اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ناقش أكبر ثبوت وحميد بارسانيا الفكر السياسي للآخوند الخراساني في جلسة لجمعية الفكر والقلم. يستند ثبوت إلى تقارير آقا بزرك الطهراني ليقول إن الآخوند لم يكن يؤمن بالحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، بينما يرفض بارسانيا هذا الرأي.

تتجلى أهمية الآخوند الخراساني في الفكر السياسي الإيراني عموماً وفي الفقه السياسي الشيعي خصوصاً، إلى حد أن ناقداً وباحثاً متشدداً مثل جواد طباطبائي يعتبره، إلى جانب النائيني والمحلاتي، من العلماء الذين، على عكس متنورين مثل ملكم، «كانوا يعرفون جميع المقدمات الفكرية وأصول المباحث السياسية»، ومن خلال طرحهم لنظرية «المصالح العامة»، «يقتربون من بحث الفكر السياسي الجديد». ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن إجماع في الرأي حول الفكر السياسي للآخوند. في الجلسة الأولى لفريق الفكر في جمعية الفكر والقلم، والتي خُصصت لنقد ودراسة كتاب الآخوند الخراساني وتلامذته غير المنشور ولكنه المثير للجدل، دار نقاش حول هذا الموضوع بين أكبر ثبوت، مؤلف هذا الكتاب، وحميد بارسانيا. في تلك الجلسة، حاول مؤلف الكتاب، وهو نفسه باحث في العلوم الإسلامية والإنسانية، لا سيما الفقه والقانون والفلسفة الإسلامية، بالاعتماد على هذا الكتاب الذي هو في الأصل تقرير آغا بزرك الطهراني عن حواره مع أستاذه الآخوند الخراساني، أن يُظهر أن الآخوند لم يكن يؤمن بالحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، بينما سعى حميد بارسانيا، الباحث في العلوم الإسلامية، إلى إثبات أن الأمر ليس كذلك. كانت الجلسة الثانية لهذه الجمعية استمراراً لهذه المباحث، حيث حاول الباحثان فيها استكمال استدلالاتهما أو تقديم شواهد ومستندات إضافية لدعواهما. فيما يلي تقرير عن كلمتيهما بالترتيب الذي قُدمتا به في الجلسة:
حساب النظر منفصل عن العمل
أكبر ثبوت باحث في التاريخ والفلسفة الإسلامية يسرني أن هذا الكتاب، الذي كُتبت عنه عشرات النقود ولم يُتح له مجال النشر بعد، قد وجد فرصة للنقد وجهاً لوجه. لقد كنت طالباً ومدرساً للحقوق لسنوات، كما عملت لسنوات في المجال القانوني. لطالما استحضرت توصية من المرحوم الدكتور أمير ناصر كاتوزيان، حيث كان يقول إن رجل القانون، كالمحامي والقاضي والمستشار القانوني، يجب عليه في ميدان العمل والإجراء أن يضع نصب عينيه نص القانون فحسب وألا يحيد عنه، سواء كان موافقاً لذلك القانون أم غير موافق، وسواء كان العلماء الذين يعتقد بهم قد قبلوا ذلك القانون أم لم يقبلوه. ليس له في مقام العمل والتنفيذ طريق آخر سوى الالتزام العملي بذلك القانون، حتى لو لم يكن معتقداً به. أما في مقام التدريس والتأليف والبحث، فعلى الحقوقي أو رجل القانون في تلك المرحلة أن ينقل ويعرض كل ما هو موجود من نظريات وآراء بأفضل صورة. لذلك، لطالما وضعت نصب عيني هذه النقطة، وهي أنه يجب الفصل بين ميدان العمل وميدان النظر، وإعطاء كل ذي حق حقه على حدة. للأسف، حدث في بلدنا قدر كبير من الخلط بين هذين الميدانين. بمعنى أنه لمجرد أن فلاناً أو فلانة لا يوافق على قانون ما، يريد أن يدوس القانون ويتجاوز حدوده، أو من ناحية أخرى، هناك من يصر، بحكم موافقته على ذلك القانون، على إظهار علماء الأولين والآخرين بمظهر الموافقين له. كلا الأسلوبين خاطئ. حدود النظر والتاريخ والتدريس والتأليف والبحث في مكان، وحدود العمل والإجراء في مكان آخر. أنا بطبيعة الحال، في مقام العمل والتنفيذ في أي مجتمع أكون فيه، أعتبر نفسي ملزماً بألا أتجاوز حدود قانون ذلك المجتمع. أما في مقام التأليف والتدريس والبحث، فمن الحق أن نطرح أي سؤال قانوني أو فقهي أو فلسفي... إلخ بحرية عندما يُثار، وأن نتمكن من شرح النقود والإشكالات التي ترد على أية نظرية.
الآخوند لا يقول بولاية الفقيه على مستوى النظرية بعد هذه المقدمة، أعتقد أنه ينبغي في المرحلة الأولى توضيح رأي المرحوم الآخوند حول حدود ولاية الفقهاء في الحكم وفي مقام القضاء وسائر المجالات. أما ما هي تبعات الحكومة الإسلامية وحكومة الطبقة الدينية، فهو بحث ثانوي. لذلك أفضل في الوقت الحالي أن أتناول في المرحلة الأولى بحثًا مختصرًا في هذا الصدد. أطرح أولاً هذا السؤال: ما هو رأي المرحوم الآخوند حول الولاية المطلقة للمعصومين؟ مع العلم أن ولاية الفقهاء هي في الحقيقة نيابة عن ولاية المعصومين. لذا ينبغي أن نلقي نظرة مختصرة على ولاية المعصومين (ع) ونطرح السؤال على هذا النحو: هل يعتقد المرحوم الآخوند بالولاية المطلقة للمعصوم أم لا؟ في تقريرات المكاسب نفسها وفي آثار أخرى قدمها بعض منتقدي الآخوند مثل النائيني وبعض شرّاحه، يُطرح أن المرحوم الآخوند لا يقول حتى بالولاية المطلقة للمعصومين. أقرأ هنا على سبيل المثال بضع كلمات من إحدى مقابلات السيد عميد زنجاني. السيد عميد زنجاني لم يتراجع خطوة واحدة في دفاعه عن الولاية وفي مواجهته لمعارضي الولاية، ولا حاجة لمزيد من التوضيحات في هذا المجال. ومع ذلك، كانت له مقابلة في فترة حياته نُشرت في ذلك الوقت أيضًا. أقرأ جزءًا من هذه المقابلة: «يقول المرحوم الآخوند في حاشية المكاسب ضمن نظرياته حول ولاية الفقيه إن ولاية الفقيه لا يمكن أن تكون أعلى من ولاية الإمام، ويناقشون ولاية الإمام.. لقد اطلعت وقرأت تقريبًا جميع المباحث المتعلقة بولاية الفقيه منذ أولى كتب الفقه الشيعي ككتب الشيخ المفيد وحتى العصر الحاضر، على الأقل الكتب المشهورة. لم يُناقش في أيٍ منها ولاية الإمام. لم يسمح الفقهاء لأنفسهم بالحديث عن صلاحيات الإمام المعصوم أو كانوا يرون ذلك عديم الفائدة أصلًا. استنادًا إلى أننا سواء حددنا حدود ولاية المعصوم أم لم نحددها، فإن الإمام المعصوم نفسه يمارس صلاحياته. حيثما مارسها فهي من حقه، وحيثما لم يمارسها فليست من حقه. لكن المرحوم الآخوند يمتلك الجرأة ليدخل في هذا البحث ويقول إن الإمام المعصوم لا ولاية له حتى في الحقوق الخاصة». نُشرت هذه المقابلة في كتاب السيد محسن دريابيغي الذي هو مجموعة من المقابلات المتعلقة بالمرحوم الآخوند.
الآخوند لا يقبل عملياً حكومة الملا قربانعلي المسألة هي كيف تعامل المرحوم الآخوند مع الوقائع القائمة التي كانت تُطرح باعتبارها حكومة شرعية قائمة على ولاية الفقيه. نعلم أنه قبل نحو نصف قرن من الدستور، كان فقيه شيعي كبير قد شكّل حكومة شرعية في منطقة واسعة من إيران كان مركزها زنجان، وكان رجلاً صالحاً، لا يملك ثروة تُذكر، ولا ينتمي إلى أسرة دينية أو عريقة، ولم يجمع مالاً. وكان على مستوى علمي رفيع، كما كان على درجة عالية من الزهد والتقوى. لم يكن يعترف بأي حكومة في مواجهته، وكان يقول إن الحكومة هي الحكومة الشرعية، وهي هذه الحكومة التي شكلتها أنا. كان الملا قربانعلي الزنجاني، ولم يكن مستعداً لمقابلة أي ملك، كما لم يكن مستعداً لتلقي المال من أي ملك. ورغم أن ناصر الدين شاه وآخرين طلبوا مراراً الوصول إليه، إلا أنه لم يأذن لهم. كان يعتقد أنه لا ينبغي أن توجد أي حكومة سوى حكومته الشرعية، وكان هذا هو تعامله مع الحكومات القائمة آنذاك. استمرت هذه الحكومة في عهد ناصر الدين شاه وعهد مظفر الدين شاه. في عهد مظفر الدين شاه، انطلقت حركة الدستور، وعندما انطلقت هذه الحركة كان قد مضى نحو أربعين عاماً على استقرار حكومة الملا قربانعلي الزنجاني الشرعية. حين اندلعت احتجاجات الناس في أحداث الدستور، كان من الطبيعي أن يبحث المرحوم الآخوند الخراساني وسائر المراجع عن أفضل بديل للاستبداد. في هذه المرحلة، لو كان المرحوم الآخوند يعتقد بولاية الفقيه، لكان أفضل بديل بلا شك هو حكومة الملا قربانعلي الشرعية. لأنه في تلك الأيام كانت توجد حكومة شرعية في زنجان ونواحيها، وكان من الأفضل توسيع هذه الحكومة الشرعية لتشمل إيران كلها، فتصبح إيران كلها تحت حكم رجال الدين، وتحت حكومة الملا قربانعلي الزنجاني الذي كان فقيهاً عالماً عادلاً. لكننا نرى في الوقت نفسه أن المرحوم الآخوند لا يؤيد حكومة الملا قربانعلي إطلاقاً، ولا يقتصر عدم تأييده على تلك الفترة، بل لاحقاً حين ينشب النزاع بين أنصار الدستور والمستبدين، نرى الآخوند أيضاً يؤيد الدستور، لا حكومة الملا قربانعلي الزنجاني الشرعية. يستمر هذا الأمر حتى يستولي الحكم الاستبدادي لمحمد علي شاه، ثم يسقط، وتقوم الحكومة الدستورية ولو اسمياً، وفي هذه المرحلة حين يقع التعارض والنزاع بين الحكومة الشرعية وتنظيم ولاية الفقيه للملا قربانعلي وبين الحكومة الدستورية، هنا وبإذن وموافقة المرحوم الآخوند، يذهب ممثلو الحكومة الدستورية وينقلون المرحوم الملا قربانعلي بمنتهى العزة والاحترام (حسب تعبيري) من زنجان، ويفرقون أتباعه، ويقتصون من بعضهم ممن كانوا فاسدين، ويرسلونه هو نفسه في التسعينات من عمره إلى العتبات ليقضي بقية عمره هناك في العبادة والزيارة. هذا نموذج من تعامل المرحوم الآخوند مع واقع كان قائماً باعتباره حكومة شرعية لولاية الفقيه.
