اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمود دركاهي أن مأزق منتقدي شريعتي يكمن في عدم إلمامهم بأعماله وسياق اشتغاله، ويصف نقد دستجردي بأنه يفتقر إلى البنية رغم ادعائه المنهجية؛ نقدٌ اكتفى باقتطاف أجزاء من محاضرتين بدلًا من فحص المؤلفات.

«مقالهی زیر در پاسخ به مقالهی آقای دکتر حمید وحید دستجردی (ملاحظاتی روش شناختی درباره جریانهای فکر دینی در ایران )، که در مهرنامهی شماره ی 34 انتشار یافته بود، فراهم آمد و به آن نشریه ارسال شد و در بالای آن نوشته شد که:
تحریریهی محترم مهرنامه،باسلام و ارادت، مقالهی زیر در پاسخ به یکی از مقالات مهرنامه ی شماره ی 34 ارسال می شود، امید که پای بندی شما به آیین گفت و گو تسهیلات لازم را برای چاپ آن فراهم آورد. اما نشریهی مذکور از چاپ آن سر باز زد و به جای آن، در سالگرد شریعتی به تبلیغات مرسوم خود علیه او پرداخت و حرف های همیشهی سردبیر را – این بار با عکس و تفصیلاتِ استثنایی بر روی جلد نشریه- انتشار داد! این همان نشریهای بود که سردبیر آن ادعای پایبندی به گفت و گو و پرسشگری داشت و در صفحهی اول آن می نوشت: «راهی جز گفت و گو نیست» و دعا می کرد که «در دولت جدید گفت و گو با همه ی روشنفکران ایرانی گسترده شود.»(مهرنامه، همان شماره) اما اینک که مقالهی آقای دستجردی به فضای مجازی راه یافته و دوباره، این جا و آن جا میچرخد، این نوشته را در کنار آن میگذارم و داوری را به مخاطبان میسپارم.
بیشتر منتقدان شریعتی در تفسیر آثار و اندیشه های او گرفتار معضلها ودشواری های متعددی بودهاند که پرداختن به یکایک آنها فرصتی فراخ میطلبد و خارج از حوصله ی این مقاله است، اما در این میان، اصلیترین معضلاین نقد نویسان، ناآشنایی با اندیشه و آثار شریعتی و نیز زمینهی کار و اقتضائات روزگار او بوده است. این نقص در نقدنویسیهای چند دهه ی اخیر همواره تکرار شده است؛ چنانکه درآخرین نقدهای نوشته شده بر شریعتی هم، که برخی از آن ها میکوشند تا وجههای علمی و آکادمیک به خود بگیرند، این نقص، نمایان وآشکار است و از آخرین نمونههای آن ، مقالهی آقای حمید وحید دستجردی[1] در شمارهی 34 مجلهی مهرنامه است. این مقاله، برخلاف دعوی نویسنده ی آن، که آن را «ملاحظاتی روششناختی » نام داده است، نه روش شناسی دارد و نه چیز دیگر، و افزون بر معضل یاد شده در بالا، از نقص و اشکال ساختاری نیز آسیبدیده است! در این جا با نوشتهای مواجهیم که همچنان سنّت و شیوه ی نقدنویسان پیش از خود را تداوم میبخشد؛ یعنی نه از متنهای مورد انتقاد خود اطلاعی دارد، و نه پایبند ارائهی سند و مدرک در روایت های خود است و نویسنده ی آن، چنان که خود در آغاز نوشته اذعان میکند «سالهاست که جریان فکر دینی در ایران را بهصورت جدی تعقیب نکرده است.» (همان جا) البته دانسته نیست که این سالها، چند سال بوده است؟ اما از نوشتهی او چنین استنباط میشود که پیش از آن هم این جریان فکری معاصر را بهصورت جدی مطالعه نکرده است! و با این وصف، دست به نقد و تفسیر آن می زند و خود را مجاز به نقد چیزی میداند که بر سر آشنایی با آن وقت چندانی نگذاشته است و در نتیجه نقدی می نویسد که هرچند برخلاف بسیاری از نقدهای نوشته شده در این زمینه ظاهری موجّه و متدیک نشان میدهد، اما در واقع نه متدولوژی دارد، و نه پایبند قاعدههای یک نقد علمی است و این هم تفصیل ماجرا:
1- مقالة السيد وحيد دستجردي بعنوان «ملاحظات منهجية حول تيارات الفكر الديني في إيران»، وعليه ينبغي أن تدرس مُفسّري الفكر الديني في إيران، لكن هذه الدراسة تبدأ بشرح وتقرير - لا نقد وتفسير - لآراء إقبال اللاهوري، وهو مفكر ينتمي إلى شبه القارة وليس إلى إيران! ورغم أن ترجمة آرائه قد أثّرت على بعض التيارات الدينية في إيران، لكن إذا كان الأساس هو دراسة تيار الفكر الديني في إيران، فإن إقبال ليس مفكراً إيرانياً. أي بحث منهجي يمكنه أن يعتمد على مثل هذه النماذج غير ذات الصلة ثم يصل بنتيجة عمله إلى مكان ما؟ عندما نتحدث عن تيارات الفكر الديني في إيران، فإن مقصودنا هو أننا نفكر في منشأ هذا التيار، لا في كل كتابة دينية دخلت إيران عبر الترجمة من أنحاء العالم. إذا درسنا تيار الفكر الديني بهذه الطريقة، فسنضطر إلى إدخال مفكرين آخرين - مثل سيد قطب، والمودودي، ونصر حامد أبو زيد أو غيرهم - ممن تُرجمت أعمال بعضهم أكثر من أعمال إقبال اللاهوري، في هذا التيار.
كذلك، فإن ما تعرض للنقد والدراسة في هذه المقالة ليس هو «تيار الفكر الديني في إيران». هذا الاسم يمكن أن يشمل كل تاريخ التفكير الديني في إيران، من البداية حتى اليوم، لا أن يقتصر على أعمال ثلاثة من علماء الدين المعاصرين، أحدهم باكستاني! كان ينبغي أن يكون عنوان هذه الكتابة «ملاحظات حول آراء ثلاثة من المفكرين الإسلاميين»، وليس حتى «تيارات التفكير الديني في إيران المعاصرة»! لأنه لا يمكن الحديث عن تيار الفكر الديني في إيران المعاصرة وتجاهل بازركان وطالقاني وبيمان ومجاهدي خلق، ولاحقاً شبستري وملكيان و... وحتى التيارات التقليدية في علم الدين مثل الطباطبائي والمطهري ونصر و... إذن، هذه الدراسة للفكر الديني، من هذه الناحية أيضاً، ناقصة وغير مكتملة.
2- هذه «الملاحظات المنهجية» خالية من أي ملاحظة منهجية أيضاً، وفضلاً عن الخطأ الرئيسي للمقالة الذي أشرنا إليه، فإنها ترتكب خطأ أكبر في دراسة آراء شريعتي؛ لأنها لإثبات وتبيين ما تسميه «معضلة شريعتي» وتظن أنها قدمت كشفاً وإبداعاً علمياً جديداً، تستند فقط إلى محاضرتين لشريعتي، هما «الانتظار، دين الاحتجاج» و«فاطمة، فاطمة هي»، وذلك بالطبع عبر أجزاء ومقتطفات من هاتين المحاضرتين أو حتى إشارات عامة إليهما! في حين أن الالتزام بـ«الملاحظات المنهجية» يقتضي، بدلاً من الاستناد إلى مثل هذه الأجزاء المتفرقة، تبيين الخطوط الرئيسية للفكر، وأسس التفكير، وخاصة مسيرة تطور آراء مفكر مثل شريعتي. شريعتي مفكر له ما يقرب من أربعين مجلداً من الأعمال الكاملة. بعض هذه الأعمال تفسير للخطوط الرئيسية لفكره، مثل العرفان، المساواة، الحرية، وبعضها أبحاثه العلمية واستنباطاته في علم الدين، مثل الإسلاميات في مشهد والإسلاميات في إرشاد، وبعضها الآخر تأويلاته واستنتاجاته من المباحث والموضوعات الدينية، مثل كتابي «الانتظار دين الاحتجاج» و«فاطمة، فاطمة هي» أو الحج والشهادة والأمة والإمامة و... علاوة على ذلك، فإن فكر شريعتي، باعترافه هو، كان في حركة وإصلاح وتفسير لذاته باستمرار، وحتى تقديم توضيحات لمنع القراءات الخاطئة وسوء الاستغلال. هل يمكن تجاهل هذه الحركة والإصلاح والتوضيح ثم الحديث عن «ملاحظات منهجية» بشأنه بالاعتماد على محاضرتين له؟ أين ضاعت هذه المنهجية في كتابة السيد دستجردي حتى لا يراها أحد؟ كيف يمكن تفسير كتابة شخص كان يقول، على لسان غورفيتش وفي وصف حاله: «كنت أفكر وأتغير طوال هذه السنوات، لا أنني كنت في الثلاجة وتجمدت»، بالاعتماد على أجزاء من محاضرتين، وتحديد مصيره؟ هذه الطريقة في العمل، حتى لو أثمرت في دراسة واستعراض آراء بعض المفكرين الآخرين، فهي غير مجدية في دراسة فكر شريعتي!
