اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد حسين بورفرج نظرية عبد الكريم سروش «محمد راوي أحلام رسولية» من زاويتين: ضعف ميتافيزيقا الوصال التي تقوم عليها، وخلط النقاد بين آلية الوحي وأصله. ويمثل التمييز بين فينومينولوجيا الوحي وحقيقته محور النقاش.

نقدان رصينان لنظرية "محمد راوي الأحلام الرسولية"، حسين بورفرج
.
نظرية الدكتور عبد الكريم سروش[1] حول كون القرآن حُلْمِيًّا هي نظرية مثيرة للجدل. والحق أن هذه النظرية ينبغي اعتبارها ثورة في فهم كيفية نشأة النص وتطوره وتثبيته. خلاصة نظرية الحلم هي ما أشار إليه الدكتور سروش في مقالته الأخيرة:
إن كون القرآن "كلامياً - سمعياً" كان موضع تأمل وبحث من قبل، أما الآن فإن كونه "حُلْمِيًّا - بصرياً" يلوح ويبرز ويدعو إلى التأمل والتدبر. في كلا الفرضيتين، كان محمد (ص) فاعلاً لا منفعلاً؛ وكان يحلّ تارة في مقام المتكلم الأول، وتارة في مقام المخاطَب أو الغائب. لكن في الفرضية الجديدة، يبدو أنه في بعض الحالات شاهدٌ لمشاهد (لا مستمعٌ لمضامين) تتشكل في أفق أسمى من أفق الحس (الخيال، الحلم، الملكوت)، وهو يراها ويرويها. بعض أجزاء القرآن هي صورة كهذه، وكون التجربة الوحيانية لمحمد (ص) "سمعية - بصرية" هو أفضل تعبير عنها.[2]
من المناسب بدايةً أن أروي نقداً لبعض ما أورده معارضو هذه النظرية، ثم أتناول تحليل نقطتي ضعف أساسيتين في النظرية نفسها:
على أية حال، الكلام ليس في قبول النبوة ولا في حقيقة الوحي، فالمؤمنون قد أصدروا حكمهم فيهما وآمنوا بهما؛ بل الكلام في ظاهرة الوحي ولغته الحُلْمية وفضائه الرمزي الضبابي الذي هو إرث النبي الخالد، والذي تركوا لنا فتح قفله بجهدنا.[3]
أي أن محمداً (ص) يمتلئ بالله، ويتخذ الله قامة محمد (ص) وقده، وبالتالي فإن كلام محمد على قدر علم محمد، لا على قدر علم الله. مثل نور عديم اللون يسطع من فقاعة ملونة فيأخذ لون الفقاعة. المحدودية مولّدة للنقصان، ولا يمكن لأي محدود أن يكون كاملاً. النقصان يسري في الأثر، ونقصان المؤلف يسري في التأليف، ولذا فإن القرآن، وهو تأليف إنساني بديع رفيع، لكنه ناقص ومحدود، لا يمكن أن يكون كاملاً بأي وجه ومن أي نظر. محمد نفسه كان واعياً ومعترفاً بأن: ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، وإذا كانت معرفته بالله، الذي كان له معه قرب عاشق، هكذا، فكيف يمكن أن تكون معرفته بالأشياء الأخرى؟
إذن، لا عجب من ورود نقصان علمي وفلسفي في القرآن. (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً). ولا يزال لله كلام لم يقله بعد؛ ولا يمكن القول إن الوحي والإلهام قد انتهيا بمجيء القرآن وآخر الأنبياء، ولم يبقَ لله كلام جديد؛ بلى، لقد بقي، ولذا فإن بسط التجربة النبوية أمر ممكن.[4]
والآن وقد بلغ الأمر هذا المبلغ، دعوني أقرّ باختصار موقفي من ميتافيزيقا الوصال: في اعتقادي أن ميتافيزيقا الوصال عند الدكتور سروش تعاني، في طيّاتها، من مشكلات جمّة. لعل من أهم هذه المشكلات مسألة «تخفيف الله».[5] في هذه الميتافيزيقا، ليس إلا الله والله؛ وحدة محضة. الموجودات اعتبارية لا حقيقية. كل شيء هو الله؛ والله وحده فريد. الله هو النبي وهو أبو سفيان. هو الحيوان وهو النبات. إن سرق السارق فالله هو الذي يسرق؛ وإن زلزلت الأرض فالله هو الذي يتزلزل. أنا أزعم أن ميتافيزيقا الوصال لا تحفظ "شأن الله" وتُبعده عن مقامه الأصلي.
