اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بدلاً من التركيز على معارك أجدادنا، يقترح مالك حسيني الاعتزاز بالإرث الفلسفي والإنساني المشترك؛ فمن منظوره، تُقيم أفكار أرسطو وسعدي، المتجاوزة للزمان والمكان، رابطة أعمق من حروب الماضي.

لستُ مؤرخاً، لذا لا يحق لي، ولا أرغب أيضاً، في الحديث عن الوقائع التاريخية أو الادعاءات التاريخية – سواء ما كان موضوعها معركتي ثيرموبيلاي وسالاميس، أم موضوعات أخرى ذات صلة – والدفاع عن موقف معين.
ولستُ لغوياً أيضاً، لذا ليس من المفترض أن أتحدث عن كلمة بربروس وأن أناقش مثلاً مسألة ما إذا كان اليونانيون أنفسهم، ومنذ أي زمن إن كان الأمر كذلك، قد صاروا يفهمون من هذه الكلمة ليس (أو ليس فقط) «الغريب الذي لا يعرف اليونانية»، بل (أيضاً) «الإنسان غير المتحضر». (كان هناك ما يشبه ذلك لدى العرب: العجم تدل على «غير العربي الأبكم/ الفارسي الذي لا يعرف العربية»).
ومع ذلك، كان بإمكاني، أنا الإيراني، أن أستند مثلاً إلى أمير مهدي بديع (اليونانيون والبرابرة، 1963) لأقول أشياء كثيرة حول موضوع النقاش. لكنني لن أفعل ذلك أيضاً. أريد فقط، من منظور شخص يتعامل مع الفلسفة بشكل ما منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، وبشكل رئيسي مع الفلسفة اليونانية-الغربية، أن أتحدث باقتضاب شديد عن بضع نقاط.
1_ يصعب عليّ أن أتصور كيف كان بوسع اليونانيين المثقفين أن يروا شعباً – الفرس البرابرة، بمعنى «بربري» السلبي – كان يتمتع آنذاك بحضارة عظيمة. (هنا يمكن الإشارة إلى أسطوانة قورش التي ظهرت قبل عقود من معركة سالاميس والتي يعتبرها البعض «أول إعلان عام لحقوق الإنسان»، رغم أن آخرين يشككون في هذا الاعتبار). كيف يمكن أن نتصور أن اليونانيين المتحضرين لم يستطيعوا رؤية حضارة أخرى في جوارهم والاعتراف بها؟! تلك الحضارة نفسها التي كان مقدراً لها لاحقاً أن تستقبل في أمان آخر رئيس للمدرسة الأفلاطونية المحدثة في أثينا مع أفلاطونيين محدثين آخرين – كانوا في الحقيقة قد فروا من الإمبراطورية الرومانية الشرقية المسيحية. إن إنكار حضارة أخرى أو تجاهلها هو وحده ما يؤدي إلى وصف أبناء تلك الحضارة بالبرابرة الفجّين عديمي الثقافة؛ وهذا هو بالضبط ما لا يُنتظر من اليونانيين المثقفين ذوي الثقافة!
2_ عندما واجهتُ لأول مرة يونانياً (يونانياً مثقفاً) بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي حين سنحت لنا الفرصة لنتحدث مع بعضنا البعض ونبني في الحقيقة صداقة، لم أفكر ولو للحظة في الإسكندر الكبير وفتحه لأرض أجدادي (رغم أن هذا الصديق اليوناني كان اسمه بالصدفة إسكندر وكان ضخم الجثة!)، وبالأولى لم أفكر أيضاً في المعارك الأخرى بين أجدادي المفترضين وأجداد صديقي اليوناني المفترضين. لم يبدُ هذا اليوناني في عيني ولو للحظة وجيزة ممثلاً لأعداء أرضي القدامى؛ كنت أستطيع أن أرى فيه من العداوة بقدر ما أستطيع رؤيته في أصدقائي المقربين في طهران وأصفهان!
إذن فيمَ فكرت عندما واجهت يونانياً لأول مرة؟ في الحقيقة، ربما لم أفكر في البداية في أي شيء؛ لكن تدريجياً، ولو بشكل لا واعٍ إلى حد ما، فكرت فقط في إسخيلوس، سوفوكليس، يوربيديس، سقراط، أفلاطون، أرسطو، ...، نيكوس كازانتزاكيس، ثيو أنجيلوبولوس...، أي في الوجوه التي كان يمكن لصديقي اليوناني، بل كان ينبغي له، أن يفخر بها – تماماً مثلما أفخر أنا بالفردوسي، سعدي، حافظ، مولانا، الخيام، الفارابي، ابن سينا، سهراب سبهري، عباس كيارستمي، محمد رضا شجريان...، لكنني لا أفخر أبداً بأولئك من أجدادي الذين قاموا بفتوحات قبل قرون وآلاف السنين. وكيف يمكن للمرء أن يفخر ببعض فتوحاتهم؟ وإن كان لا بد من فعل شيء، فالأجدر أن نشعر بالخجل! (وحقاً، من يدري إن كان أولئك هم أجدادي أنا؟)
3_ هذا صحيح؛ فأنا مثلاً أفتخر بالفردوسي أو ابن سينا؛ لكن، نعم، لا يقل عن ذلك افتخاري مثلاً بأرسطو (حتى لو صحت الحكاية أنه كان معلماً للإسكندر الصغير اليافع الذي فتح لاحقاً، في كبره ورشده، أرض أسلافي وأطاح بأعظم إمبراطورية في ذلك العصر؛ وإن كان، كما تذكر المصادر، قد تعلم من الفرس أكثر مما فتح). ومن ذا الذي في العالم كله لا يستطيع أن يفتخر بأرسطو؟ حين أقرأ أرسطو، كثيراً ما أسأل نفسي (مثل كثيرين غيري قطعاً) كيف أمكن أصلاً أن يدخل إنسان كأرسطو إلى عالم الإنسانية؟ وهذا يحدث كثيراً حين أقرأ الأخلاق إلى نيقوماخوس. أود أن أتحدث قليلاً عن هذا.
