اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمود دركاهي في نقده لكتاب «الثورة الوطنية في الثورة الإسلامية» لطباطبائي أن مقاربته تفتقر إلى أخلاقيات النقد وتفيض بالضغينة. ويعدّ تشويه شخصيات كشريعتي وتجاهل ثورة 57 مؤشراً على صلف علمي.

إن صولات الطباطبائي وجولاته في سلسلة مقالات «الثورة الوطنية في الثورة الإسلامية» تذكّر بصولات دون كيشوت وجولاته في فضاء خالٍ من الخصم وأمام الرياح والطواحين الهوائية! إنه ضرب من البطولة القطنية في زمن، بتعبير أخوان، «صمت فيه طبل الطوفان!» زمن أغلقت فيه الظروف المستجدة أيدي وأفواه خصوم الطباطبائي، وحوّلت مجتمع المثقفين الثوريين وأصحاب المُثُل – وبتعبير أخوان أيضاً – إلى مقبرة لا يُسمع فيها حتى «نعيب بومة!» في هذا الفضاء المليء بالموت والصمت، الذي هو حصيلة سياسات البلاد الجارية في العقود الأربعة الأخيرة، والذي أغرق جميع الجماعات المثقفة الملتزمة والمسؤولة بمختلف نحلها في ضرب من العجز والصمت السياسي، وواجه المجتمع بطريق مسدود محبط؛ يمكن لهم ثابتي، مدير مسالخ الشاه، أن يخرج إلى العلن ويُعبّر عن وجوده ويعتبر نفسه دائناً للثورة والمثقفين الثوريين! (راجع: في شرك الحادثة، حوار برويز ثابتي) في حين أن أمثال هؤلاء في السنوات الأولى للثورة لم يكونوا يجرؤون على إخراج رؤوسهم من جحر الفأر! ويمكن للمتحدثين باسم الأدب المحايد والعقيم الذي كان سائداً قبل الثورة أن يستدعوا شاملو، بصفته الصوت البارز والجهير للأدب المسؤول والملتزم، للمساءلة قائلين: «أي تحول أحدثه التزامك ومسؤوليتك هذه في العالم؟» (آزاد، 29) وأن يسخروا منه قائلين: «كان شاملو يأمل أن يبزغ صبح صادق، ولكن على الرغم من الشاعر، استمر الليل.» (نفسه، 140) وأن يهزؤوا به قائلين: «الشاعر الذي يصارع الظالم ليحل محله، أو إن لم يرد هو ذلك، ليُهدي الحكم إلى حاكم عادل، ماذا يفعل عندما يرى أن خليفة الطرف الآخر قد أصبح ظالماً هو الآخر؟» (نفسه، 293) وكذلك يمكن لسيد جواد الطباطبائي أن يطلق صرخة 'هل من مبارز' ويلطخ أساطير الإيمان والفداء بالوحل! هذه كلها، بتعبير عبيد الزاكاني، من أثر تراجع الزمان، وبتعبير قائم مقام: للفلك الدوار من هذه الألاعيب الكثير! ومن المؤلم أن عادة التاريخ جرت على الدوام – وبتعبير أخوان أيضاً – أن توضع الحمير في مهد الأسود!
البته رسم طباطبایی در این چند دهه ی گذشته، برپاكردن گرد و خاك، و یا - به تعبیر خود او - «در پیچیدن» با بزرگان و برجستگان فكری و سیاسی، و مسموم کردن فضای فکری جامعه، به جای ارزیابی و نقد اندیشه ها بوده است و در این درپیچیدن ها و ستیزه گری ها، چیزی كه دیده نمی شود آداب نقادی و اخلاق گفت و گو و استدلال و برهان آوری است و آنچه كه سرتاسر این گونه نوشته های او را انباشته است، دشنام و بدگویی و تخلیه ی عصبیت ها و كینه های كور بوده است! اما در سلسله مقالات “انقلاب ملی در انقلاب اسلامی » كه از آخرین نوشته های اوست، این فیلسوف سیاست - به اصطلاح – به سیم آخر زده و سیاه مست از نوعی یقین علمی و دانای كل بودن، همه ی جریان های فكری و روشنفكری معاصر را، از دینی و غیر دینی – به اصطلاح – یك كاسه كرده، و با نوعی فرصت طلبی و سوء استفاده از وضعیت سیاسی پیش آمده، كه جریان های روشنفكری را «خار در چشم و استخوان در گلو» خانه نشین كرده است؛ چپ و راست و كهنه و نو را یك جا، به تیغ قلع و قمع خود سپرده و نمك در زخم ها ریخته است! غیبت پیشاهنگان روشنفكری و برجستگانی مانند جلال و شریعتی و شاملو و براهنی و سحابی و سید جوادی و ساعدی و گلشیری و رحیمی و فروهر و آریان پور و نُدوشن و ده ها تن از اعضای كانون نویسندگان و برگزاركنندگان ده شب و سران سازمان های سیاسی و دیگر روشنفكران عصر انقلاب از صحنه ی سیاسی امروز، و بی اعتنایی روشنفكران حاضر در صحنه در برابر این گونه تاخت و تازهای نام جویانه، تهوّر طباطبایی را دوچندان كرده و او به گمان این كه هیچ كس را یارای نفس كشیدن در برابر این رجزخوانی ها نیست؛ چشم بر هرگونه اخلاق علمی و ادب سیاسی بسته و همه ی پرده ها را دریده و همه ی افكار و اندیشه ها و جریان های فكری و سیاسی را، از راست تا چپ، و از ایرانی تا غیر ایرانی، یك سره سیاه و تباه كرده است! در این سیاه كاری سیاسی، اندیشه ی آگاهی بخشِ شریعتی، شده است خاكستر، طالقانی و بازرگان فُسیلند و منتظری یاوه گوست، جزنی عقب مانده ی ذهنی است، اعضای جبهه ی ملّی و نهضت آزادی شرمسار و روسیاهند، مبارزان آزادی بخش الجزایر تروریستند، چه گوارا ساده لوح و نادان است، فوكو ابله است، ژیژك ملیجك است، ماركس كج فهم است، و. . . و اگر به همین شیوه تا آخر بروید، در همه ی كره ی خاك می ماند تنها یك نفر كه هیچ یك از این اشكال ها در كار او نیست و او هم كسی نیست جزسید جواد طباطبایی، فیلسوف سیاست! این گونه فحّاشی ها پیش از آن كه برآمده از مسئولیت انسانی و چاره حویی برای دردهای یك جامعه باشد؛ نشانه ی نوعی بیماری خود برتربینی و رعونت عالمانه است كه طباطبایی در آن انگشت نماست و سرتاسر آثار او گواه این بیماری و رعونت! با این حساب، پاسخ دادن به این دعوی ها و روشن كردن حقیقت ماجرا، تاثیری در كار طباطبایی ندارد؛ زیرا كه او نه در برابر استدلال سر فرومی آورد، آن گونه كه در برابر استدلال های داریوش آشوری و صادق زیباكلام و هاشم آقاجری و حاتم قادری و دیگران فرود نیاورد.(ر.ك: مهرنامه شماره های ،35،26،14،3) و نه سند و نوشته ای غیر از نوشته های خود را به رسمیت می شناسد تا به آن ها استناد شود. اما از آن جا كه این سلسله مقالات او انتشار گسترده یی یافته و درنتیجه برای خوانندگان آن، تردیدها و پرسش های فراوان آورده است، پرداختن به برخی از دعوی های بی پایه ی او و روشن کردن ماجرا را، به ویژه در آنچه كه مربوط به شریعتی و انقلاب سال 57 است، ضروری و لازم می دانیم.
برخلاف دعوی های گزافی كه طباطبایی در این سلسله مقالات، در تفسیر مسائل سیاسی ایران پیش می آورد، بیگانگی او با مسائل جامعه ی ایران، و به ویژه انقلابی كه در سال 57 روی داد؛ در حدّ فاجعه باری دردناك است و پیش از این هم، برخی ها این بیگانگی را در اشکال دیگری در كار طباطبایی نشان داده اند(ازجمله ر.ك: مهرنامه،15/178) این بیگانگی از واقعیت تا جایی است که طباطبایی گمان می كند كه اگر كتاب «انقلاب در انقلاب» رژی دبره در سال 45 ترجمه نمی شد، روی دادی مانند انقلاب 57 پیش نمی آمد! و وقتی كه این كتاب ترجمه شد، اندیشه ی رژی دبره در درون تمام جریان های سنّتی و روشنفكری دوید و در اثر نفوذ آن «درمذهبی های شرمگینی مانند جبهه ی ملّی! تا نهضت آزادی، و از ملّایان سیاسی تا مجاهدین خلق كه تحت تاثیر كسانی مانند علی شریعتی، قرائتی توتالیتر و چریكی از اسلام عرضه كردند، به صورت فاجعه باری در ایران موفق شد»(طباطبایی، بخش 1) از سوی دیگر، این نظریه ی رژی دبره، در زمره ی نظریه های رهایی بخشی بود كه تزریق آن در کشورهای جهان سوم، «جزئی از استراتژی امپریالیست ها، برای فلك زدگی ] فلك زده كردن؟[ ملّت ها بوده است.»(همان جا)
تتجلى عبقرية الطباطبائي السياسية في هذين السطرين أو الثلاثة، حيث شقَّ جميع مسائل تاريخ إيران المعاصر ولم يترك فيها أي غموض! ففي هذا التفسير للثورة، جميع قوى ثورة 57، أي جميع التيارات الوطنية والدينية والسياسية، من حوزة رجال الدين إلى المثقفين الماركسيين، ومن الجبهة الوطنية إلى مجاهدي خلق، وجماهير الشعب من الطبقة المتوسطة الحضرية إلى الريفيين، نتيجة لتعرفهم على أفكار ريجي دوبريه، سلموا عقولهم له وقرروا القيام بالثورة وإسقاط الحكومة، ثم، بمنتهى السهولة، أنهوا عملهم ذاك، وقبل أن يُترجم هذا الكتاب، لم يكن في هذا البلد أي خبر عن خلاف بين الأمة والدولة، ولا أي أثر للتفكير في الثورة وتغيير النظام، ولم يكن وطن الطباطبائي يفتقر إلى شيء من الأمن والهدوء والحرية والديمقراطية والنظام والقانون؛ وكانت نظرية الثورة تلك لكي يسلب الإمبرياليون كل هذه النعم من أيدي الشعب الإيراني! علاوة على أن وهم المؤامرة هذا هو أكثر أنواع تفسير الثورة الإيرانية شعبويةً يُسمع من لسان فيلسوف سياسي؛ فإن ادعاءات الطباطبائي تُظهر أنه لم يكن يعرف شيئاً لا عن التضادات والاختلافات الفكرية والعقائدية بين هذه التيارات المتنوعة فيما بينها، ولا عن الوضع السياسي للبلاد في تلك السنوات، ولا حتى عن الأحداث منذ ما بعد الدستورية إلى ذلك اليوم، في حين أنه أحد أشهر الباحثين في مسائل عصر الدستورية!
الطباطبائي إما لا يعلم، وإما يعلم ويستره عناداً، أن إيران ما قبل الثورة كانت هدوءاً ما قبل العاصفة وناراً تحت الرماد، وهذه النار تحت الرماد كانت باقية على الأقل منذ نصف قرن قبل ثورة 57، ومنذ أيام داست فيها أيادي الانقلابيين الإنجليز والأمريكان على مُثُل الدستورية، ومن بعدها، نهضة النفط، فحول الشعب الإيراني هذه الإهانة التاريخية إلى نوع من الذاكرة القومية، وجرّها معه عاماً بعد عام حتى أوصلها إلى عتبة ثورة 57، وعندها، في استعراض للقوة والتضامن، انتقم دفعة واحدة من كل ذلك القمع والظلم والإهانة من الانقلابيين الأجانب وأذنابهم، وفي هذا العمل – بتعبير فرد هاليداي – جذبوا أنظار العالم بأكبر مظاهرات في تاريخ البشرية (هاليداي، 9)، وبهذا العمل "أدهشوا العالم" (إسلامي ندوشن، 20)، وأوجدوا ثورة قال عنها ميشيل فوكو حين رأى مشاهد منها: "إيران، روح عالم بلا روح!"، وفي السنوات اللاحقة، وصفها بأنها "النموذج الأزلي لحركة جماهيرية ووعي سياسي حديث طالب بسلوك اقتصادي مستقر وديمقراطية سياسية في ظل القانون" (بروجردي، مهرنامه، 15/176)! ولكن قبل ذلك أيضاً، وحتى قبل عقود من ترجمة كتاب ريجي دوبريه، كان هذا الالتهاب والاضطراب قد اشتعل مراراً بأشكال مختلفة في أنحاء هذه الأرض وأوجد أحداثاً، وكان أحد آخر لهيبه هو انتفاضة المؤمنين التقليديين خلف أولئك الملالي السياسيين في عام 42، حين كان لا يزال قد بقي ثلاث سنوات على ترجمة "ثورة في الثورة"، وأياً كان تفسيرنا لهذه التحركات والاضطرابات السياسية، فلا شك في هذه النقطة وهي أنها جميعاً نشأت قبل ترجمة "ثورة في الثورة" وفي مواجهة "الدولة الوطنية المديدة" للطباطبائي!
