اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تناولت ندوة «هايدغر والمسألة اليهودية» بمحاضرة أكبر جباري إعادة قراءة كتابات مارتن هايدغر حول اليهود واليهودية في «الدفاتر السوداء» وعلاقتها بفلسفته والنازية ومسألة التقنية. ويستعرض هذا التقرير الآراء المطروحة حول مفاهيم مثل اليهودية الميتافيزيقية، واللا-عالمية، والتفكير الحسابي في فلسفة هايدغر.

من «الدفاتر السوداء» إلى مسألة التقنية؛ تقرير عن ندوة «هايدغر والمسألة اليهودية»
أقيمت ندوة «هايدغر والمسألة اليهودية» بمحاضرة ألقاها أكبر جاباري، يوم الخميس ۱۲ شهريور ۱۴۰۵، في «مدينة الفلسفة الإيرانية». وكان موضوع الندوة الرئيس إعادة قراءة ملاحظات مارتن هايدغر عن اليهود واليهودية في مجموعة «الدفاتر السوداء»، ودراسة صلة هذه الملاحظات بفلسفته، والاشتراكية القومية، ومسألة التقنية في العالم الحديث. وأكد جاباري أن حديثه ليس دفاعا عن جميع مواقف هايدغر السياسية، ولا دفاعا عن نقد اليهودية؛ بل هو محاولة لعرض هذه الملاحظات وفهمها ضمن الجهاز المفهومي لهايدغر نفسه.
مسألة فلسفية أم ملف سياسي؟
في مستهل الندوة، عد السيد زماني، مضيف الجلسة، نشر «الدفاتر السوداء» واحدا من أكثر الأحداث اتصالا بفلسفة القرن العشرين إثارة للجدل. ووفقا له، برزت علاقة هايدغر بالنازية ومعاداة السامية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، إلى حد أن النقاش الفلسفي حول أعماله يتحول أحيانا إلى ملف قانوني وأخلاقي؛ ملف ينتظر فيه القارئ، أكثر مما يسعى إلى فهم الفكر، صدور حكم نهائي على شخص الفيلسوف.
وميز زماني بين عظمة المفكر في المجال الأنطولوجي وأخطائه في ميدان السياسة، وقال إن مفكرا كبيرا قد يرتكب أخطاء جسيمة حين يدخل في العلاقات السياسية والتاريخية. ومع ذلك، فمن وجهة نظره، لا يمكن اعتبار الاشتراكية القومية نتيجة مباشرة لفلسفة هايدغر، كما لا يمكن اختزال فلسفته كلها في ماضيه السياسي. وشدد كذلك على دور عوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية متعددة في تشكل النازية، وحذر من الوقوع في الثنائية المبسطة: «نازي/غير نازي».
ثم طرح المضيف أيضا العلاقة بين الاشتراكية القومية والصهيونية من زاوية بعض أوجه التشابه البنيوية، وأشار إلى المفهومين اللاكانيين «الفعل» و«التمثيل بالفعل»، ليطرح السؤال: إلى أي مدى علق دخول هايدغر إلى السياسة نظاما قائما، وإلى أي مدى وجد نفسه، من غير قصد، على الأرض نفسها التي ادعى تجاوزها؟
«الدفاتر السوداء» ونطاق النقاش حول اليهودية
استهل أكبر جاباري حديثه بتعريف «الدفاتر السوداء» (شفارتسه هِفته)، وهي مجموعة متعددة المجلدات من ملاحظات هايدغر الفلسفية والشخصية، تضم كتابات تمتد على عقود عدة من حياته. وقال جاباري إن المقاطع المتصلة مباشرة باليهودية، من بين نحو ۳۵۰۰ صفحة من هذه المجموعة، محدودة جدا ومتفرقة في الغالب في المجلدات الأربعة الأولى. وبرأيه، فإن قلة هذه العبارات قياسا إلى المجموعة كلها تدل على أنه لا ينبغي عد «الدفاتر السوداء» عملا عن اليهود فحسب أو بيانا معاديا للسامية؛ إذ إن القسم الأعظم من هذه الملاحظات مخصص لبسط القضايا الأساسية في فلسفة هايدغر.
ولإيضاح موضع النزاع، فصل بين ثلاثة معان مختلفة لمعاداة السامية: معاداة السامية الشخصية، أي الكراهية والعداء تجاه الأشخاص اليهود؛ ومعاداة السامية العرقية، أي الاعتقاد بالتفوق البيولوجي لعرق ودونية عرق آخر؛ ومعاداة السامية الدينية، أي التعصبات الناشئة عن الصراعات التاريخية بين الأديان. وكانت دعوى جاباري الأساسية أن نقد هايدغر، على الأقل وفق التفسير الذي يقدمه، لا يقع في أي من هذه المستويات الثلاثة، بل يصاغ على مستوى الميتافيزيقا.
