اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تُظهِر نظرية الاختيار العقلاني للدين، بتجاوزها قصور نظرية العلمنة، أن دور الدين لا يتضاءل؛ بل يتكيّف مع مقتضيات المجتمع الحديث ويستخدم براهين عقلية قائمة على السوق والربح والخسارة.

نظرية الاختيار العقلاني هي نظرية حظيت باهتمام خاص من بعض المفكرين المتقدمين، لا سيما الاقتصاديين الكلاسيكيين وعلماء الأنثروبولوجيا الاقتصادية والاجتماعية، وقد قام بعضهم بمعالجة الصورة الخام لفكرة الاختيار العقلاني. كان لتفسير السلوكيات الدينية للناس في العالم الحديث بناءً على تفسيرات نظرية العلمنة أهمية كبيرة في علم اجتماع الدين. لكن هذه النظرية، بسبب بعض أوجه القصور، لا تستطيع تقديم تفسير شامل وكامل. ومن هنا، يبدو أن نظرية الاختيار العقلاني، بوصفها مقاربة جديدة في علم اجتماع الدين، يمكنها أن تعوّض بعض أوجه القصور في نظرية العلمنة. هذه النظرية، من خلال التفسير الذي تقدمه للتعددية الدينية في العالم الحديث، تطرح شكلاً آخر من العلمنة تجلى في الدين نفسه. وقد زاد هذا الأمر من أهمية تقديم نظريات ما بعد العلمانية لإتاحة إمكانية تقديم تفسير أكثر شمولاً لوضع الدين في العالم الحديث. وبناءً على ذلك، تُظهر نظرية الاختيار العقلاني للدين أن دور الدين في المجتمعات لا يتضاءل، وأن الدين يسعى إلى مواكبة مقتضيات المجتمع الحديث، مستخدماً في استدلالاته براهين عقلية معتبرة قائمة على السوق والربح والخسارة.
الظواهر الاجتماعية هي نتاج أفعال البشر، والبشر فاعلون تحكم أفعالهم القيم والاعتقادات والأهداف والمعاني والأوامر والنواهي والحذر والتردد. بعبارة أخرى، البشر كائنات عارفة وقاصدة1 يستند فعلها إلى العقل والحساب العقلاني. يؤدي قبول هذا الادعاء إلى افتراضات مسبقة في العلوم الاجتماعية تميزها عن العلوم الطبيعية، وهذا التمييز واضح بشكل خاص في علة الأنظمة الاجتماعية واختلافها النوعي عن علة الأنظمة الطبيعية. كما أن الطابع القصدي للظواهر الاجتماعية يفتح الباب أمام نمط من التفسير في العلوم الاجتماعية غير ممكن في العلوم الطبيعية(5، ص:63).
في الواقع، الاختيار العقلاني هو نظرية حول السلوك البشري، تقوم على افتراض أن البشر يسعون، بالنظر إلى مواردهم وإمكانياتهم في بيئتهم المحيطة، إلى اتخاذ أكثر القرارات ربحية وكفاءة. يبحث البشر في سلوكهم عن نتائج مرغوبة، ويمكن أن تكون هذه المنافع والنتائج المرجوة مادية أو غير مادية، لذا فإن الحصول على مكافآت مهمة مثل الرضا الداخلي، وزيادة الشعور بالأهمية، وغيرها... تكون محل اهتمام الأفراد في الاختيار العقلاني(17).
أحد أبرز التطورات الحديثة في العلوم الاجتماعية هو التأكيد على الافتراضات المسبقة المذكورة أعلاه في السلوك الإنساني، مما أدى إلى ظهور نظرية أو منهجية الاختيار العقلاني. إن مبادئ وأسس الفاعل العقلاني هي أساس العديد من التنظيرات المؤثرة في العلوم الاجتماعية(30، ص:1 و 11، 3).
في نظرية الاختيار العقلاني2، يتم التأكيد على تحديد المسارات العقلانية للفعل في شكلها التجريدي، ثم مقارنة السلوك الفعلي للبشر بذلك الفعل. غالباً ما تهتم نظرية الاختيار العقلاني بتأثير التفاعل المتبادل بين الأفراد على النظام الاجتماعي ككل(14، ص:83). في هذه النظرية، يتم التركيز على الفاعلية القادرة على الاختيار من بين الخيارات، بوعي ووفقاً لمصالحها(15، ص:352).
في هذه النظرية، تُستخدم افتراضات مبسطة حول السلوك، أهمها مبدأ العقلانية الذي يُعتبر الأفراد بموجبه فاعلين قاصدين يسعون إلى تعظيم3 منافعهم. ووفقاً لهذه النظرية، يختار الأفراد، من بين مجموعة من الأفعال المحتملة، الفعل الذي يحقق لهم أفضل نتيجة(32، ص: 294). بناءً على الموضوع الأساسي للعقلانية، تُبنى افتراضات قابلة للتعميم على الفعل الاجتماعي والمستويات البنيوية والمؤسسية. يُدرج تيرنر4 افتراضات نظرية الاختيار العقلاني على النحو التالي (31، ص:304):
أ ـ البشر ذوو أهداف وساعون إلى تحقيقها.
ب ـ البشر لديهم مجموعة من التفضيلات أو المنافع المنتظمة بشكل هرمي.
ج ـ عند اختيار مساراتهم السلوكية، يقوم البشر بحساب عقلاني بالأشكال التالية:
1ـ ربحية مسارات السلوك المختلفة بالنظر إلى هرمية التفضيلات.
2ـ تكاليف كل خيار من حيث المنافع المفقودة.
3ـ أفضل طريق لتعظيم5 المنافع.
بالنظر إلى ما سبق، فإن جوهر نظرية الاختيار العقلاني هو اعتبار الإنسان فاعلًا عقلانيًا، يختار ويفكر بأفضل صورة ويحتسب أرباحه وخسائره في اختياره (2، ص:92). خلال السنوات القليلة الماضية، قدمت نظرية الاختيار العقلاني فيما يخص الدين إجابات جديدة عن الأسئلة القائمة حول استمرار وجود الدين، وأنماط التغيير الديني، والتفسيرات المطروحة بشأن التزام ونمو الأديان التي تحظى بطلب كبير، مقاربةً جديدة. النقطة الأساسية في هذه المقاربة النظرية للدين هي أن الفعل الديني (الاختيار الديني) لا يختلف بشكل ذي معنى عن سائر أشكال الاختيار العقلاني (بمعنى أن عملية اتخاذ القرار التي ينخرط فيها البشر في حياتهم الدينية والروحية لا تختلف عن العملية التي يقوم بها الفرد عند اختيار سيارة).
