في نصف القرن الأخير، في المغرب ومصر ولبنان والجزائر، تناولوا ابن رشد بالبحث قليلاً أو كثيراً وكتبوا عنه أشياء، وتقييم أعمالهم يتطلب مجالاً أوسع. لكن كتاب صديقي الفاضل، أستاذ جامعة طهران، جناب الدكتور ديناني، بعنوان «تألق ابن رشد في الحكمة المشائية» معروف في إيران. وقد طبع هذا الكتابَ مشروعُ «طرح نو» بشكل جيد ومرضٍ في نفس عام إتمام التأليف (1384هـ). يقع هذا الكتاب في خمسمائة واثنتي عشرة صفحة ويتألف من أربعة عشر فصلاً.
.
أيّ تألق؟ وأيّة حكمة؟
شارح بلا شرح!
في نصف القرن الأخير، في المغرب ومصر ولبنان والجزائر، تناولوا ابن رشد بالبحث قليلاً أو كثيراً وكتبوا عنه أشياء، وتقييم أعمالهم يتطلب مجالاً أوسع. لكن كتاب صديقي الفاضل، أستاذ جامعة طهران، جناب الدكتور ديناني، بعنوان «تألق ابن رشد في الحكمة المشائية» معروف في إيران. وقد طبع هذا الكتابَ مشروعُ «طرح نو» بشكل جيد ومرضٍ في نفس عام إتمام التأليف (1384هـ). يقع هذا الكتاب في خمسمائة واثنتي عشرة صفحة ويتألف من أربعة عشر فصلاً.
تحدث الأستاذ ديناني في مقدمة كتابه البالغة 37 صفحة (من ص7 إلى 43) عن كل وادٍ وكل شيء، لكنه لم يذكر شيئاً من المطالب الضرورية مثل: الفلسفة، الفلسفة المشائية، حياة ابن رشد وشخصيته وآثاره، تعريف المسألة، هدف البحث، الفرضية، المصادر، المنهج، سابقة البحث وعشرات النقاط الضرورية الأخرى التي كان ينبغي التطرق إليها في المقدمة! على أية حال، بعد هذه المطالب غير المترابطة غالباً، يدخل في متن الكتاب وينظمه في أربعة عشر فصلاً. تعاني هذه المجموعة من إشكالات كثيرة، منها:
1ـ هذا الكتاب، كالعديد من كتابات الأستاذ الأخيرة، مجموعة غير فنية لا تقدم شيئاً للقارئ. فلا مطالب الكتاب الكلية مترابطة، ولا المطالب الداخلية لفصوله. فالكتاب ككل، وكل فصل على حدة، يبدأ من نقطة ثم يُسحب يميناً وشمالاً وينتهي في النهاية دون أية نتيجة!
بدون أي تردد، لو أعدّ طالب دكتوراه، بل وحتى طالب ماجستير، كتابة كهذه كرسالة، لرُفضت لو كان في جلسة الدفاع أستاذ ومحكّم جادّان!
2ـ لم يراجع الأستاذ ديناني المصادر اللازمة. فهو يذكر في نهاية الكتاب، لئلا تبقى صفحة المصادر فارغة، حوالي أربعين كتاباً أغلبها إما لا علاقة له ببحثه أو من المصادر الثانوية. كتب لا علاقة لها مثل:
أ ـ بعض كتبه هو؛ مثل: أسماء وصفات الحق تعالى، شعاع الفكر والشهود... وابتهال الفيلسوف والقواعد الكلية للفلسفة. من البديهي أن هذه لا علاقة لها ببحث تألق ابن رشد في الحكمة المشائية.
ب ـ بعض كتب ابن رشد نفسه، مثل بداية المجتهد ونهاية المقتصد وفصل المقال، التي لا علاقة لها بالموضوع المبحوث.
ج ـ كتب لأشخاص آخرين مثل: فتوحات ابن عربي، الشعر والفكر الآشوري، امتناع التفكر لآرامش دوستدار، أسرار الحكم للسبزواري وشرح منظومته، النحو الهندي والعربي لمجتبائي، الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، شواهد صدرا، طاعون ألبير كامو وعدة كتب أخرى. ليس في أي من هذه الكتب مطلب عن تألق ابن رشد في الفلسفة المشائية.