وفي هذا التفسير ينبغي أيضا التمييز بين كلمتين ألمانيتين: يودن، بمعنى الأشخاص اليهود، ويودنتوم، بمعنى اليهودية بوصفها بنية أو أسلوبا في التفكير. واستدل جاباري، بالإشارة إلى أصدقاء هايدغر وزملائه وطلابه اليهود، على أن نسبة عداوة شخصية بسيطة وموحدة تجاه اليهود إليه لا تنسجم مع مجموع علاقاته الفكرية والإنسانية. ومن وجهة نظره، فإن الموضوع الرئيس في ملاحظات هايدغر ليس الأصل البيولوجي للأفراد، بل صورة من التفكير كان هايدغر يعدها حسابية ومتمحورة حول الربح ومنفصلة عن الصلة الأصيلة للإنسان بالوجود.
خلفية نقد اليهودية في الفلسفة الحديثة
ولإظهار أن نقد اليهودية ليس خاصا بهايدغر، أشار جاباري إلى عدد من الفلاسفة المحدثين. ووفقا لروايته، انتقد كانط اليهودية من حيث إنها تصوغ الأخلاق في قالب قانون وشريعة خارجيين، في حين ينبغي أن تنبع الأخلاق، لدى كانط، من داخل الذات والإرادة الأخلاقية. كما ربط هيغل، في بعض كتاباته، اليهودية بنوع من اغتراب الإنسان عن الطبيعة والعالم والآخر.
ثم تناول رسالة ماركس «في المسألة اليهودية». وأوضح جاباري أن ماركس، رغم أصله اليهودي، كان يميز بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني، ويرى أن إقامة الدولة العلمانية، وحدها، لا تحرر الإنسان من الاغتراب الاقتصادي وتحول العلاقات إلى سلع. وقال إن نيتشه أيضا كان يمتدح اليهود أحيانا في مواقف مختلفة، وينقد اليهودية أحيانا أخرى بوصفها نظاما فكريا. وخلص جاباري إلى أن كل بنية مغلقة تحصر الواقع في إطار نظام محدد سلفا تصبح موضوعا للنقد في التقليد ما بعد الهيغلي، سواء كانت هذه البنية دينية أم فلسفية أم سياسية.
اللا عالمية؛ ما معنى العالم؟
كان أحد المفاهيم المحورية في الندوة هو «اللا عالمية» (فيلتلوسيغكايت). وقرأ جاباري مقطعا من المجلد ۹۵ من مجموعة أعمال هايدغر، الصفحة ۹۷، ورد فيه حديث عن «البراعة العنيدة في الحساب والانتفاع والاختلاط» وصلتها بـ«لا عالمية اليهودية».
وأوضح أن «العالم» في لغة هايدغر لا يعني الكرة الأرضية أو مجموعة مادية من الأشياء. فالعالم هو أفق وشبكة من المعاني والعلاقات التي تكتسب الأشياء والأفعال الإنسانية دلالتها في داخلها. وكل شيء يفهم في صلته بكلية دلالية؛ لكن حين ينظر إلى الموجودات بوصفها مجرد موارد للحساب والتخزين والتبادل والاستهلاك، ينهار هذا النسيج الدلالي وتحدث «اللا عالمية».
ومن هذا المنظور، عد جاباري تعبير هايدغر لا وصفا جغرافيا لقوم بلا أرض، بل اسما لنوع من التشرد الوجودي والانفصال عن أفق المعنى. لكنه أوضح أن هايدغر نفسه أقام أيضا صلة بين هذا المفهوم وبين التجربة التاريخية للشعب اليهودي، ومسألة الأرض، وحضوره العابر للقوميات؛ وهي صلة تعد من أكثر أجزاء هذه الملاحظات إثارة للجدل.
المخنشافت وهيمنة التفكير الحسابي
وكان مفهوم مهم آخر هو «المخنشافت» (ماخنشافت)، وهو مصطلح شرحه جاباري بالحسابية والتلاعب والانتفاع وإرادة الهيمنة على الموجودات. ووفقا لهذه القراءة، يرى الإنسان الحديث العالم مجموعة من الموارد الجاهزة للاستهلاك، ويقيس قيمة كل شيء بمقدار نفعه وقابليته للتصرف فيه. ومن منظور هايدغر، فإن ماهية التكنولوجيا ليست مجرد الأدوات والأجهزة التقنية، بل هي أيضا كيفية انكشاف العالم وشكل من أشكال علاقة الإنسان بالوجود.