كذلك، وبالنظر إلى هيمنة نوع من النظرة والمقاربة الفكرية للوجود في العصر الحديث، والتي بموجبها تُفسَّر الظواهر الطبيعية وتجارب الحياة وتُحلَّل دون إحالة إلى شيء خارج الطبيعة والمجتمع. أي أن وصف العالم الوجودي وتفسيره لا يتم إلا بالمعايير والضوابط التجريبية والتقنية ـ العقلانية. لذلك يبدو أن مقاربة الاختيار العقلاني للدين قد تشكلت في مثل هذا السياق (الذي يبشر العالم الحديث بالعلمنة)؛ وكما يتضح من تعريفات أصحاب الرأي في العلمنة6 (10، ص:16و12و13، ص:25)، فإن السعي نحو العلمنة لا يحدث فقط على المستويين الجزئي والكلي للنظام الاجتماعي، بل إن هذه العملية تُتابع في الدين نفسه أيضًا. من حيث أن نظرية الاختيار العقلاني قد لعبت دورًا بالغ التأثير في علمنة الدين. فإن دراسة العلاقة بين عملية العلمنة ونظرية الاختيار العقلاني للدين يمكن أن يكون لها أثر تفسيري في إيضاح وضع الدين في العالم الحديث. لذا فإن أولويتنا في هذه المقالة هي دراسة العلاقة بين العلمنة بوصفها المقاربة المهيمنة تجاه الدين في العالم الحديث، ونظرية الاختيار العقلاني للدين بوصفها عاملًا مؤثرًا في علمنة الدين. لذا، لتحقيق هذا الأمر، سنتناول أولًا نظرية الاختيار العقلاني للدين، وبعد تعريف موجز لعملية العلمنة، سنناقش العلاقة بين العلمنة ونظرية الاختيار العقلاني.
وفقًا لهذه النظرية، فإن الإنسان خلال حياته ووجوده معرض لأنواع من التهديدات والمخاوف المادية والروحية، لذلك يُعد الدين ملاذًا وملجأً مناسبًا لها. الدين قادر على تحويل حالات عدم اليقين واللايقين هذه إلى طمأنينة وسكينة وجودية؛ هذه الطمأنينة والسكينة الوجودية التي تمنح للبشر نتيجة اعتناقهم للدين، تتحول إلى سلعة مشتركة لا يمكن بلوغها بشكل فردي (22، ص: 154-153).
تجادل هذه النظرية بأن الناس يعيشون في العالم الراهن بناءً على دوافع دينية (مثل الخلاص)، ومع ذلك ينبغي عليهم أن يقرروا كيفية بلوغ أهدافهم؛ في الواقع، تنظر نظرية الاختيار العقلاني الديني إلى السلوك الديني بوصفه نوعًا من علاقة التبادل، بحيث يلتزم الأفراد دينيًا، فإذا أوفوا بطلبهم لله في موعده المقرر ووفقًا للشرائع الدينية، فإن الله، بموجب الالتزام الديني القائم، يمنحهم مكافآت. وفقًا لهذه النظرية، فإن الاختيار العقلاني الديني هو الدافع الرئيسي للفعل الديني والاستعانة بما وراء الطبيعة لضمان المكافآت (19).
يقدم ستارك8 (1994) في هذا السياق ثلاثة افتراضات، ليتمكن بناءً عليها من تقديم تحليل قائم على الاختيار العقلاني للدين. أولًا، أن البشر يسعون وراء ما يعتبرونه مكافأة ويتجنبون ما يسمونه خسارة؛ ثانيًا، أن فعل البشر مرهون بمجموعة من أنظمة تجهيز المعلومات التي مهمتها اكتشاف المسائل والسعي لحلها؛ ثالثًا، أن بعض المكافآت المرغوبة محدودة بل ونادرة (30، ص:4-1 و 29). من الافتراض الثالث يقدم ستارك تحليل الاختيار العقلاني للدين. المكافآت المحدودة والنادرة لها بدائل تحل محل المكافآت المرغوبة. ظهرت بدائل مختلفة في الحياة الاجتماعية، لكن أهم أنواع البدائل يتعلق بالدين.
يقدّم ستارك مفهومي القوة والتقوى في هذا السياق ليطرح ثلاث قضايا حول الدين. أولاً، ثمة علاقة سلبية بين قوة الفرد أو الجماعة وقبول البدائل النادرة. فمن يمتلك القوة على تأمين حياة رغيدة في الدنيا، لا يكون بديله في مستوى حياة رغيدة، أما بالنسبة للفقير فقد يكون الأمر كذلك. ثانيًا، ثمة علاقة إيجابية بين قوة الفرد أو الجماعة والتحكم في التنظيم الديني ونيل المكافآت من المنظمات الدينية. وهذا ما أسماه بالشكل الكنسي للدين. ثالثًا، وهو الأهم بالنسبة لستارك من الاثنين الآخرين، أن كل فرد أو جماعة يسعى وراء بدائل للمكافآت المرغوبة التي لا وجود لها في عالمنا (30، ص: 4-1). لقد كانت الحياة الأبدية مطلبًا مرغوبًا لدى البشر، ومن جهة أخرى يعلم البشر أنهم لن ينالوا الحياة الخالدة في هذا العالم. لذلك يلجأ البشر إلى التقوى والزهد ليضمنوا لأنفسهم خلود الآخرة (27، ص: 43). إن الدين في الواقع يقدم بدائل عامة لكل المكافآت النادرة أو الشحيحة التي لا تكون في متناول الجميع، أو إن وُجدت فهي زائلة.
من إحدى الطرق التي يمكن بها تطبيق قضايا الاختيار العقلاني على الدين، أمثلة وقضايا ستارك وفينك9 (1992)؛ فعلى سبيل المثال، يحاولان تفسير هذه القضايا من خلال نظرية الاختيار العقلاني. "لماذا تتمتع الكنائس الجافة المقدسة بقدر أكبر من القوة؟" إنهما ومن خلال طرح مبدأ الاستثمار، يحتجان بأنه حين يستثمر الأفراد في شيء معين، فإن سعيهم لحماية استثمارهم يزداد (20، ص: 61-58). فعلى سبيل المثال، إذا اشترى شخص سيارة باهظة الثمن، فإنه يضطر إلى الاعتناء بها باستمرار أو توظيف شخص لحراستها. والآن، إذا طبقنا هذا المبدأ على الدين، فعندما يقتنع الأفراد بأن الكنيسة الجافة المقدسة (المتشددة) تقدم لهم الطريق الصحيح نحو الحقيقة، بينما يُجبر أعضاؤها على قضاء ساعات طويلة في الكنيسة، فإن الأفراد يصبحون أكثر حماسًا للذهاب إلى الكنيسة والعمل بتعاليمها الصارمة، لأنهم يعتبرون ذلك نوعًا من الاستثمار لسعادتهم. من وجهة نظر هكتر10 (22، ص: 156 و 14، ص: 196)، فإن الجماعات التي تنفي التراتبية لا تجعل أعضاءها معتمدين كثيرًا على الجماعة في الطعام والمسكن، ولا تفرض التزامات محددة تدوم طويلاً. على العكس من ذلك، فإن الجماعات، مثل الجماعات الدينية القادرة على المراقبة الكاملة لأفعال أعضائها - مثلاً من خلال أماكن المعيشة المشتركة والجلسات المنتظمة والطقوس التي تفرض تكاليف باهظة جدًا لمنع الانسحاب، وتجعل مجموع المكافآت بشكل ملحوظ مع التأكيد على الملكية الجماعية المشتركة - يكون احتمال بقائها على المدى الطويل أكبر. كما أن الجماعات الدينية (المتشددة) تمتلك القدرة على رصد المستفيدين دون مقابل بشكل جيد، وتأمين المكافآت الدينية لأعضائها.