3- ناقد شريعتي، كما أنّه خلط شبه القارة الهندية بإيران في تناوله لـ«الفكر الديني في إيران»، فإنه يخلط أيضاً التيارات الفكرية داخل إيران في فترات مختلفة بعضها ببعض. فهو إذ يقصد تناول إقبال وشريعتي وسروش، يخرج فجأة إلى تيارات أخرى من الفكر الديني، دون أن يذكر تلك التيارات باسمها، ودون أن ينبّه القارئ غير المطّلع على هذه الموضوعات مسبقاً: «لقد كان المثقف الديني في هذه السنوات يسعى لإثبات ذاته أكثر مما يسعى لتقديم قضايا دقيقة حول مسائل الفكر الديني والجهد لحل المشكلات التي قد تظهر إثر تقديم تفسير ديني للعالم. ولهذا السبب فإن أكثر نقاشات حقل التنوير الديني هي نقاشات فوق-موضوعية كما يُصطلح عليها. نقاشات من قبيل: هل التنوير الديني ممكن [؟] أو هل الأصالة للتنوير الديني أم للتجديد الديني [؟] ونقاشات من هذا القبيل: هل التنوير الديني شيء كعصير الحصرم المعدني]؟[» (المرجع نفسه)
القارئ غير المطّلع على خطابات التنوير في إيران اليوم، يظن أن كل هذه العبارات وصف لإقبال وشريعتي، ويكتمل هذا الخلط خاصة مع التوضيح الذي يسوقه الكاتب في شرح الكلام أعلاه: «في توضيح الكلام أعلاه سأسعى إلى تحليل منهجي للوجوه الثلاثة البارزة في التنوير الديني، إقبال وشريعتي وسروش، وسرد اختلافاتهم من منظور منهجي» (المرجع نفسه) لكن ينبغي أن نسأل كاتب هذا التحليل المنهجي: ما علاقة تلك النقاشات -بتعبيركم- بإقبال وشريعتي؟ فهذه المباحث لم تكن ذات موضوعية في عصر إقبال وشريعتي، ولم تكن مطروحة آنذاك؛ لأن مقتضى زمانهم كان شيئاً آخر. إن تناول إقبال وشريعتي بمثل هذه المقدمات، ليس تحليلاً منهجياً فحسب، بل هو تحديداً عمل لا علمي ولا منهجي، بل هو عبث بالفكر والتحليل والمنهج والقاعدة والقانون أيضاً! وتكون نتيجة العمل أن تظهر كل دعاوى الكاتب بلا أساس وخاطئة. فمثلاً يُكتب، جرّاء هذا الخلط بين التيارات، أنه «على عكس الفكر الديني في الغرب الذي لا يزال يتغذى بشكل جاد من ماضيه وخلفيته التاريخية، فإن التنوير الديني [في إيران] قد أقدم على قطيعة كاملة مع ماضيه. ففي النقاشات المتعلقة بالتنوير الديني يصعب العثور على أثر أو إشارة إيجابية إلى التراث الثقافي الإسلامي. النقاشات المتعلقة بالتراث الثقافي والفكري تتخذ في الغالب جانباً سلبياً وتنحو إلى نفي التراث المعني وتجاهله.» (المرجع نفسه)
هذه الدعاوى التي لا أساس لها، مليئة بالأخطاء والتناقضات والظلم. كاتب هذه السطور لا يلتفت إطلاقاً إلى أنه إذا كان التنوير الديني قد بلغ قطيعة كاملة مع ماضيه، فلن يكون تياراً دينياً بعد ذلك، والفارق بين هذا التيار والتيارات التنويرية الأخرى -اليساريين والعلمانيين و...- هو كونه متديناً، وهذا دليل على عدم قطيعته الكاملة مع ماضيه! والأهم من ذلك، أن هذه الدعوى لا أساس لها بالمرة، خاصة بحق أولئك الوجوه من الفكر الديني الذين يتناولهم بالبحث، لأنه من بينهم إقبال الذي يعترف به الناقد نفسه كنهج مختلف عن شريعتي وسروش، وأعماله مليئة بعلامات اعتماده على الثقافة والتراث الديني والشرقي. وشريعتي أيضاً، من خلال طرحه لـ«استخراج وتصفية المصادر الثقافية»، و«العودة إلى الذات»، وشرحه وتفسيره لعشرات الموضوعات الدينية والثقافية، ودعوته إليها، أظهر التزامه بالقيم الدينية والإرث الفكري لأرضه! ويبقى سروش الذي يبدو ظاهراً أنه أكثر انقطاعاً عن ماضيه من هذين. لكن هذا هو ظاهر القضية أيضاً، لأن وقوف سروش المدهش على ثقافة ودين وعرفان وأدب أرضه، واعتماده عليها في ثنايا أعماله، لا يترك مجالاً لمثل هذا التردد! ونتيجة لذلك، فإن السؤال لناقد شريعتي هو: كيف يمكن جعل تلك الأقوال غير المترابطة مقدمة لـ«تحليل منهجي» لهذه الوجوه الثلاثة البارزة في الإسلاميات؟ ناهيك عن أنه لا يُرى أثر للتحليل في كتابة السيد وحيد دستجردي! ولإثبات هذا الموضوع، أحيل الجميع إلى كتابته، خاصة إلى ما أورده حول إقبال اللاهوري، وهو تقرير جاف وفارغ وناقص وغير تام عن كتاب «إحياء الفكر الديني في إيران» وليس غير ذلك!
4- بناءً على هذه الملاحظات المنهجية! يتناول ناقد شريعتي «معضلة شريعتي» ويكتب: «سيكون حديثي عن شريعتي أكثر تفصيلاً ـ وهو ليس كذلك بالطبع، بل إن مقالته بأكملها ليست مفصلة، ولا تتجاوز في المجمل 4 صفحات من المجلة ـ والسبب في ذلك هو أن شريعتي يمثل نقطة تحول في تاريخ الفكر الديني في إيران. كما أنه تسبب في ظهور ردتي فعل مختلفتين تماماً تجاهه خلال حياته وبعد مماته (بعد الثورة). عاش شريعتي في أوج الشهرة خلال حياته، بل إن موته أيضاً ساهم في تعزيز أسطورته. في اعتقادي أن هذا هو أعظم إنجاز يمكن لمفكر أن يتطلع إليه خلال حياته: أن تتحول كلماته إلى معايير للصدق والكذب. لكن ردود الفعل تجاه شريعتي، بعد الثورة ووفاته، كانت مختلفة. فبعد الثورة ـ بفاصل بضع سنوات ـ تخف حدة حماسة المجتمع تجاه شريعتي، ويصبح الأفراد أقل دافعاً للرجوع إليه. كيف يمكن تفسير هذا الاختلاف؟... أين كان يكمن الخلل في عمله؟ من ناحية أخرى، وعلى الرغم من رد الفعل هذا، لا يزال من الصعب رفض شريعتي بالكامل، ورغم الابتعاد عنه، لا يزال المرء لا يستطيع إلا أن يراه ملهماً وبطلاً وينبهر بكلماته. كيف يمكن تفسير هذه التناقضات؟ هذه التناقضات هي ما أسميه "معضلة شريعتي".» (المرجع نفسه)
