اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بمناسبة الطبعة الثالثة من كتابه «الفلسفة في ألمانيا: من لوثر إلى نيتشه»، يرى كريم مجتهدي أن سر نجاح هذا العمل يكمن في مزجه بين عمق المادة ولغة سلسة، ويعزو منابع عمق الفلسفة الألمانية إلى الأزمات التاريخية والسعي نحو الوحدة.

يتحدث الدكتور كريم مجتهدي في هذا الحوار الذي أُجري بمناسبة الطبعة الثالثة من كتاب «الفلسفة في ألمانيا: من لوثر إلى نيتشه»، عن مباحث هذا الكتاب ويبيّن سبب إعادة نشره ويطرح بعض المباحث الأخرى حول الفلسفة الألمانية ودوافعه وأفكاره حول الفلسفة في حياتنا اليوم.
سيد مهدي موسوي: إنّ العلم ببلوغ كتاب فلسفي محض طبعته الثالثة، يمكن أن يكون دافعاً مناسباً لحوار حول أهدافه ومحتوياته ووظائفه في إيران مع مؤلفه. «الفلسفة في ألمانيا» بعنوانها الفرعي «من لوثر إلى نيتشه» هي تقرير يقع في 624 صفحة عن فكر وفلسفة ألمانيا من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر بقلم الدكتور كريم مجتهدي. هذا الحوار هو مراجعة لمباحث هذا الكتاب، وسبب إعادة نشره وطرح بعض المباحث الأخرى حول موضوع الكتاب ودوافع المؤلف وأفكاره.
ـ برأيكم ما هي الميزة التي جعلت كتاب «الفلسفة في ألمانيا: من لوثر إلى نيتشه» يصل إلى طبعته الثالثة؟
النقطة التي يجب أن أذكرها في البداية هي أن هذا الكتاب ليس فلسفياً محضاً، ولعل سبب بيعه الجيد وشهرته هو أنه ذو طابع بينيّ التخصصات؛ أي أنه يمكن، بالإضافة إلى جوانبه الفلسفية، أن يكون موضع اهتمام المؤرخين والأشخاص المهتمين بالأدب الألماني والأشعار الألمانية. على أية حال، يكرّس هذا الكتاب في المقام الأول لتحليل أفكار كبار فلاسفة ألمانيا، وقد بُذلت محاولة لجعله مفهوماً مع عمق المطالب. في النهاية، لقد كنت معلماً للفلسفة لسنوات، ونتيجة لذلك اكتسبت لغة سهلة للتعبير عن المطالب، وهذا الأمر نفسه تجلى في هذا الكتاب وكان مؤثراً في الاهتمام به.
كذلك، خلال 45 إلى 50 سنة من التدريس في جامعة طهران ومؤخراً في جامعة شريف، ربما رأيت، إن لم أكن مخطئاً، ما يقرب من 40 ألف طالب أو أكثر. هناك أشخاص رأوا وجهي في التلفزيون أو قرأوا مقابلات ومقالات لي في الصحف والمجلات. كل هذا كان له تأثير في الإقبال على هذا العمل. بالطبع، إذا أردنا أن نأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار ونقارن طباعة ونشر هذا الكتاب بطباعة ونشر الكتب في البلدان الأجنبية ــ التي تصل أحياناً إلى مئات الآلاف من النسخ للكتاب الواحد ــ ربما يمكن القول إنه لم يحدث شيء خاص جداً. لكن على أية حال، في وضع لا يمكن لكتاب فلسفي أن يبيع أكثر من 10 آلاف نسخة في إيران، عندما يُطبع كتاب فلسفي جاد مرتين أو ثلاث مرات، فربما يدل ذلك على أن لديه شيئاً ليقدمه.
