اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نقد نظرية عبد الكريم سروش «الأحلام الرسولية» من منظور الظاهراتية والهرمنيوطيقا. يبحث بيجن عبد الكريمي ضرورة إعادة فهم مقولة الوحي في عالم الحياة الراهن وفي مواجهة هيمنة الذاتوية الميتافيزيقية والعدمية.

يمرّ أكثر من ثلاث سنوات على نشر مقال «محمّد (ص): راوي الرؤى الرسولية»، وهو نصّ بالغ الإثارة للجدل لأستاذي الجليل الدكتور عبد الكريم سروش. في هذه السنوات، طلب منّي عدد كبير من طلبتي وأصدقائي أن أدخل في نقاش حول مقاله. لكن القلق من ظهور بعض سوء الفهم الفكري والأخلاقي والسياسي والاجتماعي الذي كان ولا يزال قائماً من كل جانب من جوانب النقاش، منعني من المشاركة في خلق نوع من الحوار مع أستاذنا العزيز. بيد أن دعوة إحدى المجموعات الاجتماعية في فضاء التلغرام لعقد جلسة بغرض السؤال والجواب حول مقال «محمّد (ص): راوي الرؤى الرسولية» دفعتني إلى تسويد صفحات في نقد هذا المقال ودراسته، غير أني لم أرغب في نشره. لكن الانتقادات الأخيرة لصديقي وأخي الجليل، جناب الدكتور سروش دباغ، في مقال بعنوان «الشريعتي وتحدٍّ لا أساس له» كانت دافعاً لأن أبادر إلى نشره. آملاً أن يساهم بسط هذا النوع من المباحث وتوسيعه في ظهور تقليد نظري فلسفي أصيل في ديارنا.
.
مقدمة:
يمرّ أكثر من ثلاث سنوات على نشر مقال «محمّد (ص): راوي الرؤى الرسولية»، وهو نصّ بالغ الإثارة للجدل لأستاذي الجليل الدكتور عبد الكريم سروش. في هذه السنوات، طلب منّي عدد كبير من طلبتي وأصدقائي أن أدخل في نقاش حول مقاله. لكن القلق من ظهور بعض سوء الفهم الفكري والأخلاقي والسياسي والاجتماعي الذي كان ولا يزال قائماً من كل جانب من جوانب النقاش، منعني من المشاركة في خلق نوع من الحوار مع أستاذنا العزيز. بيد أن دعوة إحدى المجموعات الاجتماعية في فضاء التلغرام لعقد جلسة بغرض السؤال والجواب حول مقال «محمّد (ص): راوي الرؤى الرسولية» دفعتني إلى تسويد صفحات في نقد هذا المقال ودراسته، غير أني لم أرغب في نشره. لكن الانتقادات الأخيرة لصديقي وأخي الجليل، جناب الدكتور سروش دباغ، في مقال بعنوان «الشريعتي وتحدٍّ لا أساس له» كانت دافعاً لأن أبادر إلى نشره. آملاً أن يساهم بسط هذا النوع من المباحث وتوسيعه في ظهور تقليد نظري فلسفي أصيل في ديارنا.
الإنسان كائن تاريخي بالذات. هذا القول يعني أن التاريخانية أو الحيثية التاريخية (historicity) هي إحدى أخصّ أوصاف نحو وجود الإنسان، وهي سبب تميّزه الراديكالي والأساسي عن نحو وجود سائر الموجودات. عندما نتحدث عن علاقة «الإنسان» و«التاريخ»، لا ينبغي أن نفهم علاقة الإنسان بوصفه موجوداً «مستقلاً» «في التاريخ»، وكأن علاقتهما كعلاقة عربة القطار بسكة القطار، أو كعلاقة ماء النهر بمجرى النهر، بل إن نحو وجود الإنسان هو نحو وجود تاريخي، أي نحو وجود متجذّر في الماضي قبل أن يكون قد كان، وله حضور واستمرار في الحال، ومستقبله، الذي هو ذاته إسقاطاته، هو مقوّم لحاضره المرتبط بماضيه. لازم هذا القول بأن الإنسان كائن تاريخي بالذات هو أن أفهامه وتفسيراته وأفعاله وأحواله ترتبط جميعاً بتقليده التاريخي وأفقه الثقافي، ولا يمكن لأي فهم أو فعل إنساني أن يكون مستقلاً عن تقليده وأفقه التاريخي والثقافي.
الآن، عندما نتأمل الذات بوصفها ذاتاً إيرانية مسلمة، فإن التقليد العبري-اليهودي-السامي ــ الذي يشكل، إلى جانب التقاليد الميتافيزيقية اليونانية والفكر الروحي الهندي أو الشرق الأقصى، أحد أعظم التقاليد التاريخية البشرية، والذي قدّم للبشرية الأديان الثلاثة الكبرى المنتمية إلى أسرة واحدة: اليهودية والمسيحية والإسلام ــ هو بلا شك أحد أهم التقاليد المكوّنة لهويتنا التاريخية والثقافية، وهو تقليد أثّر في جميع أفهامنا وأفعالنا الفردية والاجتماعية.
إن مقولات مثل «الوحي»، و«النبي أو الرسول»، و«الرسالة»، و«البعثة»، و«النص المقدس»، و«العلم الإلهي»، و«الحكمة»، و«العرفان»، و«التنزيل»، و«التأويل»، و«إرادة الشارع»، و«الفقه» تشكّل جملة من أشد المفاهيم المفتاحية جوهرية واللب المركزي للتقليد التاريخي السامي-اليهودي، وتحظى مقولة «الوحي» من بين هذه المفاهيم بمكانة بالغة الجوهرية والمحورية، إلى حد أن سائر المقولات المكوّنة لهذا التقليد النظري التاريخي الكبير تشكّل شبكة مفهومية تكون مقولة «الوحي» أو «إمكانية تحادث البشر مع الأمر القدسي» لبّها المركزي والجوهري. لذا، فإن أي نمط من التفكير بشأن مقولة «الوحي» والتساؤل عن التجربة الجوهرية للنبي، يقيم نسبة وعلاقة سلبية أو إيجابية، ليس فقط مع اللب المركزي للتقليد التاريخي الكبير العبري-اليهودي، بل أيضاً مع مفهوم أساسي وجوهري في سائر التقاليد الشرقية التي تتشارك الأفق مع التقليد العبري-اليهودي (ذلك لأن سائر التقاليد الشرقية قد تشكّلت هي الأخرى حول المحور الجوهري لإمكانية انفتاح الإنسان على حقيقة العالم وإمكانية وجود نوع من المناداة بين الإنسان وحقيقة العالم).
باعتقادي، في يومنا الراهن، أي في زمن انبساط الذاتوية الميتافيزيقية وسيطرة العقلانية العلمية والتكنولوجية الجديدة، فإن السؤال عن إمكانية الوحي أو استحالته، أو ــ بتعبير حكماء ما قبل سقراط في الحقبة السابقة على ظهور الميتافيزيقا اليونانية ــ تحادث البشر مع اللوغوس أو الحقيقة الجوهرية لهذا العالم، هو أهم سؤال يواجهه المفكرون الشرقيون، ومن جملتهم المفكرون في العالم الإسلامي. بعبارة أبسط، استناداً إلى الذاتوية الميتافيزيقية، وخصوصاً في أوجها الذي يتجلى في الذاتوية الحديثة الديكارتية-الكانطية، لا يمكن للإنسان أن ينال حقيقة تتجاوز وعيه. فاستناداً إلى تجربة الكوجيتو، التي تشكّل إطاراً للعديد من الفلسفات الحديثة، فإن «الوعي» هو الأمر الأول والأكثر تيسّراً ويقينيةً بالنسبة للوعي، وكل ما يقع خارج الوعي هو موضع شك على الدوام، ولا سبيل لنا أساساً إلى ما وراء الوعي والذاتوية. واستناداً إلى الذاتوية الكانطية أيضاً، فإن معرفتنا «ظاهرية». هذا القول يعني أننا لا ننال سوى الظواهر، أي ما يتقوّم في فلك الوعي البشري، وليس لدينا أي منفذ نحو النومين أو ماهية هذا العالم وحقيقته. في العالم الراهن، الذي تسود فيه ذاتوية من هذا القبيل، طُردت مقولة الوحي أو التكلم مع اللوغوس ــ التي في غيابها، وكما تُظهر تجربة العالم المُعاش الحديث، سوف يستولي على البشر عدمية عميقة ــ إلى مملكة الأساطير والخرافات. وبهذا، فإنه بإنكار إمكانية مقولة الوحي أو تحادث البشر مع اللوغوس أو مع روح هذا العالم، أو باختزالها إلى مقولات نفسية وغير معرفية، تنهار التقاليد الشرقية بأسرها ومبادئها الحكمية، ومن جملتها كامل التقليد العبري-السامي-اليهودي الذي يُعد الإسلام ابناً له ونتيجة، وسوف تتهيأ الأرضية لسيطرة تامة وشاملة للميتافيزيقا الغربية التي انتهت في مسارها التاريخي إلى انبساط العلمانية والعدمية.
ومن جهة أخرى، وخلافاً لتصور شرائحنا التقليدية، فإن مجرد الاعتقاد بمقولة الوحي، دون أي سند حكمي وميتافيزيقي (بمعناه غير اليوناني) يمكن استناداً إليه إعادة فهمها وإعادة تفسيرها في العالم المُعاش الراهن وفي العالم الجديد، سوف يخفض مقولة الوحي في زماننا إلى حد الأسطورة، أو في نهاية المطاف إلى مجرد مقولة واعتقاد ثقافي، دون أي تأثير عميق في أسلوب حياة البشر، كما كنا وما زلنا نشهد هذا المسار.
لذا، فنحن، كما كررت مراراً، بحاجة إلى تحوّل بارادايمي من أجل فهم وتفسير المقولات الجوهرية لتقليدنا التاريخي من جديد، ومن جملتها مقولات الوحي والبعثة والنص المقدس، كي نتمكن من إدخال هذه المقولات في أفق جديد إلى حياتنا النظرية والثقافية، وأن نقوّم نحو وجودنا ومعيشتنا استناداً إلى هذه المقولات بوصفها إمكاناً آخر غير علمانية وعدمية العالم الراهن.
انطلاقًا من هذه الأهمية والضرورة المذكورتين بشأن إعادة فهم وإعادة تفسير المقولة الأساسية والمركزية في تراثنا التاريخي، أي مقولة الوحي، بغية إمكانية فهمها وجعلها معقولة للعقلانية الجديدة لإنسان عصرنا، يقدم الدكتور سروش نظريته حول «الأحلام الرسولية». وهو يعلن صراحةً أنه استنادًا إلى نظرية «كون الوحي حلمًا» يمكن تحقيق ذلك التحول النموذجي وتغيير الأنموذج الأساسي في العالم الإسلامي: «الانتقال من التفسير إلى التأويل يستلزم تحولًا نموذجيًا وتغييرًا جذريًا في الأنموذج.»[1]
هنا، وقبل أن أدخل مباشرةً في مناقشة نظرية «الأحلام الرسولية»، أود، لمنع أي سوء فهم ولمساعدة القارئ على توضيح وجهات نظري، أن أبيّن قدر الإمكان، سلبًا وإيجابًا، الموقف النظري و«المنهج» الذي أنطلق منه في بحثي وحواري حول طبيعة الوحي وحقيقته، بوصفه أحد أعمق مفاهيم تراثنا التاريخي.
في مسار هذا البحث، منهج تفكيري ليس لاهوتيًا. هذا القول يعني أنني لا أحاول، بالاعتماد على بعض المعتقدات الكامنة في تراثنا التاريخي حول طبيعة الوحي، كالاعتقاد القبلي بألوهية النصوص المقدسة، أو بالاستناد إلى بعض الآيات والمضامين في النصوص المقدسة نفسها التي تعتبر نفسها نصوصًا إلهية وسماوية، أن أدافع عن قدسية هذه النصوص. كما لا أحاول، بالاعتماد على نوع من اللاأدرية التي هي جزء ضروري من العديد من المنظومات اللاهوتية، أن أعتبر طبيعة الوحي وحقيقته خارج نطاق الفهم البشري، وأن أعد البحث فيه مستحيلًا من الأساس، أو أن أحصر فهم مقولة الوحي في دائرة العصمة المطلقة، التي هي خارج متناول الأفراد العاديين من البشر، بل أرغب في أن أنقد وأفحص نظرية «الأحلام الرسولية» استنادًا إلى منهج فينومينولوجي وهرمنيوطيقي تمامًا.
للأسف، فإن العديد من الانتقادات التي وُجهت لنظرية «الأحلام الرسولية» تنطلق غالبًا من موقف ومنظور لاهوتي مثقل بمسلمات غير منقحة، أو على الأقل، هذه المسلمات، بالشكل الذي كانت عليه في المنظومات اللاهوتية القائمة في تراثنا التاريخي، لم تعد قابلة للقبول استنادًا إلى الذاتية الميتافيزيقية والمنطق الناتج عن العقلانية العلمية والتجريبية الحديثة، وبالنظر إلى اتساع الوعي التاريخي المتحقق في العصر الجديد. مسلمات من قبيل: «جميع العلوم موجودة في النص المقدس»، و«في آيات النص المقدس تم التنبؤ بالعديد من الإنجازات العلمية الحديثة»، و«خالق
واقعیت امر این است که نظریه رؤیاهای رسولانه بسیاری از اصحاب و معتقدان به نظامهای تئولوژیک را به دلیل فروپاشی بسیاری از مفروضات اعتقادی و تئولوژیکشان پریشان و آشفته حال کرده است. اساساً «جدلی بودن» و «اراد معطوف به حفظ سیستم داشتن» از مهمترین اوصاف و شاخصههای تفکر تئولوژیک است. بنده به هیچ وجه با فروپاشی بسیاری از مفروضات نظامهای تئولوژیک تاریخی نه تنها مشکلی ندارم بلکه از آنها استقبال نیز میکنم، چرا که اینجانب نیز، همچون دکتر سروش و برخلاف اصحاب تفکر تئولوژیک، معتقدم دیگر با مفروضات پیشین نظامهای تئولوژیک گذشتگان، در روزگار فروپاشی همه نظامهای متافیزیکی و تئولوژیک، نمیتوان به دفاع از تفکر معنوی در جهان کنونی پرداخت. این حقیقتی است که اصحاب تئولوژیک باید بدان متفطن شوند. لذا به اعتبار تلاش به منظور نقد بسیاری از مفروضات نامنقح نظامهای تئولوژیک پیشین در جهت یافتن راهی برای دفاع از امکان تفکر دینی و معنوی در جهان کنونی که تحت سیطره عقلانیت جدید است بنده خود را با استاد بزرگوارم، جناب دکتر سروش همدل و همسو مییابم. برخلاف اصحاب تفکر تئولوژیک، دکتر سروش به درستی دریافتهاند که دیگر نمیتوان بر اساس نظامهای متافیزیکی، تئولوژیک و زبانی گذشتگان، که بسیاری از مؤلفههای آنها، همچون اعتقاد به وجود عالم مثال، وجود صور، وجود صور برزخی و اعتقاد به وجود حس و ادراک دریافتکنند صور مثالی و خیالی در روزگار ما بیاعتبار گشتهاند، به دفاع از مقول وحی پرداخت.