إن أثر أرسطو، رغم كل ارتباطه بالثقافة اليونانية في زمانه، ينطوي على موضوعات وأفكار تتجاوز كل ثقافة، وتتجاوز أيضاً كل زمان؛ إنه حديث عن السعادة أو العيش الطيب لكل فرد من البشر ولكل مجتمع أيضاً. لا أنوي الخوض في هذا، لكني أريد أن أطرح ملاحظة قصيرة عن جزء من هذا الأثر لا شك أنه جذاب حتى للأفراد خارج حقل الفلسفة: عن رسالة الصداقة عند أرسطو، أي الكتابين الثامن والتاسع من الأخلاق إلى نيقوماخوس.
ليس بعيداً عن الحقيقة القول إن الصداقة عند أرسطو – الذي طرح إيضاحات مفهومية وآراء مؤثرة ولا تزال معتبرة حول الصداقة – هي في الغالب ظاهرة تظهر وتتجلى في حلقات الأصدقاء الصغيرة، وفي الأسرة، وفي أوسع حالاتها بين أعضاء البوليس الواحدة. ومع ذلك، يتحدث أرسطو في مستهل رسالته عن الصداقة عن الصداقة "لدى الكائنات المنحدرة من نسب واحد، بوصفها شعوراً بالانتماء إلى بعضهم البعض؛ وبالطبع على نحو أخص لدى البشر، ولهذا السبب نحن نمتدح حب البشر العام ونعترف به". هذا وحده يكفي من رسالة الصداقة الأرسطية الطويلة ليرفعها فوق كل الأمكنة والأزمنة ويخلق صلة بين الجميع.
فلا عجب إذن أن أرسطو، وخصوصاً الأخلاق إلى نيقوماخوس، قد ترك أثراً هائلاً على ثقافات مختلفة. لقد تأثرت الأخلاق الفلسفية في الثقافة الإسلامية بشدة بأرسطو، وفيما يخص المفكرين الإيرانيين – وأعمالهم في الأخلاق سواء بالعربية أو الفارسية – ينبغي القول إنهم تأثروا في الوقت نفسه بالفكر الإيراني ما قبل الإسلام، وهو فكر تُعد مسألة تأثيره على الفكر اليوناني موضوعاً قائماً بذاته ينبغي فهمه ومناقشته في إطار الموضوع الأوسع للعلاقات اليونانية-الإيرانية؛ لا أستطيع ولن أتحدث عن هذا، وهناك مصادر جيدة في هذا المجال (للقارئين الملمين باللغة الإنجليزية، أنصح بهذا المقال الذي يتكون من أجزاء كثيرة وكتبه باحثون بارزون متعددون وهو متاح بسهولة: https://iranicaonline.org/articles/greece).
4_ أرسطو وكتابه في الأخلاق ليسا سوى نموذج واحد – وربما كان أفضل نموذج – يبين لماذا ينبغي لنا أن نفتخر بأمثال هؤلاء البشر وأمثال هذه الآثار، لا بفاتحينا القدامى وحروبهم التي انتصروا فيها. من الواضح كل الوضوح لماذا يظل أرسطو وسعدي، على سبيل المثال، ذوي صلة بنا اليوم، كلانا معاً، أنا وصديقي اليوناني. لكن ليس واضحاً على الإطلاق ما هي صلة معارك أجدادنا القديمة بنا، بل إنه أمر مشكوك فيه تماماً أن تظل ذات صلة بنا اليوم، وأنا أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: معاركنا القديمة وفاتحونا القدامى لا صلة لهم بنا البتة!
5_ لكن كيف يعتقد البعض أن معارك أجدادنا لا تزال ذات صلة بنا اليوم؟ إذا نظرنا بتفاؤل، فإن إدراك ما لا يزال فعلاً ذا صلة بنا غائب لديهم. وإن لم يكن هذا هو السبب، فماذا يكون سوى استغلال إيديولوجي-سياسي للتاريخ الماضي من قبل أناس غير قادرين على المشاركة بطرق مشروعة في صنع تاريخ البشر الراهن؟
علم الاجتماع
الفلسفة
التاريخ
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام. از دکتر مالک حسینی که دلبسته حکمت انسانی است، جز این انتظار نمیرفت که چنین حکیمانه و فارغ از هویتهای تاریخی و ملی، انسان امروز را به یکی از نقاط ضعف بزرگش متوجه کند.