معارضة الآخوند مع السيد عبد الحسين اللاري لكن نموذج آخر هو السيد عبد الحسين اللاري. السيد عبد الحسين اللاري كان رجل دين سعى، حتى قبل أن تندلع أحداث المشروطة، إلى تشكيل حكومة شرعية تحت إشرافه وسلطته، وقام بإجراءات كثيرة في هذا الاتجاه. عندما اندلعت حركة المشروطة، سار السيد عبد الحسين اللاري مع تيار المشروطة، بنية أن يتمكن من خلال هذه الحركة من تحقيق غايته الخاصة المتمثلة في تشكيل حكومة شرعية برئاسته. بالطبع لا يمكننا القول بأن نيته كانت سيئة بالضرورة. لكنه على أية حال دخل حركة المشروطة، بل وقام بدفاعات غريبة وعجيبة عن المشروطة أثارت ضجة الشيخ فضل الله. ومن جملة ذلك أنه قال إن مجلس الشورى الوطني المقدس هو تالٍ للكعبة ومثل الكعبة و... فيما بعد أثار الشيخ فضل الله النوري ضجة كبيرة مع طالبي المشروطة حول هذه القضايا. في حين أن هذا الكلام قاله رجل دين مثله. في نفس الوقت، سار هو (السيد عبد الحسين اللاري) مع طالبي المشروطة، وفي هذه المرحلة التي يسير فيها مع طالبي المشروطة، كان المرحوم الآخوند يؤيده ويؤيد حركته والمحيطين به. لكن فيما بعد، اتجه السيد عبد الحسين اللاري تدريجياً نحو تطبيق مقصده الخاص المتمثل في تشكيل حكومة برئاسته وتكون حكومة شرعية. على أية حال، دخل هذا الوادي وشكل حكومة شرعية برئاسته في منطقة جنوب إيران، حتى أنه طبع طوابع وهيأ قوات عسكرية وبدأ يوزع المناصب العسكرية والاجتماعية والسياسية و... على المحيطين به، وتورط تدريجياً في صراع مع الحكومة المشروطة. في هذه المرحلة لم يعد المرحوم الآخوند يؤيده، بل نصحه مراراً بأن هؤلاء الذين حولك ليسوا أشخاصاً أسوياء، وانتبه لهم ولا تثق بهم. بالطبع لم يستمع السيد عبد الحسين لهذا الكلام، واستمر في متابعة هذه الحركة التي كان يسعى بها ضد الحكومة القائمة آنذاك، حتى انهارت هذه الحركة وذلك التجمع الذي حوله للأسف بوضع غير مرغوب فيه، وتوفي هو نفسه في عزلة مؤسفة.
هذه ليست مناظرة حميد بارسانيا باحث في العلوم الإسلامية عشية عشرة الفجر، هذه المباحث هي من المباحث النظرية الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها هوية حياتنا اليوم وثورتنا ومواجهاتنا وأدائنا الداخلي والدولي بشكل ما، وفي مقام النظر، كما أشاروا، كلما حصل تدقيق ودقة وبحث حول هذه الأسس كان ذلك مناسباً وجديراً. الجلوس في خدمة الأستاذ ثبوت والمناظرة معه أمر صعب بالنسبة لي. لأن للمناظرة آداباً ومسائل لست من أهل تلك الآداب والمسائل. ما أعنيه هو أنه في المناظرة يجب على الإنسان أن يدخل في النقاش بلا رحمة وألا يراعي حال الحضور وأن يستخدم أساليب شائعة في الخطابة والبحث والجدل. لقد ازداد تقديرنا للأستاذ ثبوت منذ الجلسة السابقة حتى الآن. على أية حال، نعقد العزم على أن نقوم ببحث تحقيقي وليس الكلام عن مناظرة، ومن هذه الزاوية أدخل في النقاش.
الولاية المطلقة في مقابل الولاية المقيّدة: الإطلاق لا يعني الاستبداد أولاً، قُدِّم تقرير عن الجلسة السابقة، وسأذكر بعض المطالب بالنظر إليه وإلى ما طرحه الأستاذ ثبوت. في الجلسة الماضية كان النقاش حول أنه، بصرف النظر عن صحة ما نقله الأستاذ ثبوت وما ورد في حاشية المكاسب أو في كتاب قضائه بتقريرات المرحوم القوجاني وآقازاده وآخرين والمحفوظ في مكتبة آستان قدس، لا يوجد تنافٍ. أحياناً نبحث في أصل ولاية الفقيه أو حدودها أو ولاية الإمام المعصوم. إثبات ولاية الفقيه دون الالتفات إلى ولاية الإمام المعصوم لا معنى له، وولاية الفقيه تندرج تحت ولاية الإمام المعصوم، وقد بدأت الحديث في الجلسة السابقة من هذه النقطة بالذات. وحدودها أيضاً كذلك، أي إلى أي مدى تمتد ولاية الإمام المعصوم. فالبحث في العصمة والولاية التكوينية والولاية على التشريع والولاية الشرعية بحوث مختلفة. في بحث الولاية التكوينية يُقال إن الله سبحانه هو الولي المطلق، والإمام المعصوم هو الإنسان الكامل، ولا ولاية له في مقابل ولاية الله، وما يُطرح في هذا المجال هو الخلافة. أما في التشريع فالأمر لله سبحانه، وإذا أُحيل إلى المعصوم في موضع ما فذلك بإذن الله وليس استقلالاً. التشريع لله، ومن جملة ما شُرِّع بشأن المعصوم ولايته، وهي ولاية اعتبارية. أما تحديد مدى هذه الولاية وحدودها فهو أمر قابل للمتابعة، وبطبيعة الحال عندما تكون له ولاية بمعنى مقام التنفيذ، فهي تنفيذ للشريعة. وما نُقل عن المرحوم السيد عميد زنجاني من أن مهمة النبي والإمام ليست فقط في المجال الخاص، بل في الحقوق العامة وسواها، هي التبليغ والتنفيذ معاً. وإذا وُجد تزاحم بين هذه الأمور، فبطبيعة الحال في موارد التزاحم، وكما في حياتنا الخاصة حيث هذه الولاية لنا ويجب أن نرجّح ونعمل وفق معايير باب التزاحم، فإن هذا الأمر في المسائل الاجتماعية يقع على عاتق ولي المجتمع الذي ينبغي أن يقوم به. أي أنه ما لم يحدث تزاحم، يريد النبي أو الإمام تنفيذ الشريعة، أي يجب العمل بهذه الحقوق التي للأفراد، وهو مبلّغ للشريعة وحافظ لها في آنٍ واحد. وهذا ما نستفيده من العبارات الواردة بشأن النبي والأئمة المعصومين. يجب أن يتضح معنى الولاية المطلقة، ما هي؟ هل الولي بمعنى حكومة استبدادية يقول ما يشاء أم لا؟ إن الولاية المطلقة لا تنظر إلى هذه المسألة إطلاقاً. الولاية المطلقة في مقابل الولاية المقيّدة. وبالطبع يجب أن يتضح مدار الولاية المقيّدة أيضاً. هل في جميع الأمور الاجتماعية والمسائل التي يكون الأمر فيها أمراً اجتماعياً لا فردياً، تكون رعايته وتولّيه بيد شخص واحد؟ هذه هي الولاية المطلقة. جميع الأمور التي هي من سنخ المسائل الاجتماعية والتي يجب بعد ذلك أن تُنفَّذ في إطار قواعد ترجيحات ومرجّحات نظام الشارع وتقديم الأهم على المهم من الأحكام نفسها، أو أن جزءاً من هذه الأمور مشمول بها والجزء الآخر غير مشمول. وإذا نوقشت الولاية المطلقة حتى في الإمام المعصوم، فالمقصود بها جميع الأمور الناظرة إلى تولّي المجتمع ورعايته، فتولّي المجتمع ورعايته من مسؤولية النبي والإمام. وهو بالطبع جاء ليقيم الشريعة والعدالة. أي أنه منفّذ لقانون. هل بعد الإمام، وإلى الحد الذي يتعلق بتولّي الأمور الاجتماعية، تُفوَّض إلى نائبه، أم أن هناك منطقة خاصة كما يوجد النائب الخاص، كمصر أو مكان آخر، أو أن جزءاً آخر من الأمور يُفوَّض إلى أفراد آخرين ويبقى تولّي جزء آخر بلا تكليف حتى يأتي الإمام المعصوم؟ على هذا المدار يكون البحث: هل هي مطلقة بالنسبة لغير الإمام أم مقيّدة... وهل هناك اختلافات في هذا المجال؟ أُشير في الجلسة السابقة إلى أن هذه الاختلافات هي أحياناً تنقيبات حول المباحث والاستدلالات. أي أن فقيهاً يناقش بجد ناظراً إلى هذا الاستدلال، وحدّ وسط هذا الاستدلال لا يثبت أكثر من هذا الحد، وعندما يتناول الفقيه مسألة أخرى قد يثبت أكثر من ذلك أو أقل، أو قد يأخذ دليلاً عقلياً أو نقلياً أو كلامياً بعين الاعتبار. أُشير في الجلسة السابقة إلى أن بحث الإمامة والولاية له بُعد كلامي وبُعد فقهي. من البُعد الذي يجب عن الله، أي حين نتحدث عن فعل الله، يكون البحث كلامياً. أما من جهة ما هي وظيفة الإمام نفسه وما هي وظيفة الناس تجاه الإمام، فهو بحث فقهي. هذا البحث يتعلق بمعنى الولاية والإمام والبحث المتعلق بنائب الإمام في زمن الغيبة.