مثلاً، ماذا يمكن أن نجد في فتوحات ابن عربي بخصوص مشائية ابن رشد وتألقه؟
وأما الكتب الثانوية مثل: المعجم الفلسفي، كتب ماجد فخري، عابد الجابري، قمير يوحنا وعدة كتب أخرى.
والأكثر إثارة من كل هذا أن تألق ابن رشد وبروزه يرتبط أكثر بشرحه لآثار أرسطو، وهو يُعرف أساساً بلقب «الشارح»، لكن الأستاذ ديناني لم يدرس شروحه على آثار أرسطو ـ وهي مفصلة ومهمة جداً ـ إطلاقاً، ولم يستند إليها في مصادره! خذ من هذا المجمل حديثاً مفصلاً!
الفصل الأول: خطيب ثرثار
على أي حال، لنبدأ مناقشة الفصل الأول:
يقع الفصل الأول في 25 صفحة من المادة. بعنوان: «شعاع فكر ابن رشد وابن سينا في الأعمال الفلسفية للعصور الوسطى في المغرب الأرضي» (ديناني 84 ص 44). يُتوقع في هذا الفصل أن تُفحص أعمال مفكرين من المغرب الأرضي تأثروا بابن سينا وابن رشد، وأن تُقدم نماذج جيدة وبارزة لتأثير ابن رشد في تلك الأعمال. لكن، للأسف، ما لم يُلتفت إليه في هذا الفصل هو تحديدًا تأثير ابن رشد في الأعمال الفلسفية للعصور الوسطى!
من حق القارئ المحترم ألا يصدق ادعائي وأن يسأل: هل يعقل مثل هذا الشيء؟! لكن نظرة على محتوى هذا الفصل ستشهد على صدق دعواي. لنفحص الآن هذا الفصل صفحة صفحة:
يطرح السيد ديناني في الصفحتين الأوليين (ديناني: 44ـ 45) تأثير ابن رشد وابن سينا في حدود العنوان ذاته، وينقل من ترجمة كتاب باسم «التفكير اليوناني، الثقافة العربية» مطلبًا يدل على أن تمهيد ترجمة أعمال ابن سينا وابن رشد كان بظهور حوادث في الغرب، من أهمها نشوء طبقة جديدة ومتوسطة من المعلمين غير الإكليريكيين.
اعتبر السيد ديناني مؤلف ذلك الكتاب تابعًا لذوق الماركسيين بسبب ربطه ترجمة أعمال ابن سينا وابن رشد بسياقات خاصة، وتصدى لنقض ذلك الذوق بترجمة أعمال اليونانيين إلى العربية، ثم عرّج على ترجمة الأعمال البهلوية إلى العربية (نفسه ص 46)، ثم طرح تأثير الإيرانيين في الخلافة العباسية، ثم هاجم الغربيين لأنهم يعتبرون اليونان مهد الفلسفة ولا يتحدثون كثيرًا عن إيران القديمة! ثم طرح قضية هجوم الإسكندر على إيران وأخذ علوم الإيرانيين وإحراق الكتب الإيرانية، ثم نقل من كتاب عربي أن ابن خلدون أيضًا أكد هذا الموضوع بأن الإيرانيين كانوا يهتمون بالعلوم العقلية.
ثم جاء الدور على مدح ابن خلدون! (نفسه: 47ـ 49) يصل السيد ديناني في الصفحة السابعة من الفصل الأول، أي في صفحة 50 من كتابه حيث نكون قد قطعنا تقريبًا ثلث الفصل، إلى نتيجة مفادها أن ترجمة أعمال ابن رشد إلى اللاتينية «لم تكن مرتبطة بعامل بسيط واحد، وبالنظر إلى العقلانية الباطنية المتحققة في التاريخ، فهي مرتبطة بسلسلة من العلل والعوامل»!