والآن، لنتأمل قليلاً في هذا «الشرح للمعضلة» ثم ننتقل بعد ذلك إلى دعاوى الكاتب الأخرى. إن كون شريعتي نقطة تحول في تاريخ الفكر الديني في إيران، و] بالطبع في المجمل [ قد أثار ردتي فعل مختلفتين تجاه فكره، وعاش في أوج [الشهرة والمحبوبية] خلال حياته، وأن شكل موته قد زاد قليلاً من هذه المحبوبية، كل هذا صحيح إلى حد ما. أما أن شريعتي كان يتطلع إلى مثل هذه الشهرة والمحبوبية، ومفتوناً بأن تتحول كلماته إلى معايير للصدق والكذب، فهو أمر مجحف وخاطئ تماماً، وناتج عن عدم الإلمام بطبع شريعتي وخلقه! من قرأ كتابات شريعتي في خلوته، وعرف أفكاره وتطلعاته، يعلم أن هذه الأماني التي يتحدث عنها السيد دستجردي، كانت في نظر شريعتي حقيرة وتافهة إلى أبعد حد. لقد شرح كل هواجسه في كتابات خلوته، ووفقاً لتلك الكتابات، كان التفكير في الشهرة والصيت أمراً لا يطاق، بل ومؤلماً ومثيراً للاشمئزاز بالنسبة له. لا ينبغي اعتبار شريعتي من طينة المثقفين الذين سعوا غالباً للشهرة والصيت ولطرح أنفسهم، لا لشرح آلام مجتمعهم وأبنائه. هذا خطأ كبير في فهمه، ولا أدري من أين استقى ناقد شريعتي هذه الخصلة من أعماله؟ لأنه، من نفس النقطة التي يبدأ فيها الإشباع النفسي لبعض المثقفين أو أهل العلم، أي الانشغال بتمجيد ووصف فكرهم وآثارهم، من هذه النقطة بالذات يبدأ عزاء شريعتي أيضاً، ويجد تحمل هذا النوع من التعريف والوصف صعباً ومؤلماً لنفسه! (راجع: حواريات العزلة) وحتى حادثة تحول كلماته إلى معايير للصدق والكذب في فترة من التاريخ المعاصر، كانت على النقيض من هواجس شريعتي التنويرية والتوعوية! لو كانت لديه مثل هذه الهواجس، لكانت أجيال مخاطبيه قد قرأت يده بالتأكيد وأعرضت عنه. لم يكن شريعتي يريد أن تتحول أفكاره إلى معيار للصدق والكذب وتحسم أمر كل شيء دفعة واحدة. هذه أمنية حقيرة وتافهة، هنيئاً لمن كان مفتوناً بها. كان شريعتي، بتعبيره هو، يسعى للتحريك، وتغيير الذهن والثقافة، وتعليم الشك والتساؤل والاختيار والوعي وحرية الفكر... وبالنسبة لشخص كهذا، فإن تحول فكرة ما إلى معيار للصدق والكذب، حتى لو كانت فكرته هو، أمر مؤلم وعسير لأنه يشكل بحد ذاته نوعاً من نقض المبدأ. هذه الحقيقة تظهرها آثار شريعتي كلها، وكذلك سلوكه وسيرته. لم يكن شريعتي يريد مريدين وأتباعاً، بل كان يريد مخاطباً واعياً ومتسائلاً وباحثاً عن الحقيقة. ولهذا كان يوصي بأن توزن كلماته وتعتبر مجرد فهم وتفسير، ومن زاوية نظر واحدة فحسب، وليس «معياراً للصدق والكذب!». كان، كما ورد في تقارير حياته، يفسح المجال للتساؤلات، ويتأمل فيها ويتعلم منها بنفسه نقاطاً، لا أن يكون مجرد مراعاة لرسم، أو أن يتظاهر بالتواضع والخشوع.[2] أين هذه الهواجس من أن يجعل نفسه معياراً للصدق والكذب، أو أن يتباهى بمثل هذا الإنجاز ويسعد به؟
أما القول بأن «ردود الفعل تجاه شريعتي، بعد الثورة ووفاته، كانت مختلفة، وبعد بضع سنوات، خفت حدة حماسة المجتمع تجاه شريعتي بشدة، وأصبح الأفراد أقل دافعًا للرجوع إلى شريعتي.» فرغم أنه صحيح إلى حد ما، إلا أن الموضوع قد اختلط فيه الحابل بالنابل بعض الشيء! لقد حدثت وفاة شريعتي في عام 56، ومع ذلك ظل حتى سنوات من عقد الستين يلقي بظلاله على المحافل الفكرية والدينية. إن تعبير «بعد الثورة ووفاته» ليس تعبيرًا دقيقًا، لأنه بالإضافة إلى الخطأ التاريخي الذي يقلب الترتيب الزمني للثورة ووفاة شريعتي، فإنه يُظهر ردود الفعل والعواقب المترتبة على هذين الحدثين وكأنها من نوع واحد، في حين أن هذه العواقب كانت مختلفة عن بعضها البعض؛ أي أنه بعد وفاة شريعتي، اتسع الإقبال على فكره ومذهبه، بينما في السنوات التي تلت الثورة، انحسر هذا الإقبال بفعل عوامل سياسية واجتماعية وثقافية طرأت. وما وصفه ناقد شريعتي هذا بالحماسة، هو أيضًا تحريف للمسألة بعض الشيء؛ لأنه لا يمكن وصف كل تلك التوجهات بالحماسة، وبالطبع ما كان منها حماسة فمن الأفضل أن يخفت، وقد وجدت مثل هذه الحماسة لدى بعض تيارات أنصار شريعتي؛ لكن القضية برمتها لم تكن حماسة، وقضية الإعراض عن شريعتي برمتها ليست مجرد خفوت للحماسة! الحقيقة هي أنه في إعراض الأجيال التي جاءت بعد الثورة عن مذهب شريعتي، كانت العوامل السياسية مؤثرة، وكذلك العوامل الاجتماعية والثقافية... إلخ. كان فكر شريعتي في السنوات الأولى للثورة قد أثر على جميع الساحات الفكرية، وكان عدد من القائمين على الثورة ومصممي النظام السياسي الذي أعقبها يعتبرون هذا الفكر خاطئًا وغير صحيح، ونتيجة لذلك قرروا إزالته، وتحدثوا لهذا الغرض عن أخطاء شريعتي وزلاته الفكرية[3]، ولما لم يجدِ هذا الأمر نفعًا، أقدموا في السنوات اللاحقة على جمع مؤلفاته من المكتبات والمراكز الثقافية، بل وصل بهم الأمر إلى حد منع طباعة ونشر بعض مؤلفاته، وأخيرًا وجدوا الحل في مقاطعة شريعتي والتزام الصمت ضده! ومع ذلك، كان التأثير الأهم هو الهجوم الواسع الذي شنته مختلف التيارات الفكرية والتنويرية ضد شريعتي! هذه التيارات الفكرية التي كانت شديدة الاضطراب والغضب من تغلغل شريعتي في أعماق المجتمع ومن إخفاقها هي في ذلك ـ من اليسار إلى اليمين ـ بدأت حملة دعائية واسعة ضده، بل إنها في هذا السبيل نسبت إليه حتى جميع إنجازات النظام السياسي الذي أعقب الثورة، ومن هذا الطريق مارست تأثيرًا واسعًا على الأجيال التي جاءت بعد الثورة. كما أن الظروف الاجتماعية المواتية والأوضاع الفكرية السائدة في العالم وفرت الشروط اللازمة لمثل هذه الدعايات. وتحت تأثير كل هذه العوامل، ذهب شريعتي شيئًا فشيئًا إلى الظل وفقد ذلك الحضور الشامل الذي كان له في المجتمع الإيراني. لكن كل هذا لا يعني أن أمر شريعتي قد انتهى. فهو لا يزال أحد أكثر المؤثرين من حيث حجم التوزيع في المجتمع الإيراني، مجتمع تقلص فيه توزيع أشهر الكتّاب إلى 500 نسخة. مجتمع ماتت فيه الثقافة والفكر والجهد الفكري وحلت محلها السطحية والراحة. هذا المجتمع بالمقارنة مع مجتمع عصر شريعتي هو مجتمع ميت خائر القوى. لذلك، في مثل هذه الحالة، يصبح الحديث عن الرجوع أو عدم الرجوع إلى شريعتي بلا معنى. هل يُرجَع إلى أولئك الآخرين حتى يكون شريعتي محرومًا من هذا الشرف؟ من هو الذي يُرجَع إليه اليوم أكثر من شريعتي؟ يمكن الحديث عن عدم الرجوع إلى شريعتي عندما لا يجد أولئك الآخرون وقتًا لحك رؤوسهم من كثرة المراجعين؛ في حين أنهم جميعًا من فرط البطالة منشغلون بحك رؤوسهم! يسأل ناقد شريعتي: «كيف يمكن تفسير لماذا لم يعد شريعتي مقنعًا؟» حسنًا، بدلًا من شريعتي، أشرتم إلى شخص يكون مقنعًا للجميع! أي سؤال تافه وغير ذي صلة هذا الذي تطرحونه؟ ثم هل من المفترض أن يكون شخص واحد مقنعًا إلى الأبد؟ في هذه الحالة، ماذا سيكون دور الآخرين إذن؟ بالطبع، إذا قُرئ شريعتي قراءة صحيحة وتم التعريف بأبعاد فكره المتعددة بعيدًا عن التحريف والكذب، فلا يزال لديه الكثير من الكلام لزماننا هذا، خاصة للأجيال التي لم تسمع في هذه العقود العديدة كلامًا ذا وزن من أحد، وإن قهرهم وإعراضهم عن شريعتي ليس نتيجة لمعرفتهم به وفهمهم العميق له؛ لأن هذا الجيل قد تعرف على شريعتي من خلال نقد مثل هذا النقد المنهجي، أو المقالات المغرضة لمجلات مثل «مهرنامه»! وماذا كان بإمكانه أن يفعل غير ذلك؟
