اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى يوسف أباذري ومراد فرهادبور أن كتاب «البنية وتأويل النص» لبابك أحمدي خليط يفتقر إلى التماسك والموضوعية، حيث يظل شرح المفاهيم فيه سطحيًا ويفتقر المؤلف إلى فهم واضح للمواد الأولية؛ ويتناول هذا النص تشريحًا للتعامل الشائع مع الثقافة الغربية.

النص الحالي هو نقد مشترك ليوسف أباذري ومراد فرهادبور للطبعة الأولى من كتاب «بنية النص وتأويله» لبابك أحمدي.
«بنية النص وتأويله» لا يفتقر فقط إلى البنية والمعنى، بل يفتقر حتى إلى موضوع محدد وواضح، الكتاب في الواقع خليط عجيب تجد فيه قليلاً من كل شيء: قليل من السيميائيات (بيرس، موريس)، وقليل من البنيوية الفلسفية (فوكو)، وقليل من النقد الأدبي البنيوي مضافاً إليه قليل من سيميائيات الأدب عند «إيكو»، إن قصور وسطحية الكثير من شروح المؤلف وتفسيراته، والأهم من ذلك، تركيبة الكتاب نفسها تشهد على أن المؤلف أيضاً ليس لديه إدراك واضح للمواد الأولية لخليطه.
.
يوسف أباذري، مراد فرهادبور: الهدف من هذه الكتابة هو تشريح نوع من التعامل الشائع مع الثقافة الغربية ودراسة عوامل وأسباب هذا التعامل؛ ومن هنا لم نتطرق إلى مباحث أخرى، خصوصاً مسألة النثر والكتابة بالفارسية لدى مؤلف «بنية النص وتأويله»، رغم أن هذه المسألة ذات أهمية جوهرية. النقطة الأخرى هي أن كاتبي هذا المقال لا ينكرون مطلقاً قيمة الأعمال التأليفية، وهم في الواقع يعتقدون أنه ما لم يُفتح باب تأويل الأعمال الفلسفية في الفارسية، فلن نجد اللغة التي تليق بالفلسفة الجديدة؛ وبالتالي فإن اعتراضاتنا على تأليف هذا الكتاب هي اعتراضات على هذا النوع من التأليفات، لا على التأليف بمعناه العام.
تتضمن هذه الكتابة قسمين، تناولنا في القسم الأول البنية العامة للكتاب والمباحث المبدئية بشأنه، وفي القسم الثاني، مع تقديم دلتاي، قدمنا نموذجاً من تقديمات المؤلف للشخصيات الفلسفية والأساليب التي اعتمدها لهذا العمل. أهمية هذا البحث تكمن في أن الكتاب هو في الواقع مجموعة من هذه التقديمات.
١) صدر مؤخراً كتاب باسم «بنية النص وتأويله» (تأليف بابك أحمدي، نشر المركز، طهران، ١٣٧١). ينبه المؤلف في مقدمة الكتاب [ص ٢] إلى أنه «في شرح آراء المفكرين الواردة في هذا الكتاب، جعلت الأصل هو الاستخدام المباشر وبلا وسيط لأعمالهم هم أنفسهم، وقللت قدر الإمكان من ذكر المصادر الثانوية أي الأعمال التي كُتبت عنهم» [التأكيد منا]. والأفضل لنا أيضاً ألا ننسى هذا التنبيه ونحفظه طوال قراءة الكتاب.
ننتقل إلى قراءة القسم المتعلق بسوسير:
شرح أولي ونمطي لمقولات مشهورة ومعروفة مثل «الدال» و«المدلول»، و«اللغة» و«الكلام»، و«الزماني» و«التزامني»، وهو ليس كاملاً ولا واضحاً بالقدر الكافي، أو نفس التفسيرات والأمثلة المألوفة نظير المثال الشهير «قطار ٤٥/٨ جنيف-باريس» الحاضر في كل نص ثانوي وثالث وعاشر عن سوسير [بما في ذلك هذا النص الحالي]. نتجاوز الأقسام المتعلقة ببيرس وباختين وبروب و...، وفي نهاية القسم المتعلق ببارت تصبح القراءة مستحيلة، والسؤال الذي كان حاضراً منذ البداية وأخذ يزداد بروزاً ووضوحاً تدريجياً يصبح ثقيلاً وشاملاً لدرجة أن التملص من طرحه لم يعد ممكناً: أي نوع من الكتب هذا؟ ما موضوعه؟ أساساً لماذا ولمن ومن أي منظور وبأي منهج كُتب؟ كتاب يحضر فيه تقريباً كل شيء وكل شخص، من فريجه وفرجينيا وولف إلى أبي سعيد أبي الخير ودلتاي، بشكل أو بآخر، ويقصف ذهن القارئ بأشكال مختلفة، من الصورة على الغلاف إلى الكم الهائل من الاقتباسات والإشارات والشروح القصيرة والطويلة والمتوسطة.
نُنهي قراءة الجزء المتعلق ببارت بأي ثمن، ونعود إلى بداية الكتاب لمعرفة موضوعه الرئيسي. نقرأ في الجملة الأولى من المقدمة: «لهذا الكتاب هدفان رئيسيان؛ الأول، التعريف بثلاثة مذاهب جديدة في النظرية الأدبية هي البنيوية والتفكيكية والهرمنيوطيقا.» [ص ١] لكن حين نرجع إلى الكتاب نفسه، لا نجد سوى فصول من ٢٠ إلى ٣٠ صفحة حول بعض الوجوه البارزة لهذه المدارس النظرية؛١ فصول لا يربطها ببعضها أي رابط فحسب، بل تفتقر، بوصفها أجزاءً مستقلة، إلى أي منطق أو اتساق داخلي. ولا أثر لشرح المفاهيم الأساسية وبسطها، أو مقارنة حالات معينة أو تأويلها استناداً إلى منظور ورؤية محددة، ناهيك عن النقد والمراجعة النقدية. يختار المؤلف بين الحين والآخر وجهاً معروفاً فينجذب إليه لفترة؛ حين يتناول بارت، ينجذب إلى بارت، وعندما ينتقل إلى فوكو يمتدحه، ويُثنى على بيرس ودلتاي وفرويد بنبرة واحدة. هذا التخبط والفوضى المنظمة يظهران داخل كل قسم أيضاً: خليط من الاقتباسات الأنيقة غير المترابطة، والإشارات الفلسفية والأدبية، والشروح البيوغرافية، وأسماء الكتب والمقالات والأشخاص، إلى جانب مقاطع تشرح مضمون أعمال هذا المنظر أو ذاك في صفحة أو صفحتين بأبسط صورة ممكنة وأكثرها قصوراً، ومقاطع مأخوذة من «نصوص من الدرجة الثانية» وجرى تجميعها في غاية الفوضى. بالنسبة لأولئك الملمين بهذه النصوص والمباحث، تكفي نظرة سريعة إلى قسم الهوامش في كل فصل لتكشف عن حقائق عدة. معظم الاقتباسات –كما سنرى- مأخوذة من تلك «النصوص من الدرجة الثانية» نفسها، لكن المؤلف يذكرها بوصفها رجوعاً مباشراً إلى النصوص الأصلية. لعل أفضل دليل لإثبات هذه النقطة، هو الإحالة إلى ٣ نصوص إنجليزية وفرنسية وألمانية لعمل واحد؛ يمكن مثلاً الإشارة إلى كتاب الحقيقة والمنهج لغادامير الذي اقتبس منه المؤلف باللغات الثلاث. لم يكلف المؤلف نفسه حتى عناء مقارنة الاقتباسات الألمانية والفرنسية بالنص وإحالتها جميعاً إلى نص واحد.