إذا دققنا النظر، نجد أن السيد ديناني، حتى هذه اللحظة أي في ثلث الفصل، لم يقل شيئًا عن «شعاع أفكار ابن سينا وابن رشد في فلاسفة العصور الوسطى في الغرب» وهو عنوان الفصل. الشيء الوحيد الذي ذُكر كنتيجة لهذا النقاش الطويل وفي نفس الوقت الفارغ من المحتوى والسطح، هو أن الترجمة ليست معلولة لعامل واحد، بل ترتبط بعوامل كثيرة، ومن الصدف أن هذا المطلب منقول حرفيًا في الصفحة الثانية من هذا الفصل، من كتاب «التفكير اليوناني، الثقافة العربية». نص عبارة ذلك الكتاب التي نقلها السيد ديناني هو: ترجمة أعمال ابن سينا وابن رشد إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي «كانت نتيجة ظهور حوادث من أهمها نشوء طبقة جديدة ومتوسطة من المعلمين غير الإكليريكيين». نعم، ثلث الفصل بلا محتوى وفي نفس الوقت لا علاقة له بأصل المسألة!
يبدو أن ديناني قد انتبه بنفسه إلى هذا الانعدام في الصلة، حيث يقول في هذه الصفحة (ديناني: 50): «نحن لا نتحدث الآن عن علل وعوامل هذه الظاهرة التاريخية، لكن فحص نتائجها وتداعياتها ليس بلا مناسبة لموضوع هذا المقال بأي وجه.» لكن للأسف، لم يتم النقاش حول التداعيات أيضًا، حتى تتضح على الأقل مناسبة تلك التداعيات.
رغم أن السيد ديناني يبدو منتبهًا إلى أنه لم يدخل في صلب النقاش، إلا أنه مع ذلك يذهب إلى الهامش مجددًا ويكتب عن جفاء مفكري المغرب الأرضي والمفكرين اليهود في تجاهل دور الفلاسفة المسلمين، في إطار تعميم عام. (ديناني: 50ـ 51) ثم يتطرق إلى اهتمام ابن رشد بالغزالي! ثم يتحدث عن معرفة ابن رشد وابن عربي بأفكار ابن سينا (نفسه: 52) فقط في هذا الحد وبشكل تعميمي!
ثم ينقل عن مجلة عربية أن بعض الغربيين أقروا بدور المسلمين في العصور الوسطى (نفسه: 53) كما نقل عن تلك المجلة أن ابن رشد قد كُفِّر! (ديناني: 54).
لا تبحث كثيرًا عن ارتباط منطقي للمطالب!
ثم قالوا، دون ذكر المصدر، إن: الذين كانوا على دراية بأفكار ابن رشد كانوا يعتقدون أنه أنسنَ العقل. ثم شككوا في صحة نسبة هذا الأمر إلى ابن رشد. علاوة على ذلك، اعتبروا أن وصفَ من قدَّموا ابن رشد بوصفه مُمهِّداً للطريق نحو الأمام، بدلاً من الخلف، هو نسبة غير لائقة «إذ إن أمثال هذه النسب تنبع من طريقتهم الفكرية الإلحادية والوضعية» (ديناني: 55). ثم ذكروا دليل ادعائهم هذا على النحو التالي: «إن الحقيقة ليست محدودة في ظرف الزمان، ونسبتها إلى الماضي والمستقبل سواء» (المصدر نفسه). لقد غفل السيد ديناني عن أن «الحقيقة» تختلف عن «إدراك البشر للحقيقة»!
إن ديناني، الذي لم يدرك هذا المطلب بنفسه بسبب عدم إلمامه بالفكر الغربي الحديث، قد اتهم الغربيين بأنهم لم يفهموا ابن رشد على الوجه الصحيح! (المصدر نفسه: 55-56). سنوضح هذه النقطة أكثر في المستقبل.
السيد ديناني، شأنه شأن الخطباء الذين يشتتون الكلام، يتذكر بين الحين والآخر الموضوع الرئيسي لنقاشه فيقول شيئاً بشأنه! في الصفحة 56 يقول: في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي تُرجمت آثار ابن رشد المهمة إلى اللغة اللاتينية وسيطرت على جميع الجامعات الأوروبية، وظل ابن رشد لعدة قرون مظهراً للعقلانية الفلسفية. وهكذا صار العالم الإسلامي وسيطاً في تعريف أوروبا العصور الوسطى بأرسطو (ديناني: 56). حسناً، هذا القدر من المطلب يعرفه الجميع! ولكن بأي دليل وبأي مصدر؟ إنه يحيل إلى مصدر من الدرجة الثانية! (المصدر نفسه: 57) لا يحتوي بدوره على أكثر من تقرير عام. وهو أن سيجر البرابانتي الذي كان من أتباع ابن رشد تعرض لنقد الأكويني، وأن الأكويني يُظهر عدم وجاهة تأويل ابن رشد لكلام أرسطو! لكنه لم يذكر شيئاً عما قاله أرسطو، وما فهمه ابن رشد، وما يقوله الأكويني.