لم يكن النزاع بين أنصار المشروطة حول ولاية الفقيه ناقشتُ في الجلسة الماضية أن النزاع الذي كان قائماً في المشروطة بين أنصار المشروطة وأنصار المشروعة لم يكن حول ولاية الفقيه. أي أنهم لم يكونوا في خصام ينظر فيه فريق إلى القول بأنهم يريدون ولاية الفقيه، وفريق آخر يقول إنهم لا يريدون ولاية الفقيه. كان الخصام حول مدى مناسبة محمد علي شاه أو المجلس و... إلخ. وكان هذا الأمر يعود إلى أن الجميع كانوا يشعرون بأنهم لا يستطيعون تطبيق ولاية الفقيه، لا أنهم كانوا يعارضون، من الناحية الفقهية، الإمام المعصوم أو الفقيه بغض النظر عن حدود ما يمكن للولي أن يتمتع به. لم تكن لديهم عقيدة مشتركة في هذا المجال. بمعنى أنهم في عصر الغيبة كانوا يرون أن قسماً من ممارسات الولاية على الأقل تعود للفقيه، لكنهم لم يكونوا يرونها قابلة للتطبيق. تماماً كما كان الأئمة في زمن الإمام المعصوم لا يرونها قابلة للتطبيق، لكنهم كانوا يعتقدون أن الحقيقة هي أن الولاية تعود للإمام. وكانت نتيجة ذلك أن هذه الحاكميات القائمة ليست حاكمية عادلة وشرعية، ولكن ما هو واجبنا في مواجهة الحاكمية غير الشرعية، له نطاق يجب أن يُلحظ بالكامل لحظة بلحظة وزماناً بزمان. قد يكون القيام واجباً أحياناً، وقد يكون التعاون واجباً وتكون المخالفة إثماً، حتى بالنسبة للإمام المعصوم يكون الأمر كذلك. أحياناً يكون بذل الروح لإزالة تلك الحاكمية غير الشرعية، وأحياناً يكون العظم في الحلق والشوكة في العين والتعاون. كما يفعل علي (ع) ذلك. لكن ما يفعله علي (ع) لا يعني أن ما هو كائن مشروع. تماماً مثل هذه المسألة موجودة في عصر الغيبة.
ولاية الفقيه في مقام العمل تستلزم شروطاً ثمة بحث مفاده أن فقهاءنا، من الناحية الفقهية في كتبهم الفقهية، كانوا منتبهين لأصل ولاية الفقيه، لكنهم من حيث التدوين والكتابة والإظهار لم تكن لديهم القدرة على ذلك دوماً، حتى الإمام المعصوم كان يخاطب الخليفة أحياناً بلقب أمير المؤمنين (ع) في حين أننا لا نملك الحق فقهياً في إطلاق هذا اللقب على غير علي بن أبي طالب (ع)، لكن من الناحية العملية كان هذا يُفعل من باب التقية ومسائل أخرى. وعليه، ففي زمن الغيبة لا تتاح لهذه المسألة إمكانية الظهور أحياناً، ولذا فإن التعبير الذي أشرت إليه بأن المرحوم صاحب الجواهر لم يصرح بهذا الكلام، يعود سببه إلى أنه لم يكن بالإمكان الإفصاح عنه، في حين أن بحث الولاية الفقهية موجود في كل كتاب فقهي. ففي كل كتاب فقهي، حين يُطرح موضوع الأمر العام، يبرز دور الفقيه. وفي مقام العمل أيضاً، كان الفقهاء، بقدر ما كانت لهم بسط يد، مكلفين بتطبيق ذلك في نطاق بين الشيعة، أو حيثما كانت هناك منطقة برزخ بين الفرد والحكومة، كانوا يجرون القضاء. لم يكن القاضي منصوباً، بل كان قاضي تحكيم. وقاضي التحكيم ينبغي أن تتوفر فيه شروط، ولا بد من وجود إذن عام للقضاء، فكانوا يأتون إلى فقيههم ويتم هذا القضاء. أما متى استطاع التشيع القيام بهذا العمل، فكان ذلك بحثاً اجتماعياً. أي أن مسألة متى تنشأ القدرة على التنفيذ، حدثت بالتدريج بعد العصر الصفوي. وفي العصر القاجاري وعهد فتح علي شاه أخذت في التحقق. لكن التحقق يكون ممنوعاً أحياناً من الناحية الشرعية. تماماً كما أن الإمام المعصوم يمكنه أن يمارس الولاية في مكان ما، لكن عليه أن يراعي القدرة الكلية ووحدة العالم الإسلامي برمته، ولذا لا يفعل ذلك. إن قيام شخص ما بتنفيذ الولاية في أصفهان، أو في زنجان، أو في منطقة جبل وكرمانشاه، إذا كان سيؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع الإيراني في مواجهة العدو الخارجي، فهل ينبغي له أن يفعل ذلك أم لا؟ إذا نشأت حكومة ملوك طوائف في هذا المجموع وتعذر وجود أمن مركزي، فهل يكون تطبيق هذه الولاية لائقاً أم لا؟ هذه كانت مسائل التفت إليها بعض الفقهاء. هل كان لدينا فقيه يستطيع أن يخلق نفوذاً للكلمة على مستوى المجتمع الإيراني ويحفظ وحدة المجتمع في مواجهة الأعداء الخارجيين؟ لو كان لدينا مثل هذا الفقيه، لقلنا إن إمكانية ذلك متاحة ولما لا تتحقق؟ أما أن يقوم فقيه في قرية أو مدينة بهذا العمل، ثم يضعف بهذه الممارسة السلطة المركزية، فهذا هو أول الكلام. أشرت في الجلسة السابقة نقلاً عن السيد زنجاني. حين أصدر الميرزا الكبير الشيرازي حكم تحريم التنباك، تردد لبرهة في أن هذا الحكم الولائي الذي أصدره، وهو ليس لنفسه، إلى أي مدى يتزاحم مع سلطة الحكومة المركزية أم لا؟ هل يقدم على هذا العمل أم لا؟ وفي النهاية، وبعد حسابات، أصدر الحكم. إذن، فالبحث هو أنه في خضم الدستورية، لم يكن أي من طرفي النزاع على مستوى المجتمع الإيراني يرى نفسه قادراً على السعي لتطبيق ولاية الفقيه على مستوى المجتمع. لكن الجميع كانوا يعلمون أن الحكومة المشروعة في عصر الغيبة هي حكومة تنبثق من ولاية الفقيه. وعلى هذا الأساس أيضاً، كان المراجع الذين لديهم نفوذ كلمة يبحثون المسألة أحياناً. نحن لم نحظ بمرجعية تامة إلا منذ عهد الشيخ الأنصاري فصاعداً. ومنذ هذه الفترة صار الفقهاء يصدرون أحكاماً ليقوموا بتصرفات، دون أن يسعوا إلى تنفيذ ولاية الفقيه. النزاع القائم في الدستورية هو أنه في ظروف لا نملك فيها الحاكمية المثلى ويتوجب علينا التعامل، ما هو أفضل أنواع التعامل؟ حين أضيفت المشروعة إلى المشروطة، كان الطرفان المتنازعان اللذان أرادا تسمية نفسيهما بالمشروعين، يوجهان تعريضاً للطرف المقابل، لكن الجانب الإيجابي من الأمر لم يكن أن هذه الحكومة المثلى هي ولاية الفقيه. بل كان تعبيرهم أن التعاون مع هذه الجماعة القادمة لا يقربنا من الشريعة بل هو أسوأ، والطرف الآخر أفضل لنسير معه، وكانوا يقولون إننا في سيطرتنا على السلطة المركزية وتعاملنا معها نريد منها أن تعمل وفق الشرع. هؤلاء الذين دخلوا هذا المجلس ليسوا بصدد الشريعة ولا يريدون أحكام الشريعة. وبالطبع، سأوضح في المرة القادمة أن السعي وراء أحكام الشريعة في تلك المرحلة لم يكن شيئاً يصب في المصلحة. المرحوم الآخوند منتبه لهذه المسألة. أي أنه حين لا توجد ولاية الفقيه، إذا أردت أن تلزم الحاكم داخل المجتمع بأن ينفذ الأحكام، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك.
دفع الأفسد بالفاسد واجب أكبر ثبوت باحث في الفلسفة والحقوق ثمة مسألة هي: هل كان المرحوم الآخوند يعتقد أصلاً بتشكيل حكومة إسلامية في عصر الغيبة وإمكانية ذلك؟ جوابي هو: كلا، ليس كذلك. أي أن أصل المسألة منتفٍ من وجهة نظره، سواء أراد الولي الفقيه تشكيل هذه الحكومة أم أي شخص آخر. سأقرأ لكم هذه العبارة من رسالة كتبها رداً على أهل همدان. لكن، بما أن لديّ مطالب أخرى، لن أتابع هذه المسألة كثيراً. أما إذا تقرر متابعة هذه المسألة بذاتها، ففيها مجال واسع للنقاش. يقول: "واعجباه! كيف نسي المسلمون، وخاصة علماء إيران، ضرورة المذهب الإمامي، وهي أن السلطنة المشروعة هي التي يتولى فيها تصدي أمور عامة الناس، ورتق وفتق أعمال كافة المسلمين، وفصل جميع المهام، شخصٌ معصومٌ معينٌ منصوبٌ منصوصٌ مأمورٌ من الله، كالأنبياء والأولياء، ومثل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، وأيام ظهور ورجعة حضرت حجت عليه السلام. وإن لم يكن الحاكم المطلق معصوماً، فتلك سلطنة غير مشروعة، كما هو الحال في زمن الغيبة، والسلطنة غير المشروعة قسمان: عادلة، كوزير المشروطة الذي يباشر الأمور العامة من العقلاء والمتدينين، وظالمة جابرة، كمثل أن يكون الحاكم المطلق فرداً واحداً مطلق العنان مستبداً برأيه. وبديهي أنه بحكم العقل الصريح، وبنصوص الشرع الفصيحة، تُقدَّم غير المشروعة العادلة على غير المشروعة الجابرة، وقد ثبت بالتجربة والتحقيقات الصحيحة والفحوص الشافية أن تعديات عهد الاستبداد لا تقل عن عشر تعديات عهد المشروطية، ودفع الأفسد والأقبح بالفاسد والقبيح واجب". مصدر هذه الجمل هو كتاب حياة الإسلام، الذي كتبه تلميذ الآخوند البارز بوصفه مجموعة رسائله وبرقياته، وجُمع بعد وفاة الآخوند بثلاث أو أربع سنوات أو في زمن حياته، وقد توفي المرحوم آقا نجفي قوجاني حوالي عامي 1321 و1320. وقد نقلت في المرة السابقة أيضاً أن آخرين نقلوا عن المرحوم الآخوند قوله: إنه منذ أن اضطر الإمام الحسن إلى الصلح مع معاوية، وحتى ظهور حضرت حجت بن الحسن صلوات الله عليهم، لن تقوم أي حكومة شرعية. هذا هو رأيه، وقد قلت إننا في مقام بيان الآراء. فمقام النظر والتحقيق والتأليف مقام، ومقام العمل والتنفيذ مقام آخر.