يبدو أن نماذج نظرية الاختيار العقلاني تمتلك بنية منطقية. فهذه النماذج تقوم على افتراض مسبق مفاده أن السلوك الديني هو نتيجة فعل الفرد المتدين لحل المسائل التالية:
بالنظر إلى الاختيار في سياق الفعل وتعظيم الموضوعات، ومع الأخذ في الاعتبار النموذج الاقتصادي للسوق المنزلي، يمكن استنتاج أن المواد الإنتاجية قد تكون ملموسة أو غير ملموسة مثل منتجات المصنع، فإصلاح المنزل حالة ملموسة والاستراحة حالة غير ملموسة. والدين أيضًا أحد السلع المنزلية حيث يمكن لكل فرد أن يعتبر المشاركة الدينية مسألة اختيار شخصي (24). ومسألة الاختيار هنا تتعلق بمقدار الوقت والمال الذي يُنفق على الأنشطة الدينية مقابل الأنشطة العلمانية. المواد التجارية المنزلية هي ذاتها الخدمات والسلع القيمية التي تنتجها الأسر والأفراد لاستهلاكهم الخاص. والآن، كما يتم تلبية احتياجات الأسرة مثل: الحاجة إلى الطعام أو التناسل أو وسائل الترفيه، وكل منها يستلزم إنفاق موارد مالية وزمنية لشراء السلع، فإن العملية ذاتها تجري بشأن الاحتياجات الدينية. أي أن الأفراد يسعون لإشباع فعلهم الديني وفقًا لمواردهم المالية والزمنية. يمكن أن تشمل الموارد الزمنية وقت الذهاب والإياب إلى المكان الديني، والوقت المنفق في التضرع والدعاء، ووقت التأمل وقراءة الكتاب المقدس، أو وقت السلوك الإيثاري أو الصدقة... إلخ. ويمكن أن تشمل الموارد المالية تكاليف التزين للمراسم الدينية، وتكاليف النقل والانتقال وشراء الكتاب المقدس، والأضحية... إلخ. قد تكون المواد الدينية جماعية، أي تعود بالنفع على المجموعة، أو خاصة، أي تعود بالنفع على المشترين الأفراد؛ وفي نهاية المطاف، في هذا النموذج، يُشجَّع ويُحفَّز وكلاء المؤسسة الدينية الذين ينتجون المنتجات الدينية بالحوافز ذاتها التي يُحفَّز بها الوكلاء العلمانيون.
لقد مهدت الافتراضات الاقتصادية لنظرية الاختيار العقلاني للدين الطريق لتشكل نقاشات الاقتصادات الدينية والأسواق الدينية. في هذه النقاشات، تُعتبر كافة أنشطة الكنيسة ورجال الدين بمثابة سوق دينية لها محدودياتها وإمكانياتها الخاصة. كما تُطرح في هذه النقاشات مسألة تنافسية السوق الدينية أو تعدديتها مقابل احتكارها، ويُدرس تأثيرها على مستوى المشاركة الدينية للأفراد. وسنتناول هذه النقاشات بمزيد من التفصيل لاحقًا.
لقد وفرت نظرية الاختيار العقلاني أرضية مفيدة ومناسبة للدراسة النظرية والتجريبية للدين. في نقاش الأسواق الدينية، تُؤخذ الافتراضات المركزية لنظرية الاختيار العقلاني ونظرية السوق بعين الاعتبار، ثم تُجرى نمذجات للدين بناءً على هذه الافتراضات. فعلى سبيل المثال، تُعتبر كافة ردود أفعال الكنيسة ورجال الدين بمثابة سوق دينية ذات محدوديات وإمكانيات خاصة بها. أي أن هذه السوق، مثل السوق الاقتصادية، تتكون من قطبين. في طرف يقف منتجو المواد والسلع الدينية (أي مؤسسة الكنيسة ورجال الدين)، وفي الطرف الآخر يقف المستهلكون الدينيون كمشترين لمنتجات رجال الدين الدينية (23). أي أنها تمامًا مثل بنية الأسواق المعتادة، لها وجهان متميزان: المنتج والمستهلك. علاوة على ذلك، في هذه السوق، كما في الأسواق الأخرى، يوجد ميل نحو التوازن، ومن جهة أخرى توجد حرية المستهلك في اختيار المنتجات الدينية، مما يضع المنتجين الدينيين (الكنيسة ورجال الدين) تحت قيود. في هذا التحليل، كما هو الحال في السوق الاقتصادية، لا يصمد بائع (سواء كان بائع سيارات، أو بائع رحمة الله وغفرانه) طويلاً دون وجود مشترٍ. كما يفضل الزبون تشكيل محتوى السلعة الدينية، بل وحتى بنية المؤسسات الدينية، بناءً على طلبه.
ومثال آخر هو استخدام مفاهيم اقتصادية مثل الدعم12 والقمع. تُستخدم هذه المفاهيم لتبيين كيفية خلق الدافع والفرصة لإزالة دين ما أو تطويره في نظريات السوق والاقتصاد الديني. يكافئ الدعم الجماعات الدينية المختارة، ويعاقب القمع الجماعات غير المرخصة وغير الشرعية. يقدم القمع أوضح الأمثلة على تغيرات الدوافع والفرص. فالقوانين التي تفرض قيودًا على الممارسات الدينية تسلب فرص الأديان غير المرخصة والتي لا تحظى بشرعية الدولة. يغير القمع دوافع جميع الأديان، وفي الوقت نفسه يساعد على النمو طويل الأمد للاقتصاد الديني (25).
بالمقارنة مع القمع العلني للدين، فإن تأثيرات الإعانات13 التنظيمية أقل بكثير. في الواقع، يبدو للوهلة الأولى أن الإعانات تشجع النشاط الديني من خلال دعم المؤسسات الدينية وخفض تكلفة العضوية على الفرد. لكن بالتأمل الدقيق، يتضح أن الإعانات تضعف حوافز المنتجين لكسب تأييد الجماهير وتحد من المنافسة عبر حصر الإعانات في عدد قليل من الأديان المختارة.
يقدم معارضو الكنيسة الرسمية تقييمات مماثلة بشأن رجال الدين الذين يتقاضون رواتب في السويد المعاصرة، فالدولة تمنح رواتب سخية للقساوسة، و95 في المئة من مجموع سكان السويد مسجلون كأعضاء في كنيسة السويد، ومع ذلك تشير التقارير إلى أن اثنين في المئة فقط من السكان يحضرون الكنيسة كل يوم أحد. عندما سُئل أسقف ستوكهولم عن سبب هذا التفاوت، أجاب قائلاً: «الكنيسة المستقرة أشبه بمكتب البريد. ففي ساعات العمل لا يزدحم الناس بداخلها... إنهم ببساطة يشعرون بالرضا لوجودها في مكانها المعتاد» (27، ص:164). عندما تدفع الدولة رواتب القساوسة، فلن يكون لديهم حافز كبير لكسب تأييد الجماهير وتعبئتهم. في المقابل، القساوسة الذين لا يتلقون إعانات ويضطرون إلى الاعتماد على التبرعات الاختيارية من الناس؛ على الكنائس أن ترفع التزامات العضوية إلى مستوى يوفر موارد مالية وزمنية كافية.