كما أزعم أن لهذه الميتافيزيقا عيوباً أخرى. وبصورة إجمالية، فإن ميتافيزيقا سروش تضع موضع التساؤل خالقية الله، وعالم البعث، وأفعال الطبيعة وانفعالاتها، وكثيراً من المسائل الأخرى، ولا تجد لها أصلاً موضعاً في صلب بنيتها؛ تماماً كعامل التصليح المبتدئ الذي يفك جهاز راديو معطلاً مثلاً، ثم يجد عند إعادة تركيبه بضعة براغٍ وصواميل زائدة؛ و...[6]
من الله نطلب توفيق الأدب
ففاقد الأدب محروم من لطف الرب
فاقد الأدب لم يسيء إلى نفسه وحسب
بل أضرم النار في كل الآفاق[7]
نظریة الحلم، على عكس نظریة كلام محمد(ص)، لا تُعتبر خطوة إلى الأمام تُذكر. فنظریة كلام محمد(ص) نظریة قابلة للنقد وادعاؤها قابل للتقییم؛ أما نظریة الحلم فلیست كذلك، ولا یمكن الخوض فیها بأحكام عقلیة-منطقیة. بعبارة أخرى، نظریة الحلم كسمكة ملساء لا یستقر فی أیدی النقاد أبداً، ودائماً ما تنزلق من بین أصابعهم. وكأن هذه النظریة تملك جواباً واحداً وموحداً أمام كل الأسئلة وكل محاولات الإمساك بها، بل إن ذلك الجواب نفسه یقوم بـ«مسح» كل الانتقادات المطروحة. وما هو ذلك الجواب؟! من المسلّم به أنه أحلام النبي(ص).
لذلك، فإن نقد نظریة الحلم الرسولي صعب حقاً. وكما ذكر أكبر كنجي، فإن الدكتور سروش، بمساواة مفهوم الحلم بمفاهیم أخرى، أغلق باب أي نقد وانتقاد بذكاء. وهذا الفعل جعل النظریة المذكورة، على نحو ما، مضادة للنقد:
"إن التعبیر غیر الدقیق عن المفاهیم والادعاءات هو جزء من 'الأحلام الرسولیة'. فمفهوم النوم هو أساس فرضیة سروش. وعندما یشرع المنتقدون فی نقد فرضیة النوم، یقوم سروش بإغلاق طریق النقد عبر إدخال مفاهیم مثل الحلم، والكشف، والشهود، والخيال، وما إلى ذلك... یمكن نقد فرضیة النوم عندما تبقى نوماً، لكنها عندما تتمدد إلى الشهود، والحلم، والكشف العرفاني، وعلم الخيال لدى الفلاسفة، وما إلى ذلك، تصبح مبهمة إلى حد یُغلق معه طریق النقد وتُحصّن الفرضیة من النقد."[8]
لكن مع ذلك، یمكن نقد هذه النظریة تماماً من نوافذ أخرى. إحدى هذه النوافذ هي نافذة النظرة التاریخیة. فنظریة الدكتور سروش، على عكس نظرته، تكتسح كل شيء. لم یكن نبي الإسلام(ص) نبي الله الوحید ولیس كذلك. فقد جاء قبله أنبیاء كثر وذهبوا. خذ من نوح النبي إلى عیسى المسیح علیه السلام. والآن یُطرح هذا السؤال: كیف كانت آلیة الوحي بالنسبة للأنبیاء الآخرین؟! هل كانوا هم أیضاً یرون أحلاماً؟! هل كانوا هم أیضاً یمرون بتجارب حلمیة/بصریة؟! بحسب ظن الكاتب، إذا كانت نظریة الحلم صادقة بحق النبي الخاتم(ص)، فإن هذه النظریة صادقة بحق الأنبیاء الآخرین أیضاً. أي أن نوحاً النبي كان یرى أحلاماً، ویسوع المسیح(ع) كان یمر بتجارب حلمیة/بصریة.