همسویی دیگری نیز میان اینجانب با استاد بزرگوارم، وجود دارد و آن این که نه ایشان و نه بنده هیچ یک نه از منظر عقل ضد سنت روشنگری بلکه برعکس، از منظر فراهم ساختن بستری برای امکان دفاع از تفکری معنوی در جهان کنونی است که خواهان تخریب و نقد رادیکال نظامهای تئولوژیکی هستیم که خود در روزگار کنونی به مانعی بزرگ برای امکان ظهور ایمان و افقی تازه تبدیل گردیدهاند.
برخلاف تصور بسیاری از معتقدان به نظامهای تئولوژیک، تفکر صرف صدور ادعانامهها و اظهارنامههای اعتقادی declarations)) و تکیه بر نتایج نیست، بلکه تفکر اصیل و راستین آنجایی رخ مینماید که متفکر گام به گام مسیری را که برای رسیدن به نتایج طی طریق کرده است برای دیگران آشکار سازد.
به هر تقدیر، این نوشته بر آن است تا صرفاً با تکیه بر برخی از بصیرتهای پدیدارشناسانه و هرمنوتیکیــ که این دو مفهوم در این سیاق باید در وحدت و اینهمانیشان مورد فهم قرار گیرندــ به تأملانی انتقادی در خصوص مقال «محمّد(ص): راوی رؤیاهای رسولانه» بپردازد.
محورها و وجوه زیر را میتوان از مهمترین مؤلفهها و ابعاد نظری رؤیاهای رسولانه برشمرد:
قبل أن أبدأ مباحثي النقدية حول نظرية «الأحلام الرسولية»، وبغية أن يتضح مسار النقاش قدر الإمكان، أود أن أطرح في البداية بعضاً من مختصاتي الفكرية وأن أوضح إلى أي مدى وإلى أي منازل أرافق الدكتور سروش في حركته وأتفق معه، ومن أي نقطة فصاعداً أعتبر مساري متميزاً عنه. إن النقاط المطروحة في هذه الفقرة يمكن أن تساعد في جعل مسار الحوار والديالوغ أكثر شفافية. وأرى من الضروري هنا طرح النقاط التالية:
همانگونه که در فراز مربوط به «روش بحث» اشاراتی داشتم نگارنده این نوشته بههیچوجه در صدد حفظ یا دفاع از برخی از نظامهای نظری تئولوژیک که مجموعهای از اعتقادات و باورهای نهادینه شد تاریخی هستند، نمیباشد. اما از سوی دیگر معتقد نیست امکاناتی که در برابر ما وجود دارند به دو امکان تفکر تئولوژیک و تفکر سکولار محدود میشود، بلکه برعکس، شدیداً از گشودگی این مسیر در برابر انسان امروز دفاع میکند که میتوان سیطر هیچ یک از نظامهای نظری تئولوژیک بر تفکر را نپذیرفت و در همان حال به سکولاریسم و نیهیلیسم دوران جدید نیز تن نداد. لذا روشن است که انتقادات اینجانب به نظری رؤیاهای رسولانه به هیچ وجه از منظر تفکری تئولوژیک، در معنای دفاع از یکی از نظامهای نظری و بشرساختهای نیست که حول و حوش هر یک از ادیان بر اساس پارهای از اعتقادات نهادینه شد تاریخی شکل گرفتهاند.
سنت احیاءناشده، سنت نیست بلکه لاش مرده و متعفن سنت است. لذا تا زمانی که مبادی تصوری و تصدیقی وجودشناسانه، معرفتشناسانه و انسانهشناسان قوامبخش سنت تاریخی ما مورد تأمل قرار نگیرد و وارد سپهر خودآگاهی امروزین ما نشود، جهانبینی و ارزشهای نهفته در سنت تاریخی ما نمیتواند از نقشی زنده و اثرگذار در زیستجهان کنونی برخوردار گردد. لذا اینجانب از نفس تلاش متفکرینی چون دکتر سروش، استاد محمد مجتهد شبستری، حامد نصر ابوزید، و دیگران که در صدد بازاندیشی، بازفهمی و بازتفسیر مقولات موجود در سنت تاریخی و دینی ما، از جمله مقولات وحی و متن مقدس، به منظور بازتعریف آنها در هندس معرفتی دوران جدید هستند، با تمام وجود دفاع میکنم و این تلاشها را بسیار مغتنمتر و ارزشمندتر از خواب سنگین غفلت آن دسته از سنتگرایانی می دانم که درکی از تغییر عالمیت عالم و تغییر فصل کتاب تاریخ نداشته و ندارند و با سکههای تصورات و تصدیقات عهد دقیانوس خواهانند در بازار روزگار ما به داد و ستد فکری و نظری با جهانیان و نسلهای جدید بپردازند. لذا نگاه انتقادی بنده به تلاشهای نظری این بزرگواران به هیچ وجه به معنای مخالفت با نفس تلاش آنان نیست.
بنده نیز یگانه راه احیای سنت تاریخی را در شیفتی پارادایمی، یعنی بازاندیشی، بازفهمی و بازتفسیر هم مفاهیم و مقولات بنیادین سنت تاریخی بر اساس هندس معرفتی روزگار جدید و در دیالوگ با این هندسه و در افق تفکر آینده میدانم و به هیچ وجه، همچون اصحاب تئولوژیک اعتقاد ندارم که پاسخ بحرانهای نظری و فرهنگی ما به صورت یک بست آماده در گذشته وجود دارد و کافی است دست دراز کرده، این پاسخهای آماده را برداریم. مسیر تفکر، مسیر پر پیچوخم و پرسنگلاخی است که باید توسط متفکران کوبیده و هموار شود و مسیر ما از رهگذر شیفتی پارادایمی (به معنای اجتهاد در اصول و نه صرفاً در فروع و تغییر در مبادی فقه الاکبر و نه صرفاً در حوز فقه الاصغر) عبور میکند. لیکن باید توجه داشت که این شیفت پارادایمی به اضمحلال کامل مؤلفههای بنیادین سنت تاریخی ما در دل فلسفههای جدید و لذا از اساس بیمعنا شدن روح این سنت نینجامد.
بیتردید مقولات دین و وحی با انسان نسبت دارد و بدون وجود انسان سخن گفتن از دین و همسخنی امر قدسی با بشر و شنیدن کلام الهی به واسط انسان از اساس بیمعنا بود. به این اعتبار دین و وحی یقیناً مقولاتی انسانی هستند. آیات متعددی در قرآن نیز بر وجه بشری نبی تأکید میورزند: «قُل اِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِِثلُکُم يُوحی اِلَيَّ» «بگو من انسانی هستم همانند شما مگر آنکه به من وحی میشود». (کهف/ 110؛ همچنین فصلت/ 6)
هذه النقطة بالذات، أي اعتبار مقولات الدين والوحي بشرية، بمعنى أن الدين والوحي يرتبطان بساحة من ساحات نمط الوجود الخاص بالإنسان المتعددة، هي نقطة انطلاق جديرة جداً في سبيل إعادة فهم وإعادة تفسير المكونات الأساسية لتقليدنا التاريخي بغرض إحياء روحه بما يتناسب مع عالم الحياة الراهن. لكن الخطر يكمن في أن نؤنسن مقولات الدين والوحي والنص المقدس على نحو يضمحل معه وجهها القدسي وما فوق البشري اضمحلالاً تاماً، فتغدو الأمور القدسية بالتالي أموراً عرفية وناسوتية بالكامل.
إذا أخذنا الوصف البشري للنبي على محمل الجد، وإذا قبلنا بأن الإنسان كائن تاريخي بالذات وأن التاريخانية أو الحيثية التاريخية (historicity) هي إحدى أخص صفات نمط وجود الآدمي، فلن يكون لنا حينئذ مناص من قبول الحيثية التاريخية للنبي والحيثية التاريخية لمقولات الوحي والنص المقدس، أي أن نقبل بأن مقولة الوحي أيضاً، بما أنها ترتبط وتتناسب مع نمط الوجود الخاص بالآدمي الكائن التاريخي بالذات، لا يمكنها، شأنها شأن أي فهم أو فعل إنساني آخر، أن تكون مستقلة عن التقليد والأفق التاريخي والثقافي للنبي. وهنا أيضاً تكمن بالضبط نقطة انطلاق أخرى جديرة جداً، يمكنها أن تنقذ المجتمع والثقافة الإسلامية المنحطة من كثير من أزماتها، ومنها الأسر في براثن الأصولية والداعشية. لكن ثمة هنا أيضاً، مرة أخرى، خطر آخر يتمثل في أن نفتقر في منظومتنا الوجودية والمعرفية والأنثروبولوجية إلى أساس لـ«ما فوق التاريخية» (meta-historicity)، وأن نأسر الإنسان بأسرته التاريخانية (historicism) عبر تأريخ الإنسان ومقولات كالوحي والنصوص المقدسة بالكامل، ونجعل الوحي والنصوص المقدسة ناسوتية وتاريخية وعلمانية بالكامل عبر تأريخها، ممهدين بهذه الطريق السبيل أمام سيطرة متزايدة للعلمانية والعدمية والنسبوية التاريخية للعصر الحديث.
كما ورد في الفقرات السابقة، فإن إحدى المركبات الرئيسية (سواء في مقام الأساس أو كنتيجة) لنظرية الأحلام الرسولية هي «أنسنة» مقولة الوحي. ومن منظوري أيضاً، لا شك أن مقولات الدين والوحي تتناسب مع الإنسان، وبدون وجود الإنسان سيكون الحديث عن الدين وتكليم الأمر القدسي للبشر وسماع الكلام الإلهي بواسطة الإنسان بلا معنى من الأساس. والآيات القرآنية ذاتها تحمل هذه الصراحة التامة والكاملة في وجهها الإنساني، وكل التصورات الثيولوجية التي سعت حتى الآن إلى تقديم صورة «لا إنسانية وإلهية بالكامل» لظاهرة الوحي تقف تماماً في مواجهة الرؤية القرآنية التي تؤكد مراراً وتكراراً على «الوجه البشري للنبي». (انظر: القرآن، الكهف/ 110؛ وأيضاً فصلت/ 6)
في ساحة التفكير الديني، وفي فهم مقولة الوحي، نواجه خطرين رئيسيين. من جهة، نواجه الخطر الذي تواجهنا به كثير من أفكارنا الثيولوجية التقليدية، أي خطر اعتبار جميع الوجوه المختلفة لمقولات الدين والوحي والنص المقدس أموراً إلهية وأزلية وأبدية ومقدسة بالكامل، حتى لنصل إلى حد اعتبار اللغة ونحو ترتيب الآيات والرسم الإملائي أو تجليد النص المقدس مثلاً أموراً إلهية وقدسية. في هذا النمط من التصور، لا يُرى أي وصف إنساني أو تاريخي أو ثقافي في أي من وجوه المقولات المذكورة. هذا النمط من التصور الإلهي المحض لمقولة الوحي وسائر الظواهر المرتبطة بها يواجهنا بخطر فهم غير تاريخي وأصولي كداعش للأمور والواقعيات والعصر. وفي رد فعل على هذا الخطر بالذات، يؤكد كثير من المثقفين في العالم الإسلامي، أمثال حامد نصر أبو زيد، والدكتور سروش، والأستاذ محمد مجتهد شبستري، على الوجه الإنساني والتاريخي والثقافي لمقولة الوحي والنص المقدس، جاعلين هاتين المقولتين أموراً بشرية وتاريخية بالكامل. وفي هذه الحال، صحيح أننا ننجو من خطر الأصولية والأسر في الأفكار الداعشية، لكن هذه المساعي تواجهنا بخطر آخر، ألا وهو علمنة الأمر الديني والانزلاق إلى علمانية وعدمية العصر الحديث.
بعبارة أبسط، لا شك أن مقولات الدين والوحي والنص المقدس ترتبط بساحة من الساحات المتنوعة لنمط الوجود الإنساني الخاص، لكن في إعادة فهم هذه المقولات وإعادة تفسيرها، ينبغي ألا نجعلها إنسانية على نحو تام وكامل ومحض بحيث يتلاشى وجهها القدسي والمتعالي على البشر تماماً، فتتحول الأمور القدسية برمتها إلى أمور عرفية ودنيوية.
بتعبير آخر، كما أن مقولات من قبيل التفكير والمعرفة والعلم التجريبي الحديث والتكنولوجيا والفن والحقيقة هي مقولات إنسانية – بمعنى أنه لو لم يوجد الإنسان لما كان لأي من هذه المقولات معنى، وكل منها يرتبط بساحة من الساحات المتنوعة لنمط الوجود الإنساني الخاص – لكنها ليست أموراً إنسانية محضة بالتمام، بل يوجد فيها وجه غير إنساني، ومن المصادفة أن هذا الوجه غير الإنساني هو الذي يحدد مضمون ومحتوى كل منها، فإن مقولة الوحي أيضاً، وإن كانت أمراً إنسانياً، أي أنها ترتبط بالإنسان ونمط وجوده، إلا أنها ليست أمراً إنسانياً بالتمام، ويستتر فيها وجه غير إنساني، أي إلهي. على سبيل المثال، تماماً كما أن «الحقيقة» أمر إنساني من حيث إنها تنكشف على الإنسان، والإنسان هو الذي يقف في مقام كاشف الحقيقة، لكنها في الآن ذاته ليست أمراً إنسانياً، بمعنى أن الحقيقة ليست أمراً جزافياً واعتباطياً وتابعاً لميل الإنسان وإرادته، وليس الإنسان هو الذي يحدد محتوى الحقيقة ومؤداها، بل إن أمراً أكثر تعالياً وجوهرية (الوجود، العالم، الواقع أو الموضوعية) هو الذي يقوم حقيقة كون الحقيقة حقيقة، فإن ظاهرة الوحي هي أيضاً أمر إنساني وفي الآن ذاته أمر غير إنساني، أي إلهي.
لذلك، فرغم أن دوافع صاحب نظرية الأحلام الرسولية وهواجسه، حيث يقول «لغة القرآن إنسانية وبشرية، والقرآن هو تأليف وتجربة وجيشان ونمو روح محمد (ص) ولسانه وبيانه بشكل مباشر وبلا واسطة» أو «قلنا إن تلك المنجزات الكبرى [القرآن] قد نهضت من منبع ضمير النبي بلغة عربية عرفية بشرية... أي أن الله لم يتكلم ولم يكتب كتاباً، بل إنسان تاريخي تكلم نيابة عنه وكتب كتاباً، وكان كلامه هو كلامه نفسه»، تتضح بشكل جيد وكامل في مواجهة أصولية المنظومات اللاهوتية التقليدية وتكشف جزءاً من الحقيقة، لكنها في الآن ذاته تواجهنا بخطر دنيوة النصوص المقدسة وعلمنتها.