ما هو هدفكم من تأليف هذا الكتاب وما هو الفراغ الذي شعرتم به فدفعكم إلى كتابته؟
هناك كتب حول بعض المباحث التي تناولتها في «الفلسفة في ألمانيا» ولكنني كنت أرى فراغاً واحداً فقط، وهذا الفراغ هو العمق. المباحث السطحية كثيرة التي تناولت المطالب بشكل سردي، لكن ما هو واجبي ليس سد الفراغ الشكلي. لقد كتبت هذا الكتاب لسد الفراغ الموجود في عمق المطالب. كل شخص في إيران سمع باسم لوثر ولكن أين التقارير الصحيحة لتنوير الأفراد؟ أنا لست من أنصار لوثر على الإطلاق ولكن الموضوع الذي يتمحور حوله لوثر هو موضوع شغل الشعب الألماني لمدة 200 عام وتسبب في حروب داخلية. يجب علينا في إيران أن نعرف هذا. على أية حال، هذا الكتاب ليس لرفض أو قبول نظرة أو نهج أو تقليد فلسفي معين أو حتى فلسفة فيلسوف معين. أساساً، لا ينبغي قراءة أي كتاب للرفض أو القبول، بل يجب أن يكون الكتاب مصدراً لاكتساب العمق وتغذية الفكر. لقد كتبت كتاب «الفلسفة في ألمانيا» لسد مثل هذا الفراغ. لأكن صادقاً؛ أعتقد أن هذه الروح نفسها، مع الأخذ بعين الاعتبار الموقع والإمكانيات المحدودة التي كانت لدي، كانت مؤثرة في الاهتمام بهذا العمل.
لقد أشرتم إلى حاجتنا إلى الوعي بتاريخ الأفكار. أود أن أسأل هل تناول الفلسفة الألمانية نابع من الأهمية التي كان يحظى بها هذا الموضوع بالنسبة لكم شخصياً؟ أي هل لـ «الفلسفة في ألمانيا» دلالة وأهمية خاصة في نظركم؟ ما هي هذه الدلالة والأهمية؟
«الفلسفة في ألمانيا» هو في الواقع كتاب خاص جدًا لأنه وُلد بنوع من التأخير. ففي القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، كانت فلسفة فرانسيس بيكون وديكارت مطروحة في إنجلترا وفرنسا وبعض المناطق الأخرى من أوروبا، لكن في ألمانيا، وبسبب الحروب التي كانت دائرة هناك في القرن السابع عشر والوضع غير المناسب الذي كان سائدًا في الجامعات والمراكز العلمية وحتى الحياة اليومية للأفراد، لم تكن هناك إمكانية كبيرة لنمو الفكر الفلسفي. ولكن في أواخر هذا القرن نفسه، يظهر لايبنتس، وتبدأ معه الفلسفة الألمانية بشكل ما. بعبارة أخرى، بدأت الفلسفة الألمانية بنوع من التأخير مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، لكنها حققت ازدهارًا استثنائيًا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. في الحقيقة، إن الفلسفات والفلاسفة الألمان هم ورثة الفلسفات الإنجليزية والفرنسية، لكنهم عمليًا بلغوا عمقًا أكبر منها؛ أي أن الفكر الأوروبي وجد في هذه الفلسفات عمقًا وإشراقًا. يمكن رؤية هذه المسألة في مقارنة فلسفة كانط وفيشته وهيغل بفلسفة بيكون وديكارت. الفلاسفة الألمان يفكرون بأبعاد متعددة، ولا يقتصرون مثلاً على المذهب العقلي أو المذهب التجريبي فحسب، بل يطرحون المباحث بشكل أعمق.
برأيكم لماذا حدث هذا الأمر في ألمانيا وامتلكت الفلسفة الألمانية هذه الخاصية التي تذكرونها تحت عنوان عمق الفكر وتعدد أبعاده؟
يبدو أن هذا الأمر قد تأثر بتاريخ ألمانيا. لقد أشرت إلى هذا التاريخ في كتاب «الفلسفة في ألمانيا»، وخصصت بشكل خاص بحثًا لحركة لوثر الإصلاحية. لقد كانت تيارات هذه الحركة أزمة كان الألمان يعيشون فيها. لقد مروا بأزمات اجتماعية صعبة، ولهذا السبب يتم الاهتمام بمسائل مختلفة في الفكر الألماني. على سبيل المثال، يمكن القول ربما إن فلسفة لايبنتس هي محاولة لمواجهة هذه الأزمات نفسها من خلال خلق وطرح نوع من الانسجام. فلسفة لايبنتس هي نوع من فلسفة الانسجام، ومن بعده قام فلاسفة آخرون بهذا العمل بأسلوبهم الخاص. حتى إجراءات فريدريك الثاني ــ الذي هو أحد الأمراء الرئيسيين لبروسيا والذي خُصص له بحث في الكتاب ــ يمكن شرحها في هذا السياق وضمن هذا الإطار. لقد سعى بشكل واضح لتقدم ألمانيا وحاول أن يستعيد ويوحد جميع الممتلكات التي كانت ألمانيا قد خسرتها. وبتعبير ما، فإن إجراءات هذا الشخص هي مقدمة لما سيخلق اتحاد الألمان في القرن التاسع عشر ويمنح بلد ألمانيا وحدة مركزية.