تغير الإعانات حوافز المستهلكين الدينيين أيضاً. عندما تخصص الدولة الإعانات لأديان معدودة فقط، فإن هذه الإعانة ترفع تكلفة الانضمام إلى دين بديل؛ كتسجيل التلاميذ في المدارس غير الربحية، حيث يدفع الآباء كامل تكلفة التعليم عند اختيار مدرسة غير ربحية لأبنائهم ويتخلون عن امتياز التعليم المجاني؛ وهم يساهمون بشكل ما في المدارس الحكومية من خلال دفع الضرائب. وبشكل مماثل، فإن تخصيص الإعانة لدين واحد يزيد من تكلفة التحول إلى دين آخر. بعبارة أخرى، بالنسبة للمستهلك الديني، فإن تخصيص الإعانة لكنيسة واحدة يضعف الحافز للتحول إلى كنيسة أخرى.(18)
لكن الأسواق الدينية يمكنها أيضاً أن تفسر وضع الدين ومؤسساته بطريقة أخرى. فمدى تنافسية الأسواق الدينية أو احتكاريتها يمكن أن يؤدي دوراً فاعلاً في إيضاح وضع الدين في العالم الحديث. كلما كان السوق الديني تنافسياً وتعددياً، كانت المؤسسات الدينية أكثر كفاءة. والصيغة الأخرى للتعبير عن هذه القضية هي أن السوق التنافسي والتعددي ينظم كنائس تكون نسبة العائد إلى الاستثمار فيها أعلى (28). بغض النظر عن مقدار المال أو الالتزام أو الوقت المستثمر في الكنيسة، يبدو أن الناس يبحثون عن كنيسة يحققون من خلال الاستثمار فيها عائداً مرتفعاً. عندما تكون المنافسة عالية، فعلى الكنائس إما أن تحقق عائداً أكبر أو تواجه تراجعاً في تأييد الناس.
إذن، الكفاءة هنا تعني نسبة إجمالي الإنتاج إلى إجمالي التكاليف. توفر الكنائس طيفاً واسعاً من المنافع الاجتماعية والروحية والنفسية وحتى الجسدية لأعضائها، مثل السمو الروحي للجماعات الاجتماعية من خلال الصلاة والإرشادات الأخلاقية. لكن الكنائس تفرض أيضاً تكاليف على أعضائها، مثل الوقت والمال والمطالبة بسلوك جاف ومتكلف أو دعم معتقدات جدية وصارمة من خلال الاعتراف. الكنائس الأكثر كفاءة تتيح نسبة منفعة إلى تكلفة أعلى؛ هذه النسبة البسيطة تضع خيارين أمام المؤسسات الدينية لزيادة الكفاءة.
أولاً؛ يمكنها زيادة الخدمات التي تقدمها للأعضاء، مع تقليل التزامات (تكاليف) العضوية. قد يؤدي خفض التكاليف على الأعضاء في البداية إلى زيادة عدد أعضاء الطائفة أو الجماعة الدينية، لكن تقليل التكلفة والالتزامات الدينية هذا يقلل على المدى الطويل من قدرة الجماعة الدينية على إنتاج السلعة الدينية، ويؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض كبير في عدد أعضاء الجماعة الدينية (20، 27، ص: 185). لذا فإن هذه الطريقة مضللة. ومع ذلك، فإن تساهل الأديان الرئيسية في معايير وشروط العضوية ينتهي بانخفاض حاد في القدرة على إنتاج السلع الدينية. لذلك، حتى لو وجدت الأديان نفسها في سوق تنافسية، فعليها من أجل بقائها على المدى الطويل أن تتمسك ببعض مبادئها الأساسية، حتى لو واجهت لفترة قصيرة تسرباً في أعضائها.
كلما كان السوق الديني تنافسياً وتعددياً، ازداد معدل المشاركة الدينية. تنبثق هذه المقولة من تقليد سوسيولوجي له تاريخ طويل. تقليد كان يعتقد أن قوة الدين تنبع من قدرته على احتكار جميع جوانب الثقافة (32، ص420). يوضح برغر، أبرز أنصار هذا التقليد، أن تنوع الإيمانيات دمر مظلة القداسة وقلل من غرور جميع الأديان (10، ص:120). تتناقض هذه المقولة بشدة مع الحجة القائلة بأن حيوية أي سوق ديني تعتمد على قدرته على خلق منافسة تعددية (19). يمكن تلخيص خط الاستدلال أعلاه على النحو التالي: إن التنوع الواسع للجماعات الدينية الصغيرة، التي تتكيف كل منها مع طلبات قطاعات معينة من السوق، يمكنها تعبئة السكان نحو معدلات أعلى من العضوية والالتزام. في الأسواق الدينية، تشكل الإثنيات والأعراق والطبقات الاجتماعية مستهلكي الدين الذين يطلبون دينهم المرغوب، وتسعى جماعات دينية عديدة، جنباً إلى جنب، إلى تلبية طلب نسبة كبيرة جداً من السكان. نسبة أكبر بكثير مما كانت عليه عندما كان هناك إمكانية للوصول إلى جماعة مؤمنين واحدة أو عدد قليل منها فقط (26).
بالنظر إلى المباحث المطروحة في هذا المجال والأبحاث التي أجراها علماء اجتماع الدين، يبدو أن نقاش الأسواق الدينية يتعارض إلى حد كبير مع نظرية العلمنة التي طالما عُرفت بأنها النظرية السائدة في علم اجتماع الدين. لكن قبل التطرق إلى كيفية ارتباط نظرية الاختيار العقلاني للدين والأسواق الدينية بنظرية العلمنة، من الضروري أولاً تقديم تعريف شامل نسبياً لنظرية وعملية العلمنة.
رغم أن العلمنة يُشار إليها باعتبارها البراديغم المهيمن على دراسات علم اجتماع الدين، إلا أن هذا المفهوم كان في الوقت ذاته موضع شك ونقاش جاد. مصطلح العلمنة، الذي كان في البداية مفهوماً قانونياً في الغالب، أصبح في القرن العشرين يعبر عن طريقة تفكير حلت بموجبها المعادلات العقلانية والعلمية الحديثة محل التفكير والتلقي الديني بوصفه مظهراً من مظاهر التقليد، مما يعكس بدوره استخداماته الأوسع في العلوم الاجتماعية والسياسية والثقافية (9، ص:32). في عموم التعريفات المقدمة للعلمنة، يبرز أفول الدين كأكثر العناصر محورية في مختلف التعريفات، في حين أن شكل ومكونات هذا الأفول حظيت باهتمام أقل، ويوضح شاينر14 في تصنيفه لتعريفات العلمنة أبعاد هذه العملية بشكل أوضح:
1ـ التعريفات المتعلقة باضمحلال الدين: التي تشير إلى انحدار مكانة ومصداقية الرموز والتعاليم والمؤسسات الدينية السابقة والتمهيد لتحقيق مجتمع خالٍ من الدين.