علاوة على ذلك، لم يكن أي من هذه التيارات السياسية، قبل أن يبلغ الاضطراب ذروته في الفضاء السياسي للمجتمع وتنتقل زمام المبادرة إلى أيدي الفدائيين والتنظيمات المتطرفة، ليس لديه نية القيام بالثورة أو الانقلاب أو إسقاط الحكومة. كان شريعتي يفكر في تغيير العقول وإصلاح الدين والتحول الفكري، لا في الثورة السياسية. كان همّ جلال وأعضاء رابطة الكتّاب هو حرية الكتابة والتعبير وإلغاء الرقابة. كان أعضاء حركة الحرية يطلبون من الشاه أن يملك لا أن يحكم. كانت الجبهة الوطنية تفكر في الدستور والاستقلال الوطني، و... وحتى بازركان، ممثلاً لهذه التيارات، كان قد حذر ذات مرة القائمين على النظام قائلاً: نحن آخر الجماعات التي تمارس النقد والاحتجاج عبر النشاط القانوني وبشفافية سياسية؛ أما الذين سيأتون من بعدنا فسيتخذون أساليب أخرى! وبعد سنوات منه، كتب المهندس سحابي أيضاً في مذكراته أننا «توصلنا في السجن إلى هذه الخلاصة وهي أن زمننا وزمن سائر القوى الوطنية لقيادة الحركة والنضالات الاجتماعية قد ولى... لذا كان الجميع يعيشون حالة من الترقب وينتظرون أحداثاً في المجتمع، ينتظرون ولادة طفل من رحم ظروف المجتمع في ذلك اليوم». (سحابي، 305) وهذا الطفل الذي خرج من رحم تلك الظروف، كان هو عينه حركات الفدائيين والاشتباكات المسلحة مع الحكومة، والتي كان حتى بعض الوجوه المرتبطة بالنظام يتنبأون بولادتها على طريقة سحابي وبازركان، وقد قال أحدهم إنه إذا لم يحدث تحول سياسي مستدام في إيران، فسيحدث انفجار كبير (نجاتي، 315) ولكن رغم كل هذه التحذيرات، وفي النهاية «لأن الشاه لم يلقِ ببندقيته أرضاً؛ لم يبقَ أي طريق آخر لإسقاطه سوى حمل البندقية». (براهني، 103) وبناءً على خلاصة مجمل هذه المسائل كان سبانلو يقول أيضاً: «عنف نظام الشاه هو ما أدى إلى تحول النضالات الديمقراطية إلى حركات مسلحة». (سبانلو، 74) وقد أكد دولت آبادي هذه الأقوال بقوله: «لم أكن أنا من يحارب الديكتاتور، بل الديكتاتور والنظام الديكتاتوري نفسه هو من كان يحارب نفسه. لأنه بإبعاده الناس عنه وقمعهم، كان يعزل نفسه ويحول الناس إلى أعداء لدودين له». (دولت آبادي، 221)
كان أعضاء الجبهة الوطنية وحركة التحرير وتنظيمات مثل رابطة الكتّاب يسعون وراء المطالب ذاتها التي يعتبرها الطباطبائي أهم منجزات النهضة الدستورية الإيرانية، أي القانون والحرية وحقوق الأمة! ولو أن استبداد الشاه أفسح مجالاً لهذه المطالب القانونية والمشروعة؛ لما سعى أحد إلى التنظيمات الثورية ولا لحدثت ثورة في العام 57. لكن دكتاتور إيران وأعوانه لم يكترثوا أبداً بهذه المطالب القانونية والمطامح المشروعة للشعب، ولم تكن لديهم حتى ذرة من التدبير ليفصلوا، عبر مسايرة بعض التيارات السياسية الليبرالية والمحافظة، هذه التيارات عن التيارات المتطرفة ويُضعفوا الجبهة الآخذة في التشكّل ولو لبرهة قصيرة، أو يؤخروا الثورة! بل إن هذا الاستبداد والتفرد بالرأي، في السنوات الأخيرة من حكم الشاه، قد اشتد مع تقوية ذراعه البوليسي وأجهزته الاستخباراتية؛ حتى أنه أوكل أي احتجاج أو انتقاد إلى جهاز الأمن وأدوات القمع والعنف! وقد وفّر هذا الأسلوب في إدارة البلاد، في نهاية المطاف، دوافع الاضطراب والتمرد لدى جميع الأطياف السياسية وغير السياسية للأمة، من التنظيمات الفدائية والتشكيلات التنويرية – مثل رابطة الكتّاب الإيرانيين – وصولاً إلى أكثر الشرائح الدينية والتقليدية في البازار، وكان الدافع لأن تقف جميع تلك القوى الفكرية والعقائدية المختلفة... من ماركسيين ودينيين وقوميين، وكتّاب وشعراء وعمال وكسبة وموظفين، في اتحاد سياسي كبير، جنباً إلى جنب في مواجهة النظام، وأن يلجأوا عن اضطرار إلى الدواء الأخير، ألا وهو قلب الحكم وتغييره! وذلك فقط على أمل أن تتحقق بعد نيل النصر مُثُلهم السياسية والعقائدية والوطنية، أي الاستقلال والحرية والعدالة... وبالطبع، في غضون ذلك، فإن التيار الذي كانت له جذور أوسع بين جماهير الشعب هو الذي كان سيربح اللعبة ويحدد مستقبل البلاد السياسي. كانت هذه هي النقطة التي لم يعد ثمة طريق للعودة أمامها، فالعودة من هناك كانت عودة إلى المسلخ وإلى القمع والعبودية والسجن والتعذيب! أما الأفق الذي كان يُرى في المنظور الأمامي فكان الأمل في الخلاص والنجاة، والحرية والعدالة، ولم يكن يُرى أي أثر أو علامة لما ظهر في السنوات اللاحقة في أفق ذلك اليوم من أيام الثورة أو في وعود قيادتها! في تلك الأيام، لم يكن القوميون قد سمعوا باسم ريجي دوبريه، ولا كانت حركة التحرير تعرفه، ولا الملالي السياسيون، ولا الجماهير الغفيرة في المدن والأرياف. وأما شريعتي الذي كان يعرفه، فلم يكن يتحدث عن "ثورته في الثورة" فحسب، بل كان يحذر أجيال عصره من الإصغاء إلى مثل تلك الأفكار المستوردة! (م،آ،1/98)
يُصيب الطباطبائي حين يقول: «عندما يبدأ الصدام] = الثورة [، فإن اختيار السلاح يعود للسلطة السياسية، وهذه السلطة السياسية هي التي تفرض على الأمة السلاح الذي ستسترد به حقوقها.» (نفسه، القسم6) لكن ينبغي أن نضيف إلى قوله هذا أن الثورة نفسها أيضاً تفرضها السلطات القائمة على الشعب، كما قيل في تفسير الثورة الفرنسية: «لويس السادس عشر هو من تسبب في سقوط الباستيل.» (برونوفسكي530) والثورة الإيرانية أيضاً نشأت حين أغلق دكتاتور إيران جميع الطرق السلمية والقانونية في وجه أي انتقاد واحتجاج واقتراح ومشاركة سياسية واجتماعية، وكان ينوي أن يدير البلاد بمفرده وبالكيفية التي يريدها هو! وهو الذي كان في السنوات الأولى من حكمه قد أطلق للشعب وعوداً براقة بالديمقراطية وحرية الفكر؛ وقال: «بما أنني ملك بلد دستوري، فلا أرى سبباً يمنعني من تشجيع تشكيل الأحزاب، وأن أدعم، مثل الدكتاتوريين، حزباً واحداً من صنعي.» (نجاتي،496، نقلاً عن مهمة من أجل وطني) عاد في سنواته الأخيرة، بتأسيس حزب حكومي واحد، ليرسم الخطوط الحمراء لجميع التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية قائلاً: «في المستقبل ]فقط[ سيكون هناك حزب واحد، والذين يمتنعون عن الانضمام إليه، عليهم أن يستخرجوا جوازات سفرهم ويغادروا البلاد.» (نفس المصدر)
لا يأتي الطباطبائي في هذه السلسلة من المقالات على ذكر شيء من هذه الوقائع؛ أي أنه في الحقيقة لا يقدم تحليلاً سياسياً، بل ينسج أحلامه، وإلى جانب ذلك، يفرغ أحقاده ويصفّي حساباته مع كل واحد من الوجوه الفكرية والتنويرية في زمانه! فهو الذي كان – كما يُقال – يُدقّق في تحليل أحداث مثل الثورة الدستورية، أو مسائل مثل الفكر السياسي في الغرب، ويستخرج الدقيق من بين الخشن، يلجأ في دراسته لأشمل ثورة في التاريخ المعاصر، والتي نشأت أمام عينيه، إلى تعميمات مذهلة! يقول: «مع انتصار الثورة المعادية للوطنية ]= ثورة 57[، فإن الوعي الوطني الإيراني الذي كان قد فقد مسكنه الأصلي، . . . صار يبحث عن ملجأ.» (المصدر نفسه، القسم 13) حتى إنه نسي أنه قبل بضع سنوات، كان يصف الثورة ذاتها – التي يصفها اليوم بأنها معادية للوطنية ومن صنع الإمبرياليين – بأنها جاءت بالعدالة والحرية، وقال في تفسيرها: «كانت الحركة الدستورية من نوع الثورات من أجل تأسيس الحرية، لكن لا يُقصد بذلك أن الثورة الإسلامية تشكلت في معارضة الحرية. الحرية والمساواة تقعان في صميم المنظومة الفكرية لكل الثورات . . . لقد أعطت الثورة الإسلامية الأولوية لمبدأ المساواة والمطالبة بالعدالة.» (الطباطبائي، 536)
من حيث أن الطباطبائي – وعلى عكس توصياته في مواضع متفرقة من كتاباته الأخرى – ينظر إلى كل شيء من وراء زجاج تعصباته الفكرية الكئيب؛ فهو يرى كل شيء قاتماً أسودَ وذوقياً. ولهذا فإن سلسلة مقالاته لا تحمل أي قيمة علمية، إذ لا يُرى فيها أي أثر للأساليب العلمية. فالكتابة العلمية، قبل كل شيء، تُصنّف المسائل المطروحة وتُفرّق بينها وتفصلها، وتُخضع كلاً منها للتقييم والتحليل في موضعه، ومن خلال ذلك تُظهر إحداثيات وخصائص كل منها. وهذا الأسلوب العلمي يقتضي أن تُدرس وتُقيّم في هذا البحث أيضاً المسائل الثلاث المهمة في تاريخ البلاد المعاصر، وهي «النظام ما قبل الثورة»، و«الثورة»، و«النظام ما بعد الثورة» بشكل منفصل. في حين أن الطباطبائي، للوصول إلى غايته، يخلط هذه الحقب الثلاث كلها، ويجعلها – كما يُقال – في كفة واحدة، ليعكّر الماء ويسوق الموضوع كما يشاء. في هذا التفسير الشاذ والذوقي، لا يأتي على ذكر شيء من النظام ما قبل الثورة الذي يسميه الطباطبائي «الدولة الوطنية المديدة» وتُظهر القرائن أنه كان يعلّق عليه قلبه، كما أن الثورة، ومن خلال نوع من التبسيط، تُصوّر وكأنها لا تمت بصلة إلى تاريخ إيران أو مجتمعها، بل ناتجة عن ترجمة كتاب أجنبي أرسله الإمبرياليون لزعزعة أمن البلاد واستقلالها! وما حدث في العقود التي تلت الثورة كان نتيجة حتمية لثورة 57، وحصيلة عمل المتنورين السياسيين والتيارات الثورية ما قبل الثورة! وبهذه البساطة – كما يُقال – صارت القضية كلها منتهية! لكن الحقيقة هي أن التحليل الخاطئ تترتب عليه عواقب خاطئة وأضرار مدمرة. إنه يُبقي المذنب والبريء مجهولين، بل ويبدّل مواقعهما! لذلك، ومن أجل توضيح الأمر، نمضي في هذه الكتابة بفصل المسائل الثلاث المذكورة، ونترك الحكم للقراء.