نقطة أخرى، هي وضع اقتباسات من أشخاص ومدارس متعارضة الهوية والماهية جنباً إلى جنب؛ مثلاً استخدام اقتباس من أدورنو لتأييد موقف غادامير.
بلغ التشوش والاضطراب حداً جعل المؤلف نفسه يضطر إلى الاعتراف به ويحاول تبريره بطريقة ما. نقرأ في مدخل الكتاب الثاني [ص ١٨٠]: «لم يُكتب في هذا الكتاب فصل عن منابع البنيوية وجذورها وتاريخها، والسبب ليس أنني اعتبرت مثل هذا البحث غير مهم؛ بل على العكس تماماً، إنه بحث بالغ الأهمية، لكنه يثير نقاطاً نظرية معقدة لا حصر لها، يستلزم بحثها كتاباً مستقلاً» [التأكيد منا]. من العجيب أن يتهرب المؤلف من مواجهة «النقاط النظرية المعقدة التي لا حصر لها»، لكن السبب الحقيقي شيء آخر. إن البحث في البنيوية بوصفها مدرسة فكرية ودراستها المفهومية يتطلب رؤية معينة وقدراً أدنى من التماسك الفكري. وهذه الطريقة لا تترك في الوقت نفسه مجالاً كبيراً للتلاعب بالاقتباسات الأنيقة. النموذج القديم نسبياً لكنه الكلاسيكي لهذا النوع من الدراسة المفهومية، هو كتاب البنيوية لجان بياجيه الذي لا يشير إليه المؤلف أبداً، ربما لأن بياجيه القديم أصبح «موضة قديمة». تهرب المؤلف من البحث المفهومي مسألة مهمة سنعود إليها لاحقاً، لكن دعونا الآن نتناول الهدف الثاني للكتاب.
نقرأ في المقدمة: «الهدف الثاني، هو إثبات أن هذه المذاهب الثلاثة، على الرغم من تمایزاتها وتناقضاتها الكثيرة، قد تقاربت في نهاية المطاف. لعل بيان هذا التقارب يفيد القارئ الذي سبق له أن اطلع على هذه المباحث» [ص ١]. يبدو أننا هنا أمام موضوع ومضمون قابلين للنقاش على الأقل، لكن المؤلف لا يفعل شيئاً سوى تكرار كلامه والإشارة إلى تقارب البنيوية مع «الهرمنيوطيقا الحديثة» –التي لا يُعلم ما المقصود بها-. في كل مكان لا نواجه مرة أخرى سوى أكوام من الاقتباسات، وليس لدى المؤلف ما يقوله. تدخلاته المتقطعة لا تتجاوز حد النصائح الأبوية للشباب عديمي الخبرة وسوق اقتباسات من شمس التبريزي وعين القضاة. ومن المصادفة أن هذه التدخلات والاقتباسات هي التي تثير الشك لدى «القارئ المطلع على هذه المباحث» حول معرفة المؤلف وفهمه للبنيوية والهرمنيوطيقا.
يعتبر المؤلِّف المدارس الثلاث التي يبحثها طقوسًا «حدَّدت في العقد الماضي سياق البحث ومنهجه في الدراسات الفنية وخاصة الأدبية» [ص ١]. غير أن هذا الرأي لا ينطبق إلا على المدرسة الثانية، أي التفكيك أو ما يسميه المؤلف تقويض الأسس. فقد حلت البنيوية محل وجودية سارتر في فرنسا منذ أواخر الستينيات، وانتقلت إلى أوروبا وأمريكا في السبعينيات. أما الهرمنيوطيقا، بصرف النظر عن جذورها التقليدية في تأويل الكتاب المقدس وتفسير الآثار الأدبية للعالم القديم، فقد ظهرت منذ أوائل القرن الثامن عشر (شلايرماخر)، واتخذت تجليًا جديدًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (دلتاي)، وطُرحت مباحثها الرئيسية في قرننا الحالي أيضًا (مثل جدال غادامير – بيتي أو جدال غادامير – هابرماس) كلها قبل ثمانينيات القرن العشرين. حتى ترتيب المطالب وكيفية تقديم المدارس يعبِّران عن اضطراب فكري. إن مدَّ الجسور بين تقاليد غريبة بل ومتضادة – وهو ما يواجه دائمًا خطر التلفيقية السطحية والتلاعب بالاقتباسات – يُعدُّ بحد ذاته أحد التقاليد الفلسفية والنظرية القيِّمة، ولا شك أنه إذا قدَّم فيلسوف بارز ومفكر مبدع مثل بول ريكور مدَّ الجسور بين البنيوية والهرمنيوطيقا بوصفه الهدف الرئيسي لحياته الفكرية ومشروعه الفلسفي، فينبغي أن نأخذه على محمل الجد ونتتبع كتاباته وتحوله الفكري. لكن عندما يُطرح هذا الادعاء نفسه في هذا النص باللجوء إلى إيماءات فوق حداثية، فإنه يبعث على التأمل [نظير حالة كاتب يخفي عجزه عن كتابة حتى قصة قصيرة واقعية بتقليد جويس وفرجينيا وولف].
هدف نقد هذا الكتاب هو تسليط الضوء على مسألتين رئيسيتين:
١) بيان تشوشه وخلوه من المعنى وفراغه من حيث المضمون؛ أي تشخيص أن هذه المجموعة من الاقتباسات والشذرات المقتطعة من «نصوص من الدرجة الثانية» والتي تُرجمت إلى الفارسية بطريقة «الترجمة التأليفية» – أي بحذف الأجزاء الصعبة وتحريف المطالب وتبسيطها – لا تُعرِّف بالبنيوية والهرمنيوطيقا فحسب، بل إن حصيلتها الوحيدة هي حيرة القراء. ومع ذلك، فإن القراء الفطناء حتى لو «لم يكونوا مطَّلعين على هذه المباحث» لا يمكنهم أن يكتشفوا فراغ الكتاب، شريطة ألا يكونوا مرهوبين مسبقًا بـ«سعة معلومات» المؤلف.
٢) بيان وحدة الكتاب ومعناه الداخلي بوصفه ظاهرة ثقافية واجتماعية؛ أي تحديد أن بنية النص وتأويله، على الرغم من إشادة المؤلف بالنقد البنيوي، يرتبطان ارتباطًا مباشرًا بـ«نيته الباطنة» والبنية النفسية لـ«القراء المهتمين»، ولا يمكن فهمهما إلا بوضعهما في سياقهما الاجتماعي والثقافي الخاص. يُظهر النقد السوسيولوجي والسيكولوجي للأثر أن المبدأ الموحِّد لهذه المجموعة المشوشة والخالية من المعنى هو نوع من «النظرة السياحية» إلى الفلسفة والثقافة تتطابق تمامًا مع سياقها الاجتماعي والإيديولوجي.
في متابعة النقد، سنبحث هاتين المسألتين في قسمين منفصلين.