كنت أرغب في أن أسأل عن علاقة الفلسفة في ألمانيا وكتابكم بنا نحن الإيرانيين في الفترة الحالية؟ بالطبع، إن كون الألمان قد توصلوا إلى فلسفة متميزة وعميقة بفضل الأزمات التي مروا بها والجهد الذي بذلوه عمليًا ونظريًا لتجاوز هذه الأزمات، يمكن أن يبين وجه هذه العلاقة إلى حد ما، لكنني كنت أرغب في أن توضحوا هذه المسألة بشكل محدد.
يمكن لأي شخص أن يكون له فكر وموقف في هذا الشأن، ولكن برأيي لا يمكن أن يكون هناك أي شك في دور وحصة التقدم الفلسفي في ارتقاء الثقافة والمجتمع الألماني. لا أعرف إلى أي حد نعترف نحن في إيران بمثل هذه الحصة للفلسفة، لكنني شخصيًا أعتقد أن التفكير والفلسفة هما عمق الثقافة وخلاصتها. العلم والصناعة والفن... إلخ مؤثرة أيضًا في الثقافة، لكن المكان الذي تجد فيه هذه الثقافة عمقها هو في تفكير الإنسان. أنا أعتقد أن الفلسفة تحدث إصلاحًا، وتحدث تقدمًا، وتحررنا من التفكير السطحي وتمنح النظرات عمقًا. يمكن للفلسفة حتى أن تحدث تحولًا في تخطيطاتنا. على سبيل المثال، إحدى المسائل التي يُتحدث عنها كثيرًا في بلدنا منذ فترة، وخاصة هذه الأيام، هي مسألة تلوث البيئة التي أثرت على حياتنا بأكملها. حسنًا، أنا أقول لكم إن سبب تلوث البيئة هذا هو نوع من تلوث الثقافة أيضًا. يمكن للفلسفة في هذا الشأن ومسائل من هذا القبيل أن تخلق وعيًا عميقًا.
قد يقول قائل: أنا لا أعير أهمية للفلسفة. حسنًا، هذا رأيه، لكنني أعتقد أنها مهمة جدًا. لقد درست التاريخ، والتاريخ يريني أن الفلسفة يمكن أن يكون لها حضور جوهري في كل هذه المسائل ويجب أن تُولى اهتمامًا كبيرًا.
ألقيتُ محاضرةً في مكانٍ ما عن النهضة الثقافية الإيطالية. بعد محاضرتي، قال لي شاب: لقد سمعتُ كلامك، ولكن أين يمكنني أن أتحدث عن بيكو ديلا ميراندولا؟ في الواقع، كان يتصور أنه ينبغي أن يجد لكلامي استخداماً حوارياً، وأن يتباهى بعلمه ويُبدي رأيه في مكانٍ ما مستخدماً هذه الأمور. ما يمكنني قوله في مواجهة مثل هذه التصورات هو أنك عندما تقرأ كتاباً فلسفياً، عندما تقرأ ديكارت وكانط، فإنك تكتسب عمقاً ويقوى ذهنك. الأمر أشبه بأن تتناول فيتامينات أو تمارس الرياضة لتعويض ضعفك البدني. الفلسفة هي كذلك، وليست رفضاً وقبولاً. لقد طُرحت فلسفة كانط موضع تساؤل برفض فيزياء نيوتن. في هذه الحالة، إذا ألّف أحدٌ كتاباً عن فلسفة كانط، فهذا لا يعني بالضرورة دعوتك لقبول فلسفة كانط. ما يُطرح هنا هو أن تعليم كانط وإظهار تعرجات فكر كانط، يُنمّي فكر الشاب ويخلق لديه ذهنية عميقة، قد تجعله مهتماً لاحقاً بدراسة أفكار كانط والبحث فيها أكثر. وهذا لا عيب فيه البتة، والأصل هو أن نمنع حالة الركود.