نویسندهی نقد شریعتی، این رویآوری و روی گردانی را نوعی ناهمخوانی در کار شریعتی تلقی کرده و آن را معضل شریعتی خوانده است؛ در حالی این ماجرا، اگر هم یک معضل بوده باشد، معضل شریعتی نیست، معضل روی آوران و روی گردانندگان است. اما افزون بر این همه، روش شناس ما خود در اینجا گرفتار تناقضگویی و معضلاتی بزرگتر است! از یک طرف میگوید شریعتی دیگر قانع کننده نیست، و از طرف دیگر میگوید که «دشوار است که بتوان شریعتی را به طور کامل طرد کرد و به رغم فاصله گرفتن از او، هم چنان او را الهامبخش و قهرمان ندانست و مجذوب سخنانش نشد». چگونه میشود که کسی قانعکننده نباشد و با این حال، هم چنان الهامبخش و قهرمان بماند؟ این یک بام و دو هوا کردن و دست به عصا رفتن، نشانهی آن نیست که نویسنده هنوز هم نمیداند در توصیف شریعتی چه بنویسد؟
5- لنرَ الآن كيف يحل هذا الناقد المنهجي معضلة شريعتي؟ إن تناوله لـ«معضلة شريعتي» يجرّ السيد دستجردي إلى فحص ونقد آراء سروش في تفسير أيديولوجيا شريعتي، وهو ما يوجّه فيه، بالطبع، بعض الملاحظات الصائبة على آراء سروش، وهي قيّمة في محلها ولا يمكن تجاهلها من هذه الناحية. لكنه حين يصل إلى معضلة شريعتي، وتقع الثِقَل الأساسي لنقده لشريعتي في هذا الجزء من كتابته تحديدًا، يقول: «في اعتقادي أن ‹معضلة شريعتي› تكمن جذورها في مكان آخر. فعلى عكس إقبال الذي كان ملتزمًا بإسلام الحقيقة، يسعى شريعتي غالبًا إلى تبيين ‹إسلام التطبيق› أو ‹إسلام الأداة›. ولتوضيح هذه النقطة، وكما نبّه إليه كثيرون، ينبغي الانتباه إلى أن هدف شريعتي الرئيسي هو تقديم الإسلام بوصفه نظرية ثورية، بل النظرية الرئيسية للثورة، في مواجهة الماركسية وأمثالها.» (المرجع نفسه) وكما يقرّ الكاتب، فقد سبقه العديد من النقاد إلى اتهام شريعتي بجعل الدين أداة، وكاتب هذا النقد يكرر في الحقيقة أقوالهم، لذا لا ينبغي له أن يدّعي أن «معضلة شريعتي في نظري هي جعل الدين أداة.» لأن هذا ليس رأيه الخاص، بل أخذه من أولئك «الكثيرين» أنفسهم! ونتيجة لذلك، ينبغي أن يقول إنني أرى هذا الانتقاد له صحيحًا أيضًا. لكن دعونا نتجاوز هذا الجدل ونرَ إلى أي حد تنطوي الدعوى الأصلية على حقيقة، وكيف جعل شريعتي الدين أداة للثورة، أو بتعبير نقاد آخرين، كيف سيّسه؟ وكيف يحدث تسييس الدين أو جعله تطبيقيًا؟ وهل الدين نفسه وسيلة أم غاية أساسًا؟
وكما قلت في بداية هذه المقالة وأشرت إليه في مقالات أخرى، فإن مشكلة نقّاد شريعتي، بالإضافة إلى عدم إلمامهم بآرائه، تكمن أيضاً في عدم إلمامهم بالدين والفكر الديني، ومع ذلك فهم يستندون في نقدهم لشريعتي إلى دين لا يعرفونه هم أنفسهم! وإلا لما كانوا ليتهموا شريعتي بمجرد بعض التفسيرات الاجتماعية-السياسية للدين، بتسييسه أو تحويله إلى أداة؛ ذلك أن الدين نفسه سياسي، وهو أيضاً أداة ووسيلة يبلغ بها الإنسان غاياته السامية ونموه وتكامله الوجودي! وبالطبع فإن الدين -كما هو الحال في تفسير شريعتي أيضاً- ظاهرة متعددة الأبعاد ومركبة، ومزيج من الإرشادات الأخلاقية والقيم الروحية والأحكام الاجتماعية والسياسية و... ونتيجة لذلك، فإن ثمة أجزاء وعناصر منه مخصصة للاستخدام في الحياة وكوسيلة لتحرير الإنسان وتغيير المجتمع وتقدمه، وقد بدأ تاريخ الدين بهموم اجتماعية-سياسية واهتمام بحقائق الحياة، ومضى قدماً بتغيير سياق حياة البشر وزمانهم. فالدين إذن ليس ظاهرة غامضة وروحية مغلقة، جاءت فقط كي يُبهَر بها ويُخنَع أمامها! وبتعبير القرآن أيضاً، جاء الدين ليفك الأغلال والقيود عن أيدي البشر وأرجلهم وعقولهم وضمائرهم، وليحول الفوارق الجائرة والظلم والعدوان في مجتمعهم إلى قسط وعدل، وبهذا يوفر الأرضية لنمو البشر، فهو إذن وسيلة للتحرر والنمو، أو بتعبير شريعتي، هو «طريق»!... وفي هذا التفسير للدين، الذي يصر عليه شريعتي، ليس الإنسان من أجل الدين، بل الدين من أجل الإنسان، وكون الدين أداة بهذا الشكل ليس نقصاً فيه البتة! ذلك الدين الذي يقدم نفسه كأسرار ورموز مجهولة، يكون تكليف البشر فيها التسليم المطلق وغض البصر والسمع أمامها، ليس هو الإسلام، بل هو طقوس وممارسات غامضة ومعقدة لا يفهم أحد أسرارها، وليس من المفترض أن يفهمها! وللأسف، فإن معرفة نقاد شريعتي بعلم الدين -خاصة بالمقارنة مع المستشرقين الأوروبيين- ضئيلة للغاية، وبالتالي خاطئة! هؤلاء ليسوا على اطلاع حتى على الأبحاث الدينية للمستشرقين الأوروبيين، وإلا لعلموا أن علماء دين ومستشرقين مشهورين مثل راسل، وستيس، وآر. كدي، وبطروشفسكي، وويتفوغل، وآربري، ومونتغمري وات و... وخاصة في السنوات الأخيرة كريشيا باترون بعملها المتألق «تاريخ الفكر السياسي في الإسلام»، قد وصفوا هذا الدين بأنه دين سياسي وثوري، وقد أصابوا في ذلك، وهؤلاء الذين يعتبرون تسييس الدين خطأً كبيراً، إنما يخلطون في الحقيقة بين الإسلام والتصوف والجوگية. الإسلام دين سياسي، وقد سعى لتغيير المعادلات السياسية-الاجتماعية، ويُظهر تاريخه أن أجزاءً من الدين وهمومه هي وسيلة لمقاصد سامية وكبيرة في حياة الإنسان، وكونه وسيلة ليس نقصاً في الدين، بل هو من محاسنه أيضاً! لأنه ليس غريباً عن حياة المخاطبين به والظروف الاجتماعية-السياسية لدعوته. وهو يعلم أن دعوة البشر الغارقين في أغلال وقبود عصرهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى التحرر والكمال، لن تفضي إلى شيء دون تمزيق تلك الأغلال والقيود. وإضفاء الروحانية على أناس أرداهم انحطاطُ المعيشة المادية والسلطة السياسية والاستضعاف الثقافي، لن يبلغ بهم غاية. إذن، للوصول إلى هذه المُثُل العليا، لا بد من البدء من الأرض، وتجاهل الحقائق الأرضية ليس علامة على الكمال والتعالي. أما الأديان والطقوس التي تتجاهل غرق البشر في الانحطاط والفقر والجهل، فهي مواعظ غير مؤثرة لا تصلح إلا للتخدير وتعميق الجهل وتكريس الخرافة، ووجودها وعدمها سواء في حياة هؤلاء البشر!