وقال جاباري، في شرحه لتعبير «اليهودية الميتافيزيقية»، إن هايدغر يستخدم هذا العنوان لصورة شاملة من التفكير الحسابي؛ وهي صورة لا تقتصر على أتباع الدين اليهودي، بل قد يعيش فيها المسلم والمسيحي والإنسان غير المتدين أيضا. وبعبارة «بمعنى هايدغري، نحن جميعا يهود»، حاول أن يبين أن اسم اليهودية يشير، في هذا التفسير، إلى وضع عالمي: وضع تخضع فيه جميع قرارات الحياة وعلاقاتها واختياراتها تقريبا لهيمنة الحساب.
ونقل بعد ذلك عبارة من المجلد ۹۷، الصفحة ۲۰، مفادها أن التدمير الذاتي التاريخي يبلغ ذروته حين يحارب «اليهودي بالمعنى الميتافيزيقي» «ما هو يهودي». وكان تفسير جاباري لهذه العبارة أن النازيين أنفسهم، حتى وهم يحاربون اليهود، كانوا واقعين في المنطق التقني والأداتي والحسابي. ومن ثم فإن العنصرية البيولوجية النازية أيضا لم تكن، من منظور هايدغر، بديلا للعالم التكنولوجي، بل واحدة من أعنف تجليات ذلك العالم.
هايدغر والنازية وخطر المفارقة الزمنية
خصص جزء آخر من المحاضرة لعضوية هايدغر وتعاونه السياسي مع النظام النازي. وذكّر جاباري بأن هايدغر قبل رئاسة جامعة فرايبورغ سنة ۱۹۳۳ وعقد آماله على الاشتراكية القومية. ووفقا لروايته، ظن هايدغر في البداية أن هذه الحركة قد تستطيع الوقوف في وجه التقنية العالمية والأمركة والبلشفية، وأن تهيئ أرضية لنوع من التجدد الروحي؛ لكنه استقال من رئاسة الجامعة بعد مدة قصيرة، وأدرك أن النازية نفسها واقعة في منطق التقنية والعدمية الغربية.
وأكد جاباري أن هذا التفسير لا يعني إنكار خطأ هايدغر السياسي. وقال: «الفيلسوف ليس قديسا»، وإن دعم هايدغر لهتلر خطأ يجب الاعتراف به؛ غير أن هذا الخطأ نفسه ينبغي أن يدرس في المناخ التاريخي لعقد ۱۹۳۰. وحذر من أن الحكم على الفاعلين في تلك الفترة اعتمادا فقط على الصورة التي تشكلت للنازية بعد الحرب والمحرقة وعقود من التمثيل الثقافي قد يؤدي إلى المفارقة الزمنية.
وفي هذا السياق، أشار جاباري إلى كتاب فيكتور فارياس عن هايدغر والنازية، وعده نقطة تحول في موجة جديدة من الجدل في أواخر عقد ۱۹۸۰. وأبدى بعض الشكوك بشأن دوافع هذا العمل ومكانته، وقال إن علاقة هايدغر بالنازية أصبحت، بعد صدوره، موضوعا مركزيا مرة أخرى في الأوساط العامة والأكاديمية.
الأرض والجذور وتشرد الإنسان المعاصر
ثم نقل جاباري النقاش من الجدل التاريخي حول اليهودية إلى مسألة تجذر الإنسان. ووفقا له، قد تقود فكرة الكوزموبوليتية، في نظرة هايدغر، إلى انفصال الإنسان عن الأرض واللغة والتاريخ والتقليد. والمقصود بـ«الأرض» هنا ليس مجرد التراب الجغرافي أو القومية السياسية، بل هو سياق تاريخي ولغوي يسكن فيه الإنسان وتتوافر له فيه إمكانية اكتساب المعنى.
وبالإشارة إلى إحسان يارشاطر، قال إن المرء قد يعيش بعيدا عن إيران من الناحية الجغرافية، لكنه يظل مقيما في «العالم الإيراني» بفضل صلته العميقة باللغة والثقافة الإيرانية. وفي المقابل، قد يكون شخص ما في إيران من غير أن يشعر بأي صلة بالتراث الفكري والثقافي فيها. ولشرح هذا الانفصال، أشار جاباري إلى مفاهيم مثل «العطاء والبذل» في الشاهنامه، و«الرند» عند حافظ، و«الناي» عند مولانا، وقال إن هذا التراث لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للمتعة أو التعزية، بل ينبغي أن يتحول إلى مادة للتفكير والعيش.