يعتقد الدكتور سروش أن النبي كان له دخل تام وكامل في عملية الوحي. إنني بصدد هذه النظرية القائلة بأن النبي كان له دخل في عملية الوحي – وفي صراع مع أولئك المفكرين الذين لا يعتبرون للنبي أي دخل، وهو الفكر الذي يواجهنا بخطر الأصولية والداعشية – أقف في جبهة الدكتور سروش، لكن حيث يُعتبر هذا الدخل «تاماً وكاملاً»، ولا يُقبل معه إمكان ظهور أي حقيقة متعالية وقدسية في عملية الوحي، فإنني أميز مساري عنه.
من وجهة نظر الدكتور سروش، الوحي هو عين التجربة النبوية، والتجربة الشخصية للنبي التي تأثرت أيضاً بتجاربه السابقة هي التي تقوم مقولة الوحي. هذا الكلام جزء من الحقيقة (حقيقة تتجنب كثير من المنظومات اللاهوتية التقليدية قبولها لأنها تنسف كثيراً من معتقداتهم)، لكنه ليس كل القصة. السؤال الأساسي هنا هو: إضافة إلى التجارب البشرية، ما الذي يقوم «كون التجربة نبوية» في التجربة النبوية؟ ما الذي يميز «التجربة النبوية» عن «التجارب البشرية» الأخرى ويضفي عليها وجهاً نبوياً؟ ما الذي يفصل مقولات الدين والتفكر الروحي والعلم القدسي والوحي – التي يمكن تأملها في وحدتها وهويتها – عن التجارب البشرية الأخرى؟ هذه أسئلة تُركت دون تأمل في نظرية الأحلام الرسولية، أو لم تجد إجابات تليق بها.
يقول لنا الدكتور سروش إن كلمة «قُل» في القرآن «لا تعني إطلاقاً أن أحداً يتكلم مع أحد». وبناءً على نظريته، فإن النبي هو مؤلف القرآن، والوحي هو تأليف النبي. هذا الكلام، أي إنكار إمكان مناجاة الإنسان للأمر القدسي، هو بمعنى تجاهل تلك الحقيقة الكبرى التي تشكل طبيعة كل من السنن الفكرية الشرقية وروح جميع الأديان والوجه الديني والروحي لجميع الحكم الروحية، ونتيجة هذا الإنكار ليست سوى الرضوخ لذاتانية العصر الحديث وعلمانيته وعدميته.
بالطبع، قد يعترض القارئ المحترم متسائلاً: ما الضرورة في ألا تُصبح مقولات الوحي والنص المقدس إنسانية وعرفية وعلمانية بالكامل، ولماذا ينبغي لنا أن نسعى لتقديم تفسير لهذه المقولات يحافظ على وجهها الإلهي وقداستها؟
الجواب على هذا السؤال هو: لا ضرورة البتة لأن نقدم تفسيراً إلهياً وقدسياً لمقولات الوحي أو النصوص المقدسة، ونحن محقون تماماً، شأننا شأن الكثير من المعتقدين بالعقلانية الجديدة والمفتونين بها، وشأن الكثير من المثقفين المولعين بقيم عصر التنوير ورؤيته للعالم، في أن نقدم تفسيراً إنسانياً وتاريخياً وعلمانياً محضاً لمقولات الوحي والنصوص المقدسة، ولكننا في هذه الحال، أولاً، لا يحق لنا أن نجر وراءنا صفة «الديني» إلى جانب «التنوير» وأن نشكل من تركيبهما بناءً متناقضاً ميتافيزيقياً يُدعى «التنوير الديني».[2] وثانياً، بحذف العنصر القدسي والروحي، أي حذف إمكانية مناداة الإنسان والأمر القدسي، بدءاً من الوحي والنصوص المقدسة ثم من العالم بأسره، ينبغي لنا أن نذعن بالكامل لعلمانية وعدمية العالم الراهن.
من وجهة نظر صاحب نظرية الأحلام الرسولية، عندما يصبح الوحي مقولة إنسانية، وبما أن الإنسان كائن ثقافي وتاريخي، فمن الطبيعي أن يُنظر إلى الوحي أيضاً باعتباره مقولة ثقافية وتاريخية، وأن يُقال إنه في مقام تكوّن الوحي والنص المقدس «كانت الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث البيئية والوضع الجغرافي والمعيشة القبلية للنبي، هي التي شكّلت صور تجاربه»؛ «الله لم يتكلم ولم يكتب كتاباً، بل إنسان تاريخي تكلم نيابة عنه» و«القرآن هو، مباشرة وبلا واسطة، تأليف وتجربة وتدفق ونمو روح محمد (ص) ولسانه وبيانه، محمد التاريخي الذي يسير في صراط التكامل».
في خصوص تأريخ الوحي، تماماً كما في حالة أنسنته، تتضح دوافع الدكتور سروش وهواجسه تماماً. إن الفهم اللاتاريخي والإدراك الأزلي والأبدي لكثير من الأحكام التاريخية والثقافية والجغرافية في النصوص المقدسة هو أحد أهم الأسباب النظرية لعدم توافق التقاليد التاريخية الدينية مع العالم المعيش الحديث، وسبب للجمود والتحجر والرجعية الدينية في مجتمعات كالمجتمعات المسلمة، ولا يمكن لأي مفكر يسعى للدفاع عن التقاليد الدينية في العصر الحديث إلا أن يصل إلى فهم وتفسير تاريخي للنصوص المقدسة. لكن، هنا أيضاً، تماماً كما في نقاش أنسنة مقولة الوحي، السؤال هو: هل البعد التاريخي لمقولة الوحي والوصف التاريخي والثقافي للنصوص المقدسة يحكي جميع أوصافها؟ صحيح أن التأكيد على البعد التاريخي للوحي والنصوص المقدسة يخلّصنا إلى حد كبير من خطر الأصولية، ولكن ألا يواجهنا، من جهة أخرى، الفهم التاريخي المحض للوحي والنصوص المقدسة بخطر الدنيوة وعلمنة النصوص المقدسة؟ بتعبير أبسط، ألا يمكن الحديث في النصوص المقدسة عن وجه «ما وراء تاريخي» (meta-history) أيضاً؟ وأليس هذا «الميتا-تاريخية» (meta-historicity) هي عين «القداسة» التي تقوّم قداسة النصوص المقدسة؟ لا أعني بهذه «الميتا-تاريخية» مطلقاً بعض القضايا الاعتقادية أو الأخلاقية التي نضفي عليها قيمة واعتباراً ما وراء تاريخيين، فكل قضية هي أمر لغوي، واللغة في ذاتها أمر تاريخي. ما أعنيه بالأمر الميتا-تاريخي هو حقيقة أنطولوجية غير قابلة للوصف باللغة، وفوق لغوية، قداسة النص المقدس تكمن في ظهورها في النص القضوي واللغوي.
منذ القدم، وفي العالم الإسلامي على وجه الخصوص، كانت إحدى أهم المعضلات اللاهوتية هي تبيين علاقة التاريخ والميتا-تاريخ، لا سيما في إطار اللاهوت التنزيهي. هذا السؤال: كيف يمكن لماهية الكلام الإلهي، بالنظر إلى وصف الذات والصفات الإلهية بالقِدم (الميتا-تاريخية)، أن تتوافق مع حدوث تكلمه مع البشر في زمان ومكان محددين، أو بتعبير آخر، كيف يمكن تبيين تدخل الله (الميتا-تاريخ) في التاريخ والعلاقة بين الأمر القديم (الميتا-تاريخ) والحادث (الأمر التاريخي)؟
بحث از رابط حادث و قدیم (تاریخ و فراتاریخ) از همان آغاز در میان خود مسلمانان در حوز تأمل دربار سرشت و ماهیت کلام الهی وجود داشته است. همانگونه که در یکی از مقالات خود گفته بودم، «معتزله قائل بودند که کلام الهی (کتاب مقدس یا قرآن) حادث است، چرا که هر یک از آیات قرآن شأن نزولی داشته، با توجه به شرایط اجتماعی و تاریخی خاصی نازل شده است. معنای سخن معتزله این بود که کلام الله امری تاریخی است. در مقابل، اشاعره معتقد بودند که قرآن یا کلام الهی قدیم است و چون ذات الهی امری حادث (تاریخی) نیست لذا صفت کلام او نیز امری غیرحادث و قدیم (غیرتاریخی) است. اما اشاعره نمیتوانستند نزول آیات با توجه به شأن نزولشان، یعنی همان حیث تاریخی آیات، را به سهولت نادیده بگیرند؛ لذا، با تکیه بر مفاهیم “لوح محفوظ الهی” و “کلام نفسی” در صدد توجیهات کلامی برای اثبات قدیم (غیرتاریخی) بودن قرآن بودند. اين كه معتزله معتقد بودند كلام الهي حادث است و بسته به شرايط و شأن نزول آيات، كلام الهي حادث شده است، دقيقاً به معناي تاريخي بودن آيات الهي و وجود ربط وثيق ميان آيات با شرايط سياسي، اجتماعي و ... (در يك كلمه، تاريخي) است. فرضاً در زمان جنگها و غزوات پيامبر، آيات مربوط به غروات و قتال نازل شده است و در زمان صلح آيات مربوط به صلح آمده است؛ یا اعراب جاهلی با پيامبر بلند و بيادبانه سخن گفتهاند، آيات مربوط به نحو سخن گفتن با پيامبر نازل شده است و قس عليهذا. “حادث بودن و شأن نزول داشتن” آیات معناي ديگرش “تاريخي بودن” است.»[3]
في أيامنا هذه، يضع الدكتور سروش، بوصفه معتزلياً جديداً، إصبعه بحق على الوجه التاريخي (الحدوث) للنص المقدس. لكننا إذا اعتبرنا النصوص المقدسة، تبعاً للعقلانية الحديثة وظهور الفكر التاريخي منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فصاعداً، نصوصاً تاريخية بالكامل وناشئة عن ظروف تاريخية، فلن يبقى ثمة محل لقداستها، ويصبح اعتبارها مقدسة بحد ذاته أمراً ثقافياً وتاريخياً وناشئاً عن ذاتية الفرد لا عن النص نفسه. ويعني هذا الكلام أن القرآن مقدس عند المسلمين، والتوراة عند اليهود، والإنجيل عند المسيحيين، والأوبانيشاد عند الهندوس والبوذيين؛ لا أن هذه النصوص مقدسة بالذات وبصرف النظر عن إيمان الفرد واعتقاده. إن هذا النوع من المقاربة وهذا النوع من الاعتقاد بقدسية النصوص المقدسة لا يضع بين أيدينا أي أساس نظري وميتافيزيقي (بالمعنى الأنطولوجي) للدفاع عن قدسية النصوص المقدسة، ويحول الاعتقاد بقدسية هذه النصوص إلى أمر سيكولوجي وتلقيني وثقافي. بناءً على ذلك، إذا اعتبرنا النصوص المقدسة، شأننا شأن الدكتور سروش وتبعاً للمعتزلة أو الفكر التاريخي في العصر الحديث، حادثة أو تاريخية بالتمام، فإن هذا الرأي يؤدي إلى دنيوة هذه النصوص وعلمنتها، بوصفها منتجات ثقافية لقوم وجغرافيا وحقبة تاريخية معينة، ولا يبقى ثمة محل لوصف هذه النصوص بكونها فوق تاريخية ومقدسة. وبعبارة أبسط، مع تأريخ النصوص المقدسة، ينتفي ظهورها بوصفها وحياً أو كلاماً إلهياً أو أمراً سماوياً، وستُعتبر هذه النصوص حصيلة لذهنية النبي وذاتيته، وهذه الذهنية نفسها ستكون حصيلة للأسرة والقوم والقبيلة والثقافة والمجتمع واللغة والتعليم والتربية والظروف الاجتماعية والعلاقات الطبقية... إلخ، وستكون، في كلمة واحدة، صدى للظروف التاريخية. لذا، إذا قبلنا النظرة التاريخية إلى النصوص المقدسة، فإن نتيجتها الطبيعية هي نزع القداسة عن النصوص المقدسة، ولم يعد بالإمكان اعتبارها مقدسة في إطار المنظومات الثيولوجية السائدة. وبهذا الشكل، يصبح كل ما كان يُعتبر حتى الآن سماوياً أرضياً ودنيوياً، وهذا الأمر بذاته يعزز عملية العلمنة ودنيوة كل شيء وهيمنة العدمية التي تكتنف عالمنا الراهن.
وكما كنت قد أوضحت سابقاً، «إن أصحاب الثيولوجيا يخافون عن حق من تأريخ النصوص المقدسة. لأنهم يشعرون جيداً ــ عن وعي أو لا وعي، وفي الغالب لا وعي ــ بأن تأريخ النصوص المقدسة يعني علمنتها وجعلها بشرية وأرضية، وبالتالي تدمير آخر المعاقل الممكنة في وجه العلمنة والعدمية وفقدان العالم للمعنى في أيامنا الراهنة.
أما من جهة أخرى، إذا أردنا أن نعتبر النصوص المقدسة، على نحو ما يفعل الأشاعرة وأصحاب اللاهوت في أيامنا هذه، نصوصاً قديمة كلها وفوق تاريخية بتبسيط مفرط، وأن نتجاهل الأبعاد التاريخية والجغرافية والثقافية لهذه النصوص إلى حد القول إن النصوص المقدسة سماوية بالكامل، أي فوق تاريخية، ولا يُرى فيها أي وجه أرضي، أي تاريخي، بل إن سطورها وحروفها وتجليدها وكل ما فيها قد أتى من السماء وعالم الغيب، أي من الحيز فوق التاريخي، فإن هذا التصور، لا سيما في أيامنا هذه، لا يمكن الدفاع عنه البتة، وحضور العناصر والأبعاد التاريخية والثقافية في النصوص المقدسة واضح وجلي تماماً ولا يقبل الشك؛ والدفاعات اللاهوتية غير المبررة والفاشلة عن هذه الرؤى الأشعرية، والمقاومة غير المجدية والعبثية لقبول الأبعاد التاريخية للنصوص المقدسة، هي ذاتها عامل أساسي آخر في خلق الشرخ بل وحتى الشعور بالكراهية والنفور من عالم التراث والنصوص المقدسة، والاستسلام المحض للعقلانية الجديدة والعلمانية والعدمية الكامنة فيها.