[9] إذن، تكون نظریة الحلم مقبولة حین نعتبر آلیة الوحي الحلمیة صادقة بحق الأنبیاء الآخرین أیضاً، ونعتبر عملیة وحیهم بصریة/مرئیة أیضاً. ینبغي لصاحب نظریة الحلم أن یحدد موقفه من الخلفیة التاریخیة لمسألة الوحي، وبالتالي علیه أن یوضح موقفه عند خلق الفرضیات بشأن تجارب الأنبیاء الآخرین. یعتقد الكاتب أن آلیة الوحي بالنسبة لجمیع الأنبیاء، من حیث المبدأ، یجب أن تكون متشابهة ومتماثلة، وتتغذى من سیاق واحد ومتسق الاتجاه. حقیقةً، التزمت نظریة الحلم الصمت بشأن كیفیة آلیة وحي الأنبیاء الإلهیین باستثناء نبي الإسلام(ص)، وبدقة، لیس واضحاً في هذه النظریة ما إذا كانت ظاهراتیة الوحي قد اتخذت شكلاً بصریاً/مرئیاً فقط لنبي الإسلام(ص)؟! أم أن هذه الآلیة كانت قید العمل لدى الأنبیاء الإلهیین الآخرین أیضاً؟!
أي نظریة حول ظاهراتیة الوحي یجب أن تكون معرّفة بكامل جماعة الأنبیاء، وأن تتجنب هكذا التحلیل الحالي. في نظري، النقد الأساسي لنظریة الدكتور سروش هو هذه النظرة الحالیة لآلیة الوحي فیما یخص النبي الخاتم(ص) وعدم الالتفات إلى السابقة التاریخیة لهذا الحدث التاریخي. إذا كان الوحي، وفقاً لرأي الدكتور سروش، قد اتخذ شكلاً حلمیاً/بصریاً، فلا ینبغي إذن أن تُطرح هذه النظریة فقط بخصوص النبي الخاتم(ص) وتُنسى الأنبیاء الآخرین. یجب تأیید وتتبع هذه الآلیة بخصوص جمیع الأنبیاء، ویجب أن تكون قابلة للتطبیق علیهم جمیعاً من حیث المبدأ.
لذلك، وفقاً لما مضى، یمكننا أن نستنتج ما یلي:
محمد راوي الأحلام الرسولیة، (آلیة الوحي هي الحلم)؛
آلیة الوحي (وفقاً للشواهد) متشابهة ومتماثلة،
نوح وإبراهیم وموسى وعیسى (+ الأنبیاء الآخرون) رواة الأحلام الرسولیة.
في هذه الحال، أستبعد أن تكون النظرية المذكورة قادرة على تفسير التجارب الوحيانية للأنبياء الآخرين، أو أن تحسم المسائل الداخلية للأديان الأخرى. في نظري، إن أهم نقد يُوجَّه لنظرية الرؤيا هو هذا التخصيص الحصري في ما يتعلق بآلية الوحي أو فينومينولوجيا الوحي. يبدو أن الدكتور سروش قد نسي أن حل معضلة الخلفية التاريخية لهذه المسألة هو الأهم من الخوض في أصل القضية فيما يخص آلية الوحي؛ وإن سابقة هذه المسألة بحد ذاتها هي إشكال ثقيل لا بد من معالجته حتماً.