ووصف أيضا حال إنسان اليوم بالطلب الدائم للسكينة، مقرونا بالعجز عن تحمل الصمت والخلوة والبطء. ومن وجهة نظره، لا تسمح سرعة العالم التكنولوجي للإنسان بأن يهدأ «في جوار الوجود». وهكذا انتهى النقاش حول اليهودية في محاضرة جاباري إلى نقد أعم للحياة المعاصرة: نقد عالم يتحول فيه كل شيء تقريبا إلى أداة ورقم ومنفعة وموضوع للتصرف.
العبارات المثيرة للجدل وحدود هذا التفسير
قرأ جاباري في ختام المحاضرة عددا من العبارات الأكثر صراحة من «الدفاتر السوداء»، ومنها جملة عن صلة اليهود بمبدأ العرق، وعبارة من المجلد ۹۶، الصفحة ۲۶۲، عن «اليهودية العالمية» والمهاجرين اليهود وتضحية الشباب الألمان في الحرب. وفسر هذه المقاطع ضمن التمييز نفسه بين الأشخاص اليهود واليهودية التاريخية و«اليهودية العالمية أو الميتافيزيقية»، وقال مرة أخرى إن نقد هايدغر يتجه إلى المنطق الحسابي والآليات غير المباشرة للسلطة.
ومع ذلك، فإن هذه العبارات ذاتها هي المركز الرئيس للجدل حول «الدفاتر السوداء»، ومجرد التمييز المفهومي بين القوم والدين والميتافيزيقا لا يزيل بالضرورة جميع الأسئلة الأخلاقية والتاريخية عن لغة هايدغر. وقد عرض في هذه الندوة بالتفصيل تفسير جاباري المدافع، أو المخفف على الأقل، لكن تفسير النقاد الذين يرون أن استعمال ألفاظ مثل «اليهودية العالمية» و«اللا عالمية» و«القابلية للحساب» يحمل صورا نمطية تاريخية معادية للسامية لم يعرض بصورة مستقلة وبالتفصيل نفسه. ولذلك يمكن النظر إلى هذا التقرير بوصفه عرضا لموقف محدد في جدل ما زال مفتوحا، لا حكما نهائيا عليه.
أسئلة وأجوبة؛ لماذا التركيز على هايدغر؟
في فقرة الأسئلة والأجوبة، ذكّر أحد الحاضرين بأن الصور السلبية عن اليهود كانت لها سوابق في الثقافة والأدب الغربيين قبل هايدغر أيضا. وضرب أمثلة بـ«تاجر البندقية» لشكسبير، وبمواقف عزرا باوند وت. س. إليوت، وسأل لماذا يتركز هذا القدر من الاهتمام على هايدغر من بين شخصيات عديدة. فأجاب جاباري بأن مكانة هايدغر الأساسية في الفلسفة المعاصرة وأثره العميق في المفكرين الذين جاؤوا بعده، ومنهم دريدا، ضاعفا الحساسية تجاه ماضيه السياسي وعباراته.
وطرحت أيضا مسألة أخرى عن مكانة اليهودية في تاريخ الأديان الإبراهيمية، ومنشأ الفوارق التي تشكلت حولها في النصوص الدينية والتاريخية. وأظهر هذا السؤال مرة أخرى أن موضوع الندوة لا يقتصر على عبارات قليلة في ملاحظات فيلسوف واحد، بل يقع على التخوم بين الفلسفة واللاهوت والتاريخ الأوروبي والسياسة الحديثة وأخلاق التفسير.
خلاصة
كانت ندوة «هايدغر والمسألة اليهودية» محاولة لنقل النقاش من مستوى الوصم السياسي إلى مستوى القراءة المفهومية لـ«الدفاتر السوداء». وسعى أكبر جاباري إلى إظهار أن مصطلح «اليهودية» في بعض ملاحظات هايدغر يكتسب معناه داخل نقده الأوسع للميتافيزيقا والتقنية والحسابية وتشرد الإنسان الحديث، ولا يمكن مطابقته مباشرة بمعاداة السامية العرقية لدى النازيين. وفي الوقت نفسه، تظل العبارات المنقولة عن هايدغر مفتوحة على سؤال: هل يمكن تحويل اسم شعب وصوره النمطية التاريخية إلى استعارة فلسفية من غير أن تترسب الحمولة السياسية والأخلاقية لذلك الاسم في الاستدلال؟
ولعل أهمية الندوة تكمن، أكثر من أي شيء، في إبراز هذه العقدة بالذات: فلا محو ماضي هايدغر السياسي يكفي لمواجهته، ولا اختزال فلسفته كلها في ذلك الماضي. إن فهم هذه العلاقة يحتاج إلى قراءة دقيقة للنص، والانتباه إلى السياق التاريخي، ومعرفة الجهاز المفهومي لهايدغر، والإصغاء الجاد إلى طرفي الجدل معا.
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.