النظام ما قبل الثورة أو الدولة الوطنية المديدة:
لقد تطرق الطباطبائي في هذه الكتابة الطويلة إلى كل شيء، إلا ما نشأت الثورة الإيرانية في مواجهته، أي النظام ما قبل الثورة. في حين أن تناول الثورة، قبل معرفة خلفياتها التاريخية والاجتماعية، لا يؤدي إلى نتيجة، بل يغلف أمرها بالغموض والإبهام. لكن الطباطبائي، ومن دون اكتراث بمثل هذه المسائل، يكتفي بالقول: «ما لم تكن تعلمه لا ]هم؟[ طيف الجماعات اليسارية، ولا ]هم؟[ طيف الجماعات الدينية، هو أن ‹ثورتهم في الثورة› حدثت في بلد كان يمتلك دولة وطنية مديدة.» (المصدر نفسه، القسم 1)
هذا كل ما قدّمه كتاب الطباطبائي عن الثورة والنظام الذي سبق ثورة 57. وفقاً لهذه الادعاءات، كان الشعب الإيراني عبارة عن فوضويين مثيري شغب، تشوّقت رؤوسهم لزعزعة نظام البلاد واستقرارها، وواجهوا مشكلة مع ما يُسمّى بالدولة، ونتيجة لذلك، قرّروا القضاء عليها! وكانت تلك الدولة، دولة وطنية وشعبية كانت تضمر في سرّها نغمة التقدّم والرقي البعيدة المدى. الآن، لو لم يكن أحد على علم بمغامرات الثورة وما قبلها، ولم يتعرّف على تلك المغامرات إلا من خلال كتابة الطباطبائي هذه، فلن يرى تلك القوى إلا كمجانين مضطربي العقول ومخرّبين معادين للمدنية والنظام والقانون! ولكن لنرَ ما هي القصة، وكيف كانت الدولة الوطنية بعيدة المدى، وماذا أرادت الثورة الإيرانية؟
إذا كان قصد الطباطبائي من كون الدولة بعيدة المدى أنها كانت تتطلع إلى آفاق مستقبلية بعيدة وتحلم بالحضارة الكبرى؛ فيُعتقد أن وضعها المتخلّف واقتصادها وصناعتها التابعة، التي وُصفت بأنها «عمارة صناعية ناقصة» (هاليداي، 178) أي نموذج أجوف، قد أجابت الطباطبائي مسبقاً، ولا يُعتقد أن الطباطبائي يستطيع أن يُظهر حتى قرينة واحدة تدل على إمكانية وقوع مثل هذه الحضارة في السنوات التي سبقت الثورة، والدليل على هذا الادعاء هو أن الشاه، أثناء استعراضه لحضارة إيران ذات الألفين وخمسمائة عام في سنة 1350، لم يكن يمتلك حتى عربة أو كارو مصنوع في إيران ليربطه في ذيل الخيول والجمال والبغال في العصور السابقة ويُظهر أن تلك الحضارة التاريخية استمرت حتى أيامه! ولكن إذا كانت هذه النغمة البعيدة المدى تعني الجذور التاريخية لتلك الدولة، أي الارتباط التاريخي لمؤسسة السلطنة بالتقاليد السياسية الإيرانية-شهرية والفرّة الإيزدية للملوك - وهو ما يتعلّق به قلب الطباطبائي أيضاً - فمن الضروري حينئذ أن نبحث في القضية أكثر قليلاً لنرى كيف كان الوضع التاريخي لهذه الدولة بعيدة المدى، وإلى أين كانت تمتد جذورها التاريخية؟
إذا أخذنا الدولة هنا بمفهوم مجموع مديري النظام السابق للثورة، أي الحكومة، فإن العارفين بتاريخ إيران يعلمون أن هذه الدولة كانت دولة معادية للوطن، بلا جذور، وعميلة، انتقلت إلى سلالة بهلوي بعد قمع النهضة الوطنية الدستورية والحكومة المستقلة والشعبية لمصدق على يد الانقلابيين الإنجليز والأمريكيين. هذه الدولة لم تحظَ أبداً بالشرعية الوطنية، ويمكن على سبيل المثال رؤية مدى شرعيتها في الأدب الإيراني المعاصر، وخاصة في آراء وأفكار شعراء وكتّاب مثل نيما، هدايت، شاملو، بزرك علوي، براهني، أخوان، ساعدي، فروغ، سايه، رحماني، شفيعي كدكني، حميد مصدق، سبانلو، دولت آبادي، مجابي، بهرنكي وعشرات الشعراء والكتّاب الآخرين! لقد نشأ فكر وآثار كل واحد من هؤلاء الشعراء والكتّاب، من الرأس إلى أخمص القدمين، ضد الوضع القائم في تلك الأيام! ولم تكن هناك أية صلة تاريخية تربط تلك الدولة بالفترات التي سبقتها! علاوة على ذلك، يعرف الجميع هذه البديهيات التاريخية بأنه لم يكن هناك أساساً ما يُسمّى بالدولة الوطنية بعيدة المدى في تاريخ إيران، لتكون دولة الطباطبائي بعيدة المدى إحدى الحلقات المتصلة بها. لقد قطعت الانقطاعات التاريخية المتعددة، مراراً، صلة الدول التي سبقت المشروطة ببعضها البعض؛ سيطرة العرب، إغارة المغول، غزو تيمور لنك، هجوم القبائل الغريبة التي كانت تحل محل بعضها البعض ويسقط بعضها بيد بعض، لم تترك مجالاً لاستمرارية الحكومات. هذه الدول لم تكن وطنية أيضاً، لأنها بالإضافة إلى كونها غير إيرانية وجاءت للنهب والسلب، كانت تمضي سياساتها أيضاً بالقتل والظلم والنهب، وفقء العيون وجدع الآذان وكسر الأقدام، وبكلمة واحدة «العداء للشعب»، ونتيجة لذلك، لم تكن لها أية قاعدة بين جماهير الشعب. كانت هذه السلالات الغازية تأتي كالبرق وتحل محل السلالة التي سبقتها، ثم تذهب كالريح وتُسلّم مكانها لغازٍ آخر. وفي بعض الأحيان، كان أمر هذه الحكومات الغريبة ينتهي بشخص أو شخصين، ولم يتشكّل ما يُسمّى بالسلالة. أضف إلى ذلك، إذا كان الخروج على حكومة ما خطيئة، فلماذا لم يتحدّث الطباطبائي بهذا الكلام في تفسيراته للثورة الدستورية، في حين أن الثورة الدستورية أيضاً قلبت تاريخ إيران السياسي وقطعت ماضيها عن فتراتها الجديدة، أي أزالت دولة من العصور الوسطى وأسست دولة ومجلساً على مستوى جديد، وبهذه الطريقة، أبطلت وأفقدت الاعتبار لكل أساطير وخرافات إيران-شهرية والفرّة الإيزدية والتأليه!
أما إذا كان ما قصده الطباطبائي بـ«الدولة» هو الحكومات أو رؤساء الوزراء في العهد البهلوي، فينبغي القول إن الأمر في هذه الحالة أكثر إثارة للأسف! ففضلاً عن أن هذه الحكومات، شأنها شأن السلالات الملكية، لم تكن متصلة بالماضي البعيد، بل إن بعضها لم يدم أكثر من بضعة أيام أو أشهر، أو بضع سنوات على أقصى تقدير؛ فلم يكن أي منها يضم وزراء من طينة خواجه نظام الملك – الوزير المثالي عند الطباطبائي ومنظّر الاستبداد الديني. كان نظام الملك وزيراً قوياً يلقن السلطان دروساً في تدبير المملكة، وكما روى الطباطبائي في موضع آخر، فقد كان يهدد السلطان بأنه إذا حرمه من قلم الوزارة فلن يغني عنه سيفه شيئاً. في حين أن وزراء العهد البهلوي والعصور التي سبقته – باستثناء نفر قليل مثل قائم مقام وأمير كبير ومصدق الذين لم تكن تجمعهم بالدكتاتوريين وأذناب الأجانب رابطة – كانوا عبيداً صماً بكماً لم يكونوا يملكون أحياناً حتى سلطة تقديم الاستقالة! كانوا يُدعَون في العصر القاجاري بـ«النوكر» (الخدم)، وفي العصر البهلوي انحدروا درجة أخرى وأصبحوا «غلماناً وُلدوا في الدار»! والحق أن عملهم لم يكن سوى العبودية وتقبيل الأقدام والتملق. ولإظهار إخلاصهم في الذل والعبودية، كانوا يحولون أنفسهم أمام الشاه إلى دواب و«يسيرون على أربع». (بولارد، 32)
كان رؤساء الوزراء في هذه العصور، بتعبير هويدا، أمناء مكتب لا رؤساء دولة. كان هويدا يقول: رئيس الوزراء هو رئيس مكتب صاحب الجلالة، وكان منوتشهر إقبال يوقع رسائله بعبارتي «الغلام المولود في الدار» و«المفتدي بروحه». (ميلاني، 304) وكانت لهم خصلتان مشتركتان هما أنهم «كانوا جميعاً خاضعين لإرادة الملك، ولم يكن لأي منهم قاعدة شعبية بين الناس» (نفسه، 23) حتى إن بعض الصحف كتبت في وصف سلب إرادة هويدا «أنه كان محروماً حتى من حق تعيين خادم لمنزله». (نفسه، 232) ويُظهر تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية أنه «في بداية تولي هويدا رئاسة الوزراء، لم يعد لهذا المنصب في الواقع أي استقلال أو حرمة تذكر». (نفسه، 226) لقد «حط من قدر رئاسة الوزراء إلى مجرد حامل رسائل للبلاط كي يبقى في منصبه». (بهنود، 617) وقد أعلن أحد رؤساء الوزراء – منوتشهر إقبال – رداً على الصحفيين أن برنامج حكومته هو فقط وفقط تنفيذ إرادة الشاه». (نفسه، 423) وليس تقديم خطط وتدابير لإدارة البلاد! وأعلن رئيس وزراء آخر، قيل إنه كان أشد تملقاً من إقبال، «لقد جئنا لنكون ترساً يقي صاحب الجلالة البلاء، ونضحي بأنفسنا من أجل بقاء الملكية». (نفسه، 479) أما منوتشهر إقبال «الذي تولى رئاسة الوزراء في أبريل 1957، وكان يطلق على نفسه في كل مكان لقب غلام الشاه المولود في الدار، فقد رفع مرة، بحضور أحد أصدقائه القدامى، ]ودون أن يكون الشاه حاضراً هناك[ كأس الماء عن الطاولة وقال: أنا لا أشرب هذا الماء دون إذن صاحب الجلالة الإمبراطورية». (نجاتي، 93) وكان وزير خارجيته – عباس خلعت بري – يقول لسفراء الدول «إنه مجرد حامل رسائل، وأن صاحب الجلالة هو من يتخذ القرار في جميع الأمور المهمة وكذلك في غالب الأمور قليلة الأهمية». (استمبل، 37) ولكن في سباق الخسة والعبودية هذا، يحرز عَلَم أخيراً قصب السبق ويعلن لمدراء الصحف «أن لا يُستعمل لقب الشخص الأول في البلاد للإمبراطور بعد الآن، لأن لقب الشخص الأول في البلاد يعني أن هناك شخصاً ثانٍ وثالثاً ورابعاً ]في هذا البلد[، بينما صاحب الجلالة هو القائد والأمة كلها تابعة له». (بهنود، 599)
أولئك الذين كانوا يصبحون رؤساء دولة في هذا النظام، بدلاً من إدارة شؤون البلاد وتقديم الخطط والبرامج، كانوا يظهرون كل يوم اكتشافاً جديداً في التملق والمذلة السياسية ويتسابقون في تلطيخ شخصياتهم بالوحل! وحين كانوا يأتون إلى الحكم بلقب وزير أو وكيل، كانوا بعد فترة من التمرس على العبودية يتحولون إلى كائنات حقيرة يغدق عليهم الشاه، على طريقة أبيه، كل أنواع الإهانات، دون أن يجرؤ أي منهم على رفع رأسه لينظر في وجه صاحب الجلالة! كان الشاه في جلسة مجلس الوزراء يصف أعضاء حكومته بالبغال ويقول: «أنتم مثل البغال، إذا نخستكم تحركتم من مكانكم، وإذا بقيت ساكناً لا تتحركون!» (نجاتي، 489)