دعونا نخطُ خطوة أخرى. هذه الخطوة ليست قبلية بل بعدية. لقد وقعت نظرية الدكتور سروش في خلط دقيق بين مراقبة الرؤى ورواية الرؤى. قيل في هذه النظرية إن للنبي مدخلية تامة، بل هو نفسه يُعتبر مؤلف القرآن:
«إن وصف ما يتصل بما وراء الطبيعة، من الذات والصفات الإلهية إلى عالم الذر (عالم الذر ويوم ألست)، إلى قصة الخلق وقصة آدم، إلى تردد الملائكة والشيطان والجن والشهب السماوية، إلى أحداث ما بعد الموت، إلى القيامة ومشاهدة مناظرها الغريبة غير المألوفة، إلى وصف جهنم والجنة وحشر الأموات واصطفاف الأنبياء والأولياء وفتح صحائف أعمال العباد، ونصب ميزان العدل وصعود الملائكة خمسين ألف سنة نحو العرش الإلهي، واستواء عرش الله على أكتاف ثمانية من الملائكة، واستواء الله على العرش واستواء عرشه على الماء، والنفخ في الصور وحشر الوحوش، واشتعال البحار ناراً وكسوف الشمس والنجوم، وترنح الناس في المحشر ترنح السكارى وإجهاض الحوامل، وشيّ جلود العصاة ثم إنباتها من جديد، وتبادل كؤوس الخمر بين أهل الجنة، وبساتين مليئة بالرمان والموز والعنب، وخدمة الغلمان الناعمين... إلخ، هي تصويرية وبصرية وسينمائية إلى حد أنها تبدو وكأنها تتراءى على شاشة الخيال في عالم الرؤيا. حتى لو اعتبرنا حقيقتها بلا صورة، فلا يمكننا إنكار مدخلية قوة خيال محمد (ص) في إضفاء الصورة على تلك اللا صور...»
و:
«يجب أن أؤكد أن كل ما جرى على النبي، وكل ما استقر في نفسه، كان نابعاً من قوة نفسه وحدّة بصيرته الباطنة وتخيله الخلاق وتجربته الكشّافة وقدرته العقلية الفذة، التي كانت جميعها من المواهب الربانية الخاصة، والتي كانت تتيح له، بقدر طاقته البشرية، أن يرى الآفاق البعيدة ويأتي بجذوات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ويلقي النار في هشيم توازن التاريخ. إن محورية النبي ومدخليته في ظاهرة الوحي أمر لا مفر منه ولا يمكن إنكاره، والدين كله يدور حول محور شخصيته وتجربته، وهو يدور حول محور الله. لو كانت لمحمد (ص) تجارب أخرى، لاكتسب الإسلام المحمدي لوناً وعطراً آخر. كل الأديان، بتصريح القرآن، هي إسلام: لدينا إسلام موسوي وإسلام عيسوي، ودين المسلمين هو الإسلام المحمدي، سلام الله عليهم أجمعين.»[10]
والآن، تتضح المشكلة الأساسية تماماً. إذا قبلنا أقوال الدكتور سروش أعلاه، فإن كلامه هذا سيصبح بلا موضوع:
