، بل إن قسماً كبيراً من منبع الدعاء متجذر في ساحة العواطف والمشاعر، ونحن نعلم أن أحد الأمور التي تميز الدين عن الفلسفة والعلم هو الصلة التي يقيمها الدين مع ساحات عواطف الإنسان ومشاعره. لذا فإن حديثي في هذه الكتابة هو عن المواجهة الصحيحة مع الأدعية المأثورة، لا التقليل من شأن هذه الأدعية.
ليس مدعى هذه الكتابة هو أن الانجذاب والحال الشخصي للفرد في الدعاء والمناجاة هو المعيار فحسب، وأن التوصيات الدينية حول كيفية الدعاء والمناجاة غير مؤثرة. كما أن مدعاها ليس أن الذين يتعاملون مع الدعاء والمناجاة بشكل تقليدي لا ينتفعون من الدعاء مطلقاً، بل إن الحديث يدور حول التعريف بأسلوب مواجهة أفضل وأكثر فاعلية مع الدعاء.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
جزاکم الله بالخیر