2ـ التعريفات المتعلقة بالتكيف الأكبر مع هذا العالم: التي تشير إلى التوجه الدنيوي وانصراف اهتمام البشر من العوامل فوق الطبيعية إلى ضرورات الحياة الدنيوية.
3ـ التعريفات المتعلقة بانفصال الدين عن المجتمع: التي تشير إلى خصخصة الدين وبالتالي فقدان الدين هيمنته على مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى.
4ـ التعريفات المتعلقة باستبدال أشكال دينية جديدة محل المعتقدات والرموز الدينية: التي تهتم بأنسنة الأديان.
5ـ التعريفات المتعلقة بنزع القداسة عن العالم: التي تشير إلى إزالة الجوانب المقدسة من العالم.
6ـ التعريفات المتعلقة بالحركة من المجتمع المقدس نحو المجتمع الدنيوي وغير المقدس، والتي تُظهر تحرر المجتمع من أي التزام بالقيم والممارسات التقليدية، مع تأكيد شديد على عقلانية الإنسان (8، ص: 290-289).
يُشار هنا إلى تعريفين مشهورين آخرين يمكن أن يكونا مفيدين لنا في المراحل اللاحقة لفهم مستويات العلمنة. بيتر برغر15، وهو متكلم مسيحي وعالم اجتماع ومن أصحاب الرأي المعروفين في نظرية العلمنة، يُعرّف العلمنة بأنها «عملية تخرج بها قطاعات من المجتمع والثقافة من سلطة المؤسسات والرموز الدينية» (10، ص:56). لهذا التعريف جزءان رئيسيان؛ خروج قطاعات من المجتمع من سلطة المؤسسات الدينية يعني أنه إذا حدثت عملية العلمنة في مجتمع ما، تفقد المؤسسات الدينية هيمنتها على بعض مؤسسات المجتمع الأخرى، ولن يعود الدين بصفته مؤسسة عليا (مؤسسة فوقية) هو الذي يحدد معايير مؤسسة الاقتصاد والتعليم أو غيرها من المؤسسات، وسيترك لها وظائفها وأساليبها. أما الجزء الثاني من التعريف، أي خروج قطاعات من الثقافة من سلطة الرموز الدينية، فيعني أنه في حال تحقق العلمنة، تفقد العلامات والإشارات الدالة على الأفكار والقيم والمعايير الدينية هيمنتها الثقافية، ولا تعود قادرة على تغطية الثقافة كلها. في هذه الحالة، ستصبح قطاعات من أفكار الناس وقيمهم وسلوكياتهم خالية من الدلالات الدينية، بل وأحيانًا مناقضة للدين. وهكذا، فإن العلمنة في نظر برغر، إلى جانب جانبها المؤسسي، تشمل أيضًا الجانب الثقافي.
يعرّف براين ويلسون16 العلمنة أيضًا بقوله: «عملية تفقد من خلالها المؤسسات والأفكار والآداب الدينية أهميتها الاجتماعية». يعرّف ويلسون عملية العلمنة بأنها التضاؤل التدريجي للأهمية الاجتماعية للدين. من الممكن دائمًا أن يفقد الدين أهميته الاجتماعية في مجتمع ما وألا تكون له هيمنة على المؤسسات الاجتماعية الأخرى، وفي الوقت نفسه يكون ذا أهمية في مجال الحياة الخاصة لأفراد ذلك المجتمع (7، ص: 139 و 6، ص: 124-146 و 8، ص: 187-317 و 16، ص: 1-8 و 13، ص:2).
كما يتضح من التعريفات المختلفة، فإن العلمنة لدى برغر وبعض أصحاب الرأي الآخرين الذين يعتقدون بحدوث عملية العلمنة، تجري على هذه المستويات:
أ) على المستوى المؤسسي والاجتماعي، أي يفقد الدين نفوذه الاجتماعي على المؤسسات الأخرى مثل الاقتصاد والسياسة والتعليم وغيرها (العلمنة على المستوى الكلي).
ب) على المستوى الثقافي أو الفردي، أي تزول قابلية تصديق التعاليم الدينية لدى الأفراد ويميل إيمانهم واعتقادهم القلبي إلى الوهن (العلمنة على المستوى الجزئي) (7، ص: 139 و 13، ص:3).
ج) المستوى الآخر من العلمنة الذي اعتُبر مهمًا في أعمال علماء الاجتماع، هو علمنة الدين نفسه. بما أن الدين في الوضع التعددي الديني والثقافي لا يمكن فرضه على الأفراد، فإن تقديم السلعة لمستهلكين غير مجبرين على استهلاكها يكاد يكون مستحيلًا دون الأخذ بعين الاعتبار رأيهم فيها. المحتويات الدينية في مثل هذا الوضع تُوفَّق أيضًا مع ذوق المستهلكين. طبعًا ليس المقصود أن تفضيلات المستهلكين تحدد بالضرورة وبشكل كامل المحتويات الأصلية للدين، بل المقصود فقط تأثر الدين (أو بتعبير أدق التصورات الدينية) باحتياجات العصر. يمكن أن تؤدي هذه العملية إلى حذف بعض تعاليم الدين أو على الأقل إزاحتها إلى الوراء وتخفيف أهميتها (1، ص:73 و 7، ص: 140). لذلك يمكن تعريف العلمنة داخل الدين بهذا الشكل: التغير والتحول في التصورات والقراءات الدينية التي تكون وظيفتها الظاهرة والمقصودة هي حفظ الدين وتقويته في العالم الحديث.
بالنظر إلى التعريفات التي قُدمت ومستويات انتشار العلمنة، صار ممكنًا تدريجيًا فهم كيفية العلاقة بين العلمنة ونظرية الاختيار العقلاني للدين. خاصة في المستوى الأخير من عملية العلمنة الذي يشمل الدين نفسه ويحوله إلى سلعة ويهيئ الظروف لاستهلاكه وتبادله في السوق الدينية. سنتناول في القسم التالي العلاقة بين هذين الأمرين بمزيد من التفصيل.