من الخمس إلى ولاية القضاء لكن بخصوص ما تفضلتم به من أن الفقهاء كانوا، في جميع الأحوال، وكلما سنحت لهم الفرصة، يطرحون آراءً حول مسألة ولاية الفقيه وممارسة الولاية، أود أن أعرض مسألة بسيطة. سأقرأ عليكم الآن من كتاب "معجم جواهر الكلام" الأجزاء المتعلقة بمصرف سهم الإمام. من المؤكد أن الحاج آقا (بارسانیا) قد قلب صفحات الجواهر أكثر مني بكثير، واطلع على كتب العلامة، والمحقق، والشيخ الطوسي، وابن إدريس وغيرهم، ويعلم أنه حتى ما قبل العصر القاجاري، يصعب علينا أن نجد حتى ثلاثة من كبار الفقهاء يعتقدون بضرورة تسليم قسم من الخمس، وهو سهم الإمام، إلى المجتهد. وهذا ما ترونه في كتاب التهذيب للشيخ الطوسي، وكتاب السرائر لابن إدريس، وكتاب الجواهر نفسه. فالجميع متفقون على أن فقهاء أمثال الشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وابن إدريس وغيرهم لم يكونوا يجيزون أصلاً تصرف الفقيه في سهم الإمام. وكلما عدنا بالزمن إلى الوراء، نجد في كتب المحقق والعلامة والشهيد وغيرهم أيضاً، إن لم يكونوا يفتون بهذا الوضوح والصرامة بعدم الجواز، فإن رأيهم لم يكن بأي حال من الأحوال يذهب إلى أن سهم الإمام يجب تسليمه إلى المجتهد. إلى أن بدأت هذه الفتوى بالظهور تدريجياً منذ أوائل العصر القاجاري، والقائلة بأن قسماً من الخمس، وهو سهم الإمام، يجب دفعه إلى الفقيه. ومع أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار، فإن سؤالي هو: لو كان جميع هؤلاء الفقهاء، بمن فيهم الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، وابن إدريس، والعلامة، والمحقق، والشهيد، وحتى فقهاء العصر الصفوي، يعتقدون بحاكمية الفقهاء، لكان عليهم على الأقل أن يفكروا في توفير دعم مالي لهذه الحكومة. أما الكلام المنقول عن صاحب الجواهر، ونحن بالطبع لا نقصد الإساءة إليه، لكن ينبغي أن نرى ما مراده من ولاية الفقيه التي يقول عنها إن من لا يقبل بها لم يتذوق طعم الفقه. لا بد من تحديد النطاق. فإذا كانت ولاية فقيه لا يحق لفقيهها حتى أخذ الخمس نيابة عن الإمام، فمن المؤكد أن الشيخ الطوسي يعتقد بهذه الولاية للفقيه. لكن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي وابن إدريس وكثيراً من الفقهاء الآخرين يقولون إن الفقيه لا يجوز له التصرف في سهم الإمام أصلاً. فأي ولاية فقيه هذه؟ لنعد إلى المباحث المتعلقة بالمرحوم الآخوند. ونسأل: كيف كان يفكر المرحوم الآخوند بخصوص موضوع القضاء؟ تعلمون أننا حين نتوجه تقليدياً إلى الفقه التقليدي، نستطيع القول تقريباً إن أكثر الفقهاء يطرحون في كتاب القضاء هذا البحث القائل بأن المجتهد وحده هو من يستطيع تولي أمر القضاء. هذا موجود في كتبنا الفقهية. وإن كنا نرى أحياناً اعتراضاً على هذا التصور مفاده أنه وإن كان الفقيه وحده هو من يستطيع تولي أمر القضاء، إلا أن الفقيه لا يملك الإذن والحق في أن يلزم الآخرين بوجوب الرجوع إليه شخصياً لأمر القضاء. لكن ماذا يقول المرحوم الآخوند في هذا المجال؟ لفهم نظرية المرحوم الآخوند، يلزمني أن أشير إلى وضع القضاء في الفترة المقارنة لظهور حركة المشروطة. في الفترة المقارنة لحركة المشروطة، كانت لدينا سلسلتان من المحاكم: المحاكم الشرعية والمحاكم التابعة لجهاز السلطنة. كانت المحاكم الشرعية تصدر أحكاماً عادة في مجال الحقوق الخاصة مثل البيع والشراء والطلاق والزواج والإجارة وغيرها، وبالطبع كان بعض هؤلاء الحكام الشرعيين يصدرون أحياناً أحكاماً جزائية أيضاً، مثلاً بخصوص البابية أو من كان يُعرف بالمفسد في الأرض وأمثال ذلك. وبالطبع كانت لهذه المحاكم الشرعية مشاكلها، وكان الفساد قد تسرب إليها، وقد قال المرحوم آية الله البروجردي مرة بنظرة واقعية: إن المشروطة أوجدها أمران، أحدهما ظلم القاجاريين، والآخر الناسخ والمنسوخ الذي كانت تصدره المحاكم الشرعية. ومصدر هذا الكلام مقابلة للسيد معادي خواه. على أية حال، كان قسم من الأعمال المتعلقة بأمر القضاء يتم عبر المحاكم الشرعية التي كانت تحت إشراف الروحانيين والمجتهدين. والقسم الآخر من الأعمال القضائية الذي كان يتناول الأمور السياسية والاجتماعية وغيرها، كان يتم عبر محاكم أنشأها جهاز السلطنة، وفي الواقع يمكن القول إنها لم تكن محاكم بقدر ما كانت قمعاً. وفي نهضة المشروطية، كان أول مطلب طرحه الناس هو المطالبة بـ"عدالتخانه"، أي المطالبة بتشكيل مؤسسة يلجأ إليها الناس بشكاواهم إذا ما تضرروا من أجهزة الظالمين أو غيرهم أو من ذوي النفوذ. وبعد أن ترسخت المشروطة وأصبحت البلاد دستورية، كان من جملة الأعمال التي تمت في البداية تشكيل "عدلية" مستقلة عن تلك التي كان يديرها الروحانيون ومنفصلة عن المحاكم التي كانت للسلطنة. هذه العدلية بطبيعة الحال لم تكن مرضية لجهاز الاستبداد، كما عارضها الروحانيون والشيخ فضل الله النوري بشدة، حتى أن الشيخ فضل الله صرح قائلاً: هذه ليست عدلية، بل ظلمية.
من جملة ما قامت به هذه العدلية، التعامل القاسي مع الذين كانوا يتحركون ضد الدستور، ومنهم عدد من المنتسبين الذين أثاروا اضطرابات في أنحاء المدينة ثم هاجموا بيت زرادشتي مسكين وقتلوه وسرقوا أمواله. هذه العدلية، ورغم كل الضغوط التي مارسها البلاط ورجال الدين المرتبطون به، حكمت بضرورة محاكمة هؤلاء الأفراد ومعاقبتهم، وقد تم ذلك بالفعل. فعلى سبيل المثال، أُلقي القبض على السيد محمد اليزدي، شقيق السيد علي آقا، وسُجن رغم مكانته الدينية، الأمر الذي تحول بدوره إلى ذريعة بيد معارضي الدستور الذين صاحوا: يا للعجب، تعالوا وانظروا ماذا فعلوا! ومن ناحية أخرى، لم يصدر عن علماء ومراجع التقليد المؤيدين للدستور أي اعتراض على الإطلاق على أداء هذه العدلية التي لا تخضع لإشراف المجتهدين، ومع ذلك تمارس الأعمال القضائية وتصدر أحكاماً جزائية. المثير للاهتمام أنه بعد ذلك، وفي الأحداث التي تلت ونشب فيها النزاع بين الدستوريين ومحمد علي شاه، كتب محمد علي شاه رسالة إلى مراجع النجف قال فيها إن هؤلاء الدستوريين هم حفنة من البابيين والمفسدين ويجب قمعهم. الرسالة التي كتبها المراجع الثلاثة العظام، وهم الآخوند الخراساني والحاج ميرزا حسين الخليلي والشيخ عبد الله المازندراني، إلى الشاه كانت أن مهمة تحديد مصير المفسد في الأرض والبابي يجب أن تتولاها العدلية الدستورية. أي على خلاف ما كان سائداً حتى ذلك الحين. فمن قبل، كان تحديد مصير البابي والمفسد يتم إما عن طريق المحاكم الشرعية أو المحاكم الحكومية. وهنا نرى أن هؤلاء المراجع الثلاثة العظام الذين يشكلون سند الدستور، يقولون إن مهمة تحديد مصير البابي والمفسد يجب أن تضطلع بها عدلية الدستوريين. لقد تجاوزوا هذه المرحلة أيضاً. لاحقاً، قام محمد علي شاه بالقمع ونسف أركان الدستور وواصل قمعه. ثم أصدر العلماء المؤيدون للدستور، ومنهم الآخوند وميرزا حسين والشيخ عبد الله، بياناً ضد الشاه، وكان من جملة مظالمه التي عددوها أنه أغلق المحاكم. هذه هي العبارة بعينها. والسؤال هو: أي محاكم أغلقها محمد علي شاه؟ فهو لم يغلق المحاكم الشرعية ولا المحاكم الحكومية. لقد أغلق محاكم الدستوريين، وهذا أيضاً في الحقيقة كان بمثابة ختم تأييد على المحكمة غير الشرعية التابعة للدستوريين.الجمعية الإقليمية لأذربيجان ومثال آخر على ذلك أن دُعاة المشروطة في أذربيجان كانت لهم تنظيمات واسعة باسم الجمعية الإقليمية. وكان لهذه الجمعية الإقليمية قسم عسكري وقسم قضائي وأقسام أخرى أيضاً. وهذا القسم القضائي، رغم أنه لم يكن تحت إشراف المجتهدين، كان يُصدر سلسلة من الأحكام القضائية. ومن جملة هذه الأحكام حكم نفي بعض رجال الدين الذين ناهضوا تيار المشروطة. واللافت للنظر في هذا المجال هو أن الآخوند يؤيد هذه الجمعية الولائية برمتها. حتى عندما أراد محمد علي شاه رهن الجواهر السلطانية وعقد معاهدة مع الروس والإنجليز لاقتراض المال، كتب المرحوم الآخوند رسالة وصرّح فيها ببيان مفاده أنه نظراً لعدم وجود مجلس شورى لدينا اليوم، فإن الجمعية الإقليمية هي بمثابة برلمان إيران، ويجب على برلمان إيران هذا أن يقرر ويمارس رأيه بشأن هذه المعاهدات التي يُراد إبرامها. وهذا التصرف من الآخوند يدل أيضاً على ما قلته. أي وضع ختم التأييد على ذلك الجزء من القضاء الذي لا علاقة له برجال الدين مطلقاً. وسأقرأ لكم جزءاً آخر لاحقاً.