لكن في هذا النقاش، هل ينفتح أمام الإنسان احتمالان فقط؟ هل ينبغي إما أن يكون معتزلياً ويعتبر النص المقدس أمراً حادثاً بالكامل وبتمامه، أو أن يكون أشعرياً ويعتبر النص المقدس قديماً بالكامل وبتمامه؟ هل ينبغي إما التسليم للعقلانية الجديدة العلمانية بالذات وللتفكير التاريخي للعصر الجديد، واعتبار النصوص المقدسة نصوصاً بشرية وتاريخية وثقافية، والاستسلام كلياً لعلمانية وعدمية العصر الجديد، أو اعتبار النصوص المقدسة، بتبسيط مفرط وبصورة غير واقعية، نصوصاً غير تاريخية وغير ثقافية، ثم نواجه أنفسنا بمآزق وتحديات نظرية وعملية خطيرة جداً في العالم الجديد وعصر هيمنة العقلانية العلمية والتكنولوجية؟ ألا يوجد طريق ثالث مفتوح أمامنا؟ ألا يمكن خلق جدل بين نمط الرؤية المعتزلية وطريقة الفهم الأشعرية؟ ألا يمكن اعتبار النصوص المقدسة ذات وجهي الحدوث والقدم معاً؟ ألا يمكن اعتبار النصوص المقدسة "نصوصاً تاريخية"، ولكن "ليست تاريخية فحسب"، أي القول بأن لها "حيثية تاريخية" و"حيثية فوق تاريخية" معاً؟ ألا يمكن اعتبار النصوص المقدسة ــ مثل أي نص آخر ــ نتاجاً لجدل وعلاقة متبادلة بين "الأرض والسماء" و"التاريخ وما فوق التاريخ"؟
حقيقة الأمر هي أننا لا نستطيع البتة تجاهل الحيثية التاريخية للنصوص المقدسة، وإذا أخذنا الآية "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" على محمل الجد، وقبلنا في معرفتنا بالنبي "الوصف البشري والإنساني للنبي"، ولم نفهم هذا الكلام فقط بمعناه البسيط والمبتذل جداً بأن النبي كان يأكل ويمشي وينجب الأولاد كسائر البشر، بل أدركنا الوصف البشري والإنساني للنبي في أعمق أوصاف البنى الوجودية (الإكزیستانسیالیة) والأنطولوجية (الأونتولوجية) للإنسان، واعتبرنا "الحيثية التاريخية" (historicity) للإنسان بوصفها إحدى أهم الأوصاف الوجودية لكل إنسان بما في ذلك النبي، حينئذٍ ينبغي بالضرورة أن نُذعن للحيثية التاريخية للكتب المقدسة أيضاً.
لكن بما أن الإنسان كائن تاريخي، إلا أنه ليس كائناً تاريخياً فحسب، وإمكانية إقامة علاقة مع ما فوق التاريخ، أي الحقيقة القدسية ذاتها، هي إحدى أعمق الإمكانيات المنفتحة أمام وجود الإنسان، لذا فإن النبي، من جهة وصفه البشري والإنساني، يمتلك وصفاً تاريخياً، وفي الوقت نفسه، ومن الجهة ذاتها لوصفه الإنساني، يمتلك استعداداً لإقامة علاقة مع ما فوق التاريخ. بناءً على هذه الأنثروبولوجيا، وبناءً على معرفة النبي المناظرة لها، وبناءً على القبول المتزامن لوصفي التاريخي وما فوق التاريخي للإنسان، وبالتالي للنبي، وبسبب الاعتراف بالوصفين التاريخي وما فوق التاريخي في معرفتنا بالنبي، يمكننا أن نُقر للنصوص المقدسة بكلا الوجهين التاريخي وما فوق التاريخي. النصوص المقدسة هي نصوص تاريخية وثقافية ونتاج تراث تاريخي بشري خاص (غالباً التراث العبري ـ السامي ـ اليهودي) أو تراثات شبيهة بها، وهي في الوقت نفسه تُظهر وصفاً فوق تاريخي من ذاتها. إن قبول هذا التصور للنصوص المقدسة يمهد الطريق لظهور تحول جوهري وبارادايمي في تصورنا للدين، والأمر الديني، ومعرفة النبي، وهيرمينوطيقا النصوص المقدسة. ومع أن هذا التحول يفضي، على نحو ما، إلى تفكيك في الفهوم التقليدية واللاهوتية السائدة، إلا أنه يعيننا في فهم الكثير من مسائلنا النظرية والعملية في أيامنا الراهنة وفي مواجهة العقلانية العلمية والتكنولوجية الجديدة.
والآن، فإن السؤال الهرمنيوطيقي الأهم في مواجهة تراثنا التاريخي بشكل عام وتراثنا التفسيري بشكل خاص هو: هل يوجد نمط من التفكير يعيننا على قبول الوصف التاريخي للأديان والنصوص المقدسة دون أن يزول قدسها وناسوتيتها في الوقت ذاته؟ كيف يمكن التوفيق بين رأي الأشاعرة ورأي المعتزلة؟ كيف يمكن القول بأن نصاً ما تاريخي وهو في الآن نفسه فوق تاريخي؟ ينبغي الانتباه إلى أن الكلام ليس البتة في أن نقول إن بعض آيات الكتب المقدسة تُنسخ افتراضاً، بينما تعبّر آيات أخرى عن حقائق أزلية أبدية. فالنقاش ليس حول الآيات الناسخة والمنسوخة، لأن الآيات الناسخة، شأنها شأن الآيات المنسوخة، هي آيات تاريخية.
نكرر سؤالنا الأساسي مرة أخرى: بمَ يكون النص المقدس مقدساً؟ ما الذي يجعل النص المقدس مقدساً؟ ما الذي يميّز النص المقدس عن النص غير المقدس؟
قداسة النص المقدس ليست بوساطة حروفه وكلماته وقضاياه، ولا يمكن أن تكون، لأن الكلمات والقضايا، كما أشرت، هي في حد ذاتها أمر لساني، وبالتالي تاريخية وثقافية. لا يمكن البحث عن قداسة النص في عبارات النص. فإذا كانت قداسة النص لا يمكن البحث عنها في ألفاظ النصوص المقدسة وعباراتها، من حيث هي أمر تاريخي وثقافي، ففي أي أمر ينبغي تتبعها إذن؟
للإجابة عن هذا السؤال، نطرح سؤالاً أكثر جوهرية: ما هو الشيء الذي نعده مقدساً وما هو الشيء الذي نعده غير مقدس أساساً؟ بتعبير آخر، ما هو أساس قداسة أمر ما وجوهرها؟ في الثقافات الشعبية وفي المنظومات اللاهوتية التي ترتبط بالثقافة الشعبية ارتباطاً وثيقاً وصِلة عريقة، تُنسب صفة القداسة و"كون الشيء مقدساً" إلى كثير من الأمور والأشياء والشخصيات والمعتقدات. لكن السؤال هو: قداسة هذه الأمور والمعتقدات والشخصيات قائمة على ماذا؟ ما هو ذلك العنصر الذي وجوده في أمر ما يجعله مقدساً وغيابه يجعله غير مقدس ودنيوياً؟ هل يوجد بخصوص القداسة واللا قداسة معيار أصيل وأساسي وأنطولوجي؟
يضفي عامة الناس وأصحاب اللاهوت القداسة على كثير من الأشياء (مثل بعض الأحجار أو الأضرحة أو المقابر أو الكتب)، أو الأمور (مثل الصلاة والصيام والحج) أو الشخصيات (مثل الأنبياء والأولياء والقديسين). لكن السؤال هو: هل هذه الأحجار والمقابر والكتب والأعمال (مثل تحمل الجوع أو بعض الحركات الفيزيقية بوصفها صلاة) أو الأشخاص، هي مقدسة في حد ذاتها وبصرف النظر عن أي حقيقة أخرى، أم أنها تُعتبر مقدسة بالنظر إلى "حقيقة أخرى"؟ كل أمر مقدس له وصف قداسته بوساطة نسبته إلى أمر آخر. لكن هل يوجد أمر تكون قداسته لا بوساطة أمر آخر، بل في حد ذاته وبوساطة ذاته؟ بعبارة أخرى، هل يوجد في هذا العالم أمر أو حقيقة تكون في حد ذاتها وبصرف النظر عن أي أمر آخر مقدسة؟ إذا وجد مثل هذا الأمر أو الحقيقة القدسية، فإننا نعده "الأمر القدسي الوحيد"، أي "الأمر القدسي بالذات" وبالتالي "المرجع الوحيد للقداسة". في تاريخ حياة البشر وفكرهم، وفي كثير من التقاليد التاريخية، وفي جميع الأديان، من الأديان البدائية والبسيطة جداً إلى أكثر الأديان البشرية تكاملاً، تجلى أمر ما على الدوام بوصفه الأمر القدسي، وكل شيء أو نشاط أو إنسان إنما يُعتبر مقدساً فقط بالنظر إليه. الشيء أو الفعل أو الشخص المقدس ليس مقدساً بذاته، بل إنه يصبح مقدساً بالنظر إلى "الأمر القدسي". لذا فإن حضور الأمر القدسي وتجليه في أي أمر هو المرجعية الأصيلة الوحيدة التي تسبب قداسته. وعليه، فإن ما يميز الكتب المقدسة عن الكتب غير المقدسة هو الحضور القوي للحقيقة القدسية الوحيدة التي تتجلى في هذه النصوص. لذا فإن نفس هذا الحضور وبهذا الحضور يصبح أمر ما، بما في ذلك بعض النصوص، مقدساً.
الأمر القدسي، هو في ذاته حقيقة فوق-تاريخية، أي فوق-لغوية وفوق-ثقافية، لكنه حين يُصاغ باللغة ويُروى بها، وهي مقولة تاريخية بذاتها، فإنه يتنزل ويتجلى في تعبير تاريخي. هذه هي النقطة عينها التي يتحقق فيها جدل الأمر القدسي من جهة، واللغة والثقافة من جهة أخرى، أي جدل السماء والأرض، أو جدل ما فوق التاريخ والتاريخ. لذا، فإن قداسة النص المقدس تتحقق بوساطة "الحضور" الذي يحدث عبر "تلاوة النصوص المقدسة" -وهي أمر شديد الاختلاف عن "مجرد قراءة النصوص"- حضورٌ ناتج عن البنية المتعالية لنحو وجود الإنسان باتجاه الأمر القدسي. فبدون هذا الحضور، يفقد النص المقدس مرجعيته الأصيلة في قداسته، ويتحول إلى مجرد نص عرفي وتاريخي وثقافي. إن جميع النصوص، بما فيها النصوص المقدسة، ذات نوعين من الخطوط: خطوط بيضاء وخطوط سوداء. الخطوط البيضاء موجودة بين ثنايا الخطوط السوداء للنص. الخطوط السوداء، أي الألفاظ والعبارات والقضايا، التي تحمل، بوصفها اللغوي، حيثية تاريخية وتخضع لجميع الأحكام الهرمنيوطيقية التي تنطبق على النصوص البشرية وغير المقدسة. لكن بين ثنايا هذه الخطوط السوداء اللغوية والتاريخية، وفي الخطوط البيضاء للنص، يتجلى للمؤمن أمرٌ هو في ذاته وبذاته قدسي، وهو الأمر القدسي الوحيد والمرجعية الوحيدة لكل ما يبدو مقدساً. لذا فإن قداسة النص المقدس لا تُستمد من كلماته ولا تعود إليها، بل إن هذه الكلمات العرفية والتاريخية والثقافية لقوم تاريخي ما، يمكنها فقط عبر إحضار حضور الأمر القدسي، أن ترتقي بنص من مستوى نص تاريخي وثقافي محض إلى حد نص مقدس. لكن هذا الأمر ينبغي ألا يوقعنا في خطأ -كما أوقع كثيراً من مفسرينا ومتكلمينا وأصحاب اللاهوت في تراثنا التاريخي- مفاده أن كلمات النص المقدس مقدسة بذاتها. بناءً على هذا التصور، فإن "حضور الأمر القدسي" ذاته هو المعيار الأنطولوجي -لا النفسي ولا السوسيولوجي ولا الثقافي- لقداسة النص المقدس. سيترتب على هذا التصور نتائج بالغة الأهمية، إذ أولاً، لا تنحصر النصوص المقدسة بعدد محدود من النصوص، بل كل نص يستطيع إحضار الأمر القدسي هو نص مقدس؛ وثانياً، ستكون قداسة النص أمراً ذا مراتب، وستكون بعض النصوص أكثر قداسة وبعضها الآخر أقل قداسة. لكن في تلك الآثار من الحياة البشرية التي اعتُبرت نصوصاً مقدسة، يتجلى حضور الأمر القدسي على نحو أكثر أصالة وأشد قوة."[4]
يرى الدكتور سروش بحق أن النصوص المقدسة، ومنها القرآن، أمر تاريخي، وأنا أوافقه تماماً في هذا، وبهذا الاعتبار أقف إلى جانبه في مواجهة الأفكار اللاتاريخية للاهوتات التقليدية والفهم اللاتاريخي للنصوص المقدسة، وهو أمر شديد الخطورة والضرر على المجتمع والحياة البشرية، ويواجهنا بخطر الأصولية والتحجر وجمود الفكر. لكن انتقادي لأستاذي الجليل هو أن النصوص المقدسة ليست نصوصاً تاريخية محضاً، بل إنها تكشف في ذاتها عن الأمر فوق-التاريخي، غير أنه، بناءً على الأسس الفكرية الديكارتية-الكانطية والذاتوية الحديثة، وفي إطار الفلسفات التحليلية التي تفكر داخل التراث الذاتوي الديكارتي-الكانطي نفسه، لا يمتلك أي منفذ إلى ما فوق التاريخ.
يدرك أستاذي الجليل جيداً أنه لا يستطيع أن يضع إطار الفكر الكانطي جانباً، لأن نظريته كلها في القبض والبسط النظري للشريعة تقوم على التمييز بين "الدين" و"المعرفة الدينية"، وهذا التمييز هو تكرار للتمييز الكانطي بين "النومين" و"الفينومين" ويستند إليه. هذا الأصل الأساسي والركيزة الجوهرية لنظرية القبض والبسط النظري للشريعة، القائل بأننا لا نصل إلى الدين نفسه بل إلى المعرفة الدينية فحسب، هو تكرار لقول كانط بأن معرفتنا ظواهرية، وأننا لا نصل إلى النومين بل فقط إلى ما يظهر في الذهن. في إطار الذاتوية الديكارتية-الكانطية، لا نملك أي منفذ إلى ما وراء وعي الذات، ولا أي سبيل إلى النومين (ما فوق التاريخ)، ووعينا يبقى دوماً عند حدود وعينا التاريخي بالظواهر.
وبعبارة أبسط، ينبغي أن أقول إن تفكير الأستاذ الكبير الذي تعلمت منه الكثير، والذي يدين له بلدي بالكثير لأفكاره، لم يستطع للأسف أن يقدم لنا أي أساس ميتافيزيقي وأنطولوجي جدير بالاعتبار للتمييز الوجودي بين «التاريخ وما وراء التاريخ»، وبالتالي فإنه بجعله النصوص المقدسة تاريخية بالكامل، يكون قد جعلها دنيوية وعلمانية بالكامل، وهذا الأمر يساهم في توسيع نطاق العلمانية والعدمية في العالم وفي المجتمعات المسلمة.
من شبه المؤكد أن العارف الكبير بمولانا والأستاذ المسلَّم للمثنوي في ديارنا، وكما سُمع مراراً على لسان تلامذته، سيجيب بأن ما يقوله تلميذه السابق والحاضر والمستقبل بخصوص العلاقة مع ما وراء التاريخ يتعلق بمجال العرفان وهو خارج نطاق التفكير الفلسفي والميتافيزيقي، وناتج عن الخلط بين العرفان والفلسفة. وسيقول إن قسماً عظيماً من عمره قد انصرف إلى تدريس مثنوي مولانا بهدف توفير الأرضية للاتصال بالأمر اللامُصوَّر أو ما وراء التاريخ.