كان الشاه قد ملأ حاشيته بهذه الدواب الصمّاء العمياء، واعتبر السلطنة مرادفة للحكم على حفنة من العبيد والدواب باسم الوزراء والوكلاء، فصار جواداً طليقاً في ميدان السياسة وإدارة البلاد، ودفع بمسيرة الحكم في مسار لم تكن نهايته سوى قطع جذور سلطته هو! ومنذ ذلك الحين، ودون اكتراث بالوزير أو الوكيل أو القانون، ومعتمداً على عائدات النفط الوفيرة وشراء الأسلحة الحربية، وتوظيف الخبراء الاستعماريين وتأسيس أحد أكثر الأجهزة البوليسية رعباً في عصره – السافاك – شكّل واحدة من أحلك الديكتاتوريات في القرن العشرين، ومضى في حكمه بالقمع والعنف والإرهاب. كانت إيران بعد الانقلاب، وإن كانت لا تزال ناراً تحت الرماد ولم تنسَ إمارات التحرر والنزوع الدستوري، ولم تفقد حمّى مطالبها السياسية، وكانت تصون هذه المطالب السياسية في حركات مثل نهضة المقاومة الوطنية والحركات الفدائية المسلحة والمساعي السياسية العلنية والسرية، إلا أن نظام الرعب الذي بسطه الشاه بتواطؤ مع أجهزة التجسس البريطانية والأمريكية والإسرائيلية على امتداد البلاد، كان يخمد كل حركة ويغلق كل منفذ في وجه الأمة. كان الشاه قد خاض تجربة حريات العقد العشرين وما تلاه من النهضة الوطنية للمصدق، وكانت لديه ذكريات مرة من تقوية التيارات السياسية والصحافة الحرة في السنوات الماضية، فاستخدم هذه المرة آليات استبداد بوليسي على نحو لم يترك أمام الأمة طريقاً سوى الاستسلام والصمت، أو الانتفاض والثورة. في هذه السنوات «كانت أجهزة المخابرات الثلاثة: أمريكا، بريطانيا، إسرائيل، تمتلك في آنٍ واحد قواعد تجسس وخدمات سياسية فاعلة في إيران.» (فردوست، ٣٦٤) كانت وكالة المخابرات المركزية (CIA) و«جهاز الاستخبارات البريطاني M.i.6 قد بسطا شبكتهما في كافة المدن، وكانا حاضرين في كل مكان بأشكال مختلفة مثل أصحاب المتاجر والتجار... إلخ، بل وكانا يفرضان تكاليف ذلك على السافاك» (المصدر نفسه، ٣٥٠) وكانا يساعدان جهاز الأمن الإيراني – السافاك – في إشاعة الخناق والرعب، على نحو «هيمن فيه القتل والقمع والتعذيب على إيران كلها، وبصورة أشد حتى من محاكم التفتيش في إسبانيا [القرون الوسطى]» (كاتوزيان، ٢٨٦)
كان الشاه، الذي كان يزداد يومًا بعد يوم غرقًا في جنون الاستبداد وفي الحفرة التي حفرها له العبيد المتولّدون في بيوته، ينتقم من التيارات السياسية والفكرية لسنواتٍ خلت عبر توظيف أدوات الرعب والإرهاب هذه، وكلما مارس السافاك المزيد من الرعب والعنف في هذا السبيل، ظن الشاه أن سلطنته تزداد رسوخًا. لذا فقد أطلق يد هذا الجهاز البوليسي في كافة أنحاء البلاد لإسكات كل صوت. لقد جعل من ضباط السافاك، ولا سيما رؤسائهم، أسياد البلاد بلا منازع، وكان الرعب من هؤلاء الضباط الذين كانوا يتربصون في كل زاوية يثقل كاهل جميع المحافل الفكرية والثقافية، وخاصة جامعات البلاد، ولم يكن القائمون على هذا الجهاز المسمّى أمنيًا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة لإظهار قوتهم وتفريغ عقدهم، وكانوا يبتدعون كل يوم أساليب جديدة في التعذيب والقتل. لذا «كان اسم السافاك يتصدر القائمة السوداء للمحافل الدولية لحقوق الإنسان.» (فردوست، 450) وكما كتبت مجلة التايمز مرة: «على الرغم من أنه لا يمكن التحديد بدقة في أي بلد من بلدان العالم تكون أساليب التعذيب أشد قسوة، إلا أن إيران وتشيلي، وفقًا لخبراء دوليين بارزين، تحتلان المرتبة الأولى من حيث التعذيب وممارسة الأساليب الوحشية. وقد عرّفت صحيفة لوموند الفرنسية إيران بأنها إحدى الدول التي أثارت قلق منظمة حقوق الإنسان العالمية باحتجازها آلاف السجناء وممارسة الضغط والقمع والانتهاك المتزايد لحقوق الإنسان.» (نجاتي، 2/17) و«كانت صحيفة صنداي تايمز تعرّف السافاك بأنه أداة قمع المثقفين وتعذيب المعارضين والسجناء، وأبشع جهاز بوليسي في العالم.» (المصدر نفسه، 18) وكان الأمين العام لمنظمة العفو الدولية قد قال في عام 1975 إن «ملف أي دولة في مجال انتهاك حقوق الإنسان ليس بسواد ملف الحكومة الإيرانية.» (هاليدي، 93) في سجون السافاك الرهيبة، كانت أنواع التعذيب «من الضرب، والجلد، والصدمات الكهربائية، وقلع الأظافر والأسنان، وحقن الماء المغلي في المقعد، وتعليق أثقال ثقيلة من الخصيتين، وربط السجين بطاولات معدنية بلغت من شدة الحرارة لون الأبيض و...» (المصدر نفسه، 95) شائعة. علاوة على ذلك، كان «حرق الجسد بالموقد الكهربائي، وكي المناطق الحساسة بنار السيجارة، والضرب بالكابلات، والنشر، والاغتصاب، واستعمال الزجاجة، [وتمثيل] مشهد الإعدام، وغيرها من التعذيبات الوحشية» (خامهاي، 94) أمرًا عاديًا ورائجًا. وكذلك أسلوب التعذيب البرازيلي، والسرير الحديدي، والأرجوحة، والمكواة والكرسي الكهربائي، والحقن. (المصدر نفسه)
لكن في هذا السياق، كان «طاوه آريامهري» - هدية والد الأمة المتوّج لأبنائه - على ما يبدو أشهر من أنواع التعذيب الأخرى، وقد سُجّل باسم الشاهنشاه آريامهر، تمامًا مثل «سلسلة عدل أنوشيروان». كان ضباط السافاك المتوحشون يستمتعون بكل صنوف الأذى والتعذيب، وكانوا يعذبون السجين إلى أقصى حد ممكن، «لقد بتروا قدم أحد الفدائيين التي أصيبت بالتهاب كي يبقى حيًا ويستطيعوا مواصلة التعذيب.» (ميثمي، 380) «لقد كسروا إصبع رضا براهني الصغير وقالوا له إنهم سيكسرون له إصبعًا آخر كل يوم.» (هاليدي، 96) و«كانوا قد ثقبوا مخ فارتان بالمثقاب.» (بازركان، 466) ووفقًا لفردوست، «في جهاز مكافحة التجسس بالجيش، قاموا بقلع جميع أظافر أقدام 12 شخصًا.» (المصدر نفسه، 386)
كان السافاك مكلّفاً من قبل الشاه بأن ينشر الرعب في كل زقاق وشارع وبيت عبر توسيع شبكته المعلوماتية في أرجاء المجتمع كافة، ولهذا الغرض «كان خمسة آلاف خبير رسمي في السافاك يستفيدون من خدمات حوالي مئة ألف مخبر». (نراقي، 132) وكانوا يتسللون ما استطاعوا إلى كل صدع وشق في حياة الناس، وخاصة التيارات السياسية والتنويرية، حتى إلى نعش الموتى! إذ «تبيّن أن نعش زوجة مزارع التي توفيت في ألمانيا وخُتم هناك من قبل شرطة مدينة أنجيه لإرساله إلى إيران، قد كُسر على أيدي عملاء السافاك عند تسليمه لأقاربها في إيران، وأن غطاء جثمان المتوفاة قد مُزّق إرباً بغرض التفتيش». (كشاورز، 10) كانوا يريدون أن ينتزعوا خيطاً من أي مكان ليصلوا عبره إلى أهدافهم! كانوا يرتابون في أي كتابة. يقول دولتآبادي: «أخذوا من شاب ورقة مكتوباً عليها حروف الأبجدية وكانوا يضربونه قائلين: فكّ هذه الشيفرات! وكان الشاب يقول لهم مهما قال: يا سيدي، هذه حروف الأبجدية، فيقولون له إنها شيفرة وعليك أن تفكها». (دولت آبادي، 20) لكن الأكثر إثارة من ذلك، أن هؤلاء العملاء «أثناء تفتيشهم لمهجع الطلاب، شاهدوا في إحدى الغرف كتاباً بعنوان
الشاه الذي كان يظن أنه قضى على قوى المعارضة الداخلية بالقتل والقمع، وبالتالي حقق جميع رغباته في السلطة من خلال إقصاء وقمع التيارات السياسية المعارضة والتغلب على القوى الفكرية والتنويرية وأنهى المسألة، وجد نفسه فجأة أمام عقبة جديدة: الانتخابات الأمريكية واحتمال وصول الجناح الديمقراطي إلى السلطة! وهنا ارتكب خطأ سياسياً كبيراً لإزالة هذه العقبة: دعم الجناح الجمهوري والاستثمار في فوزه! لكن هذا الخطأ السياسي، الذي كان الشاه قد ارتكبه مرة في عقد الأربعينيات؛ زعزع سنده، ومع فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، ذهبت كل أحلامه الاستبدادية أدراج الرياح وخسر ديكتاتور إيران اللعبة.
أتاح وصول الديمقراطيين إلى السلطة في أمريكا وانفتاح الفضاء السياسي فرصة غير متوقعة للتيارات السياسية في إيران، وأخرج زمام الأمور من يد الشاه وجهاز أمنه. اشتعلت النار تحت الرماد وفجّرت بركان الثورة. الشاه الذي فوجئ بأعظم احتجاج شعبي ضدّه، لم يستيقظ من نوم الأرنب إلا وقد فات الأوان، فلم تُجدِ أيٌّ من حيله الجديدة نفعاً، كوعود تعويض الماضي، وتغيير رؤساء الوزراء، وحتى الاعتراف بالخطأ والزلل؛ لأن جميع التيارات السياسية المعارضة كانت قد كشفت يده خلال السنوات الماضية، ولم تكن ترى في أيٍّ من هذه الوعود الكاذبة طائلًا. لم يبقَ أمامه سوى طريق واحد: الاعتماد على الجيش والقوات العسكرية وقمع الاحتجاجات وسحق الشعب! لكن اتساع رقعة الثورة كان على نحو لم يترك مجالاً حتى لتدابير الدكتاتور هذه، فجسد جيش الشاه كان يتآكل يوماً بعد يوم في مواجهة مشاهد الثورة، وكان الجنود وحتى كبار الضباط العسكريين – الذين هم في كل الأحوال من صلب هذه الملايين من الجماهير – ينفصلون عن الجيش ويلتحقون بالشعب، بل كانوا أحياناً يقفون في وجه النظام ويقاتلونه! القوة الجوية التي كانت من أكثر الشرائح العسكرية تعليماً، انقلبت عليه وأوجدت مشكلة كبيرة للحكومة! لكن مشكلة الشاه الأكبر كانت في كسب موافقة أمريكا على القمع واستخدام الآلة العسكرية ضد ثورة الشعب، وفي الواقع «كان قراره النهائي رهناً بما إذا كانت القوى الغربية ستعمل على دعمه أو التخلي عنه؛ لأنه من دون دعمها كان الشاه سيهزم حتماً أمام المعارضين.» (نراقي، 238) لكن في هذه الأيام التي كان الشاه ينتظر فيها إشارة أمريكا الصريحة لقتل الشعب، تلقى من البيت الأبيض جواباً مفاده «أنه من الأفضل بدلاً من التضجر إزاء الأحداث أن يتحلى بالصبر ويتخذ القرار بنفسه، وألا يتوقع من حكومة كان شعارها الرئيسي ضرورة احترام الحريات الفردية أن تساعده في قمع الشعب». (آبراهاميان، 754) ورئيس أمريكا في مكالمة هاتفية «أوصى توصية مصلحية بمنع الجيش من إظهار العنف الشديد.» (المصدر نفسه، 760) وهكذا، إذ لم تُجدِ أيٌّ من حيله نفعاً، وجد حلّ الأمر في الخروج من البلاد، وقيل إن «خروجه من البلاد كان يعني إتاحة المجال للعسكريين المتشددين – أمثال أويسي وبدرهاي – كي يحلوا المشكلات بانقلاب عسكري.» (بهنود، 843) إذ «كان ثمانية من تيمسارات الجيش قد أعدوا هيئة أركان للعمليات السرية بهدف القيام بانقلاب، وكان جوهر مخططهم قائماً على قصف المناطق الحساسة، والسيطرة على المدن، واعتقال وإعدام الأشخاص المعروفين بالمعارضة، واحتلال الإذاعة والتلفزيون. وكان هؤلاء قد تأكدوا عبر أردشير زاهدي من أن الشاه سيدعم عملياتهم.» (بهنود، 911) لكن قمع ثورة وطنية شعبية كانت شعاراتها الرئيسية الاستقلال والحرية كان يتناقض تناقضاً فاحشاً مع الدعاية السياسية للديمقراطيين الأمريكيين؛ ونتيجة لذلك، لم تقدم أمريكا أي وعد بالمساعدة لتيمسارات إيران، بل إن سوليفان كان قد حذر الشاه من اتخاذ هكذا أسلوب! كان تعقيد الأوضاع قد أوقع الساسة الأمريكيين في تشتت وخلاف في مواجهة الثورة الإيرانية. كان سوليفان ووزارة الخارجية في جانب، وبرجينسكي والعسكريون الأمريكيون في الجانب الآخر، الفريق الأول كان يدافع عن المرونة ومنع القتل والانقلاب، وفريق برجينسكي عن الانقلاب ومخطط تيمسارات إيران. في الحقيقة، كانت الثورة الإيرانية قد أربكت القائمين على البيت الأبيض أيضاً، وواجهوا حادثة معقدة لم تكن لديهم إزاءها أية قدرة على اتخاذ القرار، بل إن هذين الفريقين كانا قد اشتبكا بشدة مع بعضهما حول قضية إيران. لذا فإن الجناح المتشدد في البيت الأبيض بزعامة برجينسكي، بعد سماع تحذير سوليفان للشاه «شكّل فوراً مجلس مراجعة قضايا إيران ووجه انتقادات لاذعة لوزارة الخارجية قائلاً إنكم أصبحتم مستبدين برأيكم وخياليين!» (بهنود، المرجع نفسه) استمرت هذه الصراعات بين الجناحين، وكان رئيس أمريكا مثل الشاه متردداً في اتخاذ التدابير النهائية.