ينقل السيد ديناني كل هذه المطالب من الترجمة الفارسية لكتاب اسمه الفكر في العصور الوسطى (ديناني: 57). ثم يدخل في نقاش تلامذة ابن رشد ويسمي عدداً من تلامذته. من بينهم ابنه القاضي أحمد. ثم يضيف: أن أياً من هؤلاء لم يكن صاحب رأي (المصدر نفسه: 59) ثم يذكر ابن ميمون ويوسف بن يهودا اللذين تأثرا بابن رشد (المصدر نفسه: 60) ثم يناقش بوئثيوس الذي عاش قبل ابن رشد بستة قرون! ثم يدرج كل هؤلاء في أنهم لم يعتبروا الدين والفلسفة منفصلين؛ بل اعتبروهما واحداً وكأنهم جميعاً كانوا متأثرين بابن رشد! ثم يطرح رأي ابن رشد حول عمل العقل بالكليات (والذي هو، من قبيل الصدفة، على العكس تماماً من رأيه)! (المصدر نفسه: 61-62) ثم يطرح الفرق بين المعرفة العقلية والشهودية ويُذكِّر بأن الدين والفلسفة لا ينفصلان في بعض الأديان، مثل الأديان الهندية. ومصدره هو كتاب «الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية» للدكتور شايغان (المصدر نفسه: 63-64) ثم يُذكِّر بأنه في إيران القديمة أيضاً لم تكن هناك فجوة بين الدين والفلسفة. فالسهروردي يعتبر زرادشت حكيماً ونبياً في آنٍ معاً! وأخيراً يُبدي رأياً أو ينقله من مكان ما، دون ذكر المصدر طبعاً!
ثم يستمر قائلاً إن ذروة هذه القصة، أي وحدة العقل والأسطورة، قد تجلت في آثار السهروردي المتعددة. ثم يذكر أسماء رسائل السهروردي ويتناول أعماله التمثيلية! (المصدر نفسه: 66-67) وليس هناك من يقول له: أستاذ، نقاشك يدور حول إشعاع أفكار ابن رشد وابن سينا في الآثار الفلسفية للعصور الوسطى! فسواء أكان العقل والأسطورة واحداً أم لا، ما علاقة ذلك بنقاشك؟ ثم هل يوجد أصلاً من يقول: إن حصيلة البراهين العقلية تتحد مع مضمون الأساطير؟ هل يعتقد السهروردي بمثل هذا الاعتقاد؟! هل قول مطلب بالتمثيل والتشبيه يعني «وحدة العقل والأسطورة»؟!
ثم يتحدث عن الفرق بين تأويل ابن رشد والسهروردي فيقول إن تأويل ابن رشد قائم على أساس العقل. أي أن المعنى الباطني والتأويلي للقرآن يرتبط أيضاً بمجال العقل (المصدر نفسه: 67). طبعاً هذا الرأي ليس خاصاً بابن رشد. بل إن رأي المعتزلة والفارابي وابن سينا ليس سوى هذا. ومن قبيل الصدفة أن رأي السهروردي هو هذا أيضاً! كما صرح ديناني نفسه بأن السعي للتوفيق بين العقل والنقل ليس مسألة بديعة ولا سابقة. «لقد طُرحت هذه المسألة منذ زمن الفارابي وحتى قبل ذلك بزمن طويل». وبالتأكيد حتى قبل الإسلام كان مفكرو اليهود وغيرهم قد تناولوها أيضاً!