لنعد إلى التمهيد؛ فبعد التنبيه الرئيسي حول استخدام «المصادر من الدرجة الثانية» يضيف المؤلف: «أحيانًا في الهوامش أحلتُ القارئ إلى عدد من الكتب والمقالات من الدرجة الثانية وهذه نصوص أرى أن قراءتها ضرورية» [ص ٢]. وحسبما يتبين من الكتاب، فإن الانتفاع – إن لم تكن القراءة – بكل هذه «المصادر من الدرجة الثانية» كان ضروريًا للمؤلف، وإلا لما أمكنت كتابة الكتاب أساسًا. ولكن ما هي حقًّا تلك النصوص التي لا ضرورة لقراءتها بالنسبة للقارئ؟ أهي تلك التي تظهر آثارها في كل مكان من أثر المؤلف والتي قد تدفع قراءتها القارئ إلى المقارنة والتفكير الغاداميري؟ أم تلك التي يكشف تماسكها المنطقي وثراؤها الفكري وتواضع مؤلفيها عن تشوش الأثر النظري للمؤلف وفقره؟ يبدو أن أفضل عمل هو أن نقوم نحن بهذه المقارنة. لهذا الغرض اخترنا الكتب الأربعة التالية:
١. Structuralism and Since: from Lovi Strauss to Derrida, ed. John Sturrock, O.U.P,١٩٧٩.
٢. Jonathan Culler, The Pursuit of Signs; Semiotics, Litcrature, Dcconstruction, R.K.P, London, ١٩٨٧.
٣. Jonathan Culler, Structuralist Poctics: Structuralism, Linguistics and the study of Literature, R.K.P, London, ١٩٧٥.
۴. Robet Scholes. Stucturalisn in Literature an introduction. Yale University Press, ۱۹۷۵.
من بين هذه الكتب الأربعة، استُخدم اثنان منها بشكل قاطع وواحد على الأرجح من قِبَل المؤلِّف. من المؤكد أن «المصادر الثانوية» التي صُنِع منها الكتاب ورُكِّبت من شظاياها لا تقتصر على هذه. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى أثر كتاب The Critical لديفيد هوي في القسم المتعلق بالهرمنيوطيقا [خاصة فصل غادامير] أو كتاب The Order Of Mimesis لكريستوفر برندرغاست {يُقتبس تقريباً كامل الجزء الأول من الفصل الثاني عشر من بنية تأويل النص، الذي يتناول تفسير أفلاطون لمفهوم المحاكاة Mimesis في محاورتي «الجمهورية» و«كراتيلوس» (Cratylus)، و«تفكيك» دريدا لهذين النصين وتفسيره لنظرية المحاكاة الأفلاطونية، من هذا الكتاب} راجع
(C.Prendergast, The Order of Mimesis, Cambridge University Press, ۱۹۸۶, pp. ۹-۱۲)
تعقُّب «مصدر ثانوي» فرنسي غير ممكن بسبب عدم إلمامنا باللغة الفرنسية. لقد اختيرت الكتب الأربعة المذكورة أساساً بالنظر إلى مواد المجلد الأول وحضورها الواضح نسبياً في نص المؤلِّف ودون بحث كبير. قصدنا هو مجرد تقديم بضعة أمثلة، ونعتقد أن ما سيُعرض في القسم الثاني من الأمثلة سيعفينا هنا من الخوض في كيفية اقتباسات المؤلِّف.
لكي نرى كيف وبأي منهج كتب هؤلاء المؤلفون في هذه المباحث، نقدم تعريفاً موجزاً بكل واحد منهم. الكتاب الأول هو مجموعة من ٦ مقالات؛ قُدِّمت الجذور التاريخية والمفاهيم الأساسية للبنيوية في مقدمة الكتاب، وتخصص المقالات الخمس التالية للفحص النقدي لآراء ليفي شتراوس، وبارت، وفوكو، ولاكان، ودريدا، وقد كتبها مترجمو ونقاد أعمالهم [مثلاً، مؤلف مقالة دريدا هو جوناثان كولر الذي كتب بنفسه عدة مقالات وكتب عن دريدا والتفكيك]. الهدف الرئيسي للمقالات هو تقديم صورة عامة ونقدية للموقف الفلسفي لهذه الوجوه البارزة من البنيوية، لا شرح حياتهم وأعمالهم؛ فعلى سبيل المثال، تبدأ المقالة المتعلقة بفوكو بنقاش حول ماهية ومعيار شرعية خطاب فوكو نفسه وعلاقته المزدوجة بالخطاب التمردي البسيط لنيتشه وأرتو، ثم تنتقل إلى تحليل مفصل لتعريف فوكو نفسه للخطاب وعلاقته بالسلطة، وتناقش تفسيره للمعرفة وأطوارها التاريخية، ثم تتتبع أثر وكيفية تطور هذا الموقف في أعمال فوكو. في هذا الكتاب لا أثر لباختين، وموريس، وتودوروف، وجينيت، وإيكو، وكريستيفا.
أما الكتب الثلاثة الأخرى، وكما هو واضح من عناوينها، فتعنى أكثر بتجليات البنيوية في مجال النقد الأدبي وتأويل النصوص، ولكن على الرغم من هذا التشابه الموضوعي، فإن وجهة نظر ومنهج كتابة مؤلفيها مختلفان تماماً. كتاب شولز، كما يوحي عنوانه، ذو طابع تمهيدي، ولهذا فإن معظم مواده وفصوله موسومة بأسماء أشخاص، ويتم تقديم وتوسيع مفاهيم البنيوية الأدبية وتطورها التاريخي والمفاهيمي من خلال النقاش حول الأفراد. هذه الطريقة بالتأكيد أكثر إدراكاً وفائدة للقارئ غير الملم. في المقابل، أعد كولر مواد كتابَيه ونظمها على أساس توسيع المفاهيم العامة، وأعماله من حيث النقاط الفنية المتعلقة بالنقد البنيوي أكثر دقة وتعقيداً وغنى. يفحص كولر في كتاب تعقب العلامات The Parsuit of Sings السيميولوجيا بوصفها نوعاً من «نظرية القراءة» للأعمال الأدبية، ويعنى بشكل رئيسي بنقد سيميولوجيا الشعر والأدب. في هذا الكتاب أيضاً لا أثر لموريس، وباختين، وموكاروفسكي. لا يقصد المؤلف الإطالة، لذا يكتفي بإشارة قصيرة إلى بيرس وسوسير. على الرغم من تخصيص ثلث الكتاب للتفكيك أو التقويض، لم يستأثر دريدا إلا ببضع صفحات، ولا يُذكر فوكو إلا مرة واحدة. في الواقع، الشخصان الوحيدان اللذان خُصص لهما فصل منفصل هما ميكل ريفاتير وستانلي فيش، واللذان لا يُرى لهما أثر يُذكر، من قبيل الصدفة، في بنية النص وتأويله.
أما كتاب كولر الآخر فله بنية ومضمون مماثلان، غير أن نطاقه الموضوعي أعم، ويتناول المفاهيم والوجوه الكلاسيكية للنقد البنيوي [ياكوبسون، ليفي شتراوس، غريماس، الشكلانيون الروس، فراي وآخرون]. في الصفحة ۱۸۸ من بنية النص وتأويله، يُنقل اقتباس عن ليفي شتراوس موسوم بالرقم ۲۶. وفي قسم الملاحظات، تحت الرقم ۲۶، نقرأ ما يلي:
"۲۶.C Levi-strauss, Structuralist Poetlce, London ۱۹۷۵.PP.۴۰-۵۳."
فإذا ما ثار فضول القارئ وأراد أن يستفيد من هذا «النقاش المنير» مستعيناً بإرشاد المؤلف، فإنه يصطدم في بداية الصفحة ۴۴ من كتاب كولر بهذا الاقتباس من ليفي شتراوس: «وهكذا فإن سياق [تأويل] كل أسطورة يُبنى ويُصاغ أكثر فأكثر بواسطة أساطير أخرى» (Du micl aux cendres, P۳۰۵)؛ هذا هو عين الاقتباس الذي كان ينبغي أن يأخذه المؤلف «باستخدام مباشر وبلا وسيط» من كتاب ليفي شتراوس الأصلي، لكن بقليل من التدقيق نكتشف أن القطعة بأكملها التي تنتهي بهذا الاقتباس «المباشر» ليست سوى «ترجمة حرة» لمادة الصفحة ۴۳ من كتاب كولر، مع فارق أن المؤلف أبدى «إبداعاً» فذكر ملتون وريلكه بدلاً من شكسبير. هذه إحدى الحيل الرئيسية للمؤلف، فهو يقتبس من نصوص من الدرجة الثانية، لكنه يستخدم حيلة تجعل القارئ يظن أنه استخدم النصوص الأصلية.