لماذا يتناول النراقي مسألة ولاية الفقيه؟ حميد بارسانيا فيما يتعلق بأن المرحوم صاحب الجواهر يعبّر عن تلك العبارة، أو أن أصل ولاية الفقيه التي لم تكن لها في كتب الفقه باب مستقل أبداً، وأول من فتح باباً مستقلاً وبحث فيها هو جناب النراقي في "العوائد"، فإن السبب هو أن الاقتضاء الاجتماعي لم يكن يسمح بوجود باب مستقل في هذا المجال في كتب الفقه. لأن هذا يعني التصدي المباشر لمعارضة القوى القائمة، ولم يكن بالإمكان البوح به. لذا فإن هذا مما ينبغي تذوقه واستنشاقه، أي لا ينبغي أن تبحث عنه لتجده مباشرة، فهو لا يُوجد. أي لم تكن إمكانية التعبير المستقل عنه متاحة. ولكن أي باب تنظر فيه بخصوص الأمر الاجتماعي، تظهر هذه المسألة نفسها. من الناحية التاريخية-الثقافية، عندما يتشكل مجتمع شيعي وتنشأ إمكانية تحققه في مناطق مختلفة، بل وينجرّ إلى الفوضى حيث يمارس كل شخص في زاوية ما الولاية بحجة أنه يمتلكها، وتكون السلطة المركزية في طريقها إلى الزوال. ولهذا السبب فإن جناب النراقي في الدليل الذي يسوقه، يقول: الآن وقد صار الجميع يفعلون ذلك، يجب أن يتضح هل يحق لأي كان أن يفعل هكذا؟ هل يمكن فعل هذا بأي ثمن؟ هذه مسائل يجب أن تتضح وتُنقّح. لقد نشأت الآن ضرورة تاريخية للبحث فيها، وظهرت الأسئلة والشقوق والإشكالات الواحد تلو الآخر، ويجب طرحها. أما بخصوص الخمس، فكثيرون لم يكونوا يقولون بوجوب دفع الخمس. وحتى الآن يحتاط البعض ولا يأخذونه ولا يستخدمونه. وهذا لا علاقة له بولاية الفقيه. ففي زمن الأئمة المعصومين أنفسهم كانوا يأخذونه أحياناً ولا يأخذونه أحياناً أخرى، وكان الإمام الجواد عليه السلام يصرح أحياناً بأنهم يأخذونه ويقول أحياناً إنهم لا يأخذونه. لماذا لم يكونوا يأخذونه سابقاً؟ لأن أخذ الخمس نفسه كان أمراً سياسياً واجتماعياً. وما يستنبطه الفقيه من هذه الأخذ والترك، وفي وجوبه أو في ممارسته لتلك الموارد التي هي سهم الإمام وغيره وإلى غير ذلك، فالفتاوى فيه مختلفة. علاوة على أنه إذا كان الحديث عن أن ولاية الفقيه كانت حاضرة على طول التاريخ وأن آخرين منهم الشيخ المفيد يطرحون هذه المسألة، فهذا لا يعني أن الجميع كانوا يقولون بها بشكل مطلق وبالمعنى نفسه الذي يقولونه للإمام المعصوم. كانوا يقبلون ما خرج دليله، والخمس الذي كان أصله محل بحث ولم تتنقح أبعاده وخرج أحد أبعاده، لا يصح أن يكون دليلاً على التشكيك في كل المسألة وأصل المسألة، أي لا يمكن أن يُستشهد بما قيل عن الخمس على عدم وجود الولي الفقيه. وهناك موارد أخرى كثيرة. فالجهاد الابتدائي لا يجيزونه أيضاً. فهل هذا دليل على عدم ولاية الفقيه؟ كل أمر لا يستطيعون إثباته أو يثبتونه من جهة أخرى، قد يكون خارجاً عن المسألة.
حكم الآخوند هو حكم ولائي إذا كنّا نفتقد حضور المعصوم في زمن الغيبة، فإنّ الحديث عن هذا الأمر يرد في بعض أبواب الفقه بأدلّة مختلفة وبدرجات متفاوتة. فمثلاً، هل تقولون إنّ الفقيه مكلّف بأن يمارس الولاية، أم إنّ حياة الناس لا تكون مشروعة وشؤونهم الاجتماعية لا تكون مشروعة إن لم يأتوا إليه؟ هذان بحثان منفصلان. لكن تحقّق هذا النظام المعنوي حين يدخل ميدان الثقافة والحياة العامّة، فإنّ الحدّ الأدنى الذي يناقشه الشيخ الأنصاريّ في المكاسب، لا يتحقّق في عصر الغيبة بغير تحقّق حاكمية مدارها الفقاهة والعدالة، ولا مشروعية له بغير ذلك. ولكن ما العمل حين لا يكون مشروعاً؟ هل يجب الحفاظ على النظام الاجتماعيّ والواجبات النظاميّة أم لا؟ إذا كان الآخوند الخراسانيّ يقول اليوم بوجوب حفظ الواجبات النظاميّة، وأنّ هذه الواجبات ينبغي أن تكون محاكم وقضايا وتسير في هذا المسار، وهو يقول في الوقت نفسه إنّ هذه ليست حاكمية شرعيّة، ويتحدّث من باب دفع الأفسد بالفاسد، فهل تثبت المشروعية بهذه المسألة، أم أنّنا في مقام تقدير نقول فيه: إن لم يتحقّق هذا، بقيت مرافعات الناس معلّقة، والبديل الموجود ينطوي على ظلم أكبر فيلجأ إليه؟ هنا، حين يقول الآخوند الخراسانيّ نفسه إنّ هذا الأمر يجب أن يكون وحكمه نافذ، فهذا بذاته حكم ولائيّ، وحين يقول للآخرين افعلوا هذا ولا يفعلون، فيجب إنفاذ هذا الحكم في الحدود التي له فيها ولاية ونفوذ. وإن لم يكن حكماً ولائيّاً، فإنّه يُنفَّذ من باب سلوك عقلانيّ يقتضي، في ظروف لا تستطيع فيها بلوغ الكمال، أن تحافظ على الواجبات النظاميّة. يعبّر الشيخ فضل الله وغيره والمرحوم السيّد محمد كاظم اليزديّ صاحب العروة عن مسألة شبيهة بهذه. ما أودّ قوله هو أنّ ما حدث في المشروطة كان الطرفان يتنازعان حول هذا الأمر، أي ما الذي ينبغي فعله في ظروف لا ولاية للفقيه فيها وفي مواجهة السلطة القائمة؟ يقول المرحوم الشيخ فضل الله: إنّني اصطحبتُ هؤلاء الذين كانوا في النجف وكربلاء وأقنعتهم بالمشروطة. أي أنّه في البداية كان يسايرهم. لكنّه يخلص بعد ذلك إلى أنّ هؤلاء الذين جاؤوا أو هم في طريقهم، يتصرّفون بأسوأ ممّا كان عليه السابق بكثير. طبعاً قد يكون مخطئاً في تفكيره. لا أريد الخوض في هذا. لا أقصد الدخول في نزاعات عصر المشروطة، وإلّا لأتيتُ بالرسائل واللوائح وقرأتُ أجزاءً منها. ما أرمي إليه هو أنّ ما كان سائداً في عصر المشروطة هو رؤيتان بشأن أيّهما أولى بالاتباع في الظروف التي لا نستطيع فيها تحقيق حاكمية المعصوم، بالنسبة للظروف القائمة، من باب دفع الأفسد بالفاسد. وحين يعبّر الشيخ فضل الله أو دعاة المشروعة، أو حين يعبّر المرحوم السيّد محمد كاظم اليزديّ عن رأي آخر في مقابل دعاة المشروطة، فإنّه يفكّر في هذا الإطار. أي أنّه لا يسعى إلى الوقوف في وجه دعاة المشروطة ليقول إنّ الحاكمية المنشودة في عصر غيبة الإمام المهديّ يجب أن تتحقّق. فمشروعتهم ليست هي الحكومة المشروعة في زمن الغيبة. الحكومة المشروعة التي يتحدّثون عنها تعني أنّ هذا الحاكم الظالم غير المشروع يجب أن يعمل في إطار الشريعة. كان بحثي يدور حول ما إذا كان بوسعنا دائماً أن نعمل في إطار الشريعة، أم أنّ التزاحمات الاجتماعيّة التي تنشأ تمنعنا أحياناً من العمل بتمام الشريعة في كثير من الأوقات؟ وفي مقابل ذلك الخطر الذي كانوا يشعرون به تجاه البابيّة والتيّارات التي كانت تخرج كليّاً من الفضاء الدينيّ، كانوا يصرّون على ضرورة العمل بالشرع، ويرون أنّ هؤلاء لا يعتقدون بالشرعيّة.