ثم يشير إلى استمرار هذه المحاولة وفشلها في الغرب، ثم ينتقل إلى تقرير عام وناقص للصراع بين فلاسفة الإسلام وعلماء الدين، ثم يطرح أسلوب الترميز في البحث ويقول إن دين الإسلام ليس منسجماً مع العقل وأحكامه. بل إنه دعا الناس دوماً إلى التفكر! (ديناني: 70) وهذه المطالب المجملة هي أولاً أمور يعرفها كل من له إلمام بأبجديات البحث، والحديث عنها من قبيل «أكل العسل وقال إنه حلو»! وثانياً لا تمت بصلة لموضوع بحث هذا الفصل وهو تأثير ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى! ثم يضيف السيد ديناني أن من لوازم التفكر والتدبر في موجودات العالم معرفة المنطق (المصدر نفسه: 70) لذا فإن تعلم قسم من علوم السابقين ضروري ولازم (70) استدلال ديناني أطرف من دعواه؛ وذلك بقوله: «لأنه إذا أُغلقت بوابة الدخول إلى عالم معرفة وتجربة السابقين في وجه الإنسان، فسيبقى دوماً في هاوية الجهل وغور الجهل»! (70) ثم يضيف أن الإسلام لا يتحدث بالبرهان فحسب، بل يستخدم الخطابة والجدل أيضاً. (70) وهذا أيضاً مضمون الآية 125 من سورة النحل، وهو فضلاً عن كونه معلوماً ومشهوداً، لا علاقة له البتة بتأثير ابن رشد في الغرب! على أية حال، بعد استعراض جزء بجزء للمطالب المشتتة وغير المترابطة وغير المجدية في الفصل الأول، والتي هي نموذج للفصول الأخرى، من الأفضل أن تقرأوا خلاصة هذا الفصل واستنتاجه بعبارة ديناني نفسه. ولهذا السبب ننقل الصفحة الأخيرة من هذا الفصل بنصها: «لقد خطا ابن رشد، استناداً إلى المبادئ الأولية التي ذُكرت هنا، في طريق الجمع بين الفلسفة والدين، وهو يعتقد أن الحكمة والشريعة متآلفتان ومتوافقتان، وأن منشأهما ليس سوى الحقيقة. وهو بحكم كونه فقيهاً ومطلعاً على طريقة استنباط الأحكام الشرعية، ومع أخذه بعين الاعتبار سلسلة من الشروط، فقد اعتبر النظر والتأمل في كتب القدماء أمراً لازماً وضرورياً. إن درجة اهتمام هذا الفيلسوف الإسلامي بالعلم والفلسفة وتعلقه بهما تبلغ حداً جعل بعض المفكرين يفسرون كلامه ويؤولونه بمعنى «عبادة العلم». يعتقد ابن رشد أن ما يكون أكثر نفعاً لعامة الناس في مقام العمل والسلوك هو أجدر من أي شيء آخر. أما بالنسبة لأهل التفكر والتأمل، فبقدر ما يكون العمل نافعاً، تكون المعرفة والوعي لازمة وضرورية أيضاً. وفي مثل هذه المواقف قال بعض المفكرين إن ابن رشد هو فيلسوف مع أهل العقل والنظر، ويتحدث بوصفه إنساناً عقلانياً، بينما هو مع جمهور الناس على غير ذلك، ويظهر نفسه بشكل آخر. كما أن كثيراً من الأشخاص الآخرين استنتجوا من موقف ابن رشد من التأويل أن هذا الفيلسوف قدّم الفلسفة على الدين، ويسعى دوماً للوصول من ظواهر النصوص الشرعية إلى معانيها المعقولة والباطنية. على أية حال، فإن ما أبداه ابن رشد بشأن الفرق والاختلاف بين الخاصة وعامة الناس لا يمكن إنكاره البتة، وهذا القول بالاختلاف بين النخبة وغير النخبة هو ما جعله يُعرف بأنه من أشد المؤيدين لقول «الحقيقة المزدوجة». «الحقيقة المزدوجة أو الثنائية» هي نظرية نُسبت إلى هذا الفيلسوف واكتسبت شهرة واسعة في تاريخ الفكر». (ديناني: 70). مرة أخرى دون ذكر المصدر! تذكير: لا تنسوا موضوع بحث هذا الفصل المدون في رأس الصفحة (شعاع فكر ابن رشد وابن سينا في فلسفة العصور الوسطى الغربية)، واقرأوا صفحة نهاية الفصل واستنتاج الأستاذ مرة أخرى لتزدادوا استمتاعاً!