لكن السؤال يكمن هنا بالتحديد: كيف يمكن التوفيق «فكرياً ونظرياً» بين التفكير الديني والروحي الشرقي عموماً، وعرفان مولانا، وبين الأسس الفلسفية الذاتوية الديكارتية – الكانطية؟
سؤالي لا يتعلق إطلاقاً بكيفية اجتماع عرفان مولوي مع التفكير الكانطي في شخصية الدكتور سروش وسيكولوجيته الخاصة، بل إن سؤالي يتعلق بالمستوى الفلسفي والميتافيزيقي للبحث. يعلم الدكتور سروش جيداً أن الإنسان معجون عجيب، قد تجتمع فيه لدى كل فرد أمور كثيرة متعارضة، لكن تاريخ التفكير ومسار الحياة الثقافية لمجتمع ما لا يخضعان للسيكولوجيات الخاصة، ولا لنوايا الأفراد وآمالهم وأمانيهم وقراراتهم وتخطيطاتهم. لذلك، ليس لدي أي شك أو ريب في تدين أستاذي وتهجده وأنسه ووده مع مولانا الكبير، لكن كلامي هو أنه في المجتمع وبين تلامذته، لا يمكن الجمع بين التفكير الديني والروحي والتفكير الذاتوي الديكارتي – الكانطي، وأن ديناً وعرفاناً يفتقران إلى الدعائم الوجودية والمعرفية اللازمة ينزلقان في النهاية إلى العلمانية والعدمية، كما حصل بالفعل.
نقطة أخرى هي أنه على الرغم من أن الدكتور سروش يتحدث عن «تاريخانية» الوحي والنص المقدس، وفي كتاب «بسط التجربة النبوية» عن تاريخانية شخصية النبي، إلا أنه لم يبلغ بعد فهماً عميقاً لـ «التفكير التاريخي». فهمه للتفكير التاريخي لا يتعدى كونه أن «الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث البيئية والوضع الجغرافي والمعيشة القبلية للنبي، قد شكلت تجاربه». لكن سؤالي هو: هل ينحصر معنى تاريخانية النبي فقط في تأثير هذه العوامل، أي «الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث البيئية والوضع الجغرافي والمعيشة القبلية للنبي» في التجربة النبوية؟ أم ينبغي أن يكون هناك فهم أعمق لمعنى ومفهوم «الحيثية التاريخية» (historicity)؟ بعبارة أبسط، ألا ينبغي القبول بأن التجربة النبوية ومضامين النصوص المقدسة، وبسبب تاريخانيتها تلك، لم تكن لتستطيع أن تكون خارج «الآفاق التاريخية» و «التقاليد الفكرية والنظرية» التي تشكلت فيها؟ أي هل كان بوسع الآيات المتعلقة بالسماوات والأرض والنجوم والشمس في التجربة النبوية وفي النصوص المقدسة، على سبيل الفرض، أن تكون خارج إطار علم الهيئة عند القدماء؟
لا شك أن صاحب كتاب «بسط التجربة النبوية»، الذي بلغ فهماً لتاريخانية النبي، لا يستطيع أن يجيب على سؤالي الأخير هذا بالنفي. إذن فهو يقبل أيضاً أن التاريخانية لا تقتصر على «الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث البيئية والوضع الجغرافي والمعيشة القبلية»، بل تشمل أيضاً التقاليد الفكرية والثقافية الكبرى والبارادايمات الذهنية.
إذا كان الدكتور سروش يتفق معي ــ ولا يسعه إلا أن يتفق ــ في أن تاريخية الشخص ليست مجرد أمر سيكولوجي يعبّر عن تأثير «الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث البيئية والوضع الجغرافي والمعيشة القبلية»، بل تشمل أيضاً تأثير التقاليد الفكرية والثقافية الكبرى والبارادايمات الذهنية والنظرية السائدة في عصره، فإنني أرتقي بسؤالي إلى مستوى آخر: هل الأنبياء والشخصيات كعيسى ومحمد المصطفى [ص] وحدهم هم كائنات تاريخية وثقافية بحكم بشريتهم، أم أن فلاسفة كأرسطو وديكارت وكانط هم أيضاً «بشر»، وبحكم بشريتهم هذه كائنات تاريخية وثقافية؟ بعبارة أبسط، هل الأنبياء والشخصيات كعيسى ومحمد المصطفى [ص] وحدهم تكون أفكارهم ونصوصهم الناتجة متأثرة، بحكم بشريتهم، بالتقاليد التاريخية الكبرى والبارادايمات الذهنية والنظرية السائدة في عصرهم، أم أن أفكار ونصوص فلاسفة كأرسطو وديكارت وكانط هي أيضاً متأثرة، بحكم بشريتهم، بالتقاليد التاريخية الكبرى والبارادايمات الذهنية والنظرية السائدة في عصرهم؟
سؤالي الآخر هو: هل الأنبياء والشخصيات كعيسى ومحمد المصطفى [ص] وحدهم كائنات تاريخية وثقافية، أم أن الدكتور سروش نفسه، بحكم بشريته، كائن تاريخي، وبحكم هذه الصفة الإنسانية، أي التاريخية، يفكر ضمن تقليد فكري وبارادايم ذهني ونظري معين؟
بعبارة أبسط، أعتقد أن الدكتور سروش، الذي يركز بحق على وصف تاريخية النبي والنصوص المقدسة، لا يمتلك فهماً صحيحاً وعميقاً لتاريخية الإنسان، وقد حصر هذه التاريخية وقصرها في بحثه وهرمنيوطيقه حول القرآن على النبي والنص المقدس، دون أن يلتفت إلى «تاريخية القارئ» و«تاريخية المعنى»، وهذا الإهمال هو نقطة ضعف نظرية «الأحلام الرسولية» الهرمنيوطيقية.
بلغة أكثر تبسيطاً، إن مواجهة الدكتور سروش لـ«الفكر التاريخي» في هرمنيوطيقه للنص المقدس تقوم على منطق الكيل بمكيالين. فهو من جهة، وبناءً على الفكر التاريخي، يعتبر بحق شخص النبي والنص المقدس أمراً تاريخياً متأثراً بظروف وتقاليد وبارادايمات عصر النبي التاريخية، لكنه من جهة أخرى، وبسبب وقوعه في أسر الفكر اللاتاريخي (الجوهري) الأرسطي، يقدم فهماً لاتاريخياً لأطر العقلانية الحديثة والتقاليد الفكرية والثقافية التي يواجه القارئ الحديث النصوص المقدسة تحت هيمنتها.
بعبارة أخرى، إذا قبلنا بالحيثية التاريخية للإنسان، وبالتالي الحيثية التاريخية للنبي والنصوص المقدسة، فعلينا أن نقبل أن النبي والنصوص المقدسة من جهة، والقارئ الحديث كالدكتور سروش من جهة أخرى، ينتمي كل منهم إلى تقليدين نظريين وثقافيين، وبارادايمين وعالميتين تاريخيتين مختلفتين، وهما أيضاً، بتعبير توماس كون، غير قابلتين للترجمة تماماً. في اعتقادي، إن نظرية الأحلام الرسولية للدكتور سروش هي نتيجة لعدم الفهم العميق للحيثية التاريخية للبشر، وعدم الالتفات إلى تاريخية المعنى والقراءة، إلى جانب تاريخية النص، وبالتالي عدم الالتفات إلى العائق الهرمنيوطيقي الكبير المتمثل في لاقابلية ترجمة البارادايمات المختلفة، ومنها لاقابلية ترجمة بارادايم النصوص المقدسة إلى بارادايم العقلانية الحديثة.
قيل إن النبي في نظرية الأحلام الرسولية ليس مُنصِتاً للنداء الإلهي، بل هو مجرد راوٍ لأحلام رآها في منامه. يصرح الدكتور سروش قائلاً: «محمد (ص) راوٍ، أي أنه ليس مخاطَباً ولا مخبَراً. ليس الأمر أنه خوطب بأصوات وتُليت على أذن باطنه كلمات وأُمر بتبليغها، بل محمد (ص) راوٍ لتجارب وناظر لمشاهد رآها بنفسه، وهناك فرق عظيم بين الناظر الراوي ومخاطَب الخبر. لم يُقل له اذهب وقل للناس إن الله واحد». «بدلاً من هذه القضية القائلة إن الله هو المتكلم في القرآن ومحمد (ص) هو السامع، تستقر الآن هذه القضية: إن محمداً (ص) في القرآن هو الناظر ومحمد (ص) هو الراوي. لا خطاب ولا مخاطَب ولا إخبار ولا مخبَر ولا متكلم ولا كلام هناك، بل الكل نظارة ورواية. ليس ذاك سِرّاً بل هذا سِرّ!». لذا، ووفقاً لنظرية الأحلام الرسولية، كان الوحي النبوي هو عين الحلم النبوي.
ولكن لماذا يستخدم الدكتور سروش مفهوم «الرؤيا» لوصف الوحي وتفسيره؟ يجيب هو نفسه على هذا السؤال: «بوسع القارئ أن يستخدم بدلاً من كلمة رؤيا كلمات مثل المكاشفة والواقعة والمثال والخيال المنفصل والمتصل والإقليم الثامن وجابلقا وجابلسا وأرض الملكوت (كما فُعِل)، لكن الكاتب، دون معارضة لها، اختار كلمة رؤيا عن عمد كي ... يتجنب الإبهامات المربكة لتلك المفاهيم العتيقة وميتافيزيقاها المهولة».
لكن سؤالي للدكتور سروش هو: هل أن «كلمات مثل المكاشفة والواقعة والمثال والخيال المنفصل والمتصل والإقليم الثامن وجابلقا وجابلسا وأرض الملكوت» وحدها تحمل عبئاً ميتافيزيقياً، بينما لا يحمل مفهوم «الرؤيا» أي عبء ميتافيزيقي؟
برأيي، إن مفكراً كبيراً يؤكد بحق على حيثية النبي والنص المقدس التاريخية، ينبغي أن يكون ملماً بهذه الأبجدية الهرمنيوطيقية القائلة بأن المفاهيم أيضاً تاريخية ومسياقية (contextualized)، وأن كل مفهوم ينطوي في سياقه التاريخي على معنى وميتافيزيقا خاصين به. «الرؤيا» في يومنا هذا أمر «سيكولوجي»، وبمطابقة المقولة التاريخية للوحي ــ التي تشكلت في تقليد ونموذج إرشادي وسياق تاريخي آخر ــ مع مقولة الرؤيا في سياقها التاريخي المعاصر، يُرتكب خطأ هرمنيوطيقي لا يُغتفر. بوصف تواصل النبي مع الله رؤيا، تُختزل مقولة الوحي إلى أمر سيكولوجي، وتختفي مبادئها الوجودية والمعرفية والأنثروبولوجية بالكامل خلف حجاب الأسس الميتافيزيقية الحديثة لمفهوم الرؤيا، وبهذا تزول روح التقليد المعنوي للفكر الشرقي برمته، ومنه الإسلام، ويسيطر النمط الحديث من التفكير على مادة الثقافة والتفكير الديني والمعنوي الشرقي، ويتم علمنة التقليد.
نقطة أخرى هي أننا عندما نتحدث عن مقولة «الوحي»، فإننا لا نتحدث فقط عن شخص واحد، فلنقل عن شخص محمد [ص]، ولا نواجه مجرد شخص واحد، بل نواجه تقليداً تاريخياً. وقد أشرت سابقاً أيضاً إلى أن الحيثية التاريخية للنبي، خلافاً لتصور صاحب نظرية الرؤى الرسولية، لا تقتصر على تأثير «الأحوال الشخصية والصور الذهنية والحوادث المحيطة والوضع الجغرافي والعيش القبلي للنبي» في التجربة النبوية، بل تشمل أيضاً التقليد التاريخي الذي انتمى إليه النبي، أي التقليد التاريخي العبراني ـ السامي ـ اليهودي برمته، ومفاهيم مثل «الوحي» و«البعثة» و«الرسول» و«كليم الله» و«كونه ابناً لله» أو «المسيح من قبل الله» هي مفاهيم جوهرية في المنظومة الإبستيمية (المعرفية) الخاصة بهذا التقليد التاريخي، وبمطابقة مفهوم «الوحي» مع مفهوم «الرؤيا»، يصبح عدد كبير من المفاهيم الأخرى التي ترتبط بمفهوم الوحي ارتباطاً وثيقاً وعلاقة شبكية متشابكة بلا معنى. حتى الحديث عن إمكانية المناداة مع حقيقة متعالية لم يكن حكراً على التقليد العبراني ـ السامي ـ اليهودي، ويمكن ملاحظته في تقاليد تاريخية أخرى، حتى في تقليد الفكر اليوناني ما قبل الميتافيزيقي. كان اليونانيون الأوائل، في العصر ما قبل الميتافيزيقي، يتحدثون عن إمكانية تناغم الإنسان مع العقل الكلي (اللوغوس)، وكان هرقليطس يقول صراحة: «لا تصغوا إلى كلامي، بل إلى كلام اللوغوس [على لساني]». حتى سقراط كان يعد نفسه مصغياً إلى الصوت الغيبي. إذن، نحن لا نواجه مجرد شخصية اسمها محمد [ص] أو مفهوماً منفرداً اسمه الوحي، بل نواجه تقليداً تاريخياً ومنظومته الإبستيمية الخاصة، وفهم معنى مفهوم الوحي دون الالتفات إلى هذا التقليد كله ومنظومته الإبستيمية ودون الانتباه إلى أسسه الوجودية والأنثروبولوجية والمعرفية هو خطأ هرمنيوطيقي وفينومينولوجي فادح، وأي نظرية، مثل نظرية الرؤى الرسولية، تروم تفسير أي مفهوم من مفاهيم هذه الشبكة المعنوية والنموذج الإرشادي المعرفي، ينبغي أن تكون قادرة على تغطية المفاهيم والمقولات الجوهرية الأخرى لهذه الشبكة المعنوية أيضاً. لكن اختزال الوحي إلى رؤيا والنبي إلى معبّر رؤى هو في تقابل ونفي مع مفاهيم مفتاحية وجوهرية أخرى مثل الغيب والنبأ والإنباء والبعثة والرسول والرسالة والنجاة والمؤمن والهداية والشكر والكافر والفلاح والخسران في التقليد العبراني ـ السامي ـ اليهودي. ليس من العبث أنه على امتداد تاريخ التقليد لم يعتبر أحد النص المقدس بمنزلة رؤيا ولا النبي بمنزلة معبّر رؤى، وقد قاوم وسيقاوم بشدة تفسيراً كهذا.
الدكتور سروش يقول لنا صراحةً إن كلمة «قُلْ» في القرآن «لا تعني إطلاقاً أن أحداً يخاطب أحداً». وبناءً على نظريته فإن النبي هو مؤلف القرآن والوحي هو تأليف النبي. هذا القول، أي إنكار إمكانية مناداة الإنسان للأمر القدسي، سواء في التراث السامي-اليهودي أو في التراث الفكري لليونانيين ما قبل سقراط، يعني تجاهل تلك الحقيقة الكبرى التي تشكل طبيعة جميع تقاليد الفكر الشرقي وروح جميع الأديان والوجه الديني والروحي لجميع الأفكار المعنوية، ونتيجة هذا الإنكار ليست سوى الاستسلام لذات الذاتوية والعلمانية والعدمية للعصر الحديث.