إن فلسفة تنظيم وطريقة تبويب هذه الكتب الأربعة توضح نقطة مهمة، وهي أن بنية النص وتأويله لا يفتقر إلى البنية والمعنى فحسب، بل حتى إلى موضوع محدد ومعين، فالكتاب في الواقع معجون عجيب يوجد فيه قليل من كل شيء: قليل من السيميائيات (بيرس، موريس)، وقليل من البنيوية الفلسفية (فوكو)، وقدر من النقد الأدبي البنيوي مضافاً إليه قليل من سيميائيات «إيكو» الأدبية، إن قصور وسطحية الكثير من شروح المؤلف وتفسيراته، والأهم من ذلك، تركيبة الكتاب نفسها تشهد بأن المؤلف نفسه لا يمتلك فهماً واضحاً للمواد الأولية لمعجونه.
من بين الكتب الأربعة المذكورة، لا يشير المؤلف إلا إلى واحد منها سبق ذكره، لكن النقطة الأهم هي الغياب التام للكتاب الرابع. تتضح أهمية ومعنى هذا الغياب عندما نقارن فهرس محتويات كتاب شولز بأثر المؤلف، لأنه كما قلنا، فإن مواد وفصول هذا الكتاب مقسمة ومنظمة هي الأخرى وفقاً للأشخاص. وبالنظر إلى التشابه الاستثنائي في بنية وعناوين هذا الكتاب مع مواد المجلد الأول من بنية تأويل النص، يمكن طرح فرضية أن كتاب Structuralism in literature «هو في الواقع المصدر من الدرجة الثانية»، من الدرجة الأولى، الذي شكّل النموذج الرئيسي للمؤلف، وهذا الأمر نفسه يفسر غياب أي إشارة أو إحالة إليه،۲ ومن هنا يجدر بنا أن نفحص كتاب شولز بدقة وتفصيل أكبر.
بصرف النظر عن الفصلين الأولين اللذين يتسمان بطابع كلي ومفاهيمي، والفصل الثالث الذي يتناول الوجوه الأقدم وغير الرسمية والأقل شهرة في النقد الأدبي البنيوي (أندريه جول وإتيان سوريو)، فإن عناوين بعض الأقسام هي كما يلي: «مصورو الأساطير Mythographers، بروب وليفي شتراوس»، «الشكلانيون الروس»، «دلالات ومنطق وقواعد أخلاق بروب»، «النظام وصانعو الأنظمة»، «نظرية القراءة عند تزفيتان تودوروف»، «شيفرات رولان بارت»، «أشكال جيرار جينيت». النقطة المهمة هي أن هذا التقسيم القائم على أساس الأشخاص لا يخلو من نوع من المنطق المفهومي. فجول وسوريو يرتبطان معاً على أساس مفهوم «تبسيط الشكل» البسيط، ويوحد ليفي شتراوس وبروب والشكلانيون الروس «الحركة نحو فن الشعر البنيوي»، ويندرج تودوروف وبروب وجينيت في فضاء كلي عبر «التحليل البنيوي للنصوص الأدبية».
يناقش شولز في الفصل الأول من كتابه البنيوية بوصفها حركة فلسفية وأيضاً نوعاً من المنهج، ويتناول في الفصل الثاني تحول البنيوية من نظرية لسانية إلى نوع من فن الشعر (Poetics) ويشرح كيفية توسعها وتغير شكلها في أعمال سوسير وياكوبسون وليفي شتراوس وريفاتير. يشكل هذان الفصلان الأساس النظري للكتاب ويقدمان المفاهيم والتمييزات المفتاحية الخاصة بالبنيوية. إن الإشارة إلى بعض جوانب النظرة النظرية لأشخاص مثل تشومسكي وكاسيرر وفيتغنشتاين وعلم النفس الغشتالتي، توضح بعض الجذور والأسس النظرية للبنيوية، كما أن مقارنتها بالنقد الأدبي لجورج بولييه ذي الطابع الفينومينولوجي تبرز الخصائص المنهجية للنقد البنيوي. إن تقديم المفاهيم الأساسية للسانية سوسير والنقد الأدبي لياكوبسون وليفي شتراوس، ثم شرح نقد ريفاتير الساحق للطابع التجريدي للتفسير الشهير الذي قدماه لقصيدة بودلير، يضع القارئ في موضع يمكنه من إدراك التشابهات والاختلافات والخلافات ومعنى ومفهوم التحولات اللاحقة.
لا شك أن هذين الفصلين لا "يعرّفان" البنيوية، ولا يقدمان حتى وصفاً شاملاً لتطبيق المنهج البنيوي في مجال النقد الأدبي، ومع ذلك فقد استطاع شولز في هذا الحيز المحدود أن يحدد رؤيته الخاصة تجاه البنيوية وفضائها المفهومي والمنطقي، وهو أمر لم يفلح فيه مؤلف بنية النص وتأويله، ويلجأ بدلاً من ذلك إلى الذريعة المعروفة بأن هذا العمل "ينبغي أن يكون موضوع كتاب منفصل". في كتاب يخلو من أي نقاش مفهومي، يبقى الهدف الرئيسي للمؤلف، وهو "تقديم البنيوية بوصفها نظرية أدبية"، مجرد ادعاء.
من المؤكد أن كتاب شولز لا يقول "كل شيء"، لا في مجال البنيوية، ولا في مجال النقد الأدبي، ولا حتى فيما يتعلق بالصلة بينهما، لكنه يضع مجموعة من المفاهيم والرؤى والنظريات إلى جانب بعضها بشكل منطقي، ومن خلال ذلك يطلع القارئ على مجموعة من النصوص والفضاء الفكري السائد عليها. كما يتم تقديم الأشخاص على هذا الأساس، ولذلك فإن شولز، بخصوص بارت مثلاً، لا يقول كل شيء ولا يدفن ذهن القارئ تحت ركام من الاقتباسات وأسماء الكتب والمقالات والتوضيحات الفرعية التي لا وظيفة لها سوى الزخرفة.
٢)
بعد أن اتضحت فوضى وعبثية بنية النص وتأويله، يمكننا الآن أن نتناول السؤال الثاني ونناقش معناه ووحدته الحقيقية. للقيام بذلك، ربما كان من الأفضل أن نلجأ نحن أيضاً إلى منهج "التفكيكيين" ونفحص النص وفقاً لمباحثه وموضوعاته هو؛ أي وفقاً لمفاهيم البنيوية والسيميولوجيا.