على أية حال، كان أحد أوجه تأليف كتاب «الفلسفة في ألمانيا» هو عدم وجود كتاب جامع حول هذا الموضوع، ووجه آخر هو تعويض نقص عمق المطالب في هذا الموضوع، وكان هناك دافع جوهري أيضاً هو أن أشجع الشباب وأحفزهم على المطالعة من خلال هذا الكتاب. على شابنا أن يجد الدافع وألا يخاف من المطالعة ومن المعرفة. ينبغي ألا نخاف من المجهول.
بالتأكيد، لا يزال الكثيرون لم يتعرفوا على كتابك هذا، ومن هنا لا بأس أن نشير إلى محتويات الكتاب. كتاب «الفلسفة في ألمانيا» له بداية تاريخية، وقد تطرقتَ أولاً في مقدمة إلى ألمانيا في العصر الحديث، وبعدها إلى الحركة اللوثرية، ومن هذا الطريق دخلتَ إلى المباحث اللاحقة.
نعم. للتوضيح، ينبغي أن أقول إن مقدمة الكتاب التي تقع في 60 صفحة لها أهمية كبيرة، وقد تحدثتُ فيها عن العلاقة بين الوضع الاقتصادي-الاجتماعي ومعتقدات الشعب الألماني. هذه المقدمة ذات جانب تاريخي في الغالب، وهي مخصصة لفترة النهضة الثقافية في الغرب، أي أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. في الواقع، يرتبط هذا البحث بالبحث التالي - أي البحث حول لوثر والحركة اللوثرية - ويستغرقان معاً 100 صفحة من الكتاب. هذه المباحث هي نوع من التقرير عن تاريخ وسياسة أوروبا وألمانيا في تلك الفترة التي كانت مقترنة بالحرب. هذه المباحث، التي يمكن أن تُستخدم من قبل غير المشتغلين بالفلسفة أيضاً من ناحية الدراسات التاريخية، تُظهر كيف تشكلت أوروبا اليوم من قلب النزاعات والاتفاقات بين دول ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا خلال حروب دامت ثلاثين عاماً. في هذا السياق، تُطرح الحركة اللوثرية - التي تنبثق منها ألمانيا الجديدة بمعنىً من المعاني، والتي لا يمكن فهم تاريخ ألمانيا دون الالتفات إليها.
في الاستمرار وفي الفصول التالية من الكتاب، تطرقتَ إلى ألمانيا والثقافة الألمانية في القرن السابع عشر، وتحدثتَ عن فلسفة لايبنتس. كما أوليتَ في هذه الفترة اهتماماً خاصاً بالاستبداد المستنير لفريدريك الثاني، وتطرقتَ أيضاً إلى فلسفة فولف. من فضلك، أشر إلى مباحث هذه الفصول. كذلك، بيّن ما هو الشيء المهم فلسفياً بخصوص فريدريك الثاني - بصفته أحد حكام ألمانيا - والذي جعلك تُدرجه في كتابك الفلسفي.
نعم. بخصوص هذه الفصول، ينبغي أن أقول إنني بعد تحليل الثقافة الألمانية من منتصف القرن السابع عشر، تحدثتُ عن لايبنتس بصفته أول شخصية فلسفية معروفة، وبمعنىً ما، أب الفلسفة الألمانية. التأثير الذي تركه لايبنتس في الفكر الألماني، ومن خلاله في أوروبا كلها، هو تأثير عجيب للغاية. عندما تدرس تاريخ الفلسفة مع لايبنتس، فإنك في الوقت نفسه تدرس تاريخ العلوم الحديثة، بما في ذلك الرياضيات والميكانيكا والجيولوجيا. كما ينبغي الانتباه إلى أن لايبنتس كان فيلسوفاً اهتم أيضاً بالسياسة وكان رجل سياسة أيضاً. لقد تم تحليل هذه المباحث بشكل جيد في الكتاب.