«في لغة الرؤيا، لا مجال للمجاز والكناية، أي أن الألفاظ لا تُحمل على غير معانيها الحقيقية، وإن كان لا يمكن لفهمها الرجوع إلى كتاب لغة، بل ينبغي الاستعانة بطريقة تعبير الرؤى»؛[11]
و:
«بشهادة التاريخ، كان حين يدخل في حالة من فقدان الوعي والغياب عن الذات والاستغراق (وهي الحالة التي سميتها رؤيا، تجنباً للميتافيزيقا الثقيلة والصعوبة الكامنة في ألفاظ مثل المكاشفة والخيال المتصل والخيال المنفصل والملكوت الأعلى والأسفل، ولكي لا أفسر المجهول بالمجهول، بل لأفسر الوحي المجهول بالرؤيا المعلومة)، كان يرى ويسمع أشياء، وبعد عودته، كان يقصها على أصحابه. كان الأصحاب يدونونها أو يحفظونها في ذاكرتهم، وبعد عشرين عاماً من وفاته، جمعوها في دفتر وأطلقوا عليه اسم المصحف. لذا، فإن لغة مصحف محمد (ص) هي لغة عالم فقدان الوعي (وإن كانت في الظاهر بلغة اليقظة، وهذه هي الحلقة المفقودة والنقطة المغفول عنها في عمل مفسري المصحف)، وهي بالتالي بحاجة إلى تعبير الرؤى.»[12]
لماذا تكون هذه الأقوال للدكتور سروش بلا موضوع؟! الجواب واضح. إذا كان النبي حقاً يعرض أحلامه استناداً إلى عقل أسمى وذهن خلاق، وإذا كان هو بالضبط من يقوم بصياغة الأمور التي لا صورة لها، فأي حاجة تبقى لتعبير الرؤى؟! لقد عبّر النبي بنفسه عن رؤى القرآن. فطبقاً لنظرية الحلم، للنبي مدخلية تامة في تأليف القرآن، وهو الذي يعبّر عن أحلامه بلغة البشر. ووفقاً لهذا التصور وهذه الرواية، تُنزع عن الأحلام صفة الحلم وتُقدَّم لجميع المخاطبين. وعندئذ لا يكون "ما يُقال" مساوياً لـ "ما يُرى"، بل تقوم بينهما في الحقيقة فروق. ولا يستطيع الدكتور سروش أن يؤوّل مدخلية النبي هذه بغير تعبير الرؤى، أو أن يطلق عليها اسماً آخر. وفي رأيي، ووفقاً لمضمون نظرية الحلم، فإن "ما رآه النبي" هو أحلامه، و"ما قاله النبي" هو تعبيراته لتلك الأحلام.
لذلك، فأنا أرى أن نظرية الحلم، وفقاً لمضمونها المندرج، ليست بحاجة إلى تعبير للرؤى، وأن هذا العمل قد قام به النبي نفسه سلفاً؛ فكيف يمكن ترك القرآن مبهماً وغير منزوع الغموض، واعتباره في المقابل مبيناً ومنيراً؟! حقيقة غابت بوضوح عن عين صاحب نظرية الحلم، وهو الأمر الذي أوقعه في معضلات لاحقة. على أية حال، فإن نظرية الحلم __إذا ما قُبلت__ لا تحتاج أبداً إلى تعبير للرؤى، ومعبّر القرآن هو شخص النبي محمد نفسه. هذه النظرية تجعل النبي محوراً، وبالتالي نقطة بؤرية، لكنها تنسى دوره في تعبير الرؤى. يخلط الدكتور سروش بين رؤية الأحلام ورواية الأحلام، ويُحيل تأويل ما هو كائن إلى الغير.
