اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يضلّ الفهم العقلاني للدين طريقه إلى الغاية، لأن جوهر التدين ليس الاستدلال، بل منح الحياة معنى وتجسيد قيم غائية. الإيمان تجربة عاشقة وملاذ يتجاوز حدود العقل ويدرك بالقلب.

إنّ دراسة الدين دراسة عقلانية محضة لا تفي بالغرض ولا تكون مناسبة في أغلب الأحيان. أنا أوافق على القول بأن إله الأديان يختلف تماماً عن إله الفلاسفة. إن البحث عن أدلة عقلية لكل قضية دينية هو خطأ لا يُغتفر. إننا بهذا العمل لا نصل إلى نتيجة، بل نضلّ الهدف والمقصد تماماً. في رأيي، إن جوهر الدين أو نقطة قوته لا تكمن في صمود القضايا الدينية أمام مختلف الاستدلالات العقلية، بل تكمن قوته في منحه المعنى لحياة البشر وفي تضمينه "قِيَماً موجّهة نحو الهدف". إذا جئنا ودرسنا الدين من الناحية العقلية بالكامل، فسنعتبره حتماً ظاهرة خيالية ووهمية. الدين وإن لم يخلُ من الاستدلال، إلا أنه لا يُنتَج بالكلية عبر العقلنة.
ولكن ما هو جوهر الدين؟! في ظني أن جوهر الدين هو الإيمان. وكما يقول المجتهد شبستري: «في الإسلام، لم يقم أساس الإيمان والعقيدة على فهم تقليد ديني وتاريخي ولغوي مستمر. أساس كون المرء مسلماً في كل عصر ليس الاتكاء على التقليد بمعنى فهم "ما فُهم" من قبل السابقين، وإن كان هذا يغذي إيمان المسلم ويساعده. إن معنى الإسلام في كل عصر هو إقامة علاقة حية ومغيرة مع الله في ذلك العصر نفسه، وخميرته هي تجربة كل إنسان وفهمه الشخصي لله، لا تقليد ديني-تاريخي مستمر»[1].
وعليه، فالإيمان هو نوع من العلاقة مع الله. هذه العلاقة لا تتشكل ولا تُختبر تحت سيطرة العقل. الإيمان هو نوع من وضع العقل بين قوسين وإخراج القلب من القوسين. أنا لا أعقل الله، أنا أدركه بالقلب. العلاقة العاقلة مع الله غير ممكنة، أما العلاقة العاشقة معه فممكنة. دعوني أضرب أمثلة. هذه الأمثلة كلها من القرآن. وهي تُظهر تماماً كيفية التجربة الإيمانية للأنبياء الإلهيين. في هذه الأمثلة يمكن إدراك الفرق بين العقل والقلب بوضوح.
ورد في القرآن قصة إبراهيم وذبح ابنه إسماعيل. في هذه القصة رأى إبراهيم رؤيا واعتبرها صادقة. فأخذ ابنه إلى المذبح وعزم على ذبحه. علم الله بإيمان إبراهيم فسلّم له كبشاً (حيواناً) ليذبحه: «يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ / فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ / وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ / قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ...»[2].
في قصة أخرى في القرآن، شمّ يعقوب رائحة ابنه يوسف من مسافة بعيدة واتهمه الآخرون بقلة العقل: «قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ / اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ / وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ / قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ / فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ...»[3].
يُظهر هذان المثالان بوضوح الدور الذي يلعبه الإيمان. لو أن الأنبياء أصغوا إلى صوت العقل بدلاً من صوت القلب، لما وقعت مثل هذه الأحداث. لما كان إبراهيم ليأخذ ابنه إلى المذبح، ولا كان يعقوب ليشم قميص يوسف. هذه هي حكاية الإيمان التي تجعل مثل هذه الأمور ممكنة. الإيمان هو الإصغاء إلى صوت القلب؛ الإصغاء إلى صوت قلبٍ استيقظ على الله. مثل هذا الإنسان يعيد بناء ذاته في ظل العلاقة بالله، ومن ثم يحظى بامتيازات إنسانية فريدة. ونتيجة لهذه العلاقة، يشعر الفرد بالله ملجأً ويجد فيه السكينة. ولهذا فإنه كلما أحيا ذكره اطمأن، وكلما اطمأن به منح الطمأنينة: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[4]. إذن، الإيمان هو بلوغ تجربة الملجأ من الله واللجوء إليه. هو الوصول إلى أحضان نابعة من صميم علاقة إيجابية.