إن اعتباطية الدال والمدلول والطبيعة الاصطلاحية للرابطة بينهما هي المبدأ المركزي للسانية سوسير، والروح السائدة في البنيوية وما بعد البنيوية تنبثق أيضاً من مبدأ "اصطلاحية العلامة" هذا، بحيث يمكن تلخيص المشروع الفلسفي لشخص مثل دريدا في توسيع هذا المبدأ ليشمل الموضوعات التقليدية للفلسفة - مثل الحقيقة والذهن والمعنى. بهذا المعنى، يجب القول إن بنية النص وتأويله هو دال محض، كل شيء فيه اعتباطي وقابل للتغيير، من عنوان الأثر ومحتوياته إلى ترتيب الفصول وحجمها. يمكن حذف أقسام وإضافة أقسام جديدة إليه، يمكن نقل الفصول، وبدلاً من بيرس وموريس، يمكن كتابة فصل عن فريجه وفيتغنشتاين أو استبدال نورثروب فراي بغراس وبريمون، ولكن ما هو مدلول هذا الدال الاعتباطي؟ في نظرية سوسير، المدلول أيضاً اعتباطي واصطلاحي مثل الدال ٥، ودريدا بتأكيده على هذا الجانب بالتحديد يوجه نقداً للميتافيزيقا ويحل كل شيء في لعبة العلامات المعادية للعقل، وبتعميم اعتباطية كل المدلولات، يصبح النقاش حول الحقيقة والكذب ونقدهما بلا معنى، أو بالأحرى "اعتباطياً". هذا الأمر يشمل بدوره النظام الثقافي والأعراف والاصطلاحات القائمة عليه. إذا قبلنا هذه الرؤية، فإن نقد أثر المؤلف يصبح حقاً مستحيلاً، وهذا الأمر بالذات يفسر اهتمام المؤلف الشديد بهذا الابتكار ما بعد الحداثي الفرنسي. ولكن هل حقاً أن كل المدلولات والمعاني والحقائق اعتباطية؟ إننا لا نذعن لهذه النظرية الاعتباطية، ولذلك نكرر سؤالنا مرة أخرى: ما هو المدلول الحقيقي لأثر المؤلف؟
هنا بالتحديد يصبح النقد السوسيولوجي والسيكولوجي للبنية وتأويل النص ضرورياً. وخلافاً لتأكيد المؤلف المتكرر على استقلال النص ومعناه عن قصد المؤلف، فإن الكتاب يقع بالكامل تحت سيطرة قصد مؤلفه. المدلول الحقيقي لهذا الأثر الذي يمنحه المعنى والوحدة، ليس سوى الموقف الواقعي للمؤلف؛ أي ذلك الموقف السياحي.
مفهوم الموقف السياحي هو المفتاح الحقيقي لهذا الكتاب، وبإدراكه تتضح جميع النقاط السابقة أيضاً: تتضح أيضاً وفرة الاقتباسات، الاقتباسات غير المترابطة غالباً، وعدم وضوح موضوع الكتاب الذي يوجد فيه قليل من كل شيء، والتأكيد على الأشخاص والوجوه البارزة المختارة كيفما اتفق والتي لا يربطها أي نقاش أو استدلال نظري، وتجنب أي نقاش وصفي أو نقدي حول المفاهيم والمقولات الأساسية، وغياب أي رؤية كلية وشاملة حتى في التعريف بالأشخاص، واستخدام شذرات مقتطعة من «مصادر من الدرجة الثانية» قام المؤلف بتركيبها معاً ليكتب فصولاً عن فوكو وغادامير وتودوروف وغيرهم، واللامبالاة التامة إزاء التمايزات والاختلافات المضمونية بين الأفراد والمدارس بعضها مع بعض، وسائر المسائل التي لا حاجة لتكرارها. وكما قلنا، فإن هذا الكتاب متجذر في «قصد المؤلف» الذي يبنيه ذلك الموقف السياحي ذاته.
بهذه الطريقة أجبنا على سؤالينا الرئيسيين، وأوضحنا بقدر الإمكان تشوش النص وخلوه من المعنى من حيث موضوعه وادعاءاته هو نفسه، ومعناه ووحدته الواقعيين من حيث سياقه الثقافي. الآن ما يتبقى هو دراسة الوسائط التي يوفرها النص نفسه للربط بين هذين المستويين والانتقال من الأول إلى الثاني. النقد المحايث (immanent) لأثر المؤلف وتفكيكه ينبغي أن يتم بمساعدة هذه الوسائط. هذه الوسائط هي في الواقع عقد النص التي يتجلى من خلالها البناء والمعنى الواقعيان لهذا الكتاب في بنائه ومعناه الظاهريين. العثور على هذه العقد سهل جداً بالنظر إلى تقنية المؤلف في مونتاج القطع والاقتباسات؛ حيثما يترك المؤلف متاريس «المصادر من الدرجة الثانية» والاقتباسات ويتقدم بنفسه، نواجه إحدى هذه العقد. في هذه الحالات، حتى نبرة المؤلف تتغير فجأة وتكتسب صبغة وعظية، ونجد أنفسنا أمام حكيم فرزانه يسعى إلى هداية الشباب الغض عديم التجربة بنصائحه. المثير للاهتمام أنه حتى في هذه الموارد القليلة، لا يلقي المؤلف بدرعه الواقي كلياً، وتدخلاته المباشرة تتحقق أيضاً بمساعدة الاقتباس؛ أي بعبارات مأخوذة من تراثنا العرفاني والأدبي نحن أنفسنا، ولا علاقة لها بالمدارس التي يقصدها المؤلف (البنيوية، التفكيكية، والهرمنيوطيقا).
الآن في نهاية هذا القسم، ندرس نموذجاً من هذه الوسائط أو العقد بشكل مفصل، ونسعى باستخدام مضمون الأثر نفسه، أي تلك المدارس الثلاثة، إلى توفير سياق دلالي لها، لكي يتضح من خلال ذلك خلوها من المعنى وعدم ترابطها، والطبيعة الحقيقية لفهم المؤلف لموضوع أثره.
في أواخر القسم المتعلق بفوكو يحدث أمر طريف، إذ ينسى المؤلف فجأة موضوع نقاشه أي ميشيل فوكو نسياناً تاماً ويتجه إلى موضوع آخر. فهو يخصص صفحة ٢٠١ بأكملها لفحص بضعة اقتباسات من بارت فيما يتعلق ببروست ومالارميه، وفي الصفحة والنصف المتبقية يشرع في شرح نظرية سارتر ونقدها ورفضها [البنية وتأويل النص، ص ٢٠٢ و٢٠٣]، ربما لأنه كان من المستحيل عليه صرف النظر عن بضعة اقتباسات «جميلة» من سارتر. أي إن المؤلف يقول عن تحليله المتعمق في صفحة ونصف من ٤ كتب مشهورة لسارتر [بودلير، القديس جنيه، الكلمات، وأبله العائلة]: أنا لا أنكر أهمية هذه الكتب الأربعة وأعلم إلى أي حد تفيد أعمال سارتر البارزة في إيجاد أجوبة عن ذلك السؤال الفلسفي، ولكنني لا أنصح من يضمر شغفاً بمعرفة النصوص الأدبية باتباع سارتر، ولا أعتقد أن البحث في سيرة المؤلفين يشكل أساساً أو منطلقاً صحيحاً [البنية وتأويل النص ٢٠٣]. حقاً ينبغي لنا أن نشكر المؤلف نيابة عن سارتر، ولكن من المؤسف أن سارتر ميت ولا يستطيع أن يشهد بنفسه هذا الاكتشاف العظيم. لقد حل المؤلف في تحليله ذي الصفحة والنصف لغز أعمال سارتر. ونحن نعلم الآن أن أعماله عن بودلير وفلوبير وجنيه ونفسه، لم تكن أكثر من سِيَر ذاتية، وأن سارتر نفسه كان كاتب سيرة «لم يضمر شغفاً بمعرفة النصوص الأدبية» ومن ثم فقد كتب ٧٠٠ صفحة عن وآلاف الصفحات عن فلوبير انطلاقاً من «منطلق خاطئ» ومن أجل «البحث في سيرة المؤلفين».٦
(احتفظوا بهذه القفزة من فوكو إلى بارت ومن بارت إلى سارتر ونسف سارتر حتى نصل إلى المطلب التالي) يكتب المؤلف مباشرة بعد إبداء رأيه حول سارتر ما يلي:
«قبل ألف عام كتب عين القضاة الهمداني: أيها الفتى! اعتبر هذه الأشعار كالمرآة! ألا تعلم أن المرآة ليس لها صورة في ذاتها؛ ولكن كل من ينظر فيها يستطيع أن يرى صورته. كذلك تعلم أن الشعر ليس فيه أي معنى في ذاته؛ ولكن كل شخص يستطيع أن يرى فيه ما هو نقد عصره وكمال عمله. وإذا قلت إن معنى الشعر هو ما أراده قائله وأن الآخرين يضعون معاني أخرى من عندهم، فهذا مثلما يقول قائل إن صورة المرآة هي صورة وجه الصيقل الذي أظهرها أولاً» [البنية وتأويل النص، ٢٠٣]. ماذا يعني هذا؟ لا بد أن المؤلف قد وجد في قول عين القضاة هذا شبيهاً بالمذاهب الثلاثة التي ينوي التعريف بها. والآن اسمحوا لي أن آتي من داخل مباحث الكتاب وموضوعاته بسياق دلالي لهذه العبارة ليتضح إلى أي حد يكون الاقتباس أعلاه عديم المعنى ولا صلة له بالموضوع في سياق هذه المباحث والموضوعات.