عندما يصبح «كتاب العام»
وهذه أيضًا ورقة خضراء تحفة درويش! فأفضل هدية من صديق لصديق، بهدي من المعصوم (ص)، هي تذكيره بعيوبه. آمل ألا يكون في الأمر ضغينة، فليس بيني وبينك شيء! الهدف هو مشكلة الاضطراب العلمي والثقافي في المجتمع. من البديهي أن منهج البحث والتأليف غير السليم، فضلًا عن كونه علامة بارزة على جهل المجتمع العلمي وعدم اكتراثه، يلحق أكبر الضرر بعلم المجتمع ومعرفته. فعلى سبيل المثال، هذا الكتاب نفسه، بوصفه كتابًا ألفه أستاذ له نصف قرن من الاشتغال بالفلسفة، واختير على المستوى الوطني كتاب العام، يضر بفكر المجتمع وثقافته من جوانب شتى، نشير إلى بضعة منها فحسب:
1ـ كما تلاحظون، أوردنا جميع مطالب هذا الفصل البالغ خمسًا وعشرين صفحة في هذه المقالة، ورأينا أنها لا تمت بصلة إلى مسألة «أثر أفكار ابن رشد في فلسفة القرون الوسطى». ولأن المطالب متفرقة وغير مترابطة، لا يحصل القارئ على مطلب تخصصي، ولا يستطيع الناقد أن يقول شيئًا مفيدًا. لو أنهم بدلًا من هذا التشتت في الكلام، طرحوا بضع حالات من المصادر الأصلية والمعتبرة للقرون الوسطى، وأثبتوا تأثير ابن رشد وابن سينا فيها بأدلة، لكان النقد -إن كُتب- نقدًا مفيدًا. لأنه إما كان ليرد الأدلة أو يعترض على فهم تلك النصوص، وهو أمر كان ليكون مفيدًا بدوره كالعمل الأصلي. أما بهذه الكيفية التي دخل بها الأستاذ ديناني في البحث، فلا الكتاب الأصلي مفيد ولا نقله. الشيء الوحيد الذي ينتج عن النقد هو هذا التنبيه ليدققوا قليلًا في مثل هذه الأمور! ينبغي لنا حقًا أن نسعى لإنتاج المعرفة وحل مشكلتنا الفكرية والفلسفية، وينبغي تقدير كل من يعمل في هذا الاتجاه. لا ريب أن أعمالًا كهذه وتقديرات من ذاك القبيل لها! لا تساعد على إنتاج العلم ونمو المعرفة وحل المشكلة فحسب، بل تزيد الوضع اضطرابًا!
2ـ هذا الكتاب الذي قُدّم بوصفه كتاب العام، يشغل أناسًا ليست لديهم دراية كافية بسير الأمور. لكن هؤلاء يظنون عادة أن سبب عدم استفادتهم شيئًا هو نقص معلوماتهم! وهكذا، فإن مثل هذه الأعمال لا تساعد على إنتاج العلم وزيادة المعلومات التخصصية فحسب، بل تستنزف وقت عدد من غير المتخصصين، وتساعد في نهاية المطاف على «تحقيرهم لذواتهم».
3ـ طُرح ابن رشد في الغرب بوصفه مفكرًا محركًا للحراك وطليعيًا، وهذا ليس بلا سبب. لكن الفهم الضعيف والتقرير المشتت للسيد ديناني لا يقدمان للقارئ شيئًا من هذا الباب فحسب، بل هما مضللان من جوانب شتى، نشير إلى بعضها:
أ) مسألة ظهور المعلمين غير الكنسيين في التمهيد لترجمة آثار ابن رشد، مطلب مهم ينقله ديناني عن كتاب «الفكر اليوناني، الثقافة العربية» لديمتري غوتاس. لكنه يحقر هذا الكلام ويعتبر مثل هذه الأقوال نتيجة للتأثر بماركس! (ديناني: 45) يتجاهل السيد ديناني هذا الأصل المهم، وهو أصل مشائي معروف بأن ظهور أي ظاهرة لا يمكن دون الأرضية والزمان اللازمين (المادة والمدة)، وكذلك السيد ديناني، بسبب عدم اطلاعه على مسار تطورات الغرب؟ لا يعلم أنه لولا «غير الكنسيين» هؤلاء، لما سمح الكنسيون للناس بأن يفعلوا شيئًا في حقل الفكر! فما بالك بترجمة آثار فيلسوف مسلم!