كان الأميركيون يرون أن الوضع الذي نشأ هو نتيجة لسوء تدبير الشاه، وكانوا غاضبين بشدة من سوء التدبير هذا، ونتيجة لذلك كانوا يترددون في مساعدته على البقاء في السلطة. ولكن بما أن انهيار حكم الشاه كان سيُسقط أحد الحصون الغربية الكبرى في وجه الاتحاد السوفيتي، فلم يكونوا يرون بديلاً عن دعمه. وهكذا كانوا في هذه المواجهات، يحتقرونه من جهة، ويبحثون عن حل لمنع انهيار الملكية من جهة أخرى، لكن الحقيقة هي أن الأمر قد فات أوانه، ولم يعد بوسع التدخل الأميركي أن يؤثر في تغيير مجرى الحادث! وهكذا، ورغم أن أميركا قبلت أخيراً خطة بريجنسكي التي تقضي بتنفيذ انقلاب في إيران لمنع تقدم الثورة بهذه السرعة والحسم نحو السلطة، إلا أنه حين كانوا يستخرجون البرقية المشفرة للسفارة لإيصال الرسالة إلى رئيس المستشارية العسكرية الأميركية في طهران -وكذلك السفير الأميركي- كان الاثنان قد لجآ إلى أماكن آمنة تحت ضغط الجماهير التي كانت تنوي اقتحام السفارة واحتلالها، وكانا يبحثان عن المهندس بازركان وأعضاء مجلس الثورة ليأتوا لإنقاذهم." (بهنود، ۹۲۸)
على أية حال، كان الأميركيون قد فقدوا كل أمل في مستقبل الشاه، وعندما لم يذهب هايزر للقاء الشاه في طهران، أدرك الشاه أنه في نظر الأميركيين ورقة محترقة (بهنود، ۸۶۳)، وكان بلومندل قد قال بعد لقائه بالشاه: "لا أظن أن هذا الرجل بهذه الحال قادر على اتخاذ القرارات وممارسة السلطة في الشؤون السياسية." (نجاتي، ۱۷۵) وينقل ثابتي، العنصر الرئيسي في السافاك، عن حسن طوفيانيان قوله: "عندما خرج سوليفان وهايزر من عند الشاه، قلت: ماذا حدث؟ قال سوليفان: قرر جلالة الملك أن يغادر البلاد، فدخلت وسألت الشاه: ماذا حدث؟ قال: كلا، لقد أملى علينا هؤلاء أن نخرج. ماذا يعني هذا؟ نحن لم نُسئ لإنجلترا وأميركا، لماذا فعلوا بي هذا؟" (ثابتي، ۴۸۵) هذه هي الحكومة الوطنية الطويلة الأمد عند الطباطبائي! أما الثورة:
منذ العصور الغابرة وحتى زماننا هذا، كان هناك تفسيران مختلفان بل ومتناقضان للثورة. فريق من القادة الفكريين والعقائديين للأمم رأوا الثورة شيئاً "في مصاف الحرب والمجاعة والقحط والطاعون وسائر البلايا الطبيعية السماوية والأرضية" (بشيريه، 24)، وبالتالي اعتبروها ظاهرة شريرة. أو حرّموها ومنعوها بناءً على تبرير وتحريف للأحكام الدينية. كما أفتى القاضي أبو بكر الباقلاني بأن: "الخليفة لو كان فاسقاً، وظلم، وأخذ أموال الرعية، وسحق جلود الناس تحت السياط، وسفك دماء الأبرياء، وداس القانون [الديني]، وأزال حدود الله وأحكامه، فإنه لا يُعزل، ولا يجب القيام ضده، بل يجب وعظه!" (راوندي، 3/437) والحافظ يحيى الدمشقي الذي قيل إنه كان شيخ دار الحديث وشارح صحيح مسلم، "حرّم الخروج على الخليفة والحاكم وقتاله بإجماع المسلمين، حتى لو كان ذلك الحاكم والخليفة فاسقاً ظالماً!" (المصدر نفسه، 438)
ولكن جنباً إلى جنب مع هؤلاء المنظرين السياسيين والعقائديين، رأى عدد من القادة الفكريين للأمم، منذ العصور القديمة وحتى العصور الحديثة، أن الثورة هي السبيل الوحيد أمام الناس لنيل حقوقهم ومطالبهم. قال كونفوشيوس: «إذا كان على التابع أن يطيع حاكمه ويتبعه، فإن الحاكم بدوره ملزم بأن يأخذ جماعة التابعين والمطيعين تحت حمايته، وأن يوفر لهم سبل رفاههم... فإن لم يفعل ذلك، فمن حق التابعين أن يقلبوا حكمه عن طريق العصيان» (نفسه، 1/264). وفي زماننا أيضاً، بالإضافة إلى المثقفين الثوريين، قام عدد من مفكري المدرسة الليبرالية وحتى المحافظين الإنجليز والأمريكيين المخضرمين، في المواقف الطارئة، بتجويز الثورة، حتى في شكلها العنيف. ورد في إعلان الاستقلال الأمريكي أن «التمرد على الطغاة هو بمعنى طاعة الرب، وكان جفرسون يرى الثورة سبيلاً لمنع الحكم الاستبدادي!» (برونوفسكي، 516). وكارل بوبر، مُنظِّر التغيرات الاجتماعية التدريجية، وعلى الرغم من عدائه الذي لا يُصالح مع الفكر الثوري، فإنه يُجيز في لحظات معينة من تاريخ مجتمع ما، الثورة السياسية - بل وحتى شكلها القسري -: «في حكومة غير ديمقراطية لا يوجد سوى طريق واحد للوصول إلى إصلاحات معقولة، وهو الإطاحة القسرية بالدولة» (بوبر، 422). وجونسون، وهو مدافع آخر عن الليبرالية، قال في تجويزه للثورة، حتى على المستوى المادي العنيف، إن «العنف الاجتماعي هو الرد المناسب على المقاومة العنيدة [من جانب الحكومة]. يحدث هذا العنف لأن النخب الحاكمة أغلقت الطرق المعروفة للتغيير غير العنيف؛ بعبارة أخرى، الثورة هي استمرار للسياسة على مستوى الفعل المادي العنيف!» (كوهن، 180).
على أية حال، من البديهي أن الثورة أو تغيير حكومة ما، يحدث عندما «لا ترى طبقة من البشر، للخروج من وضعهم البائس، طريقاً آخر سوى القيام بالثورة» (نفسه، 41). الثورة بتعبير كرين برينتون «علامة على عصر جديد» (برينتون، 227)، وبقول فيكتور هوغو «يرقة الحضارة» (ميلاني، 35)، وهي من الناحية السياسية «تضع حداً لأسوأ الاختلالات وأوجه القصور في النظام السابق» (برينتون، نفس الموضع). وقد أكدت حنة آرنت، المفكرة الشهيرة ذات الأصول الألمانية، المعنى نفسه: «الثورة هي إسقاط الحكومة بواسطة المعوزين وإقامة الديمقراطية» (آرنت، 240)، لأن «هدف الثورة مرتبط بمفهوم الحرية» (نفسها، 20)، و«المفهوم الجديد للثورة لا ينفصل عن تصور أن مسار التاريخ يبدأ فجأة من جديد» (نفسها، 36)، ومع كل الجحود والعداء الذي أظهره معارضو الثورة تجاه الثورات، فإن «الحرية تستمد من الثورة» (نفسها، 38).
فإذا عرفنا الثورة بتعبير برينتون وهوغو وأرنت، وقمنا بتقييم ثورة العام 57 في مقابل الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للنظام السابق، فإن تفاهة أقوال الطباطبائي المبعثرة تصبح أكثر وضوحاً، وينبغي اعتبار ثورة 57 علامةً على عصر جديد وتمهيداً للديمقراطية، لا برنامجاً لإفلاس الناس وشقائهم. لكن الفرق بين هاتين المسألتين هو أن الطباطبائي يقيم الثورة الإيرانية بنتائجها وعواقبها غير المقصودة، لا بمثلها العليا الكبرى كالحرية والعدالة التي داستها النزعات الاحتكارية، ومن البديهي أن هذا النوع من التقييم ليس سوى تشويه للحقيقة وتحريف لها! هذا الأسلوب في التحليل ينتهي إلى طريق مسدود؛ لأنه إذا ما قيست قيمة فكرة أو عمل بعواقبه غير المقصودة، فلن تجد في تاريخ الحياة البشرية فكرة أو عملاً لم يؤدِّ إلى نتيجة غير مقصودة! فالدين، والتصوف، والديمقراطية، والحرية، والاشتراكية، وحتى العلم... قد أسفرت عن مثل هذه النتائج غير المقصودة! كانت الديمقراطية والانتخابات، في الحقيقة، نوعاً من التدبير للخلاص من العبودية وهيمنة الدكتاتوريين والاستبداد، لكنها حين وقعت في أيدي القوى السياسية، أفرزت من داخلها دكتاتوريات متنوعة، ونتيجة لذلك، فإن الدكتاتوريين الذين كانوا يصلون إلى السلطة بالسيف والقتل، يخرجون اليوم من صناديق الاقتراع! والعلم الذي نشأ لتنظيم حياة الإنسان، انتهى به الأمر إلى صنع أفظع وسائل تدمير الحياة، كالأسلحة الذرية والتلاعب الجيني وإنتاج فيروسات القتل الجماعي... إلخ، وكما يقول أدورنو: "لقد تضررت دعاواه الأخلاقية حتى حدود الموت، وكأنه بفعل تطبيقاته العملية، فقد ماء وجهه!" (كامبالاني، 136). الحرية التي كانت المثل الأعلى للإنسان في كل العصور التاريخية، انتهت إلى التعري والعروض الوقحة والإباحيات المقززة! الاشتراكية التي رفعت شعار المساواة، تحولت إلى ستالينية ورعب وقمع وإبادة جماعية، والدين الذي جاء لفك أغلال العبودية والأسر، وكان في البداية قد فك العديد من هذه الأغلال والقيود عن أيدي وأرجل المؤمنين به، وعلّم دروساً باهرة في الأخلاق والتقوى والنزاهة؛ تحول في العصور اللاحقة، على أيدي القائمين على الدين ومُديري الحكومات الدينية، إلى أغلال وقيود وولع بالسلطة وفساد وكذب وزيف، وبلغ الأمر حداً جعل قسيساً، بعد سنوات من العيش في الكنيسة، يجد الحل في الفرار منها أخيراً، ويقول في مقابلة صحفية: أروني حكومة دينية واحدة في التاريخ لم تكن ملوثة بالفساد، فلم يجد المحاور أمامه جواباً سوى الصمت! (كيوبيت، 147). في حين أن الدين شيء وهذه المفاسد شيء آخر! المسيح شيء ومحاكم التفتيش شيء آخر! النبي وعلي شيء وما فعله الخلفاء الأمويون والعباسيون شيء آخر! نهج البلاغة لعلي شيء وعمل الحكومات الدينية شيء آخر! وحتى ماركس وإنجلز شيء وما حدث في روسيا السوفيتية شيء آخر! وكما يقول إيغلتون: ما حدث في الاتحاد السوفيتي كان ماركسياً بنفس المعنى الذي كانت فيه محاكم التفتيش مسيحية! (إيغلتون، 18). هذه كلها عواقب غير مقصودة للدين والثورة والعلم والديمقراطية والاشتراكية... إلخ، أتى بها هذا المخلوق ذو القائمتين المتغلب، وليس هناك أي ضمان ألا يكون للثورة الوطنية التي يدعو إليها الطباطبائي مثل هذا المصير، بل إن بعض علاماته تُرى اليوم أيضاً! ينبغي تقييم ثورة 57 بأيامها الأولى وما جلبته من حرية واتحاد مهيب في تلك السنوات، لا بالنتائج والعواقب التي هي من صنع النزعة الاحتكارية للقائمين على الأمور، والتي أصبحت ذريعة بيد ثابتي والطباطبائي وجمهرة من المشبوهين لنزع الشرعية عن المثقفين الأصيلين الراسخين في عصر الثورة والفدائيين المخلصين لها!
خلافًا لدعايات الطباطبائي التي لا أساس لها، فإن الديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان التي تفصل العالم الجديد عن العصور السابقة، هي ثمرة ثورات كالثورة الفرنسية والثورة الدستورية وثورات أخرى، وكما يقول آلان تورين: «دخلت بريطانيا وهولندا والولايات المتحدة الحداثة عبر الثورة ونبذ الاستبداد.» (تورين، 80) صحيح أن بعض هذه الثورات انتهى إلى القتل وسفك الدماء، لكنها، مهما يكن، غيّرت وجه المجتمعات البشرية في النهاية وجعلت الاستبداد والظلم والتمييز غير شرعية وفاقدة للمصداقية، وحوّلت أوروبا عصر محاكم التفتيش إلى أوروبا الحديثة والحرة، والمجتمع القاجاري إلى إيران ما بعد الدستورية. عالم زالت فيه شرعية الحكومات الاستبدادية، ولم يعد أي دكتاتور ينام هانئًا مطمئنًا – كما في العصور السابقة – بل يظل قلقًا دائمًا من فقدان السلطة التي أوكلها إليه الشعب!
يقول الطباطبائي: «كان يوجد في إيران ما يسمى بالحكومة وكان هدف الثورة تدميرها [تدميره؟].» (المصدر نفسه، القسم 7) لكن ألم تكن هناك دولة في مواجهة الثورة الدستورية، أو الثورات الإنجليزية والفرنسية والروسية؟ أم أن تلك الدول لم تكن معمرة بقدر هذه الدولة؟ أم أنه لا توجد دولة في مواجهة هذه الثورة الوطنية التي يروّج لها الطباطبائي؟ من البديهي أن الثورات تنشأ في مواجهة الدول، ولا تظهر أي ثورة في الفراغ! كانت دولة ما قبل الثورة إحدى هذه الدول! لكن القائمين عليها لم يكونوا من سلالة ملكية، ولم تكن تلك الدولة معمرة، ولا وطنية وشعبية، ولا كانت تمتلك اتصالًا تاريخيًا بالسلالات التي سبقتها. علاوة على ذلك، في العالم الجديد وبعد ثورتي إنجلترا وفرنسا، لا تُقيّم أي دولة بطول عمرها، ولو كان الأمر كذلك لما حدثت في إنجلترا ثورة وتغيير للنظام الملكي وقتل للملك، ولا في فرنسا ولا في روسيا ولا في أي مكان آخر! منذ عدة قرون، تقيس الأمم هذه الدول بأدائها، وكما قال الاقتصادي الإنجليزي الشهير بنثام: «يجب أن نحكم على الحكومات فقط بناءً على أدائها لواجباتها تجاهنا، ولا يمكن قبولها لمجرد أنها موجودة منذ زمن بعيد!» (برونوفسكي، 557)
يرى الطباطبائي كل هذه المسائل مشوشة ومختلطة، ولأنه يراها مشوشة، فهو يكتب بشكل مشوش أيضًا! ولهذا فإن كتابته مليئة بالتشتت. ففي هذا النص، حدثت ثورة 57 تارة نتيجة لدخول أفكار ريجي دوبريه، وتارة نتيجة للرماد الذي ذرّه شريعتي في العيون، وتارة انتقامًا من المشايخ والمراجع لنظام حكم القانون، وتارة لأشياء أخرى. – وغني عن الذكر أن الطباطبائي كان قد سار في وقت ما تحت راية أحد هؤلاء المشايخ والمراجع، وقد بقيت صورته تذكارًا في جريدة شرق بتاريخ 20/3/88. – الشيء الوحيد الغائب هو الجذور والعوامل السياسية-الاجتماعية المولدة للثورة. بينما لو رجعنا إلى كتابات باحثين مثل جون فوران، ونيكي آر. كدي، وستمبل، وفرد هاليداي، ويرواند أبراهاميان، وآصف بيات، وكاتوزيان، ومحسن ميلاني، ورضا براهني، وإسلامي ندوشن و... الذين شرحوا الثورة الإيرانية تشريحًا بمناهج علمية وأكاديمية، لاتضح عدم مصداقية شعارات الطباطبائي الدعائية والعاطفية، ولوجدنا القضية على نحو آخر. لقد وجد هؤلاء الباحثون في هذه الكتابات جذور الثورة في وقائع المجتمع الإيراني، وفي الحياة اليومية للناس، وفي حاجات المجتمع السياسي والتنويري، وفي قصور النظام وتبعيته للغرب، ونفوذ القوى الأجنبية في أركان البلاد، بالإضافة إلى الاستبداد السياسي، وإهدار الحقوق الاجتماعية للشعب، وفقر الطبقات الدنيا من المجتمع وعجزها، والاختناق والرقابة الشديدة في الفضاء الفكري للبلاد، وعدم الاكتراث بالقيم الاعتقادية للجماهير، واستفزاز الشرائح التقليدية في المجتمع، والرد على أي احتجاج أو استياء بالقمع والإرهاب والسجن والتعذيب، و... لقد وجدوا في هذه الأبحاث أن احتجاجات الشعب الإيراني، في عملية تطورية وبعد تجربة كل الطرق السياسية والسلمية، انتهت أخيرًا إلى الثورة وتغيير النظام! والآن، ضعوا مجموع هذه – كما يُقال – الحقائق عن مجتمع إيران آنذاك في مقابل ما نسجه الطباطبائي من عنده، لتعرفوا مقدار مصداقية أقواله بشكل أفضل.