الدكتور سروش يتحدث عن «الخيال الخلاق للنبي». من وجهة نظره «كان النبي يتمتع بخيال قوي». والوحي ليس تعبيراً عن نوع من العقل والوعي بالعالم، بل هو حصيلة أحلام اليقظة لقوة الخيال الخلاق والقوي للنبي. أسلافنا أيضاً كانوا يسعون لجعل ظاهرة الوحي قابلة للفهم. تعابير مثل التلقي الإشراقي، والمكاشفة، والتلقي فوق الحسي، والعلاقة بالعقل الفعال، وعلاقة النفس الناطقة بعالم الخيال المنفصل... إلخ، كانت جميعها في هذا السياق، لكن أياً من هذه المفاهيم لم تختزل الوحي إلى أمر سيكولوجي، بل سعت في النهاية إلى إظهار كيف تصير لغة النبي لغة الله.
كذلك، وكما قال كثيرون غيري، لا يمكن اختزال الكتب المقدسة إلى مجرد مجموعة من المشاهد المتعلقة بالمشاهدات الأخروية لاعتبارها حصيلة رؤيا. ففي آيات الكتب المقدسة، ومنها القرآن، الكثير من الآيات المتعلقة بالحياة العادية والمألوفة والأحكام والمناسبات والحروب والنزاعات والتحديات في هذا العالم بالذات. لذا فإن نظرية الأحلام الرسولية، باعتبارها جميع آيات الكتب المقدسة رؤيوية، تستسلم لنوع من الاختزالية وتتجاهل قسماً واسعاً من آيات الكتب المقدسة.
من جهة أخرى، التعبير الأسطوري للكتب المقدسة لا يعني بالضرورة أنها رؤى. وبالصدفة، لو كان صاحب نظرية الأحلام الرسولية قد تابع رؤيته التاريخية بشكل أكثر إصراراً وعمقاً، والتفت إلى أن الأساطير كانت جزءاً من الأفق الفكري والتاريخي للأقدمين، وأن النبي بوصفه إنساناً وتاريخياً لم يكن بإمكانه التفكير خارج الأفق التاريخي والثقافي لعصره، لكان من هذا المنطلق تفسير الكثير من أساطير الكتب المقدسة قد تم بسهولة أكبر مقارنة باعتبارها رؤى.
الدكتور سروش يعتقد أن نظرية الأحلام الرسولية هي نظرية بخصوص لغة الوحي وليس طبيعته وحقيقته. لكن سؤالي له هو: هل مثل هذا الأمر ممكن؟ هل يمكن، دون أي افتراض مسبق بخصوص «طبيعة الوحي وماهيته»، الحديث فحسب عن «لغة الوحي»؟ لا الحديث عن الوحي ولا قراءته، سواء أكانت مؤمنة أم غير مؤمنة، يمكن ألا تستند إلى أسس ميتافيزيقية معينة. من الناحية الفينومينولوجية، إن تعليق أو إيبوخيه الافتراضات الميتافيزيقية للحديث عن أي ظاهرة، بما فيها ظاهرة الوحي، مستحيل من الأساس. وحسب ظني، فإن قول الدكتور سروش إن نظرية الأحلام الرسولية هي نظرية بخصوص لغة الوحي وليس طبيعته وحقيقته، ناشئ عن أنه، مثل كثيرين، لا يمتلك أسساً ميتافيزيقية واضحة بخصوص تبيين مقولات الوحي والنصوص المقدسة، أو لا يستطيع تبيينها بشكل منسجم في إطار فلسفته الذاتوية الديكارتية-الكانطية – أي في إطار هذه الفلسفة القائلة إن الوعي لا يمكنه بلوغ حقيقة متعالية عن الوعي. وسبب هذا الأمر ينبغي البحث عنه في نفس ما أشرت إليه في الفقرة السابقة: «فقدان الرؤية التاريخية» أو «عدم الفهم العميق للرؤية التاريخية».
إن الأعزاء الذين يفكرون، مثل الدكتور سروش، في إطار التقليد الفكري للفلسفات الديكارتية – الكانطية ــ ومنهم التقليديون والحوزويون الذين يفكرون في الإطار الأرسطي للفلسفتين السينوية والصدرائية ــ يعتقدون، بسبب افتقادهم للنظرة التاريخية وأسرهم في سجن الجوهرانية (الأساسية) الأرسطية، بوجود ذات وحقيقة ومعنى واحد لجميع المفاهيم والمقولات، ويعجزون عن إدراك تاريخية المفاهيم والمقولات. كان أرسطو وابن سينا والملاصدرا وديكارت وكانط والغالبية الساحقة من الفلاسفة والمفكرين قبل هيغل، حين يتحدثون عن مقولات مثل العقل والمعرفة والحقيقة والإنسان... إلخ، يعتقدون بوجود معنى ومفهوم واحد لها، ويرون أن هذه المفاهيم بتغير هذه المعاني ستتحول إلى أمور أخرى. ديكارت حين تحدث عن «المنهج الصحيح لاستخدام العقل»، أو كانط حين كتب «نقد العقل المحض»، كانا يعتقدان بأن «للعقل» معنى ثابتاً وكلياً وكونياً وفوق زماني وفوق مكاني وفوق جغرافي وفوق ثقافي، وبكلمة واحدة فوق تاريخي. لذا لم يدركوا أساساً أن المفاهيم والمقولات هي أمور ثقافية وتاريخية، وتكتسب معناها في أفق تاريخي وثقافي. «العقل» بالمعنى الذي يفهمه أرسطو وديكارت وكانط ليس هو إطلاقاً معنى العقل لدى إبراهيم والمسيح ومحمد [ص]؛ وليس الأمر، كما يعتقد الدكتور سروش، أن «معقولاتهم» مختلفة ولكن «عقلهم» واحد.[5] كلا على الإطلاق. «العلم» بالمعنى والمفهوم الذي نفهمه منه اليوم، والذي يُدرَّس افتراضاً في كليات العلوم وفي تخصصات مثل الفيزياء والميكانيك والترموديناميك، ليس هو إطلاقاً ما كان يفهمه محمد المصطفى بوصفه «علماً»، بمعنى «النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء».[6]
لذا، ما دمنا، بسبب عدم قبولنا للنظرة التاريخية، أسرى للجوهرانية والنظرة اللاتاريخية، ولم ندرك إدراكاً ميتافيزيقياً وجود عوالم متعددة وآفاق معنوية مختلفة وعقلانيات تاريخية متنوعة، ولم نكن، تبعاً للفكر الأرسطي والديكارتي والكانطي، على معرفة إلا بنظام إبستيميه واحد، أي نظام الإبستيميه الميتافيزيقي، فسنضطر إلى الإذعان للمونيزم (الواحدية) المعرفي[7] وسنقوم بترجمة سائر الأنظمة الإبستيمية إلى لغة النظام الإبستيمي الميتافيزيقي، وهذا هو بالضبط ما حدث في تفسير الدكتور سروش لمقولة الوحي بوصفه رؤيا.
وبتعبير أبسط، فإنه بسبب افتقاده للنظرة التاريخية وأسره في الجوهرانية الديكارتية – الكانطية، لا يعرف سوى البراديغم والنظام المعرفي والإبستيمي الميتافيزيقي (وذلك في التقليد الأرسطي لا الأفلاطوني)، لذا يسعى إلى ترجمة مقولة «الوحي»، التي تنتمي إلى براديغم ونظام إبستيمي وعقلانية تاريخية أخرى، إلى لغة براديغم ونظام إبستيمي العقلانية الحديثة، والمقولة التي وجدها في العقلانية الحديثة لترجمة مقولة الوحي هي مقولة «الرؤيا». والآن، فإن انتقادي للدكتور سروش هو: لماذا لم يفكر في عدم قابلية ترجمة المقولات التي تنتمي إلى تقليدين تاريخيين مختلفين وبراديغمين أو نظامين إبستيميين مختلفين؟
لتوضيح النقاش أكثر، يمكن الاستعانة بنظرية الألعاب اللغوية عند فتغنشتاين. إن النظام الإبستيمي الكامن في التقليد التاريخي السامي – اليهودي والنظام الإبستيمي الناتج عن تقليد الميتافيزيقا اليونانية والعقلانية الحديثة هما بمثابة لعبتين مختلفتين، كالشطرنج وكرة القدم، تتمتع كل منهما بمفاهيمها ومبادئها وقواعدها وأساليبها الخاصة. إن ترجمة أي من مقولات أو مبادئ أو قواعد أو أساليب كل من اللعبتين إلى اللعبة الأخرى، هو بمثابة القول بأن «الكش» في لعبة الشطرنج هو نفسه «التسلل» في لعبة كرة القدم. هذا النوع من الترجمة يعني تدمير وتخريب الأمر المترجَم. إن خطأ هيرمنيوطيقيًا وفينومينولوجيًا كهذا هو بالضبط الخطأ العميق الذي يُشاهد في نظرية الرؤى الرسولية وفي ترجمة مقولة الوحي إلى مقولة الرؤيا. حين أتحدث عن تعبير التنوير الديني المزعوم، أو أشير إلى أنه في تيار التنوير الديني المزعوم يُفرض القالب الحديث على مادة التقليد التاريخي، فإنني أعني بالضبط الإشارة إلى خطأ هيرمنيوطيقي وفينومينولوجي كهذا.
سيُقال بالتأكيد: كيف يُعقل أن يكون عالم المولوية الكبير والأستاذ البارز في المثنوي، وهو أيضًا صاحب كرسي ومؤسس فرع فلسفة العلم في ديارنا، غير ملمٍّ بالأنظمة الإبستيمية المختلفة كالأنظمة المعرفية الدينية والعرفانية والعلمية وتمييزاتها الأساسية والجوهرية؟ جوابي هو: إن ما يُشاهد لدى الدكتور سروش وكثيرين غيره، لنفترض لدى العديد من حوزويينا أو لدى شخصيات كالمهندس بازركان، هو جمع سيكولوجي وشخصي، لا جمع أنطولوجي وإبستيمولوجي اجتماعي، بين الأنظمة الإبستيمية المختلفة. إن كون العديد من تقليديينا وحوزويينا يستخدمون أحدث المنجزات العلمية والتكنولوجية الجديدة، وفي الوقت نفسه يعتقدون بعلم الأصول والمباني الفقهية التقليدية لدينا، أو أن شخصيات كالمهندس بازركان أو الدكتور يد الله سحابي كانوا رجال علوم جديدة وأهل دين في آنٍ معًا، لا يعني البتة أنهم استطاعوا التوصل إلى نظام أنطولوجي وإبستيمولوجي واضح ومحكم تُبيَّن فيه تمامًا نسبة العلوم الجديدة إلى الدين، ويتضح فيه الموقع الإبستيمولوجي للعلوم الجديدة في نظامهم المعرفي الديني. وقياسًا على ذلك، أعتقد أنه في فكر الدكتور سروش وفي المشروع الذي يسميه "التنوير الديني"، أولاً، تفتقر الأسس الأنطولوجية والإبستيمولوجية والأنثروبولوجية للفكر والعيش الديني إلى الوضوح والجلاء، ولهذا السبب لم يبادر في نظريته عن الأحلام الرسولية إلى بحث طبيعة الوحي وحقيقته. لا لأنه لم يُرد ذلك، بل لأنه لم يستطع. ثانيًا، إن الفكر الديني والروحي والعرفاني في فكره يتعارض تمامًا مع الأسس الذاتوية لفلسفات ديكارتية – كانطية والفلسفات التحليلية. ثالثًا، يبقى الفكر الديني والروحي والعرفاني في فكره إلى جانب الأسس الذاتوية لفلسفات ديكارتية – كانطية والفلسفات التحليلية، على نحو كولاجي، دون أن يجد وحدته في نظام أنطولوجي وإبستيمولوجي واحد وواضح، وفي وضعية، بتعبير الدكتور شايغان، شيزوفرينية ومتعددة الشخصيات[8].
النقطة الأخيرة في هذا المقطع هي أن الدكتور سروش في مقاله "محمد (ص): راوي الأحلام الرسولية"، يعتبر معرفته بالوحي فينومينولوجية، لكنه لا يلتفت إلى منطق ومنهج الفهم الفينومينولوجي (سواء بمعنى فينومينولوجيا الماهية عند هوسرل، أم بمعنى الفينومينولوجيا الوجودية عند كيركغور، أم بمعنى الفينومينولوجيا التاريخية والهرمنيوطيقية عند هايدغر) في مواجهة ظاهرات الوحي والنصوص المقدسة، ولا يلتفت إلى معطيات النصوص المقدسة، ومنها القرآن، بشأن لغتها ومنبعها. عندما يقول الدكتور سروش: "فضاء الوحي فضاء رؤيوي، لا ينبغي الشك في أن لغة القرآن أيضًا هي لغة الرؤيا بالكامل، وإضافة إلى المنبع الخيالي لهذه اللغة (وهو الدليل الرئيس والراسخ على هذه الدعوى)، ثمة دلائل واضحة في البنية الروائية للقرآن تزيل الظنون الأخرى من الذهن وتُجلس رؤيوية لغته على كرسي القبول"، هنا بالذات يذهب جوهر مقولة الوحي، أي انفتاح نحو وجود الإنسان صوب الأمر القدسي وإيواء الإنسان في حقيقة متعالية ومناجاته مع هذه الحقيقة، في ظل الذاتوية الجديدة، إلى هاوية الغفلة، وبلغة التمثيل، يُفرض القالب الحديث على مادة التقليد ويُحقن بها، ويضيع ظاهر الوحي باللغة الفينومينولوجية بسبب فرض مسلمات العقلانية الجديدة.
تترك نظرية الأحلام الرسولية هذا السؤال: "على ماذا تقوم قداسة النصوص المقدسة؟" دون إجابة، ولا تخبرنا لماذا بعض "كتب الأحلام" مقدسة وبعضها غير مقدس. هذه النظرية، بناءً على دوافع سياسية واجتماعية وأيديولوجية وتاريخية متنوعة، أي مكافحة التحجر والجمود الفكري وظهور نزعات العنف الأصولية، وهو أمر مفهوم تمامًا، تستنتج أن النصوص المقدسة "ليست من هناك، بل من هنا!" "الله لم يتكلم ولم يكتب كتابًا، بل إنسان تاريخي تكلم مكانه وكتب كتابًا، وكان كلامه هو كلامه". لكن، وإن كان هذا جزءًا من القصة، إلا أنه، من الناحية الفينومينولوجية، ليس القصة كلها. هذا الاستنتاج يدفعنا نحو علمنة النصوص المقدسة وتفسير عدمي لها، وهو ما يتعارض، فينومينولوجيًا وهرمنيوطيقيًا، تعارضًا واضحًا مع طبيعة هذه النصوص وحقيقتها والتقليد التاريخي المتشكل حولها.