هناك مقاربتان على الأقل للعلمنة يمكن أن تكونا منيرتين لإظهار العلاقة مع نظرية الاختيار العقلاني للدين. المقاربة الأولى هي الطلب على الدين، والافتراض الأساسي لهذه المقاربة هو أن التغير في الأفكار والسلوك الديني يُفسَّر بالبنية الاجتماعية والثقافية. وهذه التغيرات البنيوية والثقافية هي التي تجعل الدين أكثر أو أقل قبولاً أو رغبةً. يعتقد أنصار هذه المقاربة أن الظروف الاجتماعية الجديدة في العالم الحديث تجعل الطلب على الدين في انخفاض مستمر. يندرج بيتر برغر في نظريته الأولى وفي تعريفه للعلمنة، وويلسون وستيف بروس17 ضمن هذه الفئة (6، ص: 125ـ 141 و 8، ص: 297ـ300 و 13، ص:2-44)
في مقابل المقاربة الأولى، طُرحت رؤية جديدة تجد جذورها في نظرية الاختيار العقلاني. لقد تشكلت مقاربة ستارك وبينبريدج18 وبعض علماء الاجتماع الآخرين لهذا النقاش على هذا الأساس. تجادل هذه المجموعة بأن المحددات والعوامل الأساسية لحياة الدين لا تكمن في أسباب وعوامل تغير الطلب على الدين، بل إن العامل المحدد هنا هو خصائص السوق الدينية التي تؤثر على عرض السلع الدينية، ولذلك تُسمى هذه المقاربة بمقاربة عرض السلعة الدينية أو الاقتصاد الديني. تهتم هذه النظريات أكثر بدورة التحولات داخل الدين. وطبقاً لهذه النظريات، تفتح المنظمات الدينية الرسمية أبوابها إلى حد ما لروح العصر من أجل الحفاظ على المشاركة الدينية لدى الناس، وتُعد نفسها للبقاء في العصر الجديد عبر المرونة في بعض المعتقدات والأحكام (العلمنة داخل الدين). يعتقد منظرو هذه المقاربة أن الطلب على الدين موجود دائماً، وأن عرض السلعة الدينية هو الذي يتغير. ويشيرون إلى أن مسار علمنة المنظمات الدينية الرسمية يصل بها تدريجياً إلى نقطة لا يعود فيها الدين الذي تعرضه قادراً على تلبية الحاجات العميقة والروحية للناس. في هذا الوقت تزدهر حركات إحياء الدين (الطوائف) أو الابتكار الديني (الأديان الجديدة) وتقدم سلعاً دينية أكثر روحانية. لذلك فإن مسار العلمنة من وجهة نظر هؤلاء المنظرين هو مسار ذاتي التقييد. بالإضافة إلى ذلك، مع انتشار الطوائف والأديان الجديدة، يخرج عرض السلعة الدينية من حالة الاحتكار، ويتحول المجتمع إلى سوق تنافس الأديان، وتزيد المنافسة بين موردي السلع الدينية من الحيوية الدينية (8، ص: 306ـ310 و 21و 16، ص: 11).
لقد أصبح هذا الافتراض المسبق شائعاً جداً بأن العديد من أمم شمال أوروبا قد أصبحت علمانية إلى حد كبير ـ حضور ضعيف في الكنائس وانخفاض تأثير المؤسسات والقادة الدينيين ـ كانت المقاربات التقليدية تدعي أن هذا الانخفاض في الطلب على الدين قد نشأ بسبب الحداثة التي أدت إلى مقاربات عقلانية وعلمية حديثة، وأن ميل الأفراد نحو الماورائيات قد انخفض. هنا يخالف العديد من أنصار نظرية الاختيار العقلاني هذا الأمر. فهم يجادلون بأن الوضع الديني في شمال أوروبا يتأثر بدرجة عالية بمشكلة العرض لا بنقص الطلب؛ وأن غياب المشاركة الدينية في أوروبا يعكس إلى حد كبير جداً هيمنة اقتصادات دينية شديدة التنظيم تديرها كنائس الدولة، وهي غير قادرة على خلق أي نوع من الطلب لدى الأفراد (20). وفي هذا الصدد، تُظهر بيانات المسوح (27) أن الأفراد ذوي الحضور الضعيف جداً في الكنائس (الذين يشكلون أغلبية كبيرة جداً) لا يزالون يعتبرون أنفسهم أشخاصاً متدينين، ويعتقد كثيرون منهم بالله، ولا يعتبر نفسَه ملحداً سوى نسبة ضئيلة جداً من الأوروبيين. وتوجه هذه الأغلبية النقد دوماً لكنائس الدولة بأنها غير قادرة على تقديم إجابات مناسبة للمسائل الأخلاقية للأفراد.
لذلك يتنبأ المحللون الذين يؤمنون بالعرض الديني بحدوث إحياء ديني قوي جداً في شمال أوروبا، إذا ما أُعيد بناء هذه الاقتصادات الدينية وسَمَح هذا التعدد الحماسي بتطوره. وهذا الإحياء الديني الواسع الذي حدث بالفعل في روسيا، حيث حدثت إعادة بناء مفاجئة في الاقتصاد الديني وكانت نتيجته ظهور ملايين المهتدين المسيحيين من خلفية إلحادية، يؤكد هذا الادعاء. أو تشكل الحركات الدينية في أوروبا التي تنخرط فيها العديد من البلدان الأوروبية؛ وكذلك نمو الحركات البروتستانتية في أمريكا اللاتينية يؤكد هذا الادعاء بأنه إذا ما تم عرض الدين بشكل مناسب، فإن الميل نحو الدين سيظل مرتفعاً وسيزداد الاستهلاك، ومثال ذلك في أوروبا، حين كان التنظيم المؤسسي الديني ضعيفاً جداً قبل حوالي 20 عاماً، لكن مع حضور المبشرين الكنديين والأمريكيين ازداد هذا التنظيم المؤسسي بشكل ملحوظ وازدادت التجمعات الدينية بين عامي 1980 و1990 بنحو 300 في المئة (23، 25).
بالنظر إلى أن المقاربة الثانية تفسر العلمنة بأنها تحولات في الدين نفسه والتنظيم الديني وتعتبرها مقيدة لذاتها وتعتقد أن الطلب على الدين موجود دائماً، ينبغي أن نعتبر منظري هذه المقاربة من منكري عملية العلمنة بمعنى تراجع الأهمية الاجتماعية والفردية للدين.
نظرية الاختيار العقلاني، قبل أن تصبح محور ومركز اهتمام بعض مفكري العلوم الاجتماعية في العقود الأخيرة، كانت موضع اهتمام وتأمل من قبل بعض الخبراء المتقدمين، خاصة الاقتصاديين الكلاسيكيين وعلماء الأنثروبولوجيا الاقتصادية والاجتماعية، وقد عولجت الصورة الخام لفكرة الاختيار العقلاني من قبل بعضهم. في الأنثروبولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع، ينبغي البحث عن تكون فكرة الاختيار العقلاني مقترنة بفكرة التبادل وفكره. في علم الاجتماع أيضاً، بعد تكون نظرية البنيوية الوظيفية لبارسونز، في النظرية التي صاغها وطورها هومنز وبلاو تحت عنوان نظرية التبادل كرد فعل على نظرية بارسونز الكبرى، عولجت فكرة الاختيار العقلاني تدريجياً وحظيت بالاهتمام. في الصورة التي تقدمها نظرية التبادل عن المجتمع، يقوم الناس بأنشطة تبادلية للوصول إلى أقصى ربح. ما يهم في الأنشطة التبادلية هو الإجراءات والروتينات العقلانية التي يقرر الناس بواسطتها بشأن أفعالهم.