ونتيجة لذلك، وبرأي هذا القلم، فإن نظرية الحلم تعاني أحياناً من فقدان التماسك الداخلي، وتضر بنفسها وفقاً لمضمونها. هذه النظرية تعتبر النبي الخاتم صاحب الشأن كله، لكنها تعزله عن عمله الرئيس __أي تعبير الرؤى__. هذه النظرية، بدون هذا التشخيص، تقع حقاً في أزمات تأويلية وتتورط في معضلات فوضوية، ولا تقدم أي معيار قياسي فيما يخص تفسير القرآن وتلقيه؛ إذ كيف يمكن تعبير أحلام النبي الرسولية تعبيراً مقنعاً __خاصة وأنها أحلام فريدة وتجارب غير قابلة لأن تُختبر__ وتقريبها إلى الفهم البينذاتي؟ كيف يمكن اعتبار هذه الأحلام الزلقة والغامضة مصدراً لهداية المؤمنين وإرشادهم، واعتبارها في هذا العالم قرآناً بالمعنى الحقيقي للكلمة؟! ومع ذلك، وباعتقاد الكاتب، فإن هذا الإغفال يحوّل القرآن إلى كتاب "أسرار لا يمكن البوح بها"، ويجعله لا تبياناً بل إشكالاً. أنا مندهش من هذا الإغفال: إذا كانت نظرية الحلم ترى أن النبي محمد هو المحور واللاعب الوحيد في القرآن، وتعرفه بأنه الأول والآخر في جميع النشاطات القرآنية، فكيف إذن تُلقي هذه النظرية بعبء تعبير رؤى هذا الكتاب على عاتق الآخرين __أي على عاتق معبّرين غير النبي محمد__ ولا تُعرّف النبي نفسه باعتباره المعبّر؟! إذا كانت للنبي مدخلية تامة، فلماذا لا يكون هو نفسه معبّر الرؤى؟! ولماذا لا يكون هو المؤوّل وكاشف الأسرار؟! هذه النظرية، وبسبب عدم تشخيص دور النبي في سرعة الوصول إلى __ما رُؤي وارتدى لباس القول (طبعاً بحسب ظن النظرية)؛__ وتسهيله، تحوّل القرآن حقاً إلى كتاب غير قابل للفهم، وكما قلت، تحوّله إلى "كتاب سر"، وتلجأ في الحقيقة من هذا الطريق إلى خلق ذرائع غير مبررة. وهكذا دواليك.
هنا أُنهي نقدي لنظرية الرؤيا. وبالطبع كان يمكن لهذا النقد أن يستمر. وقد امتنعتُ في هذا المقام عن طرح العديد من الانتقادات الأخرى. وسبب هذا الامتناع واضح؛ فالانتقادات التي لم أُوردها هنا قد طُرحت بشكل جيد في مقالات ناقدين آخرين.[13] ومن بين الانتقادات الموجَّهة، أستحسن كثيراً (في عموم الحالات) نقدين: "نظرة نقدية إلى نظرية «الرؤى الرسولية» من منظور فينومينولوجي وهرمنيوطيقي" بقلم بيجن عبد الكريمي، ونقد "تفسير كلام الله أم تعبير أحلام محمد" بقلم أكبر كنجي، وأرى أن رد الدكتور سروش على هذين النقدين يمكن أن يُزيل الكثير من الغموض. على أية حال، لقد وجدت نظرية الرؤيا مكاناً واسعاً بين المسلمين، وبالطبع بين المسلمين الأكثر تفكيراً معرفياً، ولذا فإن هذا الحدث بقدر ما يمكن أن يكون سبباً لسمو القرآن، يمكن أن يُعتبر عاملاً لإضعاف هذه العطية الخاصة أيضاً.
في الختام، أُنهي كلامي بذكر أبيات من إقبال اللاهوري وأعتبر المسألة المذكورة مُبيَّنة. (بين قوسين، من الضروري ذكر هذه النقطة: يذكر الدكتور سروش في ثنايا كتاباته العارف الإيراني مولوي. وفي ظني أن طرح هذه المسألة هنا واجب: لقد قال الدكتور سروش في عدة مناسبات إن تجربة النبوة تشبه تجربة الشاعرية. برأيي، إن كان هذا القول صادقاً في حالة نظرية كلام محمد، فهو بالتأكيد ليس صادقاً في حالة نظرية الرؤى الرسولية. إن ميكانيزم إنشاد قصيدة كقصائد مولوي لم يكن ولن يكون رؤيوياً/بصرياً أبداً. لم يمر الشعراء قط بتجربة بصرية على هذا النحو والمنوال، وأصلاً هذا القدر من التضخيم في حقهم مخالف للواقع.) اقرأوا:
نقش قرآن تا درین عالم نشست
نقشهای کاهن و پایا شکست
فاش گویم آنچه در دل مضمر است
این کتابی نیست چیزی دیگر است
چون بجان در رفت جان دیگر شود
جان چو دیگر شد جهان دیگر شود
مثل حق پنهان و هم پیداست این
زنده و پاینده و گویاست این [14]
.