والآن دعوني أتطرق إلى توضيحاتي الأخيرة. الإيمان هو تغلّب القلب/على العقل/في العلاقة بالله. في الإيمان، لا يكون الفكر البرهاني أو الحسابي هو الحاكم. الفرد المؤمن لا يدخل من باب العقلانية ولا ينشغل بحساب ما في النهاية. التجربة الإيمانية من جنس العشق والعشق. الفرد المؤمن عاشق، والعاشق توّاق إلى الأحضان. الإيمان في نهاية المطاف (كما أسلفت) هو تحصيل تجربة الملجأ. تجربة طالب الملجأ فيها هو المؤمن، ومانح الملجأ هو الله.
قد يظن القراء الآن أن التجربة الإيمانية تجربة مناهضة للعقل. ما قلته لا يعني ذلك أبداً. تأملوا في بيت حافظ هذا:
حريم عشق را درگه بسي بالاتر از عقل است
كسي آن آستان بوسد كه جان در آستين دارد[5]
أنا أرى أن التجربة الإيمانية ليست مناهضة للعقل، بل هي متجنبة للعقل. فالمؤمن في تجربته الإيمانية يتجاوز العقل ويعبر من ورائه. في طريق الإيمان، الإصغاء إلى صوت العقل يكون إلى حد ما مضللاً وخادعاً. العقل لا يريد الإنسان مؤمناً، بل يريده مستدلاً وحسابياً. تأملوا في هذا المثال الشهير: "بحر واسع أمامكم. أم وطفلها على الشاطئ. الطفل يلج البحر وينهمك في اللعب. الأم بجانب الماء تقشر فاكهة للطفل. إنها تنتظر أن ينتهي طفلها من اللعب بالماء ويجلس بجانبها، ليأكل معها الفاكهة ويتحدثا معاً. فجأة يختل كل شيء. موجة عالية تنقض على رأس الطفل فيرتفع وينخفض في قلب الماء. هنا تدرك الأم أن طفلها يغرق. تنسى نفسها وتلقي بنفسها في الماء لإنقاذ الطفل. في هذه اللحظة، لم يعد عقل الأم هو الذي يأمر. إنه أمر القلب الذي يدفع الأم للحركة". في هذا المثال، لو أرادت الأم أن تتصرف بعقلانية، لوجب عليها أن تستدل مع نفسها، وأن تقوم بـ"واحد زائد واحد يساوي اثنين" وتختار بين حياتها وحياة طفلها. لكن في هذه المواقف عادة، تتخذ الأم قراراً عاشقاً وتتجاوز نداء العقل. إنها تصغي إلى نداء قلبها وتخاطر بنفسها. و...