كان تفسير السلوكيات الدينية للناس في العالم الحديث بناءً على تفسيرات نظرية العلمنة ذا أهمية كبيرة في علم اجتماع الدين. لكن هذه النظرية لا تستطيع، بسبب بعض القصور، أن تقدم تفسيراً شاملاً وكاملاً. ولهذا السبب اكتسبت نظرية الاختيار العقلاني، كمقاربة جديدة في علم اجتماع الدين يمكنها أن تعوض بعض قصور نظرية العلمنة، أهمية حاسمة، وكما قيل قامت النظريات ما بعد العلمانية19 لتفسير الدين بالاعتماد على هذه النظرية.
تفسر نظرية العلمنة ظاهرة تراجع الدين وأفوله في المجتمع المعاصر بأن الحداثة تؤدي إلى انخفاض الطلب على المعتقدات الدينية التقليدية. يبدو أن هذا النوع من التفسير محدود بطريقتين؛ أولاً، بما أن هذا النموذج يهتم فقط بانخفاض الطلب على السلع الدينية، فإنه يفشل بطبيعة الحال في تفسير ازدياد الأنشطة الدينية. ثانياً، إن هذه التفسيرات تهتم فقط بجانب الطلب على السلع الدينية، في حين أن جذور التحولات الدينية هي علل وعوامل موجودة في جانب عرض هذه السلع؛ وليست نظرية العلمنة وحدها، بل سائر التفسيرات التي يقدمها المؤرخون وغيرهم من المفكرين الاجتماعيين بالتركيز على جانب الطلب تعاني من هذا القصور نفسه، فقد يعتبرون أن التغيرات في الطلب ناشئة عن إعادة التنظيم الثقافي للمجتمع، أو تغير الروح الوطنية، أو التقلبات الاقتصادية، لكنهم على أي حال لا يلتفتون إلى الجانب الآخر من سوق السلع الدينية.
يتمثل أحد الاختلافات الرئيسية بين مؤيدي عملية العلمنة ومعارضيها في أن أنصار المقاربة التقليدية في نظريات العلمنة يعتقدون أن التنوع والتعدد الثقافي والديني، ونشوء الدولة المحايدة، والعلمنة الكبرى تؤدي إلى خصخصة الدين، وتفريد فهم الدين، وتجزئة الحياة، والنسبوية، وأخيراً استمرار عملية العلمنة الفردية بوتيرة متسارعة وتراجع سلطة الدين في النظام الاجتماعي. لكن المجموعة الأخرى، التي تشكل أنصار الرؤى ما بعد العلمانية، تعتقد أن التنوع والتعدد الثقافي وتشكل الدولة المحايدة يزيد من حرارة سوق تنافس الأديان ويؤدي إلى ديناميكية وتعزيز المشاركة الدينية.
من وجهة نظر هابرماس20، في المجتمع الديمقراطي، لا ينبغي للدين أن يتخلى عن دوره الأخلاقي بأن يكتفي وينشغل بنفسه في المجال الخاص، بل يجب أن يترجم القيم الدينية إلى لغة دنيوية، وأن يُدمج مفاهيم مثل التوافق، والتفاهم، والاختيار العقلاني في خطابه الديني، وأن يضع المعايير الدينية في خدمة القيمة الإنسانية (29). وبالتالي، فإن دور الدين في المجتمعات لا يتضاءل، بل يسعى إلى مواكبة مقتضيات المجتمع الحديث، ويستخدم في استدلالاته البراهين العقلية المعتبرة القائمة على السوق والربح والخسارة. هذا هو التنبؤ الذي قامت به نظرية ما بعد العلمنة21 بشأن عدم أفول الدين.
ما يبدو أكثر ترجيحاً بالتأمل في المصاديق هو أن هذا الأمر يعتمد على السياق الاجتماعي للتعدد؛ فإذا كان التعدد الديني مقترناً بالفردانية الدينية، فإن النتيجة الأولى، أي العلمنة الفردية، تكون أقرب إلى الوقوع. إن وجود فضاء بأفكار وقيم متنوعة، دون اعتماد الفرد على جماعة دينية معينة، يجعله أولاً هامشياً بالنسبة لما لديه، ثم يمكنه أن ينظر من الخارج وبنظرة نقدية إلى ما لديه وما لدى الآخرين، وأن يلجأ بشكل أكثر استقلالية من الماضي إلى الاختيار أو التلفيق أو حتى الابتكار. حصيلة هذه العملية هي تشخصن فهم الدين وتفرده؛ مما يستتبع النسبية وتضاؤل قداسة الأفكار الدينية في نظر الأفراد.
البلدان الصناعية والمتقدمة في شمال وغرب أوروبا هي المصاديق البارزة لهذا التعدد. ولكن إذا كان التعدد الديني مقترناً بوجود جماعات وتجمعات إثنية-دينية نشطة ومتماسكة، وكانت الروح الديمقراطية سائدة في المجتمع أيضاً، فيمكن توقع النتيجة الثانية. لأن حصيلة هذه الروح هي تشكيل حكومة محايدة دينياً، وانتشار روح التساهل والتسامح، وتلاشي الإيديولوجيات الدينية. في هذه الحالة، ينشأ سوق تنافسي بين الأديان والجماعات والفرق المختلفة لاستقطاب الأعضاء والدعاية الدينية، وتكون نتيجته اتساع المشاركة الدينية بين أفراد المجتمع. ربما يمكن التماس نموذج لهذا النوع من التنوع والتعدد في مجتمع مثل الهند ودولته المحايدة.
في نهاية المطاف، من المؤكد أن وضع الدين في العالم الغربي قد تغير مقارنة بالماضي. لكن هذا التغيير لا يعني أفول أو
اندثار الدين؛ ونظرية الاختيار العقلاني للدين، بطرحها لقضايا مثل السوق الدينية، وتحول الدين إلى سلعة، ومواءمتها مع
نظريات ما بعد العلمانية، تسعى إلى تفسير هذه التغييرات، وتقدم استدلالات مقبولة على طريقتها بشأن وضع الدين في
العالم الغربي. يبدو أن تفسيرات هاتين النظريتين تتوافق مع الغلبة التي اكتسبتها المادية في المجتمعات الغربية؛
.
.
الهوامش:
5- Maximize 6- Secularization 7- Rational Choice Theory of Religion
8-Stark 9- Finke 10- Hechter 11- Religious Market
12- Subsidy 13- Regularity 14- Shiner 15- Berger
16- Wilson 17- Bruce 18- Bainbrige 19- Post Secular
20- Habermas 21- Post Secularization
المصادر:
1ـ جلیلی، هادی، (1383)، سکولارشدن، تهران، طرح نو.
2ـ کرایب، یان، (1386)، نظریه اجتماعی مدرن، ترجمه: عباس مخبر، تهران، آگه.
3ـ کلمن، جیمز، (1377)، بنیادهای نظریه جامعهشناسی، ترجمه: منوچهر صبوری، تهران، نشر نی.
5ـ لیتل، دانیل، (1386)، تبیین در علوم اجتماعی، ترجمه: عبدالکریم سروش، تهران، صراط.