يعدد ديفيد هوي، في معرض فحصه لنظريات رولان بارت، أوجه الاشتراك بين البنيوية والتقليد الهرمنيوطيقي،٧ ويشير إلى ٣ حالات رئيسية: ١) النقد الشامل للموضوعية في التفسير والتأكيد على أن سياق التفسير أو السياق الذي ينبغي تحديد معنى النص في إطاره لا ينبثق من النص نفسه فحسب، بل يساهم الناقد أيضاً في خلقه. ٢) نفي السيكولوجية ومعارضة اختزال معنى النص إلى النوايا الذهنية والداخلية للمؤلف. ٣) نفي المنهج القائم على فقه اللغة الذي يحصر مهمة التاريخ الأدبي والنقد الأدبي في إعادة خلق الأفق الأولي للنص فحسب، ويسعى إلى قراءة النص فقط بالشكل الذي كان سائداً عند نشأته الأولى والذي كان الشكل الأول لقراءته.
للوهلة الأولى يبدو أن أوجه الاشتراك هذه -ولا سيما الثالثة- ذات صلة ومنسجمة مع عبارة عين القضاة، ولكن مع قليل من التأمل والدقة الأكبر، تتكشف حالات عدم الانسجام وفي النهاية لا صلة للعبارة بالموضوع. ويتطلب تحقق هذا الأمر طرح نقاط حول التقاليد الثلاثة: الهرمنيوطيقا، والبنيوية، والتفكيكية.
نتوجه أولاً إلى غادامير ونظريته الهرمنيوطيقية؛ تتضمن هذه النظرية نقداً لاذعاً للموضوعوية في التأويل؛ أي ذلك الموقف الذي يرى النص حاملاً لمعنى موضوعي مستقل عن القارئ، ويعتقد أن هدف التأويل هو إيضاح هذا المعنى. يسعى غادامير، انطلاقاً من تأويله الفلسفي لتاريخانية الفهم والتأويل، إلى تقديم نظرية أخرى ينبثق فيها معنى النص من داخل نوع من الحوار أو المحادثة بين النص والقارئ. لهذا الغرض يطرح غادامير مفهوم «اندماج الآفاق». يعتقد غادامير أن الفهم يحدث دوماً من داخل وضعية ما، وبالتالي فهو ينطوي على نوع من التقليد أو الحكم المسبق، ويتمتع بأفق تاريخي خاص. في النص، يصبح هذا الأفق مع المنظور هو ما يجعل الموضوع [الأوبجكت] ينكشف للوعي أو الذهن [الذات]. لذا فإن فهم الموضوع لا يتم إلا بناءً على بنية ما قبل حملية. هذه البنية هي البصر المسبق للفهم، أو مجموعة من الأفهام المسبقة التي تجعل الفهم ممكناً. يعتقد غادامير أن كل فهم وتفاهم متبادل يستلزم اندماجاً نسبياً للآفاق. قراءة النصوص وفهمها وتأويلها تتم بالطريقة نفسها. «كل لقاء مع التقليد يتحقق في صميم الوعي التاريخي ينطوي على توتر بين النص والحاضر. مهمة الهرمنيوطيقا هي ... أن تبرز هذا التوتر بطريقة واعية.»٨ يتميز الأفق التاريخي للنص عن أفق المؤوِّل، لكن بما أن أفق المؤوِّل هو نفسه نتاج التقليد، فإن هذا التمييز يثبت ويمّحي في آنٍ واحد، وبهذا، على حد تعبير غادامير، يحدث نوع من الاندماج الواقعي للآفاق يجعل فهم معنى النص وتأويله ممكناً، وإن كان لا يمكن اعتبار هذا هو المعنى النهائي أو المطلق أو المعنى الحقيقي الوحيد للنص. مفهوم الحوار أو المحادثة مع النص ينطوي على خطر تأويل النص بوصفه ذهناً، واختزاله مرة أخرى إلى ذاتية المؤلف أو قصديته. يعارض غادامير هذا التأويل بشدة، ولهذا السبب أيضاً يقول مباشرة بعد طرح مفهوم «اندماج الآفاق»: «لقد وصفنا هذا الفعل الواعي لاندماج الآفاق بوصفه هدف ورسالة الوعي التاريخي بالتأثيرات» [المرجع نفسه، ص ٢٧٣-٢٧٤]. الوعي بتاريخ التأثيرات هو مفهوم أساسي آخر من مفاهيم نظرية غادامير الهرمنيوطيقية. الأفق التاريخي للنص لا يختزل في قصدية المؤلف ولا في القراءة الأولى للنص، هذا الأفق هو في الواقع مجموعة من القراءات التي حدثت في المسافة التاريخية بين ظهور النص وتأويله في الحاضر. التأثيرات التي تركها النص في هذه المسافة تُعتبر جزءاً من هويته التاريخية وأساس تاريخانيته. وكما يقول غادامير، فإن قراءتنا وتأويلنا لأفلاطون لا يمكنهما أبداً تجاهل تأويلي كانط وهيغل لأفلاطون وعدم الصلة بهما، فوضعيتنا التاريخية وحضور كانط في المسافة التاريخية بيننا وبين أفلاطون تعني تلقائياً أننا نقرأ محاورات أفلاطون بوصفها مجموعة من القراءات [بما فيها قراءة كانط] والتأثيرات التاريخية؛ إذن فاندماج الآفاق وتأويل آثار أفلاطون ليس سوى الوعي بتاريخ هذه التأثيرات. نتيجة هذا التأويل هي فهم خاص لأفلاطون، ليس أفضل ولا أسوأ مقارنة بفهم كانط لأفلاطون وفهمه هو لآثاره، بل هو ببساطة فهم مختلف.
عدم توافق نظرية غادامير مع عبارة عين القضاة واضح تماماً، فالنص ليس مرآة لا يرى القارئ فيها سوى صورته، تاريخانية التأويل لا تعني اعتباطيته، ومن ثم يمكن الحكم على التأويلات المختلفة ومدى كفايتها أو عدم كفايتها. علاوة على ذلك، وكما يقول غادامير، يقبل القارئ على النص بنوع من «التنبؤ وانتظار الكمال»، ويشارك النص عبر تاريخ تأثيراته بفاعلية في تشكيل المعنى والحوار مع القارئ.