التجربة الإيمانية هي من هذا القبيل. طبعاً، التجربة الإيمانية ليست مفجعة، بل مبهجة. في طريق الإيمان، يتجاوز الفرد نداء العقل ويخطو بهداية القلب. في التجربة الإيمانية، يعجز العقل عن القدرة على الاستدلال والمحاسبة ويفقد قوة إدراك الواقعة. التجربة الإيمانية تجربة فريدة تتجاوز حدود العقل وتسلك طريقاً آخر. العقل لا يمتلك سعة قياس الإيمان وتدبيره، وقفزته ليست بحجم قفزة القلب أصلاً. أكرر مرة أخرى أن الإيمان انجذاب قلبي لا عقلي؛ ولذا فهو حلو كالحلوى، وليس حامضاً:
مؤمن و ايمان و دين ذوق و حلاوت بود
تو به كجا ديدهاي طبله حلوا تُرُش[6]
وكنتيجة لذلك، فإن مآل العقل في الانجذابات العاشقة كـالإيمان هو العجز والكتمان. قطرة الندى عاجزة عن إدراك البحر، والبحر رمز العشق والعاشقين:
قياس كردم و تدبير عقل در ره عشق
كقطرة ندى ترسم خطاً على بحر[7]
والآن عُدْ إلى العنوان مرّة أخرى: "الدين يموت في حصر العقل". قلت أعلاه إن أهم مسألة في الدين هي الإيمان. الإيمان هو روح الدين، والدين بلا إيمان ميت. مقولة الإيمان تتجاوز دائرة العقل، والتجربة الإيمانية ليست عقلية، بل قلبية. يدخل المؤمن مع الله في علاقة جاذبة آسرة، ومن خلال هذه العلاقة ينال تجربة الملاذ. الإيمان يضع الإنسان في أحضان الله ويجعله إنساناً مطمئناً هادئ البال.
ومع ذلك، إذا أراد أحد أن يفهم الدين فهماً عقلياً محضاً، فقد أزهق روحه. ذلك أن روح الدين هي الإيمان، والفهم العقلي المحض للدين يعني تجاهل الإيمان. أن نريد فهم جميع المسائل الدينية فهماً عقلياً هو عمل عبثي لا طائل تحته. كثير من المسائل الدينية تفقد اعتبارها بمقياس العقل وتُستبعد من دائرة النظر. العقلانية مهمة، ولكن ليس في جميع المسائل. في الواقع، يشتمل الدين على مسائل كثيرة لا يستطيع العقل تحليلها وحسابها ولا يمكنه البتّ فيها. الإيمان، المعجزة، الدعاء... كلها مسائل لا يملك العقل القدرة على معالجتها ولا يحرز فيها تقدماً. علينا أن نفصل حساب الدين عن حساب الفلسفة وعلم الاجتماع والمنطق مثلاً، وأن نسلك لكل منها الطريق المناسب له.
وفي الختام، أختم كلامي بهذه الأبيات الجميلة لمولانا، وهي الأبيات التي أراها أجمل ما في ديوان شمس:
سمعت أذني قصة الإيمان فانتشت
أين قسم العين؟ صورة الإيمان بغيتي
يدٌ كأسُ بادةٍ، ويدٌ جَعْدُ حبيب
رقصٌ كهذا وسط الميدان بغيتي[8]
.
.
[1]- راجع مقالة «إيمان المسلمين وسنتهم».
[2] -الصافات/102-105
[3] -يوسف/92-96
[4] -الرعد/28
[5] -ديوان حافظ/الغزل رقم 121
[6] -ديوان شمس/غزل
[7] -ديوان حافظ/ الغزل رقم 471
[8]-ديوان شمس/الغزل رقم 441
.
.
.
.
الأدب
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
در مرحله اول ، مشاهده مخلوقات و رویداد های طبیعت و وجود انسانها بطور فطری ، انسان را به توحید جذب می نماید. این یک شناخت اجمالی است. در مرحله پیشرفته ، علم به دقت در شناخت موجودات و پدیده ها می پردازد ، قانون های آنها را کشف میکند ، و عقل درپی دلیل قانون ها و دلیل هماهنگی ها ، فقط خدا را می یابد. در مرحله سوم با پشتوانه علمی و عقلی ، معرفت ومحبت درجهت صحیح شکل می گیرد و آمادگی برای پیروی از قرآن کریم و برگزیدگان خدا حاصل می شود. بدون بهره گرفتن از عقل و قرآن و عترت نمی توان در راه صحیح قرار گرفت ،بلکه احساسات شاعرانه عرفای اصطلاحی دویدن در بیراهه است و نتیجه آن فرو رفتن در باتلاقی است که فهمیده یا نفهمیده به انکار توحید منجر می شود.