بطبيعة الحال، لا يقدم السيد دستجردي أي توضيح حول ماهية الإسلام الحق الذي خلا منه إسلاميات شريعتي؟ وأين يقع هذا الإسلام الحق في أعمال إقبال اللاهوري؟ لكن شريعتي، الذي كان يعتبر نفسه مواصلاً لعمل إقبال، كان يعلم الفرق بين علم الأديان عند إقبال والمدارس الأخرى في علم الأديان. لقد أمضى شريعتي سنوات في التأمل في إقبال، وما وجده في مذهبه هو دين متعدد الأبعاد كان يرى أن شخصية إقبال وآثاره تجسيد له. وعلى عكس هذا الاتهام الجائر من السيد دستجردي، لم يكن شريعتي يعتبر إقبال مقاتلاً، بل كان يعتبره قدوة مفعمة بالحب والمعنى والفكر والفلسفة والثقافة! يقول دستجردي إن شريعتي حوّل إقبال إلى مقاتل. لكن هذه كذبة كبرى يلفقها السيد دستجردي على شريعتي، وهي إما نتيجة لعدم إلمامه بكتابات شريعتي في تفسير إقبال ـ وفي هذه الحال لا يحق له الخوض في الموضوع ـ وإما نابعة من دوافعه غير السوية لتحريف شريعتي ـ وفي هذه الحال أيضاً تكون كتابته خالية من القيمة العلمية ـ وبالتالي لا تستحق الرد. ولكن بما أن قارئه ومتلقيه قد لا يدرك مثل هذا التحريف، فإنني أورد هنا أحد أوصاف شريعتي لشخصية إقبال ـ والتي توجد لها أمثلة عديدة في كتاباته ـ لكي يتعرف هذا المتلقي والقارئ، إلى جانب إدراكه لهذه الافتراءات، على إقبال من لسان شريعتي ويعلم أن شريعتي لم يحوّل إقبال إلى مقاتل: «لقد كان إقبال هو الذي، بعد معرفة صحيحة ودقيقة بعصرنا، وتحليق في أسمى آفاق الفكر الغربي، وسنوات من المخالطة والتعلم في مدرسة ]أولئك[ الذين هم معجزات عبقرية الثقافة الجديدة - مثل هيغل ونيتشه وكانط وغوته و... -، ألقى ببطل الفكر والفلسفة والثقافة الأوروبية ذي الجلد الذي لا يُخترق عند قدمي رستم دستان صاحب كتابنا الإلهي، مولانا، ليعميه بسهم شمس العشق، ثم بهداية هذا الشيخ الإلهي، ترك البرج الفولاذي الخالي من الروح والنور والنغم في باريس، وتمثال العدالة الحجري الأعمى في أوروبا، ولبى النداء السماوي للمئذنة التي كل كيانها حنجرة صراخ، وكل عمرها، كل صباح ومساء، تكرار لدعوة واحدة، دعوة معراج الإنسان من الوحل نحو الله، وطأ طريق الفجر وصعد من القمة البيضاء، ومن كوة الفلق، ألقى بنفسه في أمواج محيط العرفان القلقة وعاد نحو الشرق...» (نحن وإقبال، 142)
هذا هو المقاتل الذي صنعه شريعتي من إقبال! ليرَ الجيل الشاب اليوم هذه الكتابات النقدية وليفكر بنفسه في الكذبة التي راجت طوال ثلاثة عقود في نقد آراء شريعتي! المدهش في الأمر أن دستجردي يقول: إن شريعتي يتحدث باستمرار عن القدوة التي «ينبغي أن تكون وليست كائنة»، ومع ذلك يتهمه بتحويل إقبال إلى مقاتل و«جعل» فاطمة (ع) «مناضلة»، وهو لا ينتبه إلى هذا التناقض في كلامه! إذا كان من المفترض أن يتحدث شريعتي عن نموذج «ينبغي أن يكون وليس كائناً» ويفكر بشكل مثالي، فلماذا إذن يخفض من شأن إقبال وفاطمة قليلاً ويصنع منهما مقاتلين ومناضلين؟ المقاتلون والمناضلون كانوا يحيطون به من كل جانب! هذا تحويل للنماذج المثالية إلى أنماط عادية! ناهيك عن أن إحدى مشكلات شريعتي أساساً كانت هؤلاء المقاتلين وألاعيبهم القتالية[4] وقد وجه مراراً انتقادات لاذعة لهذا الأسلوب الفكري والسلوك السياسي.
من مظاهر الجهل الأخرى لدى هذا النوع من نقاد شريعتي أنهم يتهمونه ببناء «نظرية ثورة» من الإسلام، وثورة سياسية تحديداً! في حين أن شريعتي، حتى لو كان قد بنى نظرية ثورة من الدين، فهي نظرية تغيير وثورة في الذهن والفكر والثقافة، وليست ثورة سياسية، التي تبرأ مراراً، بسبب بعض الظروف القائمة، من أشكالها المختلفة، وخاصة من نوعها المبكر! والجهل بوجهات النظر هذه يشكل نقصاً كبيراً في تفسير فكر شخص حذّر مجتمعه مراراً من التسرعات، وبتعبيره هو، من الشطحات الثورية والعاطفية (م،آ،1/92)!
لو كان نقّاد شريعتي ملتزمين بالتحليل المنهجي، لاتخذوا هذه الأقوال التي نطق بها في السنوات الأخيرة من حياته أساساً لبحثهم، بدلاً من أن يتكلموا بلا استناد وألا يروا حاجة إلى أي سند أو دليل لإثبات دعاواهم! يصرخ شريعتي قائلاً: إنني أنفي كل الثورات المبكرة (م،آ،20/500) ولا أفكر إلا في التحول الثقافي والتغيير في العقول (م،آ،4/295) وهؤلاء يسدّون آذانهم بأيديهم ويعودون ليقولوا إنه لم يصنع من الإسلام سوى نظرية للثورة! لم يكن شريعتي يبني أمام الماركسية نظرية للثورة السياسية، بل كان يُظهر ثقافة وفكراً آخرين ضاربي الجذور في أعماق مجتمعه، وكان لهما من قبيل الصدفة مضمون ثوري وسياسي أيضاً. ومع ذلك، يتهمه ناقده، دون أي اكتراث بالموضوع، بالقطيعة عن ماضي بلاده وبتحويل الدين إلى ثورة، ولا يستند في ذلك إلا إلى محاضرة واحدة له – «الانتظار، دين الاحتجاج» – وكأنه لا يملك أكثر من هذا!
لكن لنرَ إلى أي حد يتمتع هذا الاستناد بالمتانة؟ إن أهم ذريعة لهذا الكاتب في نقد فكر شريعتي هي هذه المحاضرة الوحيدة له. يقول شريعتي في هذه المحاضرة: «يجب أن نرى ما قيمة هذا الاعتقاد بالإمام الزمان من منظور حياتنا الاجتماعية اليوم.»[5] ثم يشرع في تفسير هذه المسألة بأن الانتظار، من الناحية الاجتماعية والسياسية، هو نوع من الاحتجاج على الوضع القائم، وأن الشيعة بطرحهم له في مختلف العصور كانوا يقصدون إنكار الأنظمة السياسية القائمة. فيظن ناقده أنه وجد كعب أخيل شريعتي، فيناور على هذه المحاضرة ويحسب أنه قد حل معضلة شريعتي، وأن مهمة دراسة شريعتي قد أصبحت سهلة بعد الآن. لكنه لا يلتفت البتة إلى أن شريعتي أولاً لا يمكن معرفته بالاعتماد على محاضرة واحدة، وثانياً أن تفسيره هذا للانتظار كان رداً على المتدينين الذين كانوا، بذريعة الانتظار، يعتبرون كل نكبة وبؤس أمراً طبيعياً بل ومطلوباً، وكانوا بتعبير شريعتي يقولون: «اصبر، سيأتي هو بنفسه ويصلح كل الأمور». وثالثاً هو تأويل وفهم لمسألة قابلة لتأويلات مختلفة، ومن حق المفكر الديني أن يقدم تأويله المطلوب منها، ما لم يمس أصل الاعتقاد الديني. ورابعاً، لم يكن الحديث عن حقيقة الغيبة ومسألة العمر الطبيعي وعمر الإمام، في ظروف مجتمع تقليدي، ضرورياً ولا مقدوراً، ولم يكن الخوض فيه ليسفر عن شيء سوى تأجيج التعصبات والنزاعات الطائفية. لذلك رأى شريعتي أن الصواب في أن يقدم من هذا المَعين المحافظ والخرافي والراكد قراءة جديدة باعثة على الحركة، فأين الإشكال في ذلك؟ مثلاً، لو أنه بدل هذا انشغل بتفسير علمي لها، أو تركها على حالها، فهل كان سيقترب أكثر من «إسلام الحقيقة»؟ وأصلاً، ما هو «إسلام الحقيقة» في هذه الحالة بالذات حتى ينفخ السيد دستجردي في بوقه هكذا؟ لا أظن أن لديه شيئاً ليُظهره! ومع ذلك، فالأكثر إثارة للدهشة من كل هذا قوله: «لا أعتقد أن شريعتي استطاع حتى أن يُظهر لماذا يؤدي الاعتقاد بالإمام الزمان إلى الارتقاء بهدف النضال.» (نفس المصدر)
لكن أين تحدث شريعتي في هذه المحاضرة عن الارتقاء بالنضال؟ لقد قدم فقط فهمه الجديد والمختلف هذا بأن الانتظار يعني عدم قبول الوضع القائم، وهذه النقطة وحدها كافية لتحريك فكر مجتمع ديني، ولا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير ليدرك المخاطَب مقصده من عنوان محاضرته ذي الكلمات الثلاث – الانتظار، دين الاحتجاج!