6ـ ویلسون، برایان، (1374)، جداانگاری دین و دنیا، ترجمه: مرتضی اسعدی، در فرهنگ و دین، تهران، طرح نو، 124-146.
7ـ ویلم، ژان پل، (1377)، جامعه شناسی ادیان، ترجمه: عبدالکریم گواهی، تهران، موسسه فرهنگی انتشاراتی تبیان.
8ـ همیلتون، ملکم، (1381)، جامعه شناسی دین، ترجمه: محسن ثلاثی، ، تهران، موسسه فرهنگی انتشاراتی تبیان.
9- Backford, James (2003), Social Theory & Religion, Cambridge, Cambridge University press.
10- Berger, Peter, (1967), the Sacred Canopy, New York, Doubleday.
11-Boudon, R. (1998),“Limitations of rational choice theory”, The American Journal of Sociology; 104. 3.
12- Bruce, S. (1999), Choice and Religion: a Critique of Rational Choice Theory, Oxford, Oxford university Press.
13- Bruce, S. (2002), God is dead: Secularization in the west, Oxford, Blackwell Publishing.
14- Calhoun, Craige (2002), Contemporary Sociological Theory, Great Britain: Blackwell Publishers Ltd.
15- Collins, Randall (1997), Theoretical Sociology, New Delhi, Rawat Publications.
16- Dobbelaere, K. (1999), “Toward an Integrated Perspective of process Related to The Descriptive Concept of Secularization”, www.findarticles.com/p/articles/mi_m0SOR.
17- Elster, J. (1989), the cement of society, Cambridge, New York, Victoria: Cambridge University Press.
18- Finke, Roger & Iannaccone, L. (1993), “Supply-Side Explanations for Religious Change”, Annals, AAPSS, 527:27-39.
19- Finke, Roger & Stark, R. (1988), “Religious Economies and Sacred Canopies: Religious Mobilization in American Cities, 1906”, American Sociological Review, 53: 41-49.
20- Finke, Roger & Stark, Rodney, (1992), The Churching of America 1776-1990: Winners and losers in Religious Economy, New Brunswick, NJ, Rutgers University Press.
21- Hadden, J. (2004), “Paradigms in Conflict: Secularization and the Theory of Religious Economy”. http:// religious movements.Lib.virgina.edu/lectures/secular.
22- Hechter, Michael, (1997), “Religion and Rational Choice Theory”, In Lawrence(ed), Rational Choice Theory and Religion, New York & London, Routlege.
23- Iannaccone, L. (1995), Voodoo Economics? Reviewing the Rational choice approach to Religion, Journal for Scientific Study of Religion, 34:76-89.
24- Iannaccone, L. (1997), “Introduction to the Economics of religion”, Journal of Economic Literature, 36, 1465-6-96.
25- Iannaccone, L. (1997), “Rational Choice: Framework for the Scientific Study of Religion”, In L.A. Young, Theory and Religion: Summary and Assessment, New York: Routledge.
26- Iannaccone, Laurence, (1991), “The Consequences of Religious Market Regulation: Adam Smith and Economics of Religion”, Rationality and Society, 3:156-177.
27- Lamont, Stewart, (1989), Church and State, Unensy Alliances, London, Brodley Head.
28- Lechner, Frank, (2006), “Rational Choice and Religious Economies”, In James Beckford & N.J.Demerath (eds.), Handbook of Sociology of Religion, London, Sage Publication.
29- Lehman, David, (2010), “Rational Choice and the Sociology of Religion”, In B.S. Turner, the New Blackwell Companion to the Sociology of Religion, Singapore, Blackwell.
30- Stark, R. (1994), “Rational choice theories of religion”, The Agora Online (Newsletter of rationality and Society Section of the American Sociological Association and the Research Committee on Rational choice of International Sociological Association) 2(1):1-4.
31- Turner, Jonathan H. (1998), the Structure of Sociological Theory, USA, Wdsworth Publishing Company.
32- Wallace, Routh & Alison Wolf (1999), Contemporary Sociological Theory: Expanding the Classical Tradition, New Jersey, Prentice Hall.
نظرية الاختيار العقلاني للدين والعلمنة
الملخص:
لقد حظيت نظرية الاختيار العقلاني باهتمام العديد من الاقتصاديين الكلاسيكيين وعلماء الأنثروبولوجيا الاقتصادية والاجتماعية. كما يحاول العديد من علماء اجتماع الدين تفسير السلوكيات الدينية استنادًا إلى نظرية العلمنة. لكن هذه النظرية لم تستطع تقديم تفسير شامل حول الدين. لذا فإن نظرية الاختيار العقلاني، كمقاربة جديدة في علم اجتماع الدين، تسعى إلى استكمال مواطن الضعف في نظرية العلمنة. تناقش هذه النظرية التعددية الدينية في المجتمعات الحديثة وتُظهر العلمنة في الدين. وتزيد هذه المسألة من أهمية طرح نظرية ما بعد العلمنة حول الدين. وأخيرًا، تُظهر نظرية الاختيار العقلاني إلى جانب نظرية ما بعد العلمنة أن الدين لم يتلاشَ في المجتمعات الحديثة، وإنما يتكيف مع المتطلبات الاجتماعية.
الكلمات المفتاحية: نظرية الاختيار العقلاني، الاختيار العقلاني للدين، العلمنة، السوق الديني، ما بعد العلمنة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
نباید دین را با عینک جامعه شناسی ببینید. بلکه آنرا بدون عینک در قرآن همراه با الگو های دین و راهنما های آن ببینید که پیامبر (ص) و عترت (ع)هستند.اینجا است که معلوم میشود تمام بافته های شما بی اساس است.مردم دراین دنیا آزاد هستند که هر ادعایی بنمایند وهر رفتاری داشته باشند و این ارتباطی با دین ندارد.
شما دنیوی شدن یا به تعبیری عرفی شدن رو تقلیل دادید به کاهش تقاضای دین در مدرنیته و کاهش مشارکت دینی در صورتیکه عرفی شدن اولا به معنای افول دین و یا افول ایمان نیست عرفی شدن یک فرایند جبری است که رخ داده و ما الان در متن این فرایند قرار داریم عرفی شدن عرفی شدن یعنی واگذاری نقشها و موسسات و نهادها و موقعیتهایی که در اصل نباید در اختیار و سلطه دین باشند ولی بدلیل اقتدارگرایی و شمول گرایی و تمامیت طلبی به انحصار دین درآمده اند و فرایند عرفی شدن که شما این فرایند جبری رو به یک انتخاب و یا نظریه تقلیل داده اید به قدسیت زدایی و افسون زدایی این حوزه ها می پردازد و این حوزه ها رو از شمول دین خارج میکند و دین در نهایت عرفی خواهد شد یعنی در واقع چه ادیان درهای خود را باز بگذارند و چه بسته در نهایت دین بواسطه مبانی عرفی شدن عقلانی شدن و خصوصی شدن, تمایز یابی نقشها و نهادها و افسون زدایی و اسطوره زدایی و تعددیابی و... در نهایت عرفی خواهد شدد