انتبهوا أيضًا إلى أن أفكار لايبنتس أدت إلى ظهور شخصية مثل فريدرش الثاني في ألمانيا القرن الثامن عشر ــ الذي أشرت إليه سابقًا وهو أحد الأمراء المشهورين في ألمانيا في هذا القرن. تشتهر فريدرش الثاني بأنه، على الرغم من التخلف الاجتماعي والسياسي والصناعي والمالي لألمانيا، وضع تخطيطًا دقيقًا للغاية من أجل رفع مستوى معيشة الشعب الألماني وزيادة القوة الثقافية والعسكرية لألمانيا. في الواقع، إذا كانت ألمانيا الجديدة من الناحية الفلسفية نتيجة عمل لايبنتس، فهي من الناحية العسكرية والثقافية والقوة العسكرية نتيجة إصلاحات فريدرش الثاني. هذا أمر مهم للغاية؛ لأن هذه الإصلاحات هي التي رفعت ألمانيا ــ التي كانت دولة متخلفة مقارنة بفرنسا وإنجلترا وكذلك إيطاليا وإسبانيا. المصطلح الذي طُرح بشأن فريدرش الثاني هو مصطلح «الاستبداد المستنير» الذي يدل على أنه على الرغم من أن هذا الشخص كان مستبدًا، إلا أنه بالاعتماد على القوة والسلطة، خلق روح التحديث وروح إعادة البناء في ألمانيا. النقطة الجديرة بالملاحظة في هذا الشأن هي أن برامج فريدرش الثاني الدقيقة نُفذت بدعم من الجامعات. ربما يكون أعظم أمير أوروبي قدّر الجامعات واتجه إليها وجعلها قوية. فريدرش، على الرغم من كونه محاربًا وقضائه طوال الوقت في الجبهة ومع جنوده، كان لديه هذا الفهم بأن الارتقاء الحقيقي والتقدم الحقيقي الشامل مستحيل دون الاهتمام بالثقافة. وبهذه النظرة بالتحديد أحيا الجامعات في ألمانيا وقوّاها، والأهم من ذلك كله أنه فهم قيمة الفكر في التقدم جيدًا وجعل الفلسفة رائجة مرة أخرى بقوة استثنائية في الجامعات. هذا في الوقت الذي لم تكن فيه جامعات ألمانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ذات اعتبار على الإطلاق، وكان الناس يذهبون إلى إيطاليا للدراسة. لكن مسيرة نمو الجامعات في ألمانيا مضت قدمًا بإجراءات فريدرش الثاني بحيث نشأت في القرن الثامن عشر جامعة معتبرة في كل مدينة وحضر فيها أساتذة بارزون.
وكريستيان فولف هو أيضًا فيلسوف يُعتبر من العناصر الرئيسية للتحولات التي أحدثها فريدرش الثاني، وهو من بين الأشخاص الذين روّجوا للاستبداد المستنير وكانت فكرتهم هي أنه يجب التقدم بأي طريقة كانت. فولف هو في الواقع الفيلسوف الناطق باسم فريدرش الثاني وفيلسوفه الرسمي في الجامعات، وبتعبير آخر هو المخطط الثقافي لفريدرش الثاني. من منظور ما، فولف هو مؤسس جامعات ألمانيا وأعطاها شكلها وعمقها.
بالطبع، أفكار فولف الفلسفية ليست ذات أهمية خاصة وهي مملة، لكن يمكن وصفه بأنه مدير ومربٍ جيد كان له تأثيرات كبيرة.
الاتجاهات الفلسفية في القرن الثامن عشر بما في ذلك فلسفة كانط، والرومانسية وفكر بعض شعراء ألمانيا في هذه الفترة هي المباحث الرئيسية للفصول التالية، ثم نصل بعد ذلك إلى فيشته وهولدرلين وشيلنغ وهيغل.