.
[1] - للدكتور عبد الكريم سروش حق عظيم عليّ. لقد تعلمت منه دائماً وما زلت أتعلم، ولن أبيع هذا التلمذة أبداً ولو بألف أستاذ.
[2] - راجعوا: زهی مراتب خوابی که به ز بیداریست/موقع زيتون
[3] - راجعوا: محمّد(ص): راوي الرؤى الرسولية(۲)/ موقع الكاتب.
[4] - راجعوا: زهی مراتب خوابی که به ز بیداریست/موقع زيتون .
[5] -مارتن بوبر (Martin Buber) : فيلسوف وكاتب يهودي نمساوي. دافع عن إحياء قومية روحية يهودية وكتب العديد من المؤلفات حول اليهودية والقومية اليهودية... كما أن لبوبر كتاباً جديراً بالقراءة بعنوان «كسوف الله». عنوان «تخفيف الله» مستوحى إلى حد ما من ذلك الكتاب. يتحدث مارتن بوبر في ذلك الكتاب عن نوعين من العلاقة بشأن الله: علاقة «أنا-أنت» وعلاقة «أنا-هو (أنا-ذلك)». هذا اللاهوتي والفيلسوف اليهودي الشهير مدافع تماماً عن النوع الأول من العلاقة، وبالطبع عن كسوف هذه العلاقة في ميدان الحياة. اقرأ في:
كسوف الله، ترجمة عباس كاشف وأبوتراب سهراب، نشر وپژوهش فرزان روز، طهران، ۱۳۹۲.
[6] - لأذكر مسبقاً أن موقفي هذا من ميتافيزيقا الوصال لا يعني أبداً تأييد ميتافيزيقا الفراق. سأقدم في المستقبل إن شاء الله مقالاً كاملاً بشأن هذين النوعين من الميتافيزيقا.
[7] -المثنوي المعنوي/ الدفتر الأول/ القسم 4
[8] -راجع مقالة: تفسير كلام الله أم تعبير أحلام محمد/الإشكال الثالث- نتائج معرفية غير مقبولة.
[9] - لاحظ بين قوسين هذه الآية القرآنية: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ و...(النساء/163)/ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان و...
[10] - راجع: زهی مراتب خوابی که به ز بیداریست/موقع زيتون .
[11] - راجع: محمد(ص): راوي الرؤى الرسولية(1)/ موقع الكاتب.