6- إشكال منهجي آخر في نقد السيد دستجردي المنهجي، هو خلط الثورة والأحداث السياسية التي وقعت في إيران بفكر شريعتي، والجمع بينهما. يقول دستجردي: «لقد أتاح وقوع الثورة في إيران فرصةً لكي تُعرض بعض النظريات الاجتماعية [و] الدينية والسياسية للحكم والتقييم، بحيث إن تأييد هذه النظريات أو عدم تأييدها (أو على الأقل تفاسير معينة لها) في التجربة، كان يدل قبل كل شيء، بالنسبة للطبقة المتعلمة، على صحتها وخطئها. كان لانتصار الثورة نتائج وتداعيات اجتماعية واسعة، لكنها في الوقت نفسه كانت فرصة لكي تخضع صحة ودقة ادعاءات وتنبؤات الأفراد والجماعات قبل الثورة للاختبار والقياس. كان الجميع ينتظرون ليروا ما هو شكل وهيئة المدينة الفاضلة الموعودة...» (المرجع نفسه)
كما تبين في الصفحات السابقة، فقد تم استبعاد فكر شريعتي من نظام ما بعد الثورة في أول فرصة، ولم يكن له بعد ذلك أي دور في تحديد ما جرى من أحداث، وهذا أيضاً نقص آخر في ملاحظة منهجية حين يُقرأ ما حدث في السنوات التي تلت الثورة على أنه من نمط فكر شريعتي. صحيح أن شريعتي كان مؤثراً في وقوع الثورة وتحولات عقد الخمسينيات، لكن من يريد أن يتصدى لنقد شريعتي، وخصوصاً نقده المنهجي، وأن يسجل الأحداث السياسية بعد الثورة على سجله، عليه على الأقل أن يعلم هذه الحقيقة وهي أن شريعتي كان معارضاً للتحولات السياسية المبكرة، ولم تكن لديه هموم الحكم الديني (م،آ،22/196)، وكان يصف الديمقراطية بأنها أكثر أشكال الحكم إسلامية وإنسانية (م،آ،5/48)، وكان أيضاً... ومتى ما علم هذه الحقائق، فإنه لن يحسب على حسابه ما هيأته أيدي مخالفي فكره! أين وعد شريعتي بمدينة فاضلة دينية حتى يكون ناقده قد رأى شكلها وهيئتها في السنوات التي تلت الثورة؟ إذا كان هذا الناقد على علم بمثل هذه الوعود، فلا يترك قراءه بلا خبر! إنه فقط يمتدح بحماسة أسلوب حكم علي (ع) ويعتبره، في تطبيق العدالة والتزامه بحرية البشر - وخاصة المخالفين - حكماً لا نظير له في التاريخ بأسره، لكنه لا يرى تطبيقه في زماننا ممكناً أو مقدوراً عليه. ولهذا يكتب في حاشية أضافها بعد عامين على محاضرة الأمة والإمامة، أن نظام الأمة والإمامة خاص بالقرن الأول الهجري ومقتصر على الأئمة الاثني عشر: "الإمامة ليست نظاماً دائماً. إنها نظام، بأي شكل كان، يقتصر حسب العقيدة الشيعية الإمامية على اثني عشر شخصاً معينين، ولا شك في أنهم ليسوا أكثر من ذلك [اثني عشر شخصاً]. وبالتالي لا يمكن أن يكون نظاماً دائماً، وإلا لما كان بالإمكان تحديد أشخاصه في هذه السلسلة... ثانياً إنه مرتبط بفترة خاصة من التطور الاجتماعي، أي فترة المدينة والمجتمع الإسلامي في القرنين السابع والثامن [الميلاديين]" (م،آ،15/42) وهو يرى أن الديمقراطية هي الحل الوحيد للعالم الجديد، لكنه إذ يجد تحقيقها مستحيلاً في البلدان المتخلفة، ويرى أن بلوغها يتطلب مقدمات صعبة، يقترح لفترة انتقالية الديمقراطية الملتزمة الثورية، وهو أمر كان من وجهة نظر شريعتي - كما هو من وجهة نظر عدد من القادة السياسيين في عصره - يُطبق فقط من أجل الوصول إلى الديمقراطية.
7- الدعوى الأخيرة لهذه المقالة المنهجية هي أن «شخصيات شريعتي التاريخية لا تشبه الواقع كثيراً.» (المرجع نفسه) ولأنه يستبق احتمال أن تكون هذه الدعوى بلا أساس، يضيف قائلاً «أو على الأقل لا يوجد دليل على هذا الشبه.» (المرجع نفسه) وعندما يريد أن يستشهد بأحد آثار شريعتي، يقول: «الصورة الجميلة التي يرسمها شريعتي للسيدة فاطمة في "فاطمة فاطمة هي"، لا تقترب كثيراً من فاطمة التاريخية.» ويعود ليضيف «أو على الأقل لا يقدم دليلاً على هذا الاقتراب.» (المرجع نفسه) لكنه بعد ذلك يوسع دعواه قليلاً ويقول: «ما يرسمه في هذا الكتاب هو صورة امرأة مثالية يمكن أن تكون أي شخص، حتى لو استبدلنا الضمائر المؤنثة بضمائر مذكرة، يمكن أن يكون الكتاب عن رجل مثالي.» (المرجع نفسه)
دعوى ناقدنا هي أن «شريعتي لم يكن شديد القلق بشأن مطابقة شروحه التاريخية للوقائع التاريخية، وهذا الأمر يتوافق تمامًا مع مبدئه المنهجي. لا يهم إلى أي مدى تتطابق فاطمته مع السيدة فاطمة التاريخية. المهم هو إلى أي حد يمكن للوصف المقدم أن يسهم في تعزيز هدف النضال. لقد فعل شريعتي الشيء نفسه في كتاب إقبال ونحن [بل نحن وإقبال]. إن إقبال الموصوف في هذا الكتاب هو مناضل سياسي، ومناضل ضد الاستعمار، ومقاتل فدائي، وبالطبع كان يمكن لأي مناضل آخر أن يكون مصداقًا لهذا الكتاب. وبهذه الطريقة يسمح شريعتي لنفسه بإعادة بناء جميع المرجعيات التاريخية. لا يهم إلى أي حد تتطابق مع الواقع، يكفي أن قبولها يؤدي إلى تعزيز هدف الثورة.» (المرجع نفسه)
لقد أظهرت سابقًا كون إقبال مقاتلًا فدائيًا، وسأظهر مدى مصداقية ادعاءات السيد دستجردي الأخرى بالرجوع إلى كتاب «فاطمة، فاطمة هي»، وعندها سنرى أن ناقد شريعتي هذا هو من سمح لنفسه، حتى دون الرجوع إلى الكتابين المذكورين، بأن يكتب ضد شريعتي كل ما يتوافق مع مقاصده النقدية، دون أن يرى أي حاجة لإيراد مرجع أو تقديم مثال ونموذج! لكن قبل ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن بعض جمل هذه الفقرة منسوخة بالكامل من كتاب «أسمن من الأيديولوجيا»، والمصداق الذي يشير إليه الكاتب فقط هو المختلف عن مصاديق ذلك الكتاب.