يُصوِّر الطباطبائي، وهو يُغمض عينيه عن أبرز شعارات الثورة، أي الاستقلال، ثورةَ 57 على أنها محاولةٌ لتحويل أمّة إيران إلى أمّة-قوم، وإذابتها في ائتلاف أراضي خلافة إسلامية: "كان السعي لتحويل واحدة من أعرق الأمم إلى أمّة-قوم، أكبر خطأ ارتكبه الجناحان الديني واللاديني في ثورة 57." (المصدر نفسه، القسم 1) في حين أنه لا يقول شيئاً عن تبعية النظام السابق وتحوّل هذه الأمة العريقة إلى إحدى المستعمرات غير الرسمية للغرب! وهو أمرٌ كانت العيون المفتوحة تراه حتى من وراء المحيطات: "لقد بلغ الشاه من القرب إلى الولايات المتحدة في عام 1977 حداً بدا معه أنه يعمل لأغراض أمريكا أكثر مما يعمل لأهداف إيران!" (ستيمبل، 115)
كان انتزاع البلاد من براثن المستعمرين واستعادة استقلالها وهيبتها الوطنية، الشعارَ الأبرزَ لكل التيارات السياسية والثورية، ولو أنهم طرحوا في السنوات اللاحقة تدابير لتشكيل خلافة، أو لإلحاق إيران بأمة كبرى وتجاهل استقلالها السياسي -وهو أمر لم يكن مطروحاً بالطبع حتى الآن، إلا فيما يُسمّى جبهة المقاومة وهو شيء مختلف عمّا يقوله الطباطبائي- لما كانت هذه التدابير سوى تغييرٍ لقيم ثورة 57! علاوة على ذلك، إذا كان الطباطبائي يرى فكر شريعتي دافعاً لوقوع الثورة الإيرانية ويعتبره المنظِّر الرئيسي لها؛ فمن المفترض إذن أن يكون الشعب الإيراني قد تعلّم من شريعتي أن "القومية ليست عودة رجعية وانكفاءً في قوقعة ضيقة وإغلاقاً للباب في وجه البشرية، بل إن الطريق الصحيح نحو الإنسانية الصحيحة يمر عبر تحقيق القوميات، بوصفها تحقيقاً للشخصية الإنسانية لجمعٍ ما، وعلى العكس من ذلك، فإن ما يُسمّى بأصالة النوع الإنساني، أو الإنسانية أو الأممية، وينفي بهذا العنوان الأصالات القومية؛ هو طريق ينتهي في نهاية المطاف إلى الإمبريالية!" (شريعتي، 27/123) وكما نرى، فإن شريعتي لا يقبل بالإنسانية حتى على حساب التخلي عن القومية!
الطباطبائي الذي وصف ثورة الشعب الإيراني العظيمة في عام 57 بأنها "ثورة معادية للقومية"، يرى في احتجاجات الأشهر الأخيرة -التي يصفها علماء الاجتماع وخبراء العلوم السياسية بأنها حركة احتجاجية أو في أقصى تقدير "حركة احتجاجية كبرى"- ثورةً وطنية وعالمية، بل ويلمح فيها أثراً للمعجزة: "لقد وقعت معجزة تجديد الوحدة الوطنية والوعي بها وجعلت الأمة واعيةً بحقوقها." (المصدر نفسه، القسم 6) إن رؤية الأمور على هذا النحو المقلوب، هي بتعبير مولوي -الذي صادف أن الطباطبائي نفسه كرره وأكّد عليه مراراً في كتاباته- من المصاديق البارزة لربط العينين من قِبَل الله، الذي يعمل هذه المرة من خلال توتياء الطباطبائي. وكأن توتياء الطباطبائي التي كان من المفترض -على عكس رماد شريعتي- أن تجلب البصيرة والرؤية لأجيال عصره؛ قد عطّلت عينيه هو قبل أي شخص آخر، ونتيجة لذلك، فهو لا يرى أياً من حقائق المجتمع الإيراني وقضاياه المبتلى بها، على نحو صحيح وفي موضعها! وبدلاً من التحليل والتفسير الدقيق للأمور، يتحدث عن المعجزة والكرامات! ولا شك أن التمسك بالمعجزة سببه أن الطباطبائي لا يريد الاعتراف بصانعي هذا الوعي بالحقوق الوطنية، الذين هم في الحقيقة الورثة أنفسهم لجيل 57. الجيل نفسه الذي كان الطباطبائي "يراقبهم طيلة أربعة عقود وتوصّل إلى نتيجة مفادها أنهم بمثل هذا المستوى المتدني من الوعي، لا يمتلكون الموهبة للقيام بمثل هذه الأعمال!" (المصدر نفسه، القسم 11) أولئك الذين تصارعوا في هذه السنوات مع الوضع القائم في البلاد، وطرقوا كل باب، وسعوا ما استطاعوا لتنظيم شؤون البلاد واستعادة مُثُل ثورة 57 وقيم الدين المداسة، ودفعوا أثماناً باهظة -من سجن ونفي وهجرة وبطالة ولزوم للبيت- وتحدثوا طيلة أربعين عاماً عن حقوق الناس والحرية والقانون. وذلك في نفس الأيام التي كان فيها سيد جواد الطباطبائي منهمكاً في أبحاثه العميقة والعلمية، ناشراً آثاره الغزيرة والضخمة.
هذه الحركات، خلافاً للتفسير الذي يقدمه الطباطبائي لها، هي استمرار لحركة الإصلاحات والحركة الخضراء، بل يجب القول إنها استمرار لمطالب الشعب الإيراني نفسها، منذ الثورة الدستورية والنهضة الوطنية وصولاً إلى ثورة عام 57 وما بعدها، والتي خفضت جناحها في التسعينيات حتى للاعتدال، غير أن استئثار القائمين على الأمور بالسلطة أغلق الطريق أمام كل تلك التحركات السلمية وقمع قواها وحوّل الأمر إلى نار تحت الرماد! ظنّ القائمون على الأمور أنهم بإزاحة المنافسين وعرقلة أعمالهم وجعل الساحة السياسية في البلاد أحادية اللون، قد عانقوا طلبتهم المنشودة! لكن في هذه النقطة بالذات اشتعلت النار تحت الرماد، وإذا ما استمر دوران الباب على نفس الوتيرة وقوبلت مطالب الشعب بالإهمال والصلف، فمع الاستياء الواسع الذي يُرى في أنحاء المجتمع، لا شك في أن هذه الحركات ستكتسب يوماً امتداداً وطنياً وسيتحول اللهيب إلى بركان والحركة إلى ثورة! لكن بلداً شهد في الأربعين عاماً الماضية ثورة وحرباً وعدة نزاعات مسلحة وتمردات سياسية، لا يملك القدرة على تحمل هذه التكاليف الباهظة، لعل العقلانية والتدبير اللذين لم يُرَ لهما أثر حتى الآن، يُعملا ويُفكرا في حل الأمر قبل وقوع العاصفة.
لكن لنرَ ما هي الثورة الوطنية وما هي علاماتها؟ تكون الثورة وطنية عندما ترفع راية القومية والنزعة الوطنية وتطلق شعارات قومية وتقف في مواجهة تهديد الأجانب وعدوانهم، أو - كما في ثورة 57 - عندما يكون لها امتداد في جميع المستويات الاجتماعية. في حين أن احتجاجات الأشهر الأخيرة لا تحمل حتى الآن أياً من علامات الوطنية هذه. ما يُرى في إيران اليوم بعيد جداً عن "ثورة وطنية"، وكما قلنا، فإن التحليل الخاطئ لظاهرة ما يستتبع نتائج خاطئة ومدمرة، خاصة إذا كانت تلك الظاهرة ظاهرة سياسية كحركة احتجاجية أو ثورة. لكن إذا نظرنا إلى الحقائق التي أمامنا بشكل صحيح، يجب القول إن الأمة الإيرانية قد توزعت إزاء هذه الحركات في ثلاثة فروع منفصلة عن بعضها، أو بتعبير آخر، انقسمت ثلاث شِقَق: شِق منها يُرى في هذه التحركات الاحتجاجية ذاتها، والشق الآخر هو قوى النظام وطيف من الجماهير المؤمنة به، والفرع أو الشق الثالث هو الأكثرية الصامتة والرمادية التي، رغم كل ما لديها من استياء من الوضع القائم، لم تضع قدمها في الميدان بعد بدوافع مختلفة، وإذا ما انضمت يوماً إلى هذه الاحتجاجات، فستزأر العاصفة في أرجاء البلاد كلها. لكن قبل وقوع حادثة كهذه، فإن تسمية هذه الحركات بالثورة، وإرسال الجيل الشاب إلى ميدان الاشتباكات المدنية والوقوف خارج المعمعة لإطلاق الشعارات والتفرج على الأحداث، يُحمّل هذه التحركات تكاليف باهظة، وعندما لا تكتسب هذه التحركات امتداداً وطنياً ويتم قمعها، فلن تكون نتيجة العمل سوى الفشل والإحباط لأجيال الشباب، ومن ثم أزمات فكرية وردود فعل مدمرة.
لكن هذه الحركات، حتى لو امتدت وتحولت إلى ثورة، فإن أمامها عقبتين صعبتين للغاية يجب أخذهما في الحسبان: الأولى هي الاشتباك مع قوى النظام والجماهير المؤمنة به، مما يستتبع خطر حرب أهلية، وتجنب ذلك أمر لا مفر منه في العقلانية السياسية، ويُظهر أن الحل يكمن في الابتعاد عن أي عنف واشتباكات شوارع. على الحركة الاحتجاجية أن تدفع عملها قدماً بنهج سلمي وامتناع عن أي عنف واستفزاز وإهانة، وأن تمنع، من خلال تعريف دقيق لخطوطها السياسية وتقديم ميثاق واضح وبرنامج محدد عبر بيانات متتالية، نفوذ التيارات المشبوهة، وإلا فستتسلل إلى صفوفها وباسمها تحرق القرآن والمسجد، وتشن القتل والنهب والتخريب، وأيضاً... ومنذ سنوات لم تصل مثل هذه الحركات إلى نتيجة! وفي كل مرة، بعد استعراض قوة الخصم، وخروج ذلك الشق الثاني، أي قوى النظام والشرائح المؤمنة به، تتراجع، وتستمر لعبة القط والفأر على هذا الشكل والهيئة منذ سنوات، كل عام بخسائر وضحايا جدد! كذلك، على الحركة الأصيلة أن تمتنع عن إعطاء رايتها بيد بعض الأشخاص، مثل بعض العاريات، كي لا تُدَنَّس قضية مطالبها.
مع ذلك، فإن العقبة الصعبة التالية ستلوح بعد النصر، وأثناء المطالبة بالحصص وتقسيم الغنائم. أولئك الذين يتذكرون الثورة الإيرانية يعلمون كيف أن تلك الوحدة الوطنية المهيبة، قد داستها الفرقة والصراعات السياسية والانهيار منذ الأشهر الأولى! اليوم، حيث لا أثر لمثل تلك الوحدة حتى بين التيارات المختلفة للحركة، وبرواية بعض الناشطين فيها، فإن هذه التيارات تُنزِل حتى أعلام بعضها البعض وتختلق الشعارات ضد بعضها، كيف يمكن الحديث عن قيام ثورة وطنية؟ إذا لم تُستخدم هذه الحقائق في حسابات الحركة؛ فلن تكون نهاية المطاف سوى كارثة! ومع ذلك، فإن الطباطبائي لا يكترث بمثل هذه الحسابات فحسب؛ بل يستخدم في تفسير هذه الحركات الاحتجاجية تعابير لا تنطبق على واقع الأمر! إن مُنظِّر الثورة الوطنية الذي لا يعرف حداً ولا قيداً في شعاراته، لا مبالياً بهذه الحقائق الجلية، يخطو خطوة أخرى إلى الأمام ويدعو هذه الثورة الوطنية ثورةً عالمية أيضاً! أما كيف يمكن لثورة وطنية أن تكون ثورة عالمية؛ فهو لغز لا يستطيع أن يفك طلاسمه إلا العلم السياسي لدى سيد جواد الطباطبائي! إن كون الإيرانيين في الخارج قد هبوا في المظاهرات ضد الوضع القائم لدعم الحركات الداخلية، لا يحولها إلى ثورة عالمية.