[12] - راجع: زهی مراتب خوابی که به ز بیداریست/موقع زيتون
[13] - من جملة تلك النقود التي أعتبرها حقاً واردة ولكنني امتنعت عن ذكرها لانشغال ناقدين آخرين بها، هي:
- أولاً أن نظرية الحلم نفسها تفضي إلى نتائج غريبة، في حين أن بروز مثل هذه النتائج يُعتبر مشكلة لنظرية التفسير. على سبيل المثال، إذا وُصف الله في القرآن بأنه سميع وبصير، فبحسب نظرية الحلم، يجب الافتراض أن النبي كان يرى الله في عالم الرؤيا بعينين وأذنين لأن لغة الحلم هي لغة الخيال والتصوير. (بقلم: خسرو باقري نوع برست/ مقالة: تأمل في نظرية الحلم الرسولي للدكتور عبد الكريم سروش)
-الادعاء بأن القرآن كله بصري أمر مثير للدهشة. توجد في القرآن قضايا كلية. توجد قضايا أخلاقية، توجد قضايا خلاف الواقع، توجد قضايا شرطية، توجد قضايا سالبة. كيف يمكن التعبير عن مثل هذه القضايا، كالقضايا الكلية أو خلاف الواقع، بالصورة؟ هل يمكن التعبير عن المفاهيم الأخلاقية وغير المادية بالصورة؟ كيف يمكن التعبير عن مفهوم الله؟ لنفترض مثلاً أنه ورد في القرآن أن الله سيجزي من يشاء. كيف يمكن التعبير عن هذه القضية بالصورة؟ (بقلم: أكبر كنجي/ مقالة: تفسير كلام الله أم تعبير أحلام محمد)
-صاحب النظریة استشهد بأقوال شیخ الإشراق وغیره حول الرؤیا، ورؤى إبراهیم ویوسف، ومعراج النبی، وأنواع الأحلام، وکون الحلم جزءاً من ستة وأربعین جزءاً من النبوة، لإثبات الرؤیا الرسولیة، وکل هذه الشواهد صحیحة فی واقعیة الرؤیا، لکنها لا تدل على کون القرآن رؤیا، کما أن التوراة والإنجیل لم یکونا رؤیا. نبی الإسلام الأکرم کان یرى الرؤى الصادقة أیضاً، وقد أشار القرآن إلیها فی موضعین بإیجاز (الإسراء ۶۰ والفتح ۲۷)، لکنه فصل حساب القرآن عن هذه الرؤى.(بقلم: عبد العلي بازركان/مقالة: نقد جدید لنظریة «الرؤى الرسولیة»)
-لذلک، ورغم أن دوافع صاحب نظریة الرؤى الرسولیة وهواجسه، حیث یقول «لغة القرآن إنسانیة وبشریة، والقرآن هو تألیف وتجربة وجیَشان ونمو روح محمد (ص) ولسانه وبیانه بشکل مباشر وبلا واسطة» أو «قلنا إن تلک المنجزات الکبرى [القرآن] قد انبثقت بلغة عربیة عرفیة بشریة... من منبع ضمیر النبی،... أي أن الله لم یتکلم ولم یکتب کتاباً، بل إنسان تاریخی تکلم وکتب کتاباً نیابة عنه، وکان کلامه هو کلامه نفسه»، تظهر بوضوح وبشکل کامل فی مواجهة أصولیة الأنظمة اللاهوتیة التقلیدیة وتکشف جزءاً من الحقیقة، إلا أنها فی الوقت نفسه تضعنا أمام خطر أنسنة النصوص المقدسة وعلمنتها.(بقلم: بیجن عبد الکریمي/مقالة: نظرة نقدیة إلى نظریة «الرؤى الرسولیة» من منظور فینومینولوجي وهرمنوطیقي)
-تأکیدی هنا هو أن نظریة الدکتور سروش، خلافاً لادعائه ورغبته، لا یمکنها فی الواقع إلا أن تفسر وضعیة جزء من آیات القرآن، وذلک من وجهة نظر مسألة لغة القرآن. أما فیما یخص آیات الأحکام والشریعة أو الوقائع التاریخیة المعاصرة لزمن النبی والتي نرى صداها فی القرآن، فإن طرحه عاجز عن التفسیر. وبالطریقة التی تحدث بها الفلاسفة والمتکلمون والعلماء المسلمون المتقدمون حول ماهیة الوحي، یمکن تفسیر هذه التمایزات فی القرآن بشکل أفضل. وهذا بالمناسبة أمر وردت إشارات إلیه فی بعض الأحادیث؛ کما سنذکر.(بقلم: حسن الأنصاري/ مقالة: نقد نظریة الدکتور سروش حول الوحي (۱): مقدمات البحث)
و...
[14] - جاویدنامه/ رسالة الأفغاني إلى أمة روسیا
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الأدب
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.