الادعاء الأول للسيد دستجردي في هذه الفقرة هو أن تفسير شريعتي لحياة وشخصية فاطمة لا يتطابق مع الوقائع التاريخية. لكنه لا يرى أي ضرورة لإظهار عدم التطابق هذا من خلال تقديم واقعة تاريخية واحدة، أو الاستناد إلى نص تاريخي واحد، ويكتفي بالتعميم! بينما يقول شريعتي في بداية هذا الكتاب نفسه: «إن الرسالة الحالية تحتوي على سيرة موثقة» من حياة فاطمة (ع) وفي تقريرها وتحريرها، «كان اعتمادي الأساسي على الوثائق التاريخية القديمة.» (فاطمة، فاطمة هي، ص 4) من البديهي أن إيمان شريعتي – الذي يقر به ناقده أيضًا – لا يسمح له بتجاوز وقائع التاريخ الإسلامي، ولا أن نقاده ومعارضيه آنذاك، الذين كانوا يرصدون سلوكه وكلامه باستمرار وفي مواجهة الإرشاد – كما يُزعم – كانوا يدققون في كل صغيرة وكبيرة، لم يكونوا ليسمحوا له بأن ينحت فاطمة من عنده دون سند ثم يدعي الاعتماد على أقدم الوثائق التاريخية! كما أن كتاب فاطمة، فاطمة هي، من هذه الناحية، لم يثر أي جدل أو ضجة، بل كان من المشهور أن أحد المجتهدين التقليديين – المرحوم مشكيني – قد استحسنه كثيرًا! لكن خطأ ناقد شريعتي يكمن في أنه خلط بين الخطابة والبحث التاريخي. الخطابة هي تقديم قراءة أو تأويل لموضوع معين، ولمثل هذا العمل لا حاجة دائمًا لتقديم المراجع. كما يُرى في معظم الخطابات. (مثل خطابات آيزايا برلين أو توماس مان و... أو مثقفي إيران اليوم هؤلاء) الخطابة العامة تختلف عن البحث العلمي والتاريخي وحتى الحلقات الدراسية الجامعية، رغم أنها قد تعتمد أحيانًا على وثائق تاريخية. دستجردي، حتى لو كان قد راجع مقدمة فاطمة، فاطمة هي لكتابة نقده، لرأى أنه من قبيل الصدفة أن شريعتي كان قد جاء إلى الإرشاد لتقديم تقرير علمي عن «أبحاث لويس ماسينيون حول شخصية السيدة فاطمة (ع) المعقدة» (المرجع نفسه، ص 2)، لكنه عندما رأى تركيبة الحاضرين في المجلس، غيّر موضوع خطابه وقدمه بشكل أعم. ومع ذلك فهو يسعى في جميع أنحاء خطابه إلى البقاء وفيًا للوقائع والوثائق التاريخية، وحتى حيث يرى ضرورة فإنه يحيل إلى هذه الوثائق. (للمثال راجع: ص 10، 116، 117 و 111 و...) لدرجة أنه لا ينسى الإشارة إلى بعض النقاط الدقيقة. إنه في عمله هذا البحثي، لديه من الهم العلمي ما يجعله يذهب حتى للبحث عن خريطة حياة علي وفاطمة (المرجع نفسه، ص 147) فكيف يمكن لمثل هذا الشخص أن يعيد بناء المرجعيات التاريخية؟ هل ينوي تحريف القضية؟
على الرغم من أن الخطابة لها مقتضياتها الخاصة، ولتقديمها ينبغي معالجة بعض الموضوعات التاريخية وتقريبها من لغة وثقافة العصر؛ إلا أنه في أيٍ من معالجات شريعتي، لا تتغير الحقائق التاريخية. وفي كتاب فاطمة أيضًا لا توجد دعوى واحدة غير موثقة. لكن ناقد شريعتي الذي يعترض عليه من هذه الزاوية، لا يأتي هو نفسه في نقده لكتاب شريعتي ولو بسند واحد، ويكتفي بالتعميمات والغموض! ينبغي نقد الخطابة بآداب الخطابة وأصولها، وليس بأسس البحث العلمي، وناقد شريعتي يتجاهل هذه النقطة!
إن همّ شريعتي في هذا الكتاب، قبل كل شيء، هو ملء الفراغ لكتابةٍ عن فاطمة (ع)، ولكن كتابةٍ تعرض صورة قريبة من الواقع لحياة ابنة النبي، وتُبعد عن شخصيتها الخرافات والأساطير الزائدة أو المختلقة من قِبل الصديق والعدو، ومن خلال ذلك تُظهر للمرأة في عصرها نموذجًا في الحياة والعقيدة. لذلك، لا يمكن تحويل هذا النموذج إلى رجل بمجرد تغيير الضمائر، لا أدري من أول من طرح مسألة «تغيير الضمائر» هذه وأشاعها، لتصبح بعد ذلك ذريعةً لمن لا يجدون ما يقولونه، فيتعلقون بها حيثما أرادوا نزع المصداقية عن كتابة أو نقدها. ولكن حتى لو استطاع البعض، أحيانًا، الاستفادة من هذه الذريعة، فإن ناقد شريعتي في هذه الكتابة قد استخدمها بأسلوب أخرق للغاية، لأن توصيفات شريعتي لفاطمة ممتزجة بالخصائص والقيم الأنثوية إلى درجة أن تغيير اسمها وضميرها إلى اسم وضمير مذكر، يُفسد الموضوع برمته إلى جانب الكثير من الحقائق التاريخية. تأملوا مثلاً في هذه التوصيفات والتقارير التي يقدمها شريعتي عن فاطمة، والتي يريد فيها الحديث عن تغير القيم الأنثوية بين عرب عصر النبي، ثم انظروا ماذا يحل بمحتويات الكتاب لو حولناها، بناءً على توصية ناقد شريعتي هذا، إلى ضمائر مذكرة: «مع فاطمة، تصبح البنت، بوصفها وارثة مفاخر أسرتها، وصاحبة قيم أسلافها، واستمرارًا لشجرة النسب والاعتبار، خليفةً للابن.» (ص119) أو «الآن تصبح بنت، معيارًا لقيم الأب ـ قبل هذا كان الأبناء وحدهم معيار هذه القيم ـ آخر بنت في أسرة كانت تنتظر ولدًا.» (ص118) أو «سلوك النبي مع فاطمة، يحمل معنى أعمق من مجرد تحبب ومداعبة ابنة من قِبل والدها الحنون. أبٌ يُقبّل يد ابنته ـ قبل هذا كان الآباء يئدون بناتهم ـ وهي ابنته الصغرى أيضًا... مثل هذا السلوك من النبي يُعلّم جميع البشر، وفي كل العصور، أن يتحرروا من العادات والأوهام التاريخية والتقليدية، يُعلّم الرجل أن ينزل عن عرش جبروته وجبروته الخشن والفرعوني أمام المرأة، ويُشير إلى المرأة أن ترتقي من دنيا الخسة والحقارة القديمة والجديدة التي لا تكون فيها سوى لعبة للحياة، إلى القمة الشامخة للعزة والجلال الإنساني.» (ص120، وأيضًا راجع: صفحات 128، 131، 132، 134، 136، 139، 149 و...) الآن بدّلوا الأسماء والضمائر، وانظروا أي ضجة ستحدث؟ ومع هذا الوصف، لم أفهم دعوى السيد دستجردي الأخرى، وهي أنه إذا كان توصيف شريعتي لفاطمة يقدم صورة المرأة المثالية، فكيف يمكن تحويل المرأة المثالية إلى رجل مثالي بتغيير الضمير؟ لو أرشدونا في هذا الشأن سنكون شاكرين جدًا!
8- هذا الناقد المنهجيّ، الذي يظنّ أن جميع تعابير شريعتي ستنحلّ بالمفتاح الذي يقدّمه، يعتبر انتقادات شريعتي لفلاسفة مثل ابن سينا أيضًا نتيجةً لتفكير شريعتي في الثورة، ويقول: «يمكن للمبدأ الميتودولوجي عند شريعتي أن يفسّر عدم صبره المعتاد تجاه الفلاسفة والمتكلّمين، مثل أبي علي. فمن وجهة نظره، الحقيقة لا تُنال بالمباحث العلمية والتدقيقات الفلسفية. يجب أن نرى إلى أيّ حدّ يمكن للادّعاء المطروح أن يسهم في تعزيز هدف الثورة.» (المرجع نفسه) هذه الانتقادات، التي كُتبت بناءً على تفسير واحد لشريعتي للفيلسوف والفلسفة، صحيحة إلى حدّ ما. كان شريعتي يعتبر العمل الفلسفيّ عملًا تجريديًا وذهنيًا لا يفضي أبدًا إلى الحقيقة، وكان يضعه في مقابل العمل النبويّ أو العمل التنويريّ الذي يمتزج في المجتمع بآلام ومعاناة جماهير الناس، ويمكنه في الخلوة، عبر التأملات الباطنية والاتصال بمصدر الحقيقة، أن يبلغ مبلغًا. هذه الحالة التجريدية والذهنية للفلسفة كثيرًا ما سخر منها المثقفون الذين تعلّقت قلوبهم بالمجتمع وحياة أبنائه، ومن أشهر الأمثلة على ذلك سخرية نيما يوشيج من الميرداماد وفلسفته.[6] لكن الحقيقة هي أن شريعتي لم يسخر من الفلسفة التقليدية لأنها لا تصلح للثورة ـ وقد رأينا أن شريعتي لم يكن يتصوّر الثورة أصلًا بالصورة التي يطرحها ناقده ـ بل لأنها لا تصلح للحياة، ولأنها غارقة في مشاغلها الذهنية والتجريدية ومصطلحاتها المعقّدة؛ وإذا ما وجدت فلسفة لا تعاني من هذه العلل ـ مثل بعض المدارس الفلسفية المعاصرة ـ فإن شريعتي لا يجد مشكلة معها. فهو في أعماله كثيرًا ما يروي آراءً لفلاسفة غربيين معاصرين بالتأييد، ويُعرب عن تقديره للهواجس الاجتماعية-السياسية لدى بعضهم مثل سارتر. علاوة على ذلك، فإن انتقاد شريعتي لابن سينا يطال أيضًا تبعيته للسلطة السياسية، ويقول شريعتي إن ابن سينا بهذه التبعية قد حطّ من نفسه إلى مستوى قلم حبر تابع للدولة وأفسد قيمة العلم والفكر، بينما كان بإمكانه بالاعتماد على علمه أن يحفظ قيمته وحريته. ومع ذلك، فإن هذا النقد، الذي أثار حفيظة الكثير من المتصيّدين وأعطاهم ذريعة لينهالوا على شريعتي بكل ما أوتوا من قوة ويتهموه بالتطرّف والإفراط وتجاهل العلم والحضارة والفلسفة، هو أهون بكثير من النقد الذي وجّهه أحد الباحثين المعاصرين في الفلسفة لعمل ابن سينا. الباحث المذكور، في مؤلَّفه الفلسفي الضخم، وبإحاطة تثير الإعجاب، درس جميع المدارس والوجوه الفلسفية الإيرانية القديمة ـ بحكم ما يقتضيه عمله ـ ودون أن يفكّر في الثورة أو ينشغل بالأيديولوجيا، وفقط من خلال التقصّيات التاريخية والفلسفية، بلغ في نقد ابن سينا مبلغًا لم يبلغه شريعتي نفسه! لقد وجّه لابن سينا تُهم «إساءة استخدام الفلسفة اليونانية والأصول العقلية الإيرانية»، و«الغرور»، و«البلادة الذهنية والغباء»، بل وحتى «الانحراف والسرقة الفلسفية»، و«الوقاحة والغش والخداع والتجسس والتآمر والخيانة لصالح الحكومة...» وأنا، تفاديًا للإطالة، أختم هذه الكتابة هنا، وأُحيل الباحثين عن الحقيقة في هذا الشأن إلى الكتاب المذكور: أذكائي، برويز: حكيم رازي، الحكمة الطبيعية والنظام الفلسفي لمحمد بن زكريا الصيرفي، طرح نو، 1384، ص ص 762-767
.