يبذل الطباطبائي جهداً كبيراً لوضع هذه الحركات في مواجهة الأجيال السياسية للعقود الماضية. يقول: «في هذه الثورة الوطنية، وطأت الساحة أجيال مختلفة من الإيرانيين ستنبثق منها العجائب... لقد أدرك الوعي الوطني، وهو يبحث عن ملاذ، أنه لا يمكن تعليق أي أمل على معظم أفراد الجيل الذي قام بالثورة؛ كانت الأيديولوجيا الثورية قد أفسدت روح الجيل الثوري وجسده أكثر مما يسمح بالأمل في خلاصه.» (نفس المصدر، القسم 14) في حين أن معظم منظري هذه الحركة والمتحدثين باسمها أو داعميها – داخل البلاد وخارجها – هم من أجيال الثورة نفسها، وقد انبثقت أكثر أصواتها أصالة حتى الآن من بين تلك الأجيال، ولا شك في أن الحركة، في غيابهم، تعاني من فراغ فكري موجع. إن هذه الحركة مرتبطة بتلك الأجيال لدرجة أنها لا تستخدم تقاليدها فحسب؛ بل إن بعض شعاراتها وأناشيدها هي تكرار أو تقليد لأناشيد وشعارات ثورة 57! بل إنها أحياناً تأخذ شطراً من شعارات تلك الثورة، لكنها لا تستطيع أن تصوغ شطرها الثاني من عندها؛ فمثلاً تقول: «هذه زهرتنا الذابلة – هدية لوطننا.» بينما كان ينبغي أن تقول «هدية لبلادنا» لتصحح القافية على الأقل! على أية حال، وعلى الرغم من خط الفصل الذي يرسمه الطباطبائي بين ذلك الجيل الذي قام بالثورة وهذه الحركة، فإن هذه الحركة إذا استفادت من تجارب تلك الأجيال، فلن تقع في شرك الانحراف والراديكالية، وبالتالي لن تتكبد أثماناً باهظة.
لقد تسرع الطباطبائي في تبيين هذه النظريات غير الناضجة لدرجة أنه نسي حتى تناقض بعض أفكار هذه الحركة مع بعض أسسه الفكرية، ولا يلتفت مطلقاً إلى أنه حتى اليوم، وفي نقده لاستراتيجيات المثقفين المعاصرين السياسية، كان يرى أن حل مشكلة البلاد لا يكمن في اللجوء إلى بعض النماذج السياسية للعالم الحديث وما يُرى في الديمقراطيات الغربية، بل في تجديد التقليد الذي يعادله في تعبير الطباطبائي بالتقاليد الفقهية. (راجع: الطباطبائي: حكومة القانون وأيضاً: آقاجري، مهرنامه 35) وقد شق تفكير الطباطبائي هذا طريقه بين مقلديه أيضاً، وكان بعضهم يأخذ على المثقفين الدينيين أن «نقطة اشتراك بازركان وشريعتي وسروش هي تجاهل الفقه الإسلامي ومحاولة التقليل من شأنه.» (قوجاني، مهرنامه 2) والسؤال الآن هو: هل سيلبي الطباطبائي مطالب هذه الحركة الوطنية، التي يحمل بعض حاملي لوائها لواء التعري أيضاً؛ بالقوانين الفقهية؟
شريعتي بالنسبة لطباطبائي ليس مسألة أو مشكلة فكرية ليتناولها بالنقد والتحليل، بل هو كابوس ظلّ طيلة سنوات يخيّم على حياته ولم يفارقه قط! ولهذا فإنه أينما ذهب ومهما قال أو كتب، يرى شبح شريعتي وكابوسه أمامه، ونتيجة لذلك يوجّه إليه في كل كتابة لمزاً وإهانة. ولهذا، ففي كل هذه السنوات التي صبّ فيها جام غضبه وشتائمه على شريعتي وأيديولوجيته، بل وحمّله مسؤولية كل ما جرى في السنوات الأخيرة، لم يخصص ولو صفحة واحدة لنقد شريعتي وتحليله. كل ما هنالك هو الشتم والسباب والتشويه! هذا الأسلوب في العمل يدل على أن طباطبائي ليس من أهل النقد والاستدلال، وهو لا ينقد أفكار شريعتي – كما هو الحال مع كثير من معاصريه – بل يلوّثها بالوحل. وفي المآخذ المتفرقة التي أبداها طباطبائي على فكر شريعتي، لا يُرى ما يسمى بالقاعدة العلمية أو منهج النقد، والأهم من ذلك، الضمير الأخلاقي. ما هنالك هو عداوات خالية من الأخلاق ومليئة بالعناد واللجاج. في حين أن المسؤولية العلمية وآداب النقد تقتضي، بدلاً من هذه الانحرافات، أن تُتخذ مجموع آثار شريعتي وأسس فكره – أو أي شخص آخر – وخاصة مسار تطور أفكاره، وسيلة للتقييم والحكم. لشريعتي نحو 36 مجلداً من مجموع الآثار، أي ما يعادل أضعاف آثار طباطبائي الذي عاش ضعف ما عاشه شريعتي وأتيحت له فرص للقراءة والكتابة أضعاف ما أتيح له! كيف يمكن تجاهل هذا السجل الحافل والغزير وتصفية حساب شريعتي ببعض الشتائم والسباب؟ هذا الفكر، أياً كان، قد أثّر أكثر من أي فكر آخر في إيران المعاصرة، وشغل إيران لعقود بعد الثورة، ونتيجة لذلك فهو أجدر من أي فكر آخر بالبحث والتقييم. لكن طباطبائي، دون أي اكتراث بهذه الحقائق الواضحة، يظن أنه ببضعة أسطر من الردود والشتائم يمكن تصفية حساب فكر كهذا ثم إزاحته وأخذ مكانه! وبعض مقلديه، بين الحين والآخر، يؤججون أوهامه ويروجون له بأن: «نحن الآن أمام جيل جديد من العلماء المسلمين هم إيرانيون وإسلاميون، ويعون التقاليد ويعرفون العالم الحديث. [أي أن شريعتي وبازركان وسروش لم يكونوا على علم بهذه الأمور!] إنهم لا يرون العلاقة بين الدين والسياسة علاقة تطابق؛ لكنهم يؤمنون بتفاعل الدين والسياسة [الدين هنا مرادف للفقه] ويعتبرون فصل الدين عن السياسة أمراً مستحيلاً لا يتوافق مع واقع الحياة ولا ينبع من حقيقة الدين.» (قوجاني، المصدر نفسه) هؤلاء الحاشية والأتباع، على مدى السنوات الماضية، ارتكبوا كل عمل لا أخلاقي استطاعوا إليه سبيلاً لتشويه سمعة شريعتي وتمهيد الطريق لطباطبائي! مرة بتحليلات ركيكة، وصفوا تيارات رجعية متخلفة مثل داعش بأنها نابعة من بروتستانتية شريعتي، وذلك مع صور وتفاصيل مغرضة على غلاف المجلة! ومرة أخرى كتبوا كلمة المثقف «المُصلِح»، على غلاف المجلة أيضاً، بالسين لتصبح «المُسلِّح»، أي المنظّر للفدائيين والتيارات الراديكالية، ومرة أخرى مارسوا لعبة مقززة أخرى!
ولكن خلافاً لكل هذه الأكاذيب والدعايات التي يروّجها الطباطبائي وأتباعه وحاشيته، أو أولئك الذين كتبوا الردود واتهموا شريعتي بالتطرف والتعجل نحو الثورة والانقلاب وتغيير الحكومة؛ فإن نشر وثائق السافاك حول شريعتي والتحليلين المنفصلين اللذين كُتبا عنها، وخاصة التحليل اللامع لعلي سروش، أظهر أن شريعتي بعد عودته إلى إيران، كان ينوي قبل كل شيء القيام بنشاط ثقافي واتباع نهج سياسي معتدل ووسطي. (راجع: علي سروش، شريعتي وجدلية النضال) ولهذا، فباستثناء فترات قصيرة من تلك السنوات، حيث أثّر المناخ المحتدم في المجتمع وضغط الجماعات السياسية على بعض محاضراته، كانت معظم أنشطته أنشطة ثقافية على شكل دروس ومحاضرات وتدريس، ذات مضامين فكرية وتعليمية. علاوة على ذلك، لا يُرى في أيٍّ من آثاره أثر للمسائل السياسية اليومية، وإذا ما قمنا بفحص مجموع آثاره التي جُمعت في 36 مجلداً من هذه الزاوية، فإن الاستراتيجية الفكرية والثقافية تشكل الخط الرئيسي والبارز في فكره في كل واحد منها. كان شريعتي يسعى إلى تغيير العقول لا تغيير رجال الحكم! ومن المفارقات أن أسلوب عمله هذا كان دوماً هدفاً لانتقادات وهجوم الجماعات المتطرفة والتنظيمات السياسية والفدائية، حيث كان يُتهم شريعتي بالمهادنة والقطيعة وإضلال النضال السياسي بل وحتى التعاون مع النظام. لكنه، ومع أنه كان يأخذ هذه الانتقادات أحياناً في حساباته ويجعل نبرة محاضراته أكثر حدة وجرأة بعض الشيء – وبالطبع فإن حجم هذه المحاضرات لا يكاد يُذكر مقارنة بآثاره الأخرى – لم يغير أبداً استراتيجيته التوعوية والتنويرية، ولم يرهب المناخ السياسي السائد، حتى لو كلّفه ذلك ثمناً باهظاً من مكانته! ولهذا، في إحدى المرات، عام 1344 أي بعد سنوات قليلة من محاولة اغتيال الشاه الفاشلة، حيث "كانت الحادثة تُناقش على نطاق واسع في أوساط المثقفين المعارضين، وكان معظمهم غاضبين ومتأسفين لفشل خطة الاغتيال؛ طلب أصدقاء شريعتي رأيه في هذه الواقعة، ففوجئوا تماماً بحجته القائلة: إن البلاد كانت محظوظة جداً لأن رصاصة شمس آبادي لم تصب الهدف، لأن مجتمعنا، لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية الذهنية، لم يبلغ بعد المرحلة التي تمكنه من تقبّل ما سيأتي بعد الشاه. فالاستعجال لن يؤدي إلا إلى كارثة!" (رهنما، 198) في تلك الأيام لم يكن عمر شريعتي يتجاوز الثانية والثلاثين!
بطبيعة الحال، لا يهدف هذا النص إلى نحت صورة مرغوبة ومقبولة لشريعتي تماشياً مع روح العصر، فهذا ما ينبثق من خلال أعماله وأفكاره. ومن البديهي أن الحكم على عمل مفكر مثل شريعتي، الذي وقع في شرك ظروف سياسية صعبة وفي حلقة حصار جهاز أمن الشاه وأوصياء الدين التقليدي والجماعات السياسية الراديكالية، وكان عليه أن يساير كل واحد منهم بطريقة ما، ليس كالأحكام الأخرى. في هذا الحكم، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار كل هذه العوامل المؤثرة التي هيأت أرضية مساعيه الفكرية-السياسية، وأن نجعل مسار تطور فكره وسلوكه السياسي أساساً لأي تفسير لفكره. في مثل هذا التفسير لفكر شريعتي، سنرى أنه على عكس دعاية الطباطبائي، لا أثر للتسرع السياسي ومحاولة "هذا الحمل، عبيد الله تعال" (نفسه، القسم 11)، بل إن شريعتي يخاطر ويحذر أجياله المعاصرة من أي تسرع سياسي واستراتيجيات راديكالية، وينبه المنظمات الثورية والفدائية إلى أن "الثورة، قبل كل شيء، تستلزم ثورة في الرؤية وثورة في أسلوب التفكير." (م،آ،2/167) ومن أجل هذا "يجب أن يعمل جيلان وثلاثة أجيال [عملاً ثقافياً] ثم يصلوا إلى نتيجة، لأننا إذا وصلنا إلى نتيجة في غضون عشر سنوات، نعود إلى الوراء عشر سنوات! أنا أنفي كل الثورات المبكرة." (م،آ،20/500) و"للمتاجرة بالسياسة، ولخدمة الشعب، و... هناك دائماً وقت، أما للتعلم، فالوقت هو الآن ويمضي. بلا زاد هباء، والإنسان الجاهل، سياسته أيضاً صياح وجدال لا جذور له. قيمة وعمق أي عمل يرتبط بمدى الوعي الذاتي، ونمو الشخصية، ورأس المال وثراء الفكر والثقافة لدى الإنسان." (م،آ،1/80) و"في هذا العالم وتحت هذه السماء، لا شيء أقبح وأكثر إثارة للاشمئزاز من المثقف التقدمي المدّعي كثير الصخب والضجيج الذي يظن نفسه علمياً أيضاً، ولا يعرف شيئاً سوى بضع كتيبات ونسخ مصورة ومجلات تعطى له!" (نفسه/92) و"هذه الرسالة لا يبدأها المثقفون الحقيقيون ذوو الفكر الكبير، لا بالبندقية والصياح والضجيج والمتاجرات السياسية الرائجة والسطحية، وتغيير الأنظمة وتبديل الأشخاص وخلق المغامرات والحوادث، ولا بالانشغالات اليومية والنضالات الموسمية واليساريات على أحدث طراز...، ولا بالترجمة والتقليد والاقتباس عن ماركس وإنجلز ولينين وماو وبيكيت وبريشت وريجيه دوبريه [ليعلم الطباطبائي] بل بإبلاغ وسلاحه الكلمة..." (نفسه/98)
أين في هذه الأفكار، التي عبّر عنها شريعتي غالباً في السنوات الأخيرة من حياته، نجد أثراً للتحريضات السياسية أو الدعوة إلى "ثورة في الثورة"؟ وهل يمكن التحدث بصراحة أكثر من هذه في إنكار الثورة، وبالأخص الثورة التي علّمها لينين وريجيس دوبريه؟ ماذا كان ينبغي على شريعتي أن يقول أو يفعل حتى يقتنع طباطبائي بأنه لا مكان في فكره لـ"ثورة في الثورة" على طريقة ريجيس دوبريه؟ علاوة على ذلك، فإن "ما العمل؟" عند شريعتي يُظهر أن طريق الخلاص يكمن في الوعي والثقافة والمطالعة والبحث والتنقيب واستخراج المصادر الثقافية... وينتهي به المطاف إلى المكتبات ومجموعات البحث والعروض المسرحية والدرس والصفوف وتعليم الموسيقى والمدارس الأدبية وأساليب الكتابة، وحتى الهندسة المعمارية وتخطيط المدن والملبس والتزيين... وليس إلى الاشتباكات المسلحة وحروب العصابات والاستعداد للثورة وأمثالها! (راجع: م،آ، 20) كما أن "بناؤه الثوري للذات" يتحقق من خلال "العمل" و"العبادة" و"النشاط الاجتماعي" (راجع: م،آ، 2)، وليس من خلال التدريبات القتالية ومعرفة الأسلحة والمواجهات في الشوارع انطلاقاً من البيوت السرية! ووصيته لأجيال عصره الشابة هي: "إذا أردت ألا تقع في قبضة أي ديكتاتور، فافعل شيئاً واحداً: اقرأ واقرأ واقرأ!" (م،آ، 1/63)، وليس: حارب وحارب وحارب! ومُثُله العليا هي مثلث "العرفان، المساواة، الحرية" (م،آ، 2). لكنه، إذ لا يقايض الحرية بأي ثمن، لا يتردد في تفضيل ديمقراطية الغرب على استبداد الشرق الاشتراكي: "كما نرى اليوم، فإن للرأسمالية شرفاً أكثر من الاشتراكية. فهناك يُسمع أحياناً نداء إنساني، أما هنا فالخناق مطلق..." (م،آ، 23/348). وفي شرحه لحياة الإمام علي، يؤكد قبل كل شيء على صمته ولزومه بيته، لا على حربه وجهاده! وحتى في أكثر الأيام التهاباً، التي تزامنت مع إعدام أعضاء منظمة مجاهدي خلق، حيث ألقى شريعتي محاضراته الحماسية "الشهادة" و"بعد الشهادة" متأثراً بهذا الحدث، كانت وصيته: "على الذين بقوا أن يقوموا بعمل زينبي." والعمل الزينبي يعني التبليغ والعمل الثقافي. أولئك الذين عايشوا التهاب الأجواء السياسية في تلك السنوات يعرفون أن النطق بهذه الأفكار وبيان هذه السبل في مقابل سبل العمل الفدائي والتنظيمي، لم يكن يُعتبر سوى عرقلة وتضليل، ويجلب بالتالي كثيراً من سوء السمعة وفقدان الاعتبار! لكن شريعتي، الذي لم يكن يسعى لاكتساب وجاهة شخصية أو لخداع الأجيال التي تواجهه، لم يتهرب أبداً من دفع مثل هذه الأكلاف!