لماذا يعارض الآخوند؟ من المسائل التي يطرحها المرحوم الآخوند هي أننا لا نستطيع الآن إقامة حكومة شرعية، لأننا إن أقمناها، (وهذه إحدى المسائل التي كنت أظن أننا سنتحدث عنها الآن وقد كنت صنفتها)، فإن الآخرين سيريدون الرد بالمثل، ثم كيف ستتعامل الدول الأخرى مع المسلمين ومع الشيعة؟ ويضرب أمثلة يقول عنها جناب الأستاذ ثبوت إنها حالاتٌ أدى عدم العمل بها إلى نتائج إيجابية من الناحية التاريخية. هل تفضي هذه المسألة إلى نتيجة مفادها أننا لو كنا نستطيع لما كان ينبغي أن يكون الولي الفقيه وولاية الفقاهة حاضرة، أم أنه حين تدور السلطة على محور الفقاهة، يكون الولي مكلفاً بأن ينظر إلى هذه المسائل بنحو منهجي؟ أي حين يلتزم ولي المجتمع بالمعاهدات الدولية ويعقد المواثيق الدولية، فهو في الواقع يدير الأمر وهذا من باب التزاحم. فباب تنفيذ هذا الأمر الذي نريد تنفيذه الآن، ينبغي أن نلتفت إلى آثاره في المجتمعات الأخرى. ولذلك فهو يدير هذا الأمر من باب الحكم الحكومي. هذه نقطة طُرحت بأننا نعاني من مشكلة في مرحلة التنفيذ. ففي ظروف يكون لديك فيها شخص مثل محمد علي شاه أو مثل المجلس، أياً كان من يأتي منهم، فعليك أن تمنحه سلطة التنفيذ، ولا يمكنك أن تلزمه بأن ينفذ الشرع كله حذو النعل بالنعل. أي أنهم إزاء تلك العدولات عن الشريعة التي كانوا يرونها من جانب المشروطة، كانوا يصرون على أننا نريد سلطة تعمل على أساس الشريعة. وهذا الإصرار منهم على العمل على أساس الشريعة هو محل انتقاد المرحوم الآخوند، وهو انتقاد صحيح. فلا يمكن العمل تماماً وفق الشريعة. ينبغي أن تكون هناك قدرة على المناورة في هذه المسألة. ينبغي أن تُوزن مصالح الأمة الإسلامية بعقلانية وأن تُراعى بعض الأمور، ناهيك عن أن حدوداً أخرى مثل المداراة والتسامح والأمور التي تقع في إطار قواعد الشريعة، ينبغي أن تُنفذ. هذا هو محل النزاع في هذه المرحلة، وهو أننا لا نستطيع التنفيذ، وفي الإطار القائم الذي لا نستطيع فيه التنفيذ، يمكن أن تكون لنا مشاركة تنافسية مع السلطة القائمة. أي أن العلماء حتى ما قبل العهد القاجاري كانت لديهم مجرد مقاومة سلبية ولم يشاركوا بأي شكل من الأشكال. أما الآن وبفعل الظروف الاجتماعية والإمكانات والقدرات التي نشأت في الساحة الثقافية والمجتمعية، فهم يشعرون أن وقت الذهاب والبقاء على الهامش وعدم المشاركة مطلقاً قد ولى، وأن بوسعهم أن يشاركوا وأن يحدوا من هذا الأمر بعض الشيء، وهنا يُطرح نقاش العدالة خانه. فحركة المشروطة في الواقع هي في البداية حركة العدالة خانه، لكن حين تتقدم حركة العدالة خانه هذه، تنشأ الخلافات حول ما هو مصداق هذا التحكم؟ الخلافات بين الطرفين، في رأيي، ليست خلافات فقهية ومبدئية. لا أقول إنه لا توجد خلافات بين الكاظمين، أي محمد كاظم الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي، لكنها تدور غالباً حول تشخيص المصاديق التي يُراد لها أن تتحقق. هنا يطرح الميرزا النائيني نقاشاً ويحس بإحساس. إحساس كان يحمله قبله المرحوم السيد جمال الدين الأسدآبادي. إحساس يُنقل على لسان ملكم خان وإحساس يحسه ناصر الدين شاه. ذلك الإحساس هو: لماذا تريدون أن تتحكموا بحكام الظلمة، تعالوا أنتم وضعوا الحاكمية الشرعية والولاية الاجتماعية، بدلاً من أن تدور على محور شخص لا تقبلونه وتريدونه أن يعمل في إطار الشرع، على محور شخص تقبلونه وتريدونه أن يعمل في إطار الشرع. المطلقة لا تعني أن يكون مستبداً، المطلقة تعني أن يكون منفذاً للشريعة وأن تجلسوا عليه وتراقبوه. طبعاً، ما هو نوع الرقابة على منفذ الشريعة، هل هي استصوابية أم... هذا هو محل البحث نفسه. أي أن نموذج الرقابة ينبغي أن يكون محدداً أيضاً في إطار البحث. اقتراح الميرزا النائيني على الآخوند الخراساني هو: الآن وقد نشب هذا النزاع في النجف وامتد إلى المجتمع الإيراني كله، تعال أنت واجلس على هذا المسند، فتُحل جميع النزاعات. وتنتهي النقاشات حول ما إذا كانت مشروعة أو أن محمد علي شاه يعمل بشكل أفضل، أو أن قوماً يقولون إن المجلس يعمل بشكل أفضل، لأنهم يرون كليهما غير مشروعين في ذاتهما. فالمشروعة خواه يرون ذلك (محمد علي شاه) مشروعاً قياساً إلى المشروطة خواه. والمرحوم الآخوند يسوق بدوره استدلالات على أننا لا نستطيع العمل، ويمكن التفكر والتأمل في هذه الاستدلالات. يحتمل أن يكون الآخوند على صواب والسيد جمال على خطأ. ويحتمل أن القدرة على أن يُقدم هو على ذلك كانت لتكون أفضل. هذه أمور يمكن أخذها بعين الاعتبار.
قصة لقاء الإمام (ره) وآية الله الحكيم حتى بعد عدة عقود، كان تلامذة الآخوند يصرون على أننا لا نستطيع، لا أنهم لا يصرون على أصل عدم وجود ولاية للفقيه. وفي هذا الحوار الذي أُعيد نشره مؤخراً بين الإمام الراحل وآية الله الحكيم، نجد هذا النقاش نفسه. حين يذهب الإمام إلى النجف للقاء آية الله الحكيم، ويدور حديثه معه حول أوضاع إيران وهذه المسائل، يكون حديثه أن تعالوا وتولوا قيادة هذه الحركة الاجتماعية، يخشى السيد الحكيم من عدم مساندة الناس وأن الأمر غير ممكن. كلامه يدور حول هذا. يقول الإمام إن الناس سيساندون. إنها مسألة عامة. عندما تقدمنا، رحبت الثقافة بهذا الموضوع كثيراً. انظروا أين يكمن الخلاف؟ هل هو ممكن أم غير ممكن؟ هذه هي المسألة التي كانت محط نزاع في المشروطة، ويجب أن يكون مدار البحث حول تشخيص أيٍّ من هذين الأمرين، وهل يمكن النجاح في العمل والتنفيذ. أي أنني أشرت في الجلسة السابقة إلى أن الولاية المقيدة تستلزم أيضاً نوعاً من الحاكمية المتناسبة معها. وإلا فلن تسمح أي حاكمية بأن يكون قسم القضاء بيد جهات أخرى وقسم بيد جهة أخرى. كيف يمكن تنفيذ هذا وكيف تنشأ القدرة التنفيذية له؟ هل هذا ممكن دون حضور الثقافة العامة أم لا؟ هل بلغت ثقافة المجتمع الشيعي والإيراني هذا المستوى الذي يمكنها من صيانة هذا الأمر أم لا؟ هذا نقاش قائم منذ زمن السيد جمال، وهو يحتاج إلى تحليل اجتماعي لا إلى تحليل فقهي. إنه يتطلب معرفة ثقافية ومعرفة بالقدرات الموجودة. ثم بعد أن نشكلها، إذا جلس إمام معصوم أو نائب الإمام على عرش السلطة والولاية، فليس بالضرورة أن تكون حاكميته هي الحاكمية المثالية للإمامة أو النيابة. كما هو الحال حين يصل الإمام علي عليه السلام إلى السلطة، كيف يكون الأمر؟ هل أوصل المجتمع الإمام علياً عليه السلام إلى السلطة بصفته وصي رسول الله وبما تراه فيه الشيعة؟ بالطبع يرى الإمام علي عليه السلام حقه الشرعي في هذا. لكن حين يأتونه يرونه خليفة كسائر الخلفاء. حتى في موضع الإفتاء لا يرون رأيه مصيباً. حين يقول لا تصلوا صلاة التراويح، يعملون بسنة الخلفاء السابقين، فكيف يتصرف الإمام علي عليه السلام هناك؟ هل يترك هذه القدرة على السلطة التي تمكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح المجتمع وما يطرحه من مطالب؟ في المشروطة الأمر كذلك أيضاً. يجب التقدم بالقدر الممكن. كيف أنه حين تم إيقاف محمد علي شاه بالمجلس في المشروطة، لماذا لا ينبغي المجيء؟ المولى يعمل هناك. لكنه رغم أن المجتمع لا يراه كإمامة شيعية، يستفيد من هذه القدرة ويعمل، قدر الإمكان. خمس سنوات من الخلافة والنزاع والصراع وكل تلك المسائل قائمة، وخلافة علي عليه السلام نفسه أو سلطة علي عليه السلام هي نموذج للشيعة في مستقبل التاريخ. أي أنكم حتى لو لم تستطيعوا تطبيق ما هو مثالي، يجب ألا تكونوا سلبيين محضاً أبداً، بل جئتم بصورة تنافس، تقدموا في حدود التنافس الإيجابي، وكلما استطعتم التقدم أكثر تقدموا، وبالقدر الذي تستطيعون ممارسته مارسوه.
أحد الإشكالات التنفيذية في مسألة الحكومة الإسلامية من قبل الناس هو أن العلماء حين يصلون إلى السلطة، تُغض أبصارهم عن الفساد الموجود في السلطة.