ب) مسألة «أنسنة العقل» لم يفهمها هو أيضًا على وجهها الصحيح، حتى بناءً على تعاليم الفارابي وابن سينا! لم يدرك أن الحس والعقل في جوهرهما إنسانيان، وبهذا الحس والعقل عينهما يصير المرء إلهيًا أو ملحدًا! وليس الأمر أن قومًا يعتبرون العقل إلهيًا منذ البداية، فيتفلسفون بالعقل الإلهي ويصيرون مؤمنين في نهاية المطاف، وقومًا آخرين يعتبرون العقل إنسانيًا فيصيرون ملحدين في النهاية!
ولأن السيد ديناني وقع في هذا الوهم، فقد هاجم بشدة أولئك الذين يعتبرون ابن رشد ممن يرون العقل إنسانيًا ويجرون الناس إلى الإلحاد، واتهمهم بأنهم لم يفهموا ابن رشد حق الفهم! غافلًا عن أن العقل في العالم الإسلامي منذ القديم يُعتبر مستقلاً، ولا يُقسم العقل ذاتيًا إلى إلهي وإنساني. ولم يُؤمر التلميذ أبدًا وفي أي كتاب بأن يفكر بالعقل الإلهي، لا العقل الإنساني! بل اشترطوا في التفكير الفلسفي استقلال الفكر والعقل وعدم التزامهما، واعتبروا هذا الشرط نفسه هو عامل الفرق بين علم الكلام والفلسفة. إنها الكنيسة التي تعتبر الفهم مكافأة للإيمان، لا فلاسفة الإسلام الذين لا يعتبرون التفكير الفلسفي ملتزمًا مسبقًا بأي نتيجة معينة.
ج) السيد ديناني لم يفهم هذه المسألة وهي أن «الكمال البشري هو دائماً في الأمام»، فهماً صحيحاً. وذلك لأننا عادة لا نملك اطلاعاً صحيحاً على أصول الفكر الغربي الحديث. المسألة هي أننا إذا اعتبرنا العقل بشرياً؛ فإن هذا العقل يكون محدوداً دائماً ومعلوماته قابلة للتصحيح والتكميل بمرور الزمن. هذا مبدأ بديهي من مبادئ الحداثة الغربية. كما نرى عملياً أن كل يوم تطلع علينا فيه ثمرة جديدة من هذا البستان. أما العقل الكنسي، أو ما يسمى بالعقل الإلهي عند رجال الكنيسة، فعليه أن يبحث عن كل شيء في الماضي، وأن يعتبر الماضي في غنى عن التكميل والتغيير. بل وإن أخبر كريستوفر كولومبوس عن قارة جديدة أو قال غاليليو كلاماً جديداً، فعليهم أن يسجنوهما!
لقد توهم السيد ديناني أن الذين يعتبرون العقل بشرياً ويتطلعون إلى المستقبل، هم منكرون للحقيقة! ولذلك يؤكدون على أن: «الحقيقة ليست محصورة ولا محدودة في ظرف الزمان، ونسبتها إلى الماضي والمستقبل سواء». ثم يستمر قائلاً: «لذلك لا يمكن الادعاء بأن ابن رشد يرى الكمال البشري دائماً أمامه وأنه قطع صلته بالماضي بشكل كلي. (ديناني: 55)
لا يلتفت الدكتور ديناني إلى أن مبدأ التقدم عند مفكري الغرب، يعني أنه ينبغي للمستقبل أن يكون مكملاً للماضي دائماً. لا أن هذا المبدأ يعني: قطع الصلة بالماضي بشكل كلي! وعشرات الإشكالات الأخرى الناشئة كلها عن سوء الفهم وتقليدية الذهن والتعصبات التقليدية!