لم يكن شريعتي لا يفكر في الثورة السياسية فحسب؛ بل إنه، خلافاً لتصور منتقديه، لم يكن يحدد شكلاً معيناً للحكومة بعد الثورة أيضاً. منتقدو شريعتي – مثل طباطبائي – يتصورون، أو يُوهمون بأن شريعتي قد وضع في كتابه "الأمة والإمامة" مخططاً لحكومة أو خلافة دينية؛ في حين أن شريعتي، بعد عامين من تقديم "الأمة والإمامة"، يزيل الغموض عن هذه القضية ويصرح بأن: "مثل هذا النظام قد انتهى في القرن السابع الميلادي (الأول الهجري) وفي إمامة الاثني عشر شخصاً." (م،آ، 15/47). وهو لا يفكر في شيء لعصره سوى الديمقراطية؛ حتى إنه يعتبر الديمقراطية "أكثر أشكال الحكم تقدمية وإسلامية" (م،آ، 5/48). بل وقبل سنوات من أن يُطرح في إيران حديث الثورة والحكومة الدينية، وفي معرض إجابته عن سؤال: ما هي الحكومة الدينية؟ يقول، بعد استخلاص واستنتاج من تجربة الخلافات والحكومات الدينية في التاريخ: "الحكومة الدينية هي نظام يحتل فيه رجال الدين، بدلاً من الرجال السياسيين، المناصب السياسية والحكومية؛ بعبارة أخرى، الحكومة الدينية تعني حكم رجال الدين على الأمة. من الآثار الطبيعية لمثل هذه الحكومة، أولاً الاستبداد؛ لأن رجل الدين يعتبر نفسه خليفة الله ومنفذ أوامره في الأرض، وفي هذه الحالة لا يحق للناس إبداء الرأي والانتقاد ومخالفته! ... في المجتمع الإسلامي لا وجود لعامل الحكومة الدينية." (م،آ، 22/197)
إن طباطبائي، متجاهلاً أو جاهلاً بكل هذه الدلائل على حرية الفكر وسعة الأفق في آثار شريعتي، قد وصف فكره بأنه مدين لـ"روح الماركسية" (حكومة القانون، 638)! والآن، وختاماً لهذه الكتابة، آتي بواقعة أخرى من وقائع حرية فكر شريعتي، وأترك الحكم النهائي لقارئ هذا النص ليقول: هل ما أرويه عن شريعتي تظهر فيه "روح الماركسية" والنزعة اليسارية الإيديولوجية بشكل أوضح، أم أن ما قام به طباطبائي في هذه السنوات من قلع وقمع تظهر فيه "روح الفاشية" والإبادة الفكرية؟
"هذا مبدأ مشترك في الحكم الديني الغالب لدى مؤمني دين ما، وهو أن منكر الدين المعين يُعتبر في نظر المؤمن به منكرًا لأصل الدين. وكذلك من ينكر الأصول المشتركة بين عدة مذاهب مختلفة، فإن جميع هذه المذاهب تعتبره عنصرًا لا دين له. في حين أننا لو عرّفنا الدين بناءً على مفهومه الأصلي وروحه المشتركة بين جميع الأديان، لوجدنا حتى هؤلاء الزنادقة المشهورين والدهريين المناهضين للدين في التاريخ أكثر تدينًا... إذا لم نحصر الدين في التاريخ في القوالب الدوغمائية المحددة للعقائد والطقوس الحصرية، واتخذنا حقيقته المتعالية - المتمثلة في الحب والنزوع إلى الفضيلة والتقوى والتخلي عن الذات الدنيئة والتفكير الكبير وتحمل المسؤولية والميل إلى الجمال والشهادة [أي الشهود] - معيارًا للتقييم، فإن كثيرًا من هذه الوجوه المُدانة من قبل الأديان في التاريخ، والتي وُسمت بوصمة اللادينية على أيدي سدنة المعابد وأصحاب المناصب الرسمية للأديان، لنجدهم أكثر تدينًا وأصفى عقيدة من أولئك الذين اتهموهم بالكفر وقتلوهم أو أحرقوهم باسم الدين! من يستطيع أن يشك في أن أبيقور التقي، وغاليليو وبرونو الطاهري الإيمان، والسهروردي العارف، وعين القضاة العاشق، بل وحتى أبي العلاء الحر الحقاني، كانوا أكثر تدينًا من جميع الملالي المخادعين للعامة والمتملقين للخليفة وجافّي الطبع؟ إذا عرّفنا الدين بأنه الإنسانية والصدق والحرية والاستقامة وطهارة القلب والتفكير الكبير والتضحية وعداء القبح والدناءة والظلم، وليس فقط الصور الذهنية المعينة والعناوين الاعتقادية المحددة والدوغما والطقوس والمعتقدات المُقننة الجاهزة!"
آزاد، پیمان: در حسرت پرواز، هیرمند،1374/ اسلامی ندوشن، محمد علی: سخن ها را بشنویم، شرکت سهامی انتشار،1370/ ایگلتون، تری: مارکسیسم و نقد ادبی، ترجمه ی اکبر معصوم بیگی، نشر دیگر1383/ بازرگان، مهدی: 60 سال خدمت و مقاومت، رسا ،1375 / براهنی، رضا: در انقلاب ایران چه شده است و چه خواهد شد! کتاب زمان،1358/ بشیریه، حسین: انقلاب و بسیج سیاسی، دانشگاه تهران1384/ بولارد، سر ریدر ویلیام: نامه هایی از تهران، ترجمه ی غلام حسین میرزاصالح، نگاه معاصر1388/ بهنود، مسعود: از سید ضیا تا بختیار، جاویدان،1370 / ثابتی، پرویز: در دامگه حادثه، چاپ خارج / خامه ای، انور: خاطرات ادبی، سیاسی، و جوانی، نشر گفتار،1372/ دولت آبادی، محمود: ما نیز مردمی هستیم، نشر پارسی، 1370/ همو : این گفت و سخن ها، ثالث1398 / رهنما، علی: مسلمانی در جست و جوی ناکجا آباد، گام نو، 1381/ سپانلو، محمد علی: تاریخ شفاهی ادبیات معاصر ایران، ثالث،1373/ سحابی، عزت الله: نیم قرن خاطره و تجربه، فرهنگ صبا،1388/ سروش، علی: شریعتی و دیالکتیک مبارزه، بزرگ مهر،1378/ شریعتی، علی: مجموعه آثار 1،2،5،15،20،22/ طباطبایی، سید جواد: حکومت قانون، ستوده، 1386/ فردوست: ظهور و سقوط سلطنت پهلوی، اطلاعات،1371/ کاتوزیان، همایون: اقتصاد سیاسی/ کامپالانی، کریستیان دو: تاریخ فلسفه در قرن بیستم، ترجمه ی باقر پرهام، آگه 1382/ کشاورز، فریدون: خاطرات سیاسی، نشر آنی،1380/ گروسه، رنه: چهره ی آسیا، ترجمه ی غلام علی سیار، فرزان روز،1375/ میثمی، لطف الله میثمی:از نهضت آزادی تا . . .، صمدیه،1382/ میلانی، عباس: معمای هویدا، اختران،1380/همو: نگاهی به شاه، کانادا، 2013 / میلانی، محسن: شکل گیری انقلاب اسلامی، ترجمه ی مجتبی عطار زاده، گام نو،1388/ / نجاتی، سرهنگ غلام رضا، تاریخ سیاسی 25 ساله ی ایران، رسا، 1379/ نراقی، احسان: از کاخ شاه تا زندان اوین، ترجمه ی سعید آذری، رسا1373 / هلیدی، فرد: دیکتاتوری و توسعه ی سرمایه داری در ایران، ترجمه ی فضل الله نیک آیین، امیر کبیر،1358
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
جدای از نقد آقای درگاهی من باب نظرات شریعتی و طباطبایی، این نکته رو درنظر نگرفتن که مماشات یک روشنفکر برای جلب نظر عقاید و آرا گروههای مختلف به هیچ وجه پسندیده نیست
شاید تنها نگاشته ای که در صدانت که کمی هم دلی با آن توانستم داشته باشم. این که آقای درگاهی تبیینی از نگاه دکتر شریعتی ارائه می دهد و محصول دیگری از دانشگاه (طباطبایی) را نقد می کند شایان تحسین است. اما دانشگاهیی که در آن همه چیز در چارچوب prefabricated نگریسته می شود همین است. اگر چه که طباطبایی حتی آکادمیک هم as such در معنای معمول کلمه نیست. خود آقای درگاهی نیز اجازه بیرون زدن از چارچوب انگلوساکسونی به خود نمی دهد. بااخره روحانیت هم برای خود یک سنت فکری است. چگونه است که double standard و معیارهای غیر ثابت و دوگانه را آقای درگاهی و جامعه فکری ایران نمی تواند ببیند. اندیشه بدهکار انگلوساکسونیزم نیست. برای اندیشه ورزی و تحلیل اجبار و ضرورتی به تابع عقل و تجربه و منطقه قرن 17 و 18 و 19 انگوساکسون ها بودن وجود ندارد. تاریخ اندیشه، تاریخ ساینس(همان ساینتیسم و تعصب کور خود را علمی خواندن) مشحون از توبه نامه های متعدد است . به طور مثال طبیعت گرایی در اپیستمولوژی فلسفه آنالیتیک و روش تحلیل مفهومی آن را به زیر انتقاد می برد و به سنتی مبهم و مدعی علمی بودن و مکانیکی جلو رفتن بدون تحلیل ! روی می آ<رد. اما علیرغم ابهام و دوری که در آن وجود دارد اشکالات و defectهای فلسفه تحلیل را تا حدی بیان می کند. تا زمانی که فلسفه غرب از حقنه کردن فلسفه خود را که وقتی دقیق مطالعه اش ومی کنی حتی در نگاه معاصری مانند کواین سیسرو و پروتاگوراس را در محل آغاز آن می بینی ( وچقدر غیر عقلانی و چقدر حتی غیر مدرن!)دست برندارد نمی تواند بدون جزم و تعصب به دنیا بنگرد. تخطئه قرون 10 تا 15 اروپا همان دعوای توی خیابان است و همان جزمی که مدرنیته مدعی حذف آن است. از طبطبایی مفتخر به فرانسه (که احتمالا بلد نیست) و تحصیلات فرنگستان نمی توان انتظار آزاد اندیشی و تحلیل علمی ، عقلانی تجربی و منطقی داشت. از آقای درگاهی که نیز که دابل استاندارد حاکم دانشگاهی دانشگاه تهرانی و شریفی را در ربیانشان می توان شنید نمی توان انتظار دقت و انصاف و rigour معرفتی نهایی داشت. اگر اهل اندیشه هستیم نه دکارت ، نه ابن سینا، نه خمینی، نه لمپن مدرن غربزده که در قفس اینترنت و زندان موبایل محصور است فرقی ندارد. همه نگاه اند ، همه موضع قابل مطالعه. از زندان بیرون بزنیم.
استفاده از کلمات انگلیسی در متن تان چه ضرورتی دارد . آیا در فارسی برای SCIENCE ، SUCH AS ... نداریم فضل فروشی بیجا هم اندازه ای دارد