لقاء لم يُكتب له أن يتمّ أكبر ثبوت تجرّنا هذه المباحث إلى قضايا الساعة، ولستُ راغباً في أن يُخاض هنا في هذه الميادين وأن نأخذ على أداء فلان وفلتان. ذلك أن أخذ المآخذ على أداء فلان وفلتان يتطلّب فرصة أوسع من هذه. إن كنتم تعتقدون أن أعين العلماء لم تُغضَ حقاً على الفساد، فإننا نقول قبلنا. لكن إن قلتم إنها أُغضِيَت، فإننا نقول إن المرحوم الآخوند قال هذا بعينه. مع أن هذا المقام ليس مقام متابعة هذا البحث. أي أننا لسنا بصدد نقد حكومتنا. لم نأتِ إلى هنا لنقول إن أعين العلماء الحاكمين اليوم قد أُغضِيَت على الفساد. والحمد لله أن مثل هذا الأمر لم يحدث، ولحسن الحظ أنهم جميعاً بُصراء واعون. لو أردنا أن ندخل في هذه الخصومات، لانتهى بنا المطاف إلى مواضع ليست بالجذابة. لذا أرى أن نحافظ على مستوى البحث النظري وألا نتجاوز مجتمع الآخوند إلى هذا الجانب. أنا بالطبع لا أتهم الشيخ فضل الله بالكذب، لكن خلافاً لما قاله الدكتور بارسانيا نقلاً عنه، لديّ كلام آخر ولديّ مصدره أيضاً. الشيخ محمد حرز الدين هو أحد العلماء الذين تتلمذوا على الآخوند وأدركوا حقبته، وله كتاب بعنوان معارف الحجاز. ينقل في هذا الكتاب مسألة طريفة. هو نفسه لم يكن مشروطهایاً أصلاً، ولم يكن إيرانياً، وكان عموماً شخصاً غير طريف. يقول إن أحد العلماء من تلامذة الآخوند ألحّ عليّ كثيراً كي يجرّني إلى ساحة نشاطات الآخوند السياسية، وكانت هذه النشاطات السياسية في نطاق المشروطهخواهي، والطريف أن هذا الملا متى مات؟ لقد مات قبل المشروطة بعشر أو اثنتي عشرة سنة. معنى هذا الكلام أن الآخوند، منذ الحقبة التي لم يكن فيها مرجعاً وكان الميرزا الشيرازي هو المرجع، ومنذ الحقبة التي كان فيها ناصر الدين شاه على رأس الحكم وكان زعيم متنوري إيران، الجناب ملكم خان، يسعى وراء ولاية الفقيه، ومنذ الحقبة التي كان فيها زعيم الثوريين الإيرانيين، وهو السيد جمال، يسعى إلى تحقيق مفهوم ولاية الفقيه، منذ تلك الحقبة كان الآخوند يسعى إلى أن تُقام المشروطة في البلاد. وعليه، فإن قول الشيخ فضل الله إنه هو الذي اصطحب علماء النجف معه، ناشئ عن حسن ظنه بنفسه. أما واقع القضية فليس كذلك. أعني أن قصة الآخوند واستنارة الآخوند أوسع بكثير من أن يكون مجرد واقع تحت تأثير كلام الشيخ فضل الله. أما النقطة الأخرى، فبالنظر إلى أن اسم الميرزا الشيرازي قد ورد، وأشاروا هم أيضاً إلى اسم الميرزا الشيرازي، فينبغي أن أقول إن الميرزا الشيرازي هو من الحالات الاستثنائية جداً في التاريخ. أي أنه حالة حين يُصدر ذلك الرجل حكماً، يمتثل حتى الحرملك الشاهي لحكمه. حتى أن ناصر الدين شاه حين يذهب إلى حرملكه ويقول هاتوا النرجيلة، تقذف أنيس الدولة، جاريته المدللة، النرجيلة وتقول إن الآقا قد حرّم النرجيلة. فحين كان له مثل هذه السلطة في حرملك السلطان ميرزا، فلكم أن تروا أي سلطة كانت له في المسجد. لكن مع ذلك، فإن هذا الميرزا نفسه الذي له مثل هذه القدرة والسلطة وقد رآها بنفسه، يكتب له السيد جمال الدين الأسدآبادي قائلاً: يا سيدي، أنت الذي تملك هذه القدرة، استأصل جذور الفساد! ويبذل ملكم خان كل ذلك الجهد ويقول: يا سيدي، أنت الذي تملك هذه القوة، استأصل جذور الفساد وتعالَ وتولَّ السلطة بنفسك. تعالَ وشكّل حكومة دينية أصلاً. لكن جواب الميرزا الشيرازي كان سلبياً. ينقل آية الله السيد محمد حسيني همداني في مقابلة له نقطة طريفة عن المرحوم النائيني. أظنه صهر النائيني أيضاً. يقول نقلاً عن المرحوم النائيني: كنت على اتصال بالسيد جمال الدين منذ أن كان في إيران وأنا كنت أدرس في أصفهان. وبعد ذلك حين ذهبت إلى سامراء وكنت في محضر الميرزا الشيرازي، جاء السيد جمال الدين وطلب مني أن آخذ له موعداً خاصاً مع الميرزا. وأنا، بسبب صداقتي مع السيد، قبلت. من الطبيعي أن السيد يريد أن يقول للميرزا نفس هذا الكلام. نفس الكلام الذي كتبه في رسائله وفي عروته الوثقى وقال فيه: يا سيدي، أسقط بساط الظلم وشكّل حكومة شرعية. لكن الميرزا الشيرازي لا يقبل حتى لقاء السيد ويقول: كلا، لا أستطيع أن أكون صاحب كبّادة للسيد جمال الدين. هذه هي العبارة بعينها. السيد جمال الدين يفكر في تشكيل حكومة إسلامية، لكن الميرزا الشيرازي يقول: كلا، لا أستطيع أن أكون صاحب كبّادتك.
دعاة المشروطة، دعاة المشروعة، دعاة ولاية الفقيه نقطة أخرى وهي أنه كما أسلفت، ليس لدينا في المشروطة جبهتان فقط، إحداهما جبهة محمد علي شاه ودعاة المشروعة والأخرى جبهة دعاة المشروطة. كانت هناك جبهة ثالثة لم تكن جبهة ضعيفة، وهي جبهة دعاة ولاية الفقيه ودعاة الحكومة الشرعية. الملا قربانعلي على رأس هذه الجبهة الداعية للمشروعة بوصفها حكومة شرعية. أي أنه على رأس حركة ظل هو نفسه حاكماً شرعياً طوال 50 عاماً. وليس هو فحسب، بل إن السيد عبد الحسين اللاري يسعى أيضاً لتشكيل حكومة شرعية وقد شكل حكومة شرعية بالفعل. ولكن كما قلت، فإن الآخوند لا يقبل أياً من هاتين الحكومتين الشرعيتين.
جبهة الجميع حميد بارسانيا أنا أيضاً أوافق على أنه كانت هناك ثلاث جبهات في المشروطة. غير أن الجبهة الثالثة هي جبهة الجميع. بمعنى أن لدينا آخوند كتاب القضاء وآخوند حاشية المكاسب الذي يقبل أصل وجود ولاية الفقيه ولو بنطاق محدود، لكنه يقول إنها غير قابلة للتحقق. غير قابلة للتحقق في مقام التنفيذ. السؤال هنا هو: هل هي غير قابلة للتحقق حتى زمن الإمام صاحب الزمان أم أنها غير قابلة للتحقق في ظروف ذلك اليوم؟ كونها غير ممكنة في ظروف ذلك اليوم أمر مسلم، أما أن نطلق عدم إمكانية التحقق حتى زمن المعصوم، فهذا محل نقاش. أنا لا أقبل الاستناد إليه بشكل مطلق. وفي إحدى الحالات التي أُلّف فيها الكتاب، علّق عليها السيد ثبوت بنفسه في الحاشية قائلاً إنها كثيرة التصحيف ولها أشكال مختلفة، وقد تأنى هو نفسه في مسألة الاستناد تلك. لكن النزاع الرئيسي في الكاظمين كان على عموم إيران، ونزاع المشروطة هو هذا بعينه. لا أحد من هؤلاء في هذا النزاع يتحدث عن تطبيق ولاية الفقيه. بل إنه بسبب ظهور القابلية لتحققها على المستوى العام وفي الثقافة، كان جناب النراقي قد كتب هذه المسائل من قبل. لأنه رأى أن هذا في هذه الظروف يخلق الفساد بنفسه. عندما تريد أن تنقل مسألة تطبيق ولاية الفقيه إلى مكان ما، فإن جميع آفات السلطة تكون موجودة فيه. خاصة عندما لا تكون هناك مشاركة جماعية ومنتظمة فيه.
ولاية الفقيه حق للشعب والمجتمع من المسائل التي يتضمنها الكتاب أن الأستاذ ثبوت، بحكم سابقته وعلاقاته ببيوتات فقهاء المشروطة، على دراية جيدة بالمسائل والتنافسات والتيارات الموجودة داخل هذه البيوتات. وهو شبيه بما طرحه ابن خلدون، أي مسألة الأجيال وأبناء الذوات. فحيثما وُجدت السلطة، توجد هذه المسائل. وعندما نتجه نحو السلطة، قد ينشأ نوع من الفساد بين بعض رجال الدين. في بحث ولاية الفقيه، ينبغي الانتباه إلى أن هذا البحث ليس بحث ولاية الحوزة ورجال الدين. إنه حق للشعب وحق للمجتمع في أن يستفيد من الفقاهة والعدالة. فالفقاهة والعدالة ليستا مِلكاً ولا مُلكاً للفقيه حتى يقول: أريد أن أتولى أو لا أريد، أو أمنحها... إلخ. إن استطاع، فهذا واجبه وعليه أن يأتي به ويصونه، وعلى المجتمع أن يسعى إليه. فإن لم تنظموا هذا الأمر، ولم يراقبه المجتمع ولم يحققه، كانت الحاكمية في يد خان قاجار أو خان آخر، أفلا يلحق الضرر حينها بالمؤسسة الدينية؟ بل إن الضرر يكون أشد في ذلك الوقت. لقد نُقل أن ثمة مشكلتين أدتا إلى نشوء المشروطة، إحداهما تعود إلى مسائل القضاء التي كانت قائمة، وجزء كبير من هذه القضايا كان بسبب سيطرة الخانات المحليين في ظل ضعف الحاكمية المركزية، وكانوا إن وجدوا رجل دين طلبوه وأغروه، بل ومنحوه لقب رجل دين ونصبوه، وأخذوا منه توقيعاً باسم الولاية. عندما كانت السلطة بأيديهم، كانوا يصنعون الآخوند ورجل الدين، ويختلقون الفقه ويبتدعون المذهب. وكانت هذه الظروف قائمة، وهذا ما دفع الأستاذ النراقي إلى الكتابة عن ولاية الفقيه، لأن كل أحد من كل حدب وصوب كان يقوم بهذا العمل، وكان صاحب القرار في المركز هم الخانات، وباسم شريعتمداري يأتون بمن لا شريعة له. إذن، هذه الآفات ليست غائبة في تلك الظروف، وليس الأمر مقتصراً على أن هذه الآفات لا تظهر إلا في ظل حكومة رجال الدين. لذلك، إذا أردنا الخوض في هذا، علينا أن نرى ما الذي أنجزته ولاية الفقيه وما هي الأضرار التي لحقت بها في سياقاتنا ومحاسباتنا ومسائلنا الثقافية والاجتماعية في تاريخنا المعاصر. ثم ينبغي النظر في الأضرار القائمة ومعالجتها. هذا هو المسار التالي الذي يجب أن يُسلك. لقد كان المرحوم الشيخ الأنصاري قاضياً في شوشتر، فتركها ورحل، لأنه في الليلة التي كان يقضي فيها، ضُغط عليه ليحكم بكذا وكذا. كم من إنسان مثل الشيخ الأنصاري يترك كل شيء ويرحل؟ عندما تكون السلطة حاضرة في المجتمع بهذه الصورة، فإن أي إنسان، حتى لو كان عالماً حقيقياً بالشريعة، سيعمل تحت هذه الضغوط والإغراءات.
