اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُظهر مايكل غازانيغا، من خلال فحصه للدماغ والجزء المُفسِّر فيه، كيف ينبثق الوعي من تفاعل الدوائر العصبية. وبرفضه للحتمية، يجادل بأن قبول دور الوعي المتجاوز لفيزياء الدماغ يفتح الطريق أمام الإرادة الحرة والمسؤولية الإنسانية.

يُعتبر مايكل غازانيغا الباحث البارز والأستاذ في جامعة سانتا باربرا بكاليفورنيا، أبًا لعلم «العلوم العصبية المعرفية». يتناول البروفيسور غازانيغا في هذا الكتاب نشأة الوعي في المسار التطوري للإنسان، ويحاول دراسة الإرادة الحرة بمقاربة علمية.
غالبًا ما يُتصور أن الدماغ مؤثر بشكل ما في الوعي والإرادة، لكن كيف يعمل دماغ الإنسان حقًا؟ على الرغم من أن الدماغ عُرف منذ آلاف السنين كحامل للوعي، إلا أن العلماء لم يكتسبوا فهمًا أوضح لآلية عمل الدماغ إلا مؤخرًا. فعلى سبيل المثال، في القرن السادس عشر، كان الاعتقاد السائد أن رجلاً صغيرًا يعيش في رأس الإنسان ويتحكم بوظائف الدماغ.
حتى السنوات الأخيرة، كان العلماء يتصورون أنه إذا تضرر أي جزء من الدماغ، فإن جزءًا آخر يتولى وظيفة ذلك الجزء ويحل محله. لكننا نعلم الآن، من خلال دراسة المرضى الذين يصابون بشلل في الأطراف بعد آفة دماغية (quadriplegia)، أن هذا الاستبدال لا يحدث ببساطة في جميع الحالات، وإلا لكان ينبغي لهؤلاء المرضى أن يستعيدوا السيطرة على أطرافهم من جديد.
على الرغم من وجود الكثير من الفرضيات والتصورات الخاطئة حول عمل الدماغ، فقد شهدنا في العقود الأخيرة اكتشافات جديدة كثيرة جدًا. ففي نصف القرن الماضي، اكتشف العلماء أنه، خلافًا للاعتقاد السابق، يتكون الدماغ من دوائر مختلفة تؤدي كل منها وظيفتها بتناسق مع بعضها البعض في النهاية. بالإضافة إلى ذلك، نعلم أن كل جزء من الدماغ متخصص لوظيفة معينة.
يتكون دماغ الإنسان من نصفي الكرة الأيمن والأيسر وجذع الدماغ. كل نصف كرة مسؤول عن التحكم بأجزاء معينة من الجسم والقيام بأنشطة محددة لا يستطيع النصف الآخر القيام بها. وفي الوقت نفسه، يكون كل جزء، كالجزء المتعلق باللغة، على اتصال دائم بالأجزاء الأخرى ويتبادل المعلومات ليتمكن الإنسان من العمل واتخاذ القرار والتعلم.
على الرغم من أن العلماء ما زالوا في بداية طريق اكتشاف ألغاز الدماغ المعقدة، إلا أننا اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى فهم عمل الدماغ البشري.
يتكون دماغ الإنسان من أجزاء مختلفة، لكل منها دور أساسي في أداء جزء من وظائف الإنسان. وفي هذه الحال، ومع كل هذه الأحداث التي تجري في آنٍ واحد في أجزاء الدماغ المختلفة، كيف يدرك كل فرد نفسه ككائن واعٍ متصل، وليس كمجموعة من الأصوات الداخلية المختلفة التي تتنافس فيما بينها لجذب الانتباه؟
يوجد في دماغ جميع البشر جزء (موديول) خاص لتفسير المعلومات. هذا الجزء مسؤول عن جعل جميع المعلومات المختلفة التي نتلقاها في كل لحظة من العالم الخارجي والداخلي قابلة للفهم. وباختصار، يقوم هذا الموديول الخاص من دماغ الإنسان بجمع جميع المعلومات وتصنيفها، وحتى إذا كان جزء من هذه المعلومات ناقصًا أو غير منسجم مع البقية، فإنه يخلق تصورًا كليًا أو قصة ليبدو كل شيء مرتبًا ومنسجمًا.