تشير عبارة عين القضاة إلى نوع خاص من النصوص (النصوص الشعرية)، ففي النقد الأدبي ثمة تقليد متأثر بنظريات نيتشه يضع دوماً محايثة النصوص الشعرية في مقابل تاريخانية التأويل. النصوص الشعرية هي سياقها الدلالي الخاص، لا مرجع خارجياً لها ولا تستخدم الزمن كأداة للإشارة والإحالة. معنى هذه النصوص كامن فيها وذاتي، ولذلك تُسمى نصوصاً محايثة immanent texts. فرغم انتمائها إلى التاريخ وسيرورة محددة، تُعتبر النصوص الشعرية على نحو ما «لا زمانية» و«خالدة»، والواقع أن هذه «اللازمانية» هي نفسها إحدى الثيمات الأساسية للفعل الشعري ومثال بارز على الخاصية الانعكاسية للنصوص الشعرية؛ لأن هذه النصوص هي مثالها الخاص. يلعب هذا الأمر دوراً مهماً في تأويل غادامير للنصوص الشعرية المحايثة. فالنصوص الشعرية لا تشير إلى شيء خارج مملكة اللغة، بل إلى جوهر اللغة أو ما يسميه غادامير اللغوية. مرجعها الأساسي هو الارتباط والوحدة التاريخيان بين اللغة والتجربة، إلى جزء من التجربة العينية؛ لذا فإن المثال الحقيقي للنصوص الشعرية ليس سوى الشعر ذاته. غير أن هذه الإشارة إلى اللغوية هي في الواقع الوجه الآخر لتاريخانية الفهم والتأويل. فالنصوص الشعرية، بمقاومتها للتأويلات التاريخية المتعددة، تدفع القارئ إلى أن يدرك الطابع التاريخي لقراءته. تكشف النصوص الشعرية عن حقيقة أن «لا سبيل للتغلب على الزمن إلا عبر الزمن» وبلوغ «اللازمانية».
يعتقد غادامير أن كل فهم ينطوي على نوع من فهم الذات؛ لأن تحيزات الذات وهويتها التقليدية التاريخية لا تنكشف إلا في عملية فهم الآخر، كما أن فهم النص، بوصفه مواجهة مع الآخر، لا يفضي إلا إلى فهم الذات. التحديق في المرآة لا يؤدي أبداً إلى معرفة الذات؛ لأن تشكل الذات الفردية والوعي بتميزها عن العالم والآخرين لا يبدأ في الواقع إلا بعد انكسار هذه العلاقة المرآوية وتجاوز هذه المرحلة الأولية.
رأى رولان بارت في نظريته في النقد الأدبي أن قراءة النصوص وتأويلها مرهونان بتقديم سياق دلالي، ففي نظرته اللاتاريخية لم يكن ثمة مكان لمفاهيم مثل «امتزاج الآفاق» و«تاريخ التأثيرات». لا شك أن كشف بنية النص وفك شيفرته يتطلب سياقاً دلالياً، غير أن هذا السياق صار ينبغي الآن أن يقدمه القارئ والناقد بالكامل، وهذا ما حول النقد والتأويل إلى فعل ذاتوي. يثير التشابه الظاهري بين هذا الرأي وعبارة عين القضاة هذا السؤال: هل كان بارت يعتبر النصوص الأدبية مرايا يستطيع القارئ (أو ينبغي له) أن يرى فيها صورته؟ ينبغي القول دون أي تردد إن الجواب هو النفي، والواقع أننا إذا أردنا أن نشير إلى أهم وأكثر ثيمات النظرية جوهرية وديمومة في حياة بارت الفكرية، فعلينا أن نشير فوراً إلى كراهيته للواقعية، والمحاكاة [الميميسيس mimesis] ونظرية «الأدب بوصفه انعكاساً للواقع». كانت المحاكاة عند بارت اسماً عاماً لمجموعة من المفاسد؛ البلاهة، التكرار، الرتابة، الخداع، الوعي الزائف والعقم، فساد المحاكاة وعفونتها كانا يثيران غثيان بارت، ولهذا يعتبر كريستوفر برندرغاست،٩ نظريته عن «المحاكاة بوصفها غثياناً» النقطة المقابلة لنظرية أفلاطون عن «المحاكاة بوصفها سُماً». كان أفلاطون يرى الأعمال الفنية انعكاساً للانعكاسات، أدنى الدرجات ونقطة مقابل المُثُل أو الحقيقة الفلسفية. وكان يرى أن تكاثر هذه الصور وتكثيرها سم قاتل يهدد سلامة المجتمع. أما بارت، على العكس، فكان يرى انعكاس «العالم الواقعي» في «مرآة الفن» ومحاكاة النصوص الأدبية الواقعية للواقع الاجتماعي أداة أيديولوجية مهمة لحفظ «النظام والقانون»، ولجعل العلاقات الاجتماعية تبدو طبيعية، ولمحو النظرة النقدية وتغفيل القارئ وجعله سلبياً؛ ومن ثم فإن استخدام استعارة المرآة بصدد الأدب لم يكن ليثير فيه سوى الغثيان والكراهية. تحول موقف بارت وانفصاله عن البنيوية التقليدية، التحول الذي تمرد بموجبه الابن غير الشرعي للعائلة، أي النقد الأدبي البنيوي، على قومه وعشيرته، وانتصب في نهاية المطاف بهيئة نظرية التفكيك في وجه الدعاوى العلمية لحقل السيميولوجيا.١٠
إشارة موجزة إلى كتاب م. هـ. أبرامز الشهير، «المرآة والمصباح: النظرية الرومانسية والتقليد النقدي»، تطرح نقاطاً جديدة. هذا الكتاب الذي يُعتبر اليوم من النصوص الكلاسيكية في النقد الأدبي، يمكن اعتباره، بتعبير خاص، أحد النماذج الأولى للتفكيك. هدف أبرامز هو إثبات أن العديد من مفاهيم ومواقف النقد الحديث والحركات الجديدة المناهضة للرومانسية كانت في الواقع من إنجازات فنانين رومانسيين مثل كوليردج. ونتيجة لعمل أبرامز، اتضح أن مناهضي الرومانسية هم أكثر رومانسية بكثير مما يظنون، وأن النظرية الرومانسية، على عكس تصور ناقديها، تحتوي على عناصر وافتراضات مسبقة تزعزع استقرارها وتماسكها من الداخل، بحيث يمكن بالاعتماد على أعمال الرومانسيين أنفسهم تفكيك النظرية الرومانسية.١١
استقى أبرامز عنوان كتابه من هذه العبارة لبيتس: «تلك الروح يجب أن تصبح خائنة لنفسها ومنقذة لها... مرآة تتحول إلى مصباح.» يستخدم أبرامز استعارة «المرآة» للإشارة إلى الجماليات ما قبل الرومانسية، حيث كانت مهمة الفن تقليد الواقع، وكان العمل الفني مرآة يحملها الفنان أمام الطبيعة ليكشف عن حقيقتها الجوهرية ويخلدها. في المقابل، تعبر استعارة «المصباح» عن المبدأ المركزي للجماليات الرومانسية التي ترى العمل الفني تجلياً لعبقرية الفنان. هذا النوع من الجماليات يبرز العلاقة بين العمل والفنان ويضعها في مركز التجربة الفنية، لكن نظرة سريعة على تاريخ الأفكار الفلسفية والجمالية توضح أن المسألة ليست بهذه البساطة، وأن تقسيم أبرامز وبيتس -الذي يعتقد كالر أنه ينطوي على جانب قيمي أيضاً ١٢- هو تقسيم اعتباطي إلى حد كبير. لم يكن مفهوم عصر التنوير [القرن السابع عشر] لاستعارة «المرآة» تجريدياً وآلياً على الدوام، وفي كثير من الحالات كانت استعارة «المرآة» تشير إلى الذهن النشط والخلاّق الذي لا يقل عن «المصباح». ومع إحياء مقولة المحاكاة (الميميسيس) في تقليد الواقعية [القرن التاسع عشر]، حلت «المرآة» محل «المصباح» مرة أخرى، لكن «الرواية الجديدة» المناهضة للواقعية التي أحبها بارت، والتي طُرحت بعد أفول الواقعية، لم تكن لها أية صلة بـ «مصباح» الرومانسيين. في الواقع، إن الجانب الاعتباطي في تقسيم أبرامز ناتج عن الطبيعة الملتبسة والمزدوجة لـ «المرآة والمصباح» ذاتها.