ماذا أراد السيد جمال ولماذا عارضه الميرزا؟ أكبر ثبوت كتابات السيد جمال الدين في متناول اليد. لا شك في أنه كان يسعى لإطلاق ثورة إسلامية وكان ذا فكر مناهض للغرب. أي ينبغي أن تنظر إلى السيد من جهة في ساحة مناهضة الاستبداد الداخلي، ومن جهة أخرى في ساحة معارضة الاستعمار، ولا سيما الاستعمار البريطاني. ولهذا السبب بالذات يواجه شتى أنواع المشكلات داخل إيران، وفي النهاية يُخرجونه من البلاد بذلك القدر من الإهانة وعدم الاحترام في حرم عبد العظيم الحسني. وحيثما ذهب خارج إيران، من الهند ومصر إلى سائر الأماكن، يتدخل الإنجليز ويسعون إلى طرده. إذن فموقفه السياسي واضح: إنه ضد الاستبداد وضد الاستعمار. ومن جهة أخرى هو يؤمن بشدة بحاكمية الإسلام، لكن ليس إسلاماً ينحصر نطاقه في فرقة معينة. لكنه على كل حال يعتقد أن على المسلمين أن يبلغوا اتحاداً كي يستطيعوا بهذا الاتحاد الوقوف في وجه الغرب. فضلاً عن أنه يرى تخلف المسلمين في ساحة العلم والثقافة وغيرهما... ويتمنى أن يتقدم المسلمون علمياً وثقافياً أيضاً. ومن جهة أخرى كان يتصور أنه لو تولى مرجع التقليد الحكم وتولى الرئاسة الروحية، فستتحقق مطالبه هذه، وكما استطاع في قضية الريجي أن يرغم أنف الاستعمار والاستبداد ويُحقّق كلمة الناس، فبإمكانه ذلك في قضايا أخرى أيضاً. وهو بهذا التصور يدخل الميدان ويكتب الرسائل باستمرار إلى الميرزا الشيرازي ويرسل الرسائل، وفي النهاية يذهب إلى سامراء ويقول للميرزا النائيني: خذ لي موعداً نصف ساعة كي أتحدث مع الميرزا. فيعارض الميرزا ذلك. لأن الميرزا وإن كان يعتقد بمناهضة الاستعمار والاستبداد، بل ويعتقد باتحاد المسلمين، إلا أنه لا يعتقد بوجوب أن يكون هو على رأس حكومة ويحقق هذا الهدف. مع أنه يجلس في أعلى ساحة للسلطة ويعلم أن الحكم الذي أصدره يُنفذ حتى في حرم الشاه.
لا ينبغي تأجيج الخلافات المذهبية هذا الكتاب (الآخوند الخراساني وتلامذته) نُشر بشكل غير رسمي قبل حوالي 15 عامًا. في ذلك الوقت، لم تكن هناك قاعدة ولا داعش ولا حرب طائفية بهذا الشكل قد اندلعت. لكن مع ذلك، عندما نُشر هذا الكتاب، كانت أول مشكلة رآها الآخوند في طريق الحكومة الإسلامية الشيعية هي أنه إذا شكلنا حكومة إسلامية وجاء رجال ديننا وتصدروا الحكم، فستندلع حرب طائفية. بالطبع، الآخوند لا يعلم الغيب، ونظرته متجهة إلى العصر الصفوي، وكان يعلم كيف أنه في العصر الصفوي عندما تشكلت حكومة باسم المذهب، ثم تبعتها تلك الدعاية الواسعة والعجيبة المصحوبة بالشتائم تجاه الخلفاء وأهل السنة وغيرهم... اندلع ذلك الصراع الطائفي العظيم. والسؤال الآن هو: بعد الثورة وبعد نشر هذا الكتاب، هل اندلعت حرب طائفية أم لا؟ ألا تعتقدون أنه لو تصرف رجال ديننا على الأقل بقدر أكبر من الحذر في التعامل مع أهل السنة، ولو أنهم انتبهوا لهذه الإمكانيات الهائلة التي يمتلكها رجال الدين في مجال النشر والتأليف وطبع الكتب، ولم يوجهوا كل هذه الشتائم للخلفاء وأهل السنة وغيرهم... ولم يرسلوا الكتب المليئة بالشتائم إلى أقاصي العالم، ألا تعتقدون أنه لو لم تتم هذه الأمور، لما اكتسبت هذه الحرب الطائفية على الأقل وجهًا معاديًا للشيعة؟ في النهاية، وبقدر ما بحثت، فمنذ عصر الآخوند الخراساني حتى عصر السيد البروجردي، كان هم جميع مراجع الشيعة أن ينأوا بأنفسهم قدر استطاعتهم عن النزاعات الشيعية السنية. أبو الحسن الأصفهاني، مرجع التقليد قبل السيد البروجردي، لم يقبل دفع تكاليف طبع كتاب الغدير. الغدير الذي هو تحفة الكتاب الكلامي الشيعي. السيد البروجردي لم يقبل أن يتفوه بكلمة واحدة دفاعًا عن الغدير. ماذا يعني هذا؟ يعني أننا مراجع تقليد، لكننا لا شأن لنا بهذه النزاعات. بهذه السياسة والفطنة والحكمة استطاعوا أن ينتزعوا امتيازات من السنة. بهذه السياسة استطاعوا أن يجبروا شيخ الأزهر على القول بجواز التعبد بفقه الإمامية، وأن الشيعة مسلمون وفقههم هو الفقه الإمامي وكلامهم مقبول. بهذه السياسة استطاع السيد البروجردي، بل وقبله أبو الحسن الأصفهاني، أن يرسل ممثله، أي ملالي شيعي رسمي، إلى مركز الوهابية في الحجاز. السيد محمد تقي آل أحمد الطالقاني، شقيق جلال آل أحمد، كان الممثل الرسمي للسيد البروجردي في المدينة المنورة لتقليد التشيع، وقد قبله السعوديون الوهابيون ولم تكن لديهم أي مشكلة معه. وبعد السيد محمد تقي آل أحمد، كان السيد أحمد اللواساني، شقيق السيد محمد صادق اللواساني المعروف، ممثلًا للمراجع في المدينة المنورة. طُبعت كتب علمائنا في مصر، طُبع مجمع البيان في مصر، وكتب الشيخ محمود شلتوت، رئيس جامعة الأزهر، مقدمة جميلة لهذا الكتاب، كلما قرأت هذه المقدمة بكيت من شدة الشوق، لمدى إشادة هذا العالم السني بالكتاب، واستمتعت بإنصافه. كانت هذه نتيجة تلك الحكمة التي تحلى بها علماؤنا حين نأوا بأنفسهم عن النزاع والصراع. لكن في الثورة اختلط كل شيء. بدأت النزاعات والصراعات من جديد من جهتنا، وانهمر سيل من الشتائم والإهانات إلى الطرف الآخر. فتن ومحن البحار التي كان السيد البروجردي قد منع نشرها، طُبعت بكل سهولة وأُرسلت إلى أقاصي العالم. ثم وقعت هذه المطالب بأيدي السنة المتشددين، وباستخدام كتاباتنا هذه استطاعوا أن يجمعوا أتباعًا كثيرين ويضفوا صبغة معادية للشيعة بهذه الكثافة على أعمالهم. لا أعتقد أنه كان لدينا في التاريخ أي وقت كان فيه الشيعة مبغوضين بهذا القدر في العالم الإسلامي. ما نتيجة هذا؟
السيد جمال كان يدرك رافعة السلطة حميد بارسانيا كان السيد جمال يدرك أهمية رافعة القوة والسلطة في مجال الثقافة والمسائل الأخرى، ولم يكن يتحمل الغفلة عنها، وسعى لاستخدام هذه المسألة. لقد تنبه للاستعمار، ولم يكن يرى مشكلتنا في مواجهة داخلنا فحسب، بل كان يرى مشكلة العالم الإسلامي في مواجهة الغرب، وإن كان يرى الغرب غالبًا بوجهه السياسي ويلاحظه باستعماره. لذلك، فهو من ناحية الصحوة الإسلامية رائد ومتقدم في هذا الاتجاه بين أهل السنة والشيعة على حد سواء. أينما تذهب في العالم الإسلامي، تجدهم يعتبرونه رائدًا في هذا الوعي الذاتي، وكان يعتقد أن أول إصلاح يجب أن يتوجه إلى هذا المجال، وإلا إذا لم يصلح هذا المجال ووضع يده عليه من هذه الزاوية في التفاعل العالمي، فإن بقية المسائل، طالما كانت في خدمة هذه المسألة، ستتشكل على هامشها وحولها.
لم تحظَ الشيعة بشعبية كهذه في أي وقت مضى لكن بعد قيام الثورة الإسلامية، أعتقد أن الشيعة لم تحظَ بشعبية في أي وقت كما حظيت به في زمن الثورة. الآن أعداد الجماعات التي تشيعت تبلغ الملايين، وقد حدث هذا التوجه وتم بعد الثورة. هذا واضح في أفريقيا وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي. كوننا لم نحسن التصرف، يعود إلى أننا مارسنا اللامبالاة السياسية، لا إلى أننا دخلنا ساحة السلطة السياسية. لم نحسن استخدام السياسة، والخصم أيضاً تحسس وقام بعملياته. هل كانت سياسة الجمهورية الإسلامية أو هي الآن قائمة على معاداة السنة؟ كلا. أنا لا أقول إنه لم تكن هناك أخطاء بالصدفة. لقد أخطأوا بالتأكيد. حديثنا ليس حديث الميدان العملي. حديثنا نظري. لا ينبغي أن نأتي بأمثلة من الجمهورية الإسلامية. يمكننا أن نضع هذا جانباً. أليس من الممكن، إزاء هذا الذل الذي يعانيه العالم الإسلامي تجاه العالم الغربي، أن ننشئ أممية إسلامية كما كان يقول السيد جمال، وكما عبر عنها الإمام كحركة نحو اتحاد الدول الإسلامية؟ أليس من الممكن أن يتشكل اتحاد بين الدول؟ أليست هناك قابلية لهذا التعامل في الفقه الشيعي والفقه السني؟ ألا يمكننا أن نفعل هذه الأجزاء؟ ألم يشكل العالم الإسلامي حاكمية امتدت من بحر البلطيق إلى الصين، وغطت مختلف الصدوع القومية والعرقية واللغوية والتاريخية والجغرافية وغيرها، واستطاعت أن تمنحها هوية واحدة؟ أليس هناك إمكانية لأن يتحقق هذا؟ إذا كانت هذه الإمكانية موجودة، فليس سببها المجيء إلى ساحة السلطة، بل بسبب سوء استخدام هذا والأخطاء الموجودة. كل ساحة جديدة يختبرها الإنسان، تظهر فيها مشاكل عديدة، يجب أن يُدبّر لها.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
العلوم السياسية
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.