قيل إن أحد الدوافع الرئيسية لصاحب نظرية «الأحلام الرسولية» في طرحها هو إعادة فهم وإعادة تفسير مقولة الوحي بوصفها أحد المفاهيم الأكثر جوهرية في تراثنا التاريخي، بغية تمكين فهمها وتعقيلها لعقل إنسان عصرنا. وقد أعلن صراحة أنه استناداً إلى نظرية «كون الوحي حلماً» يمكن تحقيق التحول البراديغمي والتغير النموذجي الأساسي عينه في العالم الإسلامي: «الانتقال من التفسير إلى التأويل يستلزم تحولاً براديغمياً وتغيراً نموذجياً أساسياً.» لكن، استناداً إلى التوضيحات التي قُدمت في الفقرات السابقة بشأن علمنة التراث وفرض الصورة الحديثة على مادة التراث التاريخي من قبل نظرية الأحلام الرسولية، ينبغي أن نستنتج أن هذه النظرية لا تؤدي إلى تحول براديغمي في اتجاه توفير إمكانية فهم وتعقيل التقاليد النظرية التاريخية ما قبل الحديثة للإنسان الحديث، بل إلى موت روح التراث وسيطرة العلمنة والعدمية وهيمنتهما، تلك العدمية التي نرغب، بسبب مكافحتنا لها، في إحياء التقاليد التاريخية الشرقية والرجوع إلى رؤاها الأساسية.
استناداً إلى رأي صاحب نظرية الأحلام الرسولية، يؤدي الحلم دوراً أنطولوجياً أيضاً. يتمثل هذا الدور في أن الحلم مدخل للولوج إلى «عالَم آخر». وهو يصرح قائلاً: «المدخل إلى العالَم الآخر هو الحلم ذاته».
لكن سؤالي لأستاذي الجليل، الدكتور سروش، هو: ماذا يعني «عالَم آخر»؟ من المؤكد أن سعادته يدرك أن هذا السؤال لا يتعلق بالشرح الاسمي والمعنى اللفظي واللغوي لتعبير «عالَم آخر»، بل هو سؤال موجه إلى المستوى الفلسفي والوجودي من البحث. ومزيد من التوضيح هو أنه وفقاً للعقلانية الحديثة والعلمية الغاليلية-الديكارتية-النيوتنية، فإن العالم عبارة عن نسق من المادة في حالة حركة. واستناداً إلى الفكر الكانطي أيضاً، فإن عالمنا هو عالم ظواهري، وليس لنا أي سبيل إلى «عالَم آخر»، أي العالم غير الظواهري، والعالم فوق المحسوس، والعالم النومني، ونحن نفترض وجوده فحسب، دون أن تكون لنا كوة نطل منها عليه. لكننا عندما نتحدث، تحت تأثير وتبعاً لأنطولوجيا الأقدمين، عن مراتب وجودية مختلفة، مثل «هذا العالَم» و«العالَم الآخر»، أو «عالم الشهادة» و«عالم الغيب»، أو «عالم الناسوت» و«عالم اللاهوت»، أو «العالم العلوي» و«العالم السفلي»، أو «السماء» و«الأرض» (والكثير من هذه المفاهيم هي استعارات ومجازات للتعبير عن وجود مراتب وجودية مختلفة)، فإننا نشير إلى نوع من الأنطولوجيا لا ينسجم مع الأنطولوجيا الناتجة عن العقلانية الحديثة، كالأنطولوجيا من النوع الديكارتي والكانطي، التي يكون العالم بموجبها أحادي البعد وأحادي المرتبة.
إذا قبلنا مقدمتي القائمة على تمييز أنطولوجيات الأقدمين (الاعتقاد بوجود مراتب وجودية مختلفة في العالم) والأنطولوجيا العلمية والتكنولوجية الناتجة عن العقلانية والفلسفات الحديثة (الاعتقاد بأحادية بُعد العالم وأحادية مرتبته من الناحية الوجودية)، حينئذ ستصبح أسئلتي النقدية الثلاثة لصاحب نظرية الأحلام الرسولية قابلة للفهم:
أ. هل يمكن وضع أنساق الأنطولوجيا لدى الأقدمين (تحديداً الأنطولوجيا الكامنة في تراث الأديان السامية-اليهودية وفي الكتب المقدسة) إلى جانب أنساق الإبستيمولوجيا الحديثة (تحديداً النسق الإبستيمولوجي الديكارتي-الكانطي)؟
ب. إذا كنا نعتقد، من الناحية الوجودية، بوجود مراتب وجودية مختلفة، وبتعبير صاحب نظرية الأحلام الرسولية، بوجود «عالَم آخر» متميز عن «هذا العالَم»، أفلا ينبغي لنا، من الناحية المعرفية، أن نعتقد أيضاً بوجود مراتب معرفية مختلفة (مرتبة من الوعي تنتمي إلى هذا العالم، العالم المحسوس أو عالم الشهادة، ومرتبة أخرى من الوعي تتعلق بالعالم الآخر، العالم فوق المحسوس أو عالم الغيب)؟
ج. إذا قبلنا، من الناحية الأنطولوجية، وجود مراتب أنطولوجية متعددة، ومن الناحية الإبستمولوجية وجود مراتب متنوعة للوعي، فهل يمكن تعميم أحكام كل مرتبة من مراتب الوعي على مرتبة أخرى؟ بمعنى، هل يمكن، على سبيل الافتراض، اعتبار المبادئ المتعلقة بالعلوم الحديثة وأحكام المعرفة بالعالم المحسوس هي ذاتها مبادئ وأحكام المعرفة بـ«العالم الآخر» (الذي ينبغي توضيح ماهيته أنطولوجياً)؟ هل يتبع «الوعي العلمي» و«الوعي الذاتي الديني» أحكاماً وقواعد إبستمولوجية واحدة، أم أن كلاً منهما يتبع مبادئ وقواعد وأحكاماً خاصة تتناسب مع المرتبة الأنطولوجية لمتعلَّقه؟
دعوني أعبر عن كلامي بشكل أكثر صراحة. لقد صرح الدكتور سروش في مقالته المثيرة للجدل بأن نظرية الأحلام الرسولية هي نظرية تخص لغة الوحي لا طبيعته وحقيقته. وهو نفسه يقر صراحة: «ما يُتتبع في هذه المقالة ليس أنطولوجيا الخيال... بل فينومينولوجيا الخيال وبيان خصائص رواية الأحلام». المعنى البسيط لهذا الكلام هو أنه لم يتطرق إلى الأسس الميتافيزيقية، أي الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية لمقولة الوحي، بل أراد فقط أن يتناول فينومينولوجيا كيفية تعبير ورواية الوحي في القرآن. كما صرح: «المدخل إلى العالم الآخر هو الرؤيا ذاتها».
والآن، لنضع هاتين المقدمتين جنباً إلى جنب: المقدمة الأولى: أنه لم يتطرق إلى المبادئ الميتافيزيقية لمقولة الوحي. المقدمة الثانية: أن المدخل إلى «العالم الآخر»، الذي يُعد أحد الأسس الميتافيزيقية للاعتقاد بمقولة الوحي، هو الرؤيا ذاتها.
نتيجة هاتين المقدمتين هي أنه لم يتطرق أيضاً إلى بحث المبادئ الميتافيزيقية لمقولة «العالم الآخر».
وبتعبير أبسط، فإن انتقاداتي للدكتور سروش في هذا المقطع تتمثل صراحة في:
أ. الدكتور سروش، تماماً مثل العديد من الوجوه والشخصيات ممن يُعرفون بالمثقفين الدينيين، وكذلك مثل منافسيهم، أي مثل الأغلبية الساحقة من الأفراد التقليديين والحوزويين لدينا، لا يمتلك أية مبادئ أنطولوجية وإبستمولوجية واضحة للتفسير الميتافيزيقي (وليس الاعتقادي الثيولوجي) لـ«العالم الآخر» ومقولة الوحي في العالم المُعاش الراهن وفي حوار مع العقلانية الحديثة.
ب. الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية اللازمة للوعي الديني ومقولة الوحي لا تتوافق بأي حال من الأحوال مع الأسس الميتافيزيقية للعقلانية الحديثة والأنساق الفلسفية الديكارتية – الكانطية.
ج. تفسير الوحي بوصفه رؤيا هو نتيجة ترجمة مقولة الوحي، وهو مفهوم ينتمي إلى تقليد وعالم مُعاش وبارادايم تاريخي ونسق أنطولوجي وإبستمولوجي معين، إلى الأمر السيكولوجي للرؤيا، وهو مفهوم ناشئ من تقليد وعالم مُعاش وبارادايم تاريخي ونسق أنطولوجي وإبستمي آخر، وهذا يعني تجاهل منطق المنهج الفينومينولوجي والهرمنيوطيقي؛ الأمر الذي يؤدي بدوره إلى علمنة مقولة الوحي وجعلها عدمية، وبالتالي موت الروح الدينية والمعنوية للتقاليد التاريخية الشرقية.
حسب اعتقادي، فإن الدكتور سروش نفسه قد أدرك، إلى حد ما وبشكل ضمني، نتائج ولوازم نظرية الأحلام الرسولية وتفسير الوحي بوصفه رؤيا وتلقي النبي بصفته حالمًا (بمعنى نائم وليس معبِّراً للرؤيا). لذا فهو نفسه، في رده على نقد مُقدَّر مفاده لماذا ينبغي الإيمان بأحلام النبي، يجيب هكذا: «المؤمنون بالنبي إذا كانوا يعتبرون وحي النبي حجة، فعليهم أن يعتبروا رؤياه حجة أيضاً».
لكن سؤالي الانتقادي هو: من أين أتى هذا «عليهم» في العبارة المذكورة ومن أين استمد ضرورته؟ لماذا ينبغي أن تكون رؤى فرد ما حجة؟
وحقيقة الأمر هي أننا في زماننا هذا، الذي لم يعد فيه حتى أولئك الذين يعتبرون النصوص المقدسة نتاج يقظة ووعي وعلم شخصيات كموسى وعيسى ومحمد [ص] يؤمنون بها كنصوص مقدسة، وذلك بسبب انبساط وهيمنة الذاتوية الميتافيزيقية الغربية، فكيف إذن يتوقع صاحب نظرية الأحلام الرسولية أن «المؤمنين بالنبي... عليهم أن يعتبروا رؤياه حجة أيضاً».
السؤال هو: لماذا ينبغي أن نؤمن بقداسة النصوص المقدسة، التي ليست وفقًا لنظرية الأحلام الرسولية أكثر من كونها كتاب أحلام؟ جواب هذه النظرية هو: «لقد قررنا من خارج النص أن القرآن سماوي، وافترضنا أن صاحبه، أي النبي، معصوم ولا يخطئ.» أي أن المؤمنين بالنصوص المقدسة يعتبرونها كتبًا سماوية بناءً على افتراض إيماني مسبق، ولا توجد أية علامة على ذلك داخل النص. واللازم الأول لهذا الكلام هو: إذا لم يؤمن أحد من خارج النص بقداسة الكتب السماوية أو بعصمة النبي ولم يفترضها، فلن يجد في النص نفسه أية علامة على قداسته، وعليه أن يستنتج كما استنتج صاحب كتاب «بسط التجربة النبوية» أن «لغة القرآن إنسانية وبشرية، والقرآن هو تأليف وتجربة وجيشان ونمو روح محمد (ص) مباشرة وبلا واسطة...»؛ «أي أن الله لم يتكلم ولم يكتب كتابًا، بل إن إنسانًا تاريخيًا تكلم وكتب كتابًا بدلاً منه، وكان كلامه هو كلامه نفسه. ... لم يُقَل له اذهب وقل للناس إن الله واحد». «القرآن... ليس من هناك، بل هو من هنا!»
وفي المرحلة التالية، حين يدرك المؤمنون أن الكتب المقدسة ليست أكثر من كتاب أحلام، سينضمون تدريجيًا إلى المجموعة الأولى، ولن تحمل لهم أية حجية. لذا فإن «الوجوب» الذي تحدث عنه الدكتور سروش في عبارة «ينبغي على المؤمنين بالنبي... أن يعتبروا رؤاه حجة أيضًا»، هو إلزام اعتباطي وتحكمي ولا سند له، بسبب الافتقار إلى الأسس الحكمية والميتافيزيقية اللازمة والجديرة التي أشرنا إليها في السطور السابقة. بعبارة أخرى، العلمانية والعدمية الناتجتان عنها هما النتيجة المحتومة لنظرية الأحلام الرسولية. النتيجة التي أريد أن أخلص إليها هنا هي أن فهم مقولات الوحي والنصوص المقدسة وتفسيرها وتبيينها، وقراءة النصوص المقدسة وتلاوتها والإيمان الواعي بها ــ وليس مجرد اعتقاد بمقتضى الانقذاف التاريخي وبوصفه أمرًا ثقافيًا وإيمانًا هوياتيًا ــ ليس ممكنًا إلا بوساطة اتخاذ أسس وجودية ومعرفية وأنثروبولوجية وهرمنيوطيقية خاصة، يفتقر إليها عمومًا تقليديونا ومثقفونا، بمن فيهم الدكتور سروش.
يعتقد الدكتور سروش أن العلوم التي ستساعدنا في فهم النصوص المقدسة، وبتعبيره في تعبير رؤى الأحلام الرسولية، هي: «أ. التاريخ ب. الأنثروبولوجيا ج. التحليل النفسي». ومن وجهة نظره، فإن علماء هذه الفروع الثلاثة من العلوم الحديثة سيكونون معبري الأحلام ومعبري رؤانا في المستقبل، أي مفسري الكتب المقدسة.
النقطة الجديرة بالتأمل هنا هي أن هذه العلوم الثلاثة كلها علوم حديثة وهي من جملة منجزات العقلانية الحديثة. حتى «علم التاريخ» الذي يتحدث عنه هنا ليس التاريخ بمعناه الأسطوري، أو التاريخ الحكمي والوجودي الذي كان موجودًا في الأساطير أو النصوص المقدسة أو ثقافة الأقدمين، بل هو التاريخ بالمعنى التقويمي (الكرونولوجي) والحديث للكلمة. بعبارة أبسط، يعتقد الدكتور سروش أنه بمساعدة «ثلاثة فروع من العلوم الحديثة»، التي تشكلت على أساس ميتافيزيقا العصر الحديث وفي العالم التاريخي وعالم الحياة الجديد، يمكننا أن نبلغ فهم ظواهر «الوحي والنصوص المقدسة» التي تستند إلى ميتافيزيقا العالم القديم، وتنتمي إلى عالم تاريخي وعالم حياة آخر. بتعبير آخر، إن صاحب الفكر الذي يعتقد أن الوحي والنبوة والنبي أمور إنسانية، وبالتالي تاريخية، لا يلتفت إلى أن العلوم الحديثة نفسها ليست حقائق كونية وفوق تاريخية، بل هي نتاج ثقافة وأفق دلالي وأسس ميتافيزيقية خاصة تشكلت في هذه القرون الأخيرة. لذا فإن استخدام هذه العلوم لفهم مقولات تستند إلى أسس ميتافيزيقية أخرى يمكن أن يؤدي إلى مغالطات كرونولوجية وعوائق فينومينولوجية وهرمنيوطيقية هائلة. على سبيل المثال، إذا أردنا أن نقيم قصة تضحية إبراهيم بإسماعيل/إسحاق، أحد مؤسسي التقليد التاريخي العبري ـ السامي ـ اليهودي الكبير، الذي أدى دورًا كبيرًا ومذهلاً في تقديم الأديان الثلاثة الكبرى في تاريخ البشرية وإيقاظ الإنسان، على أساس التحليل النفسي الحديث، فستكون النتيجة مؤسفة للغاية وغير فينومينولوجية، وبناءً على منجزات التحليل النفسي الحديث، سيتعين علينا أن نعتبر واحدًا من أعظم الشخصيات والمعلمين الموقظين في تاريخ البشرية، الذي أدى دورًا عظيمًا في خلق ثقافي عميق، بمثابة مريض نفسي ومعذب للأطفال، وبأشد أنواعه، لدرجة أنه كان مستعدًا لذبح ابنه بيده!