نعم؛ أحد مباحث الكتاب مخصص لكانط، وقد حُللت فلسفته النقدية من الناحية النظرية والعملية والفنية. بالطبع، نظرًا لأنني كتبت عدة كتب عن كانط من قبل ويمكن للقراء متابعة المطالب المتعلقة بكانط في تلك الكتب، فإن هذا القسم ليس طويلاً جدًا. ثم نصل بعد ذلك إلى الحركة الرومانسية والحديث عن الشعراء، وهنا أُجريت تحليلات حول أفكار وبالأخص جماليات أشخاص مثل ليسينغ وغوته وشيلر.
نظرًا لأنني حاولت في هذا الكتاب أن أكتب أكثر عن الأشخاص الذين تناولتهم بشكل أقل في أعمالي السابقة، فقد خصصت فصلاً مفصلاً لفيلسوف فيشته. في هذا الفصل، وعلى مدى حوالي 100 صفحة ــ كما يُقال ــ بذلت قصارى جهدي. يحتوي هذا الفصل على مطالب جديدة تمامًا.
فيما يلي مبحث لافت للنظر، ربما كان أحد أسباب الإقبال على الكتاب، وهو فصل بعنوان «هولدرلين: شاعر بين الفلاسفة». هولدرلين هو شاعر الحركة الرومانسية، لكنه كان تلميذاً لفيشته، وصديقاً وزميل دراسة لهيغل وشيلينغ. لهولدرلين أشعار وروايات ومباحث موضوعها الفلسفة والفلاسفة، أو ذات جوانب فلسفية. أعتقد أن أحد أسباب شهرة هذا الكتاب هو هذا الفصل بالتحديد، وأرى أن كثيراً من الشباب مهتمون بهذا المبحث. بل ربما لو طُبع هذا المبحث مستقلاً لنال اهتماماً أكبر. وفيما يلي، ونظراً لأن لديّ مؤلفات وكتباً سابقة عن شيلينغ وهيغل، فقد تطرقت إليهما باختصار.
تتناولون لاحقاً، في فصل موجز، شوبنهاور ونيتشه. هلاّ أشرتم من فضلكم إلى تصوركم لفلسفة هذين الفيلسوفين.
أنا شخصياً لا أحب شوبنهاور كثيراً؛ في الحقيقة، لا أحب تشاؤمه. أودّ أن تساعد الفلسفة الشباب على أن يكونوا فاعلين، ومتفائلين، وأن يأملوا في قوتهم الفكرية واليدوية. لا أحب المطالب التي قد تثير اليأس، لكنني أعتبر شوبنهاور مهماً من حيث تاريخ الفلسفة. لقد ترك شوبنهاور أثراً كبيراً في الأدب الألماني في القرنين التاسع عشر والعشرين. كثير من كبار الروائيين الألمان كانوا من أتباع شوبنهاور، ولا شك أن كثيراً من التحليلات المطروحة اليوم في علم النفس تستند إلى فلسفة شوبنهاور.
أحد الأشخاص الذين لا أميل إليهم كثيراً أيضاً، والذي استفاد كثيراً من شوبنهاور وتأثر به، هو فرويد. فرويد تابع لشوبنهاور من الناحية الفلسفية، وقد أسس التحليل النفسي خاصته على أساس أقوال شوبنهاور. طبعاً للتحليل النفسي عند فرويد جوانب تجريبية لها أهميتها في موضعها، لكن نظريات شوبنهاور كان لها في النهاية تأثير كبير فيه.
أما نيتشه فكان، بمعنى ما، في فترة شبابه تابعاً لشوبنهاور، لكنه سرعان ما انقلب عليه. التقرير الوارد في الكتاب عن نيتشه قليل نسبياً، والسبب في ذلك هو أن عبقرية نيتشه، في اعتقادي، تتجلى لكم عندما تقرؤون نصه بالألمانية. نصوص نيتشه آسرة حقاً، وهو فيلسوف لا تفكرون كثيراً عند قراءة كتاباته، بل أنكم تقعون تحت تأثيره. برأيي يمكن تأليف كتب عن نيتشه بالفارسية، لكن لا يمكن إدراك قيمته الأساسية بالرجوع إلى كتاب فارسي؛ تماماً كما أن تأثير أشعار مولانا أو حافظ على ناطق بالفارسية يقرأ أشعارهم ويدركها لا يُقارن بمن يقرأ ترجمتها أو يقرأ عنها في لغات أخرى. وبنفس الطريقة، فإن سيطرة نيتشه على قارئه، من خلال لغته، مدهشة.