4ـ السيد ديناني، في الكتاب كله، لا يمتلك مصادر بحثية صحيحة ومقبولة. ومنها في هذا الفصل الذي كان ينبغي أن يأتي فيه على الأقل بنصين أو ثلاثة من نصوص ومطالب فلاسفة الغرب ويقارنها بنصوص ومطالب ابن رشد ويظهر تأثير أفكار ابن رشد في الفلسفة الغربية. مع الأسف لم يقم بهذا العمل. مصادره في هذا الفصل (تأثير ابن رشد في فلسفة القرون الوسطى الغربية) فيما يتعلق بابن رشد هي:
1ـ مجلة عالم الفكر الكويتية. ولا شيء غيرها! لا شيء على الإطلاق! لم يُستخدم هذا المصدر إلا في موضعين: أحدهما في تاريخ ولادة ابن رشد والآخر في كونه معاصراً لابن ميمون! وهذه الأمور يمكن العثور عليها في كل مكان، فلماذا الذهاب إلى الكويت!
وأما مصادره حول فلسفة القرون الوسطى الغربية فهي:
1ـ الفكر اليوناني، الثقافة العربية، ديمتري غوتاس، ترجمة السيد حنائي كاشاني.
2ـ الفكر في القرون الوسطى، ديفيد لاسكوم، ترجمة السيد حنائي كاشاني.
هذان الكتابان ولا شيء غيرهما.
هل يُقبل حقاً من طالب ماجستير أن يكتب أطروحة عن «تأثير ابن رشد في فلسفة القرون الوسطى الغربية» بالرجوع إلى ثلاثة مصادر من الدرجة الثانية فقط؟
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
واقعا مضحکه نظرهای دوستان. عقل معلومه که الهیه. خداوند عاقل نیست عالم است. چون او خود عقل است. چون خود عقل است هر آنچه در قرآن است صحیح است. این برای البته کسانی مثل شما که حال تفکر خودساخته ندارند و هنوز ارسطو و غیره میخونند بهترین راهه.
بله ، متاسفانه اشکال مذکور نه تنها در این کتاب بلکه در بیشتر آثار متاخر آقای دکتر دینانی مشاهده می شود. پراکنده گویی ، عدم اسناد دهی و فقدان دلایل منطقی در رابطه با گزاره های اصلی مدت هاست که دامنگیر آثار استاد شده اند. حتی سخنرانی های ایشان نیز از این آفات بی نصیب نمانده اند.
ابن رشد با ابن میمون معاصر بوده و در پیوند با حکمت مشاء، کتابهای عدیده ای دارد مانند بدایه المجتهد و نهایه المقتصد و فصل المقال. آقای دینانی مدعی اند که ترجمهی آثار ابن سینا و ابن رشد به لاتین و در قرن دوازدهم میلادی «نتیجه ظهور حوادثی است که از مهمترین آنها پیدایش طبقهای تازه و متوسط از آموزگاران غیر روحانی به شمار میآید». ایشان مسأله «انسانی کردن عقل» را نیز براساس آموزههای فارابی و ابنسینا درست متوجه نشدهاند! ایشان متوجه نشدهاند که حس وعقل در نهاد خود، انسانی هستند و آنان با همین حس و عقل خود است که الهی میشوند یا ملحد! نه اینکه از اول یک عده عقل را الهی میدانند و با عقل الهی به تفکر فلسفی میپردازند و مؤمن میشوند. و عدهای دیگر عقل را انسانی میدانند و در نهایت ملحد میشوند! آقای دینانی ابن رشد را از کسانی می دانند که عقل را انسانی قلمداد کرده و لذا مردم را به الحاد میکشند.
بسیار عالی و منصفانه نقد کردند.کاش دکتر دباغ هم به جای کلی گویی کتاب شعاع شمس را اینگونه زیبا بررسی و تحلیل میکردند
دکتر دباغ:کاش غلامحسین دینانی به انتشار آثاری در حوزۀ «فلسفۀ اسلامی» بسنده می کرد و پای در وادی های دیگر نمی نهاد و آثاری چون « شعاع شمس» را منتشر نمی کرد من:کاش دکتر دینانی در حوزه فلسفه اسلامی هم اثری منتشر نمیکرد ممنون از دوستان صدانت