إن الدكتور سروش، وبسبب وقوعه في أسر الذاتوية الميتافيزيقية للفلسفات الديكارتية – الكانطية، أي بسبب تلقي الإنسان، قبل كل شيء وفوق كل شيء، بوصفه ذاتًا (فاعل معرفة وذهنًا)، وكذلك فهم الإنسان بوصفه جوهرًا منغلقًا على حقيقة متعالية عن الوعي، وبناءً على الاعتقاد بأن الوعي لا يمكنه بلوغ حقيقة متعالية عن الوعي ولا النومين (أساس العالم)، إلى الحد الذي يصبح فيه إثبات وجود العالم وأن هناك أساسًا عالمًا خارج نطاق الوعي معضلةً مستعصية على الحل،[9] لا يمكنه التفكير في تعالي الإنسان نحو الوجود في ذاته وقيام الإنسان وحضوره في الأمر القدسي واتحاد الإنسان والأمر القدسي في أفق متعالٍ عن علاقة الذات – الموضوع، إلى حد أن تتكلم حقيقة أخرى على لسان الإنسان. إنه، وبسبب الفهم المفهومي والقضية محور للمعرفة البشرية، يعتبر أي ضرب من التلقي الوجودي وغير المفهومي وغير القضوي أمرًا خارج نطاق الوعي ومنتميًا إلى نطاق المشاعر والعواطف والأحلام، ويعتبر الجدل المفهومي والقضوي، أي الانتقال من المفاهيم المعلومة نحو المفاهيم المجهولة أو الانتقال من القضايا المعلومة إلى القضايا المجهولة، الجدل الوحيد لكيفية وجود الإنسان، ويتجاهل الجدل الوجودي وغير المفهومي، ولذلك لا يمكنه أن يكون لديه تلقي لـ«هرمنيوطيقا الحضور»، أي تلقي معنى آثار مثل النصوص المقدسة، خارج فضاء المفاهيم والقضايا، أو لا يمكنه أن يجد لهذه الوعود الحضورية وغير المفهومية مكانًا مناسبًا في نظامه وهندسته المعرفية. ولذلك فهو يقترح علومًا لفهم النصوص المقدسة لا يمكنها، في أقصى الأحوال، إلا أن تحول النصوص المقدسة إلى موضوع بحثي ميت وبلا روح، دون أن تنفذ إلى معناها الحقيقي، أي المواجهة مع الحضور الفريد للحقيقة القدسية في العالم.
يعاني صاحب نظرية الأحلام الرسولية من تذبذب في توجهه النظري. فهو يعتقد من جهة أن «محمدًا (ص) ... ليس مخاطَبًا ولا مخبَرًا. ليس الأمر أنه خوطب بأصوات وقُرئت في أذن باطنه كلمات وأُمر بتبليغها. ... لم يُقل له اذهب وقل للناس إن الله واحد». «ليس هناك خطاب ولا مخاطَب ولا إخبار ولا مخبَر ولا متكلم ولا كلام. ... ليس ذاك سريًّا بل هذا سريّ!». حتى هنا، الأمر واضح تمامًا، فالنظرية تسعى إلى «عرفنة وبشرنة» مقولات الوحي والنصوص المقدسة. لكن صاحب النظرية يضيف إلى العبارة السابقة: «طبعًا كل ذلك بعين الله وبإذن الله». والآن، سؤالي هو: ما معنى جملة «كل ذلك بعين الله وبإذن الله» هذه، في هذا السياق؟ لا أعني ما معنى تعبير «بعين الله وبإذن الله» من الناحية اللغوية، بل سؤالي هو: ما موقع «بعين الله وبإذن الله» من الإعراب ميتافيزيقيًا في المنظومة الإبستيمية لصاحب النظرية، خصوصًا مع الأخذ بعين الاعتبار إطاره النظري الديكارتي – الكانطي؟
في الكتابات التي قدمها الدكتور سروش بغرض طرح نظرية الأحلام الرسولية، تُرى هذه المواجهة المزدوجة، «المائلة غير الساقطة»، المتذبذبة والمتعارضة في عبارات متعددة وفي كيفية تحدثه عن مقولة الوحي، تمامًا ذلك التذبذب والتعارض الذي يتجلى ميتافيزيقيًا لأهل الفلسفة في تعبير «التنوير الديني». يقول في مقطع من مقال «محمد (ص): راوي الأحلام الرسولية»: «الكلام في ظاهرة الوحي ولغته الحلمية وفضائه الرمزي الضبابي. حلم إلهي كانت لروح الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فيه مع المعشوق الأزلي من القرب والنسبة ما جعله كلما فكر الله، علم، بل رأى، وهل الوحي والحلم إلا هذا؟» ومرة أخرى في هذه العبارات، هناك من جهة كلام عن كون الوحي حلمًا ولغته حلمية، ولكن يعقبه مباشرة «كلام عن قرب ونسبة روح الرسول [؟!] الأكرم مع المعشوق الأزلي» وعن أن «كل ما كان الله يفكر فيه، كان [النبي] يعلمه، بل يراه». يذكر الدكتور سروش في طيات مقاله جلال الدين محمد البلخي بعنوان «ذلك العزيز عرش النشين»، ويتحدث على لسانه، في مقابل «تأويل أهل الاعتزال»، عن «نور حال» أهل الإيمان وعن «الورود إلى عالم الروح» و«حواس الأنبياء» وعن «قراءة القرآن أحد من سر الغيب والآخر من سر الشهادة». ويقول: «ليس فقط كان الله في النبي، بل كان النبي أيضًا في الله».
ولكن ما معنى تعابير مثل «رسول»، و«الجلوس على العرش»، و«قرب الروح من المعشوق الأزلي»، و«نور الحال»، و«الدخول إلى عالم الروح»، و«التمتع بحواس الأنبياء»، و«قراءة القرآن عن ظهر غيب»، و«كون الله في النبي»، و«كون النبي في الله» في المنظومة الميتافيزيقية للدكتور سروش، وما هو موقعها؟ هل لجأ، وهو أحد أهم آباء الفلسفات التحليلية وموسعيها في ديارنا، في ميدان الفلسفة والتفكير والتفسير الميتافيزيقي للوحي، إلى لغة الشعر؟ هل التعابير المذكورة مفاهيم مجازية وشعرية محضة، أم أنها تحكي عن نوع من النظرة والبصيرة تجاه الإنسان وعلاقة الإنسان بالعالم؟ أين تكشف هذه النظرات والبصائر عن نفسها في منظومة الدكتور سروش الوجودية والمعرفية، بصرف النظر عن لغتها الشعرية؟ هذه التعابير، إن لم تكن مستخدمة على سبيل المجاز وكانت تحكي عن نوع من البصيرة والاستبصار بشأن الإنسان وعلاقته بالعالم، فأين تتجلى في نظرية الأحلام الرسولية وتلقي الوحي بوصفه حلمًا؟ تُرى كيف يكون الإنسان كائنًا بحيث يمكنه أن يكون في الله ويكون الله فيه؟ هل يمكن، استنادًا إلى الذاتوية الميتافيزيقية الجديدة وفي إطار الإبستمولوجيا الديكارتية والكانطية، تصورُ مثل هذا الأمر، أي مثل هذا الفهم للإنسان وعلاقته بالله على النحو الذي يسكن فيه الإنسان في الله والله في الإنسان؟ إن لم يكن ممكنًا، فبأي مسوغ ميتافيزيقي يستخدم الدكتور سروش هذه التعابير في كتاباته؟ وإن كان ممكنًا، فكيف يصرح في «القبض والبسط النظري للشريعة»، استنادًا إلى ثنائية النومين والفينومين الكانطية، بأننا لا نستطيع الوصول إلى ذات الدين (النومين) بل فقط إلى المعرفة الدينية (إلى فينومين الدين، أي فقط إلى ما يتجلى في ساحة الوعي البشري)؟ في إطار الذاتوية الكانطية، كيف يمكن لإنسان لا يستطيع الوصول إلى النومين (وجود/ أساس العالم) أن يكون ممتلئًا بالنومين (أساس العالم) كالنبي وأن يسكن في النومين (أساس العالم)؟
وبتعبير أبسط، ثمّة شرخ ميتافيزيقي وإبستمولوجي واضح تمامًا في نظرية الأحلام الرسولية: فهو من جهة يؤكد على العرفان والتفكير الديني والروحي، ومن جهة أخرى، وعلى سبيل المثال بالنظر إلى إطار كتاب «القبض والبسط النظري للشريعة» والتمييز بين الدين والمعرفة الدينية في هذا الأثر، يذعن لثنائية وازدواجية النومين والفينومين الكانطية. سيجيب في دفاعه عن نفسه على الأرجح بأن الدين والعرفان والفلسفة كل منها مجالات مستقلة لا ينبغي لنا أن نخلطها ببعضها البعض. لكن السؤال هنا هو: على أساس أي مجال ينبغي للفرد، بوصفه «هوية واحدة»، أن ينظم تفكيره حول العالم ونفسه ونسبته مع العالم؟ ألا يترك هذا الازدواج والشرخ الفرد في وسط هوة، وهذه الهوة ألا تؤدي في النهاية إلى سيطرة مجال على مجال آخر، وغالبًا، بالنظر إلى هيمنة التفكير الميتافيزيقي، في اتجاه سيطرة العلمانية؟ باعتقادي، إن هذا الشرخ والازدواج الميتافيزيقي بالذات في التيار الموسوم بالتنوير الديني قد أدى في النهاية إلى العلمانية وسيطرة العقلانية الميتافيزيقية.
كان الدكتور سروش في أيام شبابه يعدّ ذات الدين والمعارف الدينية كلتيهما من الأمور المقدسة. ولكن في مرحلة كهولته، ومع نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، حدث تحول كبير في تفكيره، تحول كان إنجازًا مبهرًا للغاية لمجتمعنا الإيراني، لكنه كان متأخرًا جدًا مقارنة بإنجازات الهرمنيوطيقا في الغرب. لقد كان، استنادًا إلى ثنائية النومين والفينومين الكانطية، في نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، يعتقد بأن لنومين الدين وذاته حقيقة قدسية تتحول في سياق فهم المؤمنين إلى أمر إنساني وتاريخي وبالتالي عرفي وعلماني، فهمٌ ومعرفةٌ تجد قبضًا وبسطًا تاريخيًا في سياق الزمان والمكان وفي مجرى المعرفة البشرية الكلية. في الخطوة التالية من تحول فكره، نأى الدكتور سروش بنفسه تدريجيًا عن نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، واستبدل في كتاب «بسط التجربة النبوية» بـ«الدين المقدس» «التجربة الدينية الناسوتية البشرية»، وبـ«الوحي» «التجربة التاريخية النبوية». وفي المرحلة التالية، في مقال «محمد (ص): الأحلام الرسولية»، يتحول الوحي والنص المقدس إلى أحلام بشرية. كل هذه مراحل متنوعة من عملية علمنة التفكير الديني والروحي المتزايدة في فكره.[10] لم يتبق للوصول إلى فكر علماني وعدمي بالكامل سوى خطوة واحدة، وهي تلقي الوحي النبوي بوصفه «أوهامًا نبوية». إذا كان هذا السيكولوجيا والذاتوية التاريخية لشخصية النبي هي التي تخلق الصور الحلمية للوحي، ففي هذه الحالة، حتى «تصور الله» لن يكون سوى حديث نفس ومخلوقًا للذهن البشري.
قد لا يتمكن الدكتور سروش، لأسباب تربوية وشخصية ونفسية، من اتخاذ هذه الخطوة الأخيرة، لكن جمهوره في الأجيال الحالية والقادمة سيتخذونها بلا شك، وبوتيرة متسارعة، نظراً للأسباب الميتافيزيقية، ولفقدان الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية الملائمة في أفكار معلمهم الكبير، وللهوات الهائلة المشار إليها في فكره. يعلم الدكتور سروش أفضل من أي شخص آخر أن تاريخ الفكر والثقافة لا يخضع لرغباتنا وقراراتنا وسيكولوجياتنا ونوايانا وتخطيطاتنا وأمانينا وأحاديث تمنياتنا. إن لوازم كل فكر ونتائجه هي عواقبه الضرورية والحتمية.
بالنسبة لنا ولأمثال الدكتور سروش من المفكرين الذين يحملون همّ الفكر الديني والروحي، والذين يتطلعون إلى شروق شمس الحقيقة مرة أخرى من أفق تراث الفكر الروحي الشرقي لإيجاد طريق لمواجهة أزمة العدمية وفقدان المعنى في العالم الراهن، فإن السؤال الأهم هو: هل ظهور وتجلي الأمر القدسي على فكر البشر وشعورهم وكلامهم وفعلهم أمر ممكن؟
لم يتمكن لا أصحاب المنظومات الثيولوجية التقليدية ولا مثقفونا الدينيون المزعومون حتى الآن من توفير الأسس الحكمية والميتافيزيقية لإمكانية كهذه.
إن الدكتور سروش مضطر إما أن يذعن لنتائج ولوازم العلمانية والعدمية الكامنة والمستترة في أفكاره، أو ألا يحصر وصف التاريخية في النبي والنص المقدس فحسب، بل أن يجعل هذا الوصف سارياً وحاكماً على جميع النصوص وكل تاريخ الفكر البشري، بما في ذلك قراءته هو للنص المقدس، وكذلك على الميتافيزيقا الغربية والعقلانية الحديثة، ومن جملتها نظرية الأحلام الرسولية. وفي هذه الحال، سيكون الدكتور سروش مضطراً إلى التحول البراديغمي من الذات غير التاريخية الديكارتية – الكانطية نحو الذات التاريخية الهيغلية – الهيدغرية، وإلى النقد الراديكالي والأساسي لمنظومته الإبستمولوجية غير التاريخية، والسعي من أجل بلوغ منظومة معرفية جديدة، منظومة يستطيع فيها، استناداً إلى أسسها الأنطولوجية والإبستمولوجية، أن يتحدث عن إمكانية انفتاح الإنسان التاريخي على حقيقة متعالية وقدسية وفوق تاريخية، لا في عالم الرؤيا، بل في أفق يتجاوز علاقة الذات – الموضوع.[11]
.
.
أ. سروش، عبد الكريم، «محمد (ص): راوي الأحلام الرسولية»، موقع جرس، 17 خرداد 1392 (مقالة إنترنتية).
Kant, Imanuel, Critique of Pure Reason, (Second Edition),. Translated from German to English by Norman Kemp Smith, ST Martin’s Press (INC), New York, 1961, XI, note a.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.