.
[1] بعد بضعة أشهر من كتابة هذه المقالة، كنتُ ذات يوم في منزل الأستاذ شفيعي كدكني. حين دق جرس الباب، نهض الأستاذ للاستقبال وعرّف بالضيف الجديد قائلاً: الدكتور وحيد، الفيلسوف. وقف الحاضرون احتراماً لهذا الفيلسوف الكبير... مرّت دقائق. تحدث الدكتور وحيد عن عمله وعن فلسفة اليوم... سأل أحد الحاضرين: وفقاً لتعريفكم للفلسفة، من يمكن أن نطلق عليه اليوم لقب فيلسوف في إيران؟ قال: كل من نشر بضع مقالات معتبرة على المستوى العالمي. سُئل: ومن هم الذين كتبوا مثل هذه المقالات؟ جاء الجواب: أنا واثنان أو ثلاثة من زملائي الشباب في جمعية... قيل: غيركم؟ قال: لا أعرف أحداً في هذا المستوى!... مثلاً سيد جواد طباطبايي؟ سمعتُ باسمه، لكني لا أعرفه. مرّت دقائق أخرى، ودارت أحاديث أخرى. في هذه الأثناء، قال الدكتور وحيد مخاطباً الأستاذ شفيعي إن المثقفين الإيرانيين لا يعرفون شيئاً عن الغرب، ولذلك يقعون في الخطأ عند مواجهته. أيّد الأستاذ هذا الكلام ظاهرياً... ومع ذلك، فقد بدأتُ هنا أشك قليلاً في كونه فيلسوفاً! لأنه كيف يمكن لفيلسوف، وبالأخص فيلسوف تحليلي، أن يعمم هكذا ويضع مثقفي إيران –كما يُقال– في سلة واحدة إزاء الغرب؟ هؤلاء المثقفون يندرجون على الأقل في ثلاثة تيارات كبرى: معارضي الغرب، ومؤيدي الغرب، وناقدي الغرب، وفيلسوفنا، أياً كان مذهبه، ينبغي أن يكون منطقياً متوافقاً ومؤيداً لأحد هذه التيارات الثلاثة!... بعد دقائق أخرى، نهض الدكتور وحيد مودعاً، وشيّعه الأستاذ إلى الباب، وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، قال إنه الدكتور حميد وحيد دستجردي. وحينها، وقد تذكرتُ لتوي هذا الفيلسوف التحليلي، حدثتُ الأستاذ شفيعي عن نقده السطحي لآراء شريعتي، ولكن يا للأسف، لقد فات الأوان!
[2] بعد الثورة، كان ميكانيكي من زنجان له دراسات في علم الأديان يروي أنه حضر إحدى جلسات درس شريعتي، وعندما بدأ شريعتي بتفسير جملة من نهج البلاغة، قال هو أثناء كلام شريعتي: أعتقد أن أحد تفاسير تلك الجملة هو كذا: ... فلما سمع شريعتي ذلك، أثنى عليه ودوّن شرحه في دفتر ملاحظاته، وقال له: أحسنتَ، هذا أمر لم يخطر ببالي قط! والذين كانوا حول شريعتي شهدوا مثل هذه المشاهد كثيراً.
[3] بدأت القصة منذ أيام الثورة. في تاريخ 15/9/56، أصدر المرحوم بازركان مع المرحوم مطهري بياناً مشتركاً، حذّرا فيه قراء آثار شريعتي من أخطائه، وكانا يهدفان إلى اقتلاع فكره وآثاره من مجتمع ما بعد الثورة! لقد صدر هذا البيان بعجلة وارتجال وبشكل غير متوقع، حتى إنه ذكّر بتحذيرات دائرة الصحة لتنبيه الناس من استهلاك مواد غذائية ملوثة ومسمومة وزّعت في أنحاء البلاد! وبالطبع، فإن هذا العمل، نظراً لهيمنة فكر شريعتي في إيران آنذاك، ألحق ضرراً لا يمكن تداركه بالوجهة السياسية والفكرية لبازركان ومطهري! وقد تكررت نماذج من هذه المحاولات في السنوات اللاحقة، بأشكال متنوعة ومن قبل أجنحة مختلفة، مرات عديدة.
[4] كيف يمكن التوفيق بين هذه الأفكار والأفكار الحربية المسلحة؟ شريعتي، حتى لو قال كلاماً يؤيد النهج المسلح، فإنما كان ذلك في الحقيقة عن اضطرار وتعاطفاً مع حربيّي عصره، لا أكثر! لا أدري لماذا وقع السيد محمد مهدي جعفري في فخ أصحاب مجلة مهرنامه ليستخرجوا منه القول: «هل كان شريعتي يروّج للكفاح المسلح؟» (مهرنامه 36)
[5] الأستاذ مصطفى ملكيان، في تفسيره لمعاني العلمانية ومصاديقها، يعتبر أحدها هو فعالية الدين في الدنيا. (شريط التجارب الشخصية)
[6]. ر.ك: ديوان نيما، قصيدة: ميرداماد شنيدستم من/كه چو بگزيد بُنِ خاك وطن ...
.
.
العلوم السياسية
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
« مهرنامه »ای ها روشنفکرانی روشنفکر ستیزند و کین گستر ؛ دشمنی آنان با شریعتی که قلم را توتم خود می دانست و نوشته بود « بیندیش چه می گویم پیش از آن که بیندیشی که چه بگویی » ، خلاف انتظار نیست ، هر چند گاهی فکر می کنم آنان ـ روا یا ناروا ـ از کسان دیگری دلخورند و چون نمی توانند آن ها را نقد کنند ، به بهانه نقد شریعتی ـ که لابد دیوارش کوتاه است یا دیوار ندارد ـ ، حرف خود را می زنند . بهترین نقدها بر شریعتی را کسانی نوشته اند که متأثر از او بوده اند و از او آموخته بودند که از « تقلید » بیزار باشند .
سلام به جا بود جناب درگاهی در این مقاله آنچه را دکتر شریعتی به دلیل فضای سخنرانی ها کم گذاشتند جبران می کردند و مثلا برخی مستندات کتاب فاطمه فاطمه است را می آوردند.آقای پرویز خرسند همفکر و همراه دکتر شریعتی در برنامه شوکران شبکه چهار به صراحت گفته اند ایشان در پاسخ به این درخواست منتقدین که مستندات تارخی مدعیاتش را ارائه دهد به گفتن این جمله اکتفا کرده است که "مگر سوز و صداقت مرا نمی بینند همین کافی نیست." که البته بدیهی است که کافی نیست. وقتی محل نزاع مستند نبودن ادعاهای تاریخی شریعتی است استاد به گفته خود وی که مستند سخن می گوید، بی آن که مدرکی ارائه دهد، مشکلی را حل نمی کند. اگر از ماسینیون و دیگران هزاران برگ تحقیق درباره چهره های اسلامی به جا مانده و مدام به آن ها تمسک جسته می شود جای آن است این برگ های برنده رو شودو یک بار برای همیشه در معرض ارزیابی قرار گیرند.شاید سرانجامی بهتر از کتاب مغز متفکر جهان شیعه مرحوم ذبیح اله منصوری نداشته باشند.