على سبيل المثال، في متلازمة كابغراس (Capgras)، يتعرف المريض خطأً على شخص مألوف باعتباره غريباً ذا وجه مشابه. فقد يرى الشخصُ أباه مثلاً، لكنه بسبب خلل في جزء معين من دماغه لا يشعر بالإثارة العاطفية الطبيعية عند رؤية أبيه، فيتصور أن ذلك الشخص غريب يشبه أباه. في هذه الحالة، يقوم الجزء المفسِّر من الدماغ، لعدم تلقيه المعلومات العاطفية التي تنشأ عند رؤية الأب، بخلق قصة مفهومة بناءً على المعلومات المتوفرة لديه.
بدراسة الأفعال التي نقوم بها لا شعورياً، يمكننا أن نلاحظ بشكل أفضل أداء هذا الجزء المفسِّر. لنفترض أنك تمشي في مرجٍ بأعشاب بالغة الطول. فجأة، تتحرك الأعشاب أمامك بشكل غريب. في هذه اللحظة، تقفز إلى الوراء لا شعورياً هرباً مما ظننته أفعى (لتكتشف لاحقاً أنها كانت مجرد ريح).
رد الفعل هذا، اقفز واهرب، الذي يحدث فوراً، لا يحتاج إلى أي تفكير واعٍ. في الواقع، السلوكيات اللاشعورية سريعة دائماً لأنها كانت ضرورية لبقاء أسلاف البشر في الطبيعة البرية. على أية حال، يحاول الجزء المفسِّر من دماغنا أن ينتج تفسيراً واعياً قابلاً للتصديق حتى لهذا السلوك اللاشعوري. مثلاً، في مثال المشي بين الأعشاب، قد يختلق قصة عن الأفاعي السامة وضرورة الذهاب إلى مكان آمن لتبرير رد فعلنا. لكن في الحقيقة، كان الدماغ قد قرر الهرب قبل أي تفكير واعٍ.
القبول بعدم وجود الإرادة الحرة تترتب عليه مشكلات كثيرة. لكن بالنظر إلى أداء الجزء المفسِّر من الدماغ، ربما يمكن التوصل إلى هذه النتيجة. أم ينبغي ألا نتعجل؟
تصور بسيط جداً هو أن نقول إن أداء الدوائر الدماغية يؤدي إلى سلوك ما، ثم ينتج الجزء المفسِّر من الدماغ تفسيراً له. لكن في هذه الحال، ينبغي أن نسأل: ما الذي يتحمل المسؤولية الرئيسية فعلاً في دماغنا؟
لطالما كانت النظريات ذات المنحى الجبري والإرادة الحرة في تضاد منذ القدم. الدماغ كائن فيزيائي، وبالتالي يتبع القوانين الأساسية للفيزياء. بهذا المنطق، يحتج الجبريون بأننا لا نتحمل مسؤولية أفعالنا، وأننا لو امتلكنا الأدوات والمعرفة الكافية لاستطعنا حتى التنبؤ بسلوكيات البشر في المستقبل وتفسير جميع السلوكيات الماضية.
من جهة أخرى، يقول أنصار الإرادة الحرة إن البشر يمتلكون وعياً، وبالتالي يمكنهم التأثير على سلوكياتهم وقراراتهم.
لكي نتمكن من تقرير أي وجهة نظر هي الصحيحة، ينبغي أن نعتبر الدماغ والوعي عنصرين يتفاعلان معاً. لذلك، بدلاً من أن نحاول بمنطق تصاعدي اختزال الإرادة إلى أداء كائن فيزيائي تحت سيطرة قوانين الفيزياء الجبرية، فإن النهج الأفضل هو أن نجد تفسيراً تنازلياً لكيفية عمل الوعي.
على الرغم من أن إرادتنا الحرة تتأثر أيضًا بالأجزاء اللاواعية من الدماغ، فإن الأفكار الواعية يمكنها في الوقت نفسه أن تؤثر على لاوعي الإنسان. هذا يعني أن هناك دائمًا حلقة تغذية راجعة على مستوى الوعي واللاوعي في الدماغ، وبعبارة أخرى، فإن الإرادة الحرة ممكنة. لذا، فإن قبول أن الوعي هو أكثر من مجرد مجموع تفاعلات أجزاء الدماغ المختلفة، يفتح الطريق أمام اعتبار البشر مسؤولين عن إرادتهم في سلوكهم وكلامهم.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
علت بسته بودن کامنت برای پست آخرتان درباره گزارش زلزله آذربایجان شرقی چیست؟
سلام و درود ایراد فنی بود، برطرف شد.