في نهاية الكتاب أيضاً، لديكم مباحث بعناوين جذور العرفان والفلسفة في ألمانيا، وسبينوزا وفلسفات أصالة المعنى في ألمانيا.
ذلك الجزء الذي كتبته عن جذور العرفان والفلسفة في ألمانيا مهم جداً. لدينا في ألمانيا عرفاء ومصلحون دينيون هم فلاسفة وعرفاء في آنٍ معاً، وفي الوقت نفسه ليسوا أتباعاً لأي فيلسوف بعينه. لقد أدركوا، بطريقتهم الخاصة وفي الحقيقة عن طريق الكشف الروحي، مطالبَ وكشفوا المحجوب، إن صح التعبير. هؤلاء الأشخاص يشبهون عرفاءنا إلى حد ما، وقد أشرت إليهم هنا إشارة تاريخية وقدمت تقريراً عنهم، لا أنني أستطيع حقاً تحليلهم بدقة. كان هدفي أن تُسمع أسماؤهم في إيران على الأقل ويُعرفوا، حتى إذا ما وجد أحدهم رغبة، يقوم بدراسات مقارنة بينهم وبين عرفائنا.
أما المبحث الأخير فيختص بتأثير سبينوزا في ألمانيا وعلى لايبنتس وكانط وفيشته وشيلينغ وهيغل. هذا الجزء أيضاً هو جزء مهم جداً جداً، ولا أعتقد أنه قد تم الحديث عنه في إيران بهذه التفاصيل وبهذا الترتيب.
ختاماً لهذا الحوار، لو كان لديكم توقع من أهل الفلسفة أو من أهل الكتاب، تفضلوا به.
توقعي هو أنهم عندما يقرؤون كتابًا فلسفيًا أو عن فيلسوف أو ترجمةً لفيلسوف ــ وللأسف ترجماتنا غير قابلة للقراءة ــ لن يضطروا بالضرورة إلى أن يكونوا موافقين أو مخالفين له. نحن نقرأ لكي نثري أذهاننا. اسمعوا مني هذا: للفلسفة في المقام الأول جانب تعليمي. قد يبدو هذا متطرفًا لكنني أعتقد أنه لا يوجد تخصص له جانب تعليمي وتأثيرات تعليمية مثل الفلسفة. عندما يسألون ما فائدة الفلسفة، ينبغي أن يكون الجواب أن فائدة الفلسفة هي التعليم. من يقرأ الفلسفة يتسع أفقه الذهني وتصبح الدنيا واسعة أمامه.
عندما تقرأ هذا الكتاب «الفلسفة في ألمانيا» لن تكون بعد ذلك في زاوية إيران، وبما أنك ترى إلى حد ما الوضع الجغرافي والتاريخي والاقتصادي والسياسي والفكري للمجتمع الغربي، ينشأ لديك اتساع ذهني ولا يعود فكرك محدودًا. هذا هو التعليم بعينه ويجب أن نعزه.
وفيما يتعلق بالتعليم، يجب أن أؤكد على هذه النقطة وهي أن علينا أن نهتم أكثر بالقراءة والكتاب والدرس. هذا أمر ربما يكون قد تضاءل على مستوى المجتمع. ربما لأن الجميع يظنون أنفسهم علماء. وكثيرون في هذا المجال يلجؤون إلى الخداع وينتحلون صفة العالم والمفكر، لكن هؤلاء سرعان ما يُعرفون.
كما أطلب من أهل الكتاب والقلم أن يصونوا اللغة الفارسية. لدينا لغة جيدة لكنني لا أدري أين ذهب تعصبنا القومي حتى نضع أنفسنا بسهولة في أسر الكلمات الإفرنجية والإنجليزية. هذا سيئ جدًا ويجب أن نقف في وجه هذه المسألة أيضًا.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با آرزوی طول عمر برای استاد عزیز دکتر مجتهدی
با سلام ممنون از سایت خوبتون