يشير جاك لاكان، في شرحه لجاذبية «مرحلة المرآة» ١٣، إلى أنه في هذه المرحلة تظهر الذات ككلٍّ واحد مرئي وقابل للرؤية، ولهذا السبب لا يتجاوز الطفل هذه المرحلة كلياً أبداً، ويرغب دوماً في التوحد مع الصور التي تمثل الكلية. لكن حب الكلية وكراهية التشتت، سواء في الذات أو في العالم، كان السمة الرئيسية للحركة الرومانسية. كان الذهن الرومانسي تواقاً على الدوام لتوحيد العالم الداخلي والخارجي وجعلهما واحداً، شوق طفولي يجعل البلوغ مستحيلاً، وكانت نتيجته الحبس في «عالم مرآوي»، عالم لا ترى فيه الذات سوى صورها فحسب.
إن الصلة الغامضة بين الذهنية الرومانسية و«المرآة» تعكس الإيهام الكامن في هذه الاستعارة، لكنه إبهام يُظلم حتى «المصباح». يشرح كالر، في مقطع يجب اعتباره نموذجاً بارزاً لتطبيق تقنيات التفكيك، هذا الإبهام قائلاً: «الذهن أو الشاعر بوصفه مصباحاً: فيم تكمن قوة هذا التصور؟ المصباح أداة تضيء المحيط في الظلام أو عند نقص الضوء. نور المصباح بديل عن النور، مقلداً للضوء الطبيعي، وله به علاقة محددة. معنى المصباح مرهون بنظام يجعله مصدراً للنور أو بديلاً عن الشمس، أهمية المصباح ومعناه يتأسسان عبر نوع من العلاقة التقليدية (المحاكاتية). لا شك أن ثمة فرقاً بين الشاعر بوصفه مصباحاً -الذي يشع، بفضل إلهي، نوراً كالأنوار الإلهية- والشاعر بوصفه مرآة -الذي يعكس النور الإلهي-، لكن كلاهما يضعنا أمام نظام قائم على القابلية للرؤية، والحضور، والإظهار representation، حيث يسلط الذهن مع المؤلف الضوء على ما يدركه ويظهره. لنقلها بصراحة، بدون نور، لا فائدة من المرآة، وإضاءة المشهد هي أيضاً عمل عبثي لا طائل منه ما لم يوجد شيء لتسجيل أو عكس ما هو موجود هناك.»١٤ إذن، كل مصباح يحتاج إلى مرآة (محاكاة)، وكل مرآة تحتاج إلى مصباح (إبداع).
نظریههای گوناگون نقد ادبی پر از چراغ و آینه است و ما میتوانیم تلاش خود برای فراهم آوردن یک زمینهی معنایی را به طور نامحدود ادامه دهیم! و در حقیقت همین نامحدود بودن زمینه است که دستیابی به یک تفسیر قطعی و نهایی و «حقیقت غایی» متن را ناممکن میسازد، ولی همین اندازه برای مقصود ما کافی است. پرداختن به نکات حاشیهای متن [مثالها، تشبیهات، استعارهها و غیره]؛ یعنی آن قسمتهای آسیبپذیر و حفاظتنشدهای که پیشفرضها، شکافها و تناقضات متن و همچنین لغزشهای قلمی مؤلف در آنها تجلی میکند، کی از مؤثرترین تکنیکهای واسازی است، این تکنیک معمولاً برای روشن ساختن معانی ضمنی و پنهان متن به کار میرود -که درست نقطهی مقابل اهداف و معانی صریح و آشکار آن میباشند- نه برای افشای بیمعنایی و بیربط بودن متن؛ اما ساختار و تأویل متن به شیوهای مونتاژ شده است که در آن تقریباً همه چیز به یک اندازه حاشیهای (یا مرکزی) است و بیمعنایی آن نیز جزء اساسی محتوای کتاب، رمز جذابیت و احتمالاً تنها «معنای حقیقی» آن است. آنجا که هیچ آینهای نیست، هر شمع بیفتیلهای میتواند خود را چراغ بنامد. در خاتمه باید گفت ساختار و تأویل متن بهراستی ستمی است که مؤلف بر خود و خوانندگان و موضوع کتابش روا داشته است.
معرفی دیلتای
مؤلف در پیشگفتار جلد اول نوشته است: «در این کتاب ناگزیر بارها از مرز سخن زیباشناسیک گذشته و به شرح جستارهای فلسفی پرداختم. کوشیدم در این «حاشیه رفتنها» خلاصهگو باشم و تنها نکتههایی را شرح دهم که بیمیانجی به کار امور هنری آمده هستند و بدون آنها شماری از مباحث اصلی ناشناخته میماند. این را نوشتم تا خواننده بداند که تنها گوشهای از جهان فکری اندیشمندانی چون کوبسن، باختین ... بر او آشکار شده است ... و این کتاب را پیش از درآمدی به اندیشهی زیباییشناسیک مدرن نشناسد» (ساختار و تأویل متن جلد اول ص ۱).
ما برای بررسی دقیقتر ادعاهای مؤلف، به طور مشخص بخش دیلتای را برگزیدیم تا نشان دهیم که مؤلف تا چه اندازه در ادعای خود صادق بوده است. از ۱۰ صفحهای که به دیلتای اختصاص یافته است، مؤلف در ۸ صفحه به شرح و بسط اصول فلسفی دیلتای پرداخته و تنها در ۲ صفحه کوشیده است تا به قول خود اصول زیباشناسیک دیلتای را روشن و مشخص سازد، این بخش با جملهی «اکنون میتوانیم به سویهی زیباییشناسیک هرمنوتیک دیلتای رفت»، شروع میشود. مؤلف در بخش نخست آنقدر حاشیه رفته است که حتی بحث انگلیس در آنتیدورینگ دربارهی دیالکتیک طبیعت را نیز مطرح ساخته است بدون اینکه ربطی به موضوع داشته باشد. نظر ما این است که مؤلف در این بخش به سبب در دست نداشتن متون درجه دوم که هادی و راهنمای وی در باب گشودن بحث دربارهی دیلتای باشد به شرح شایعاتی دربارهی فلسفهی وی پرداخته و ناچار نه فلسفهی وی را در ۸ صفحه روشن ساخته است و نه دربارهی زیباشناسی وی در ۲ صفحه حرفی زده است. اما اگر به یادداشتهای فصل هفدهم نگاهی بیندازیم از وفور ارجاعات به متون دیلتای و متون دربارهی دیلتای به وحشت میافتیم.
مؤلف در یادداشت شماره ۴۰ به کتاب زیر اشاره کرده و خواننده را به خواندن آن ترغیب کرده که به احتمال قوی خود آن را نخوانده است؛ زیرا اگر میخواند مطالب این ۱۰ صفحه به جای حاشیهروی، مطالبی دقیق دربارهی دیلتای میبود:
K.Muller Vollmer. Towards a Phenomenological Theory of Lilerture, ?study of Wilhelm Dillthey's poelik, the ???,۱۹۶۳.
در اینجا به دو منظور مهم که در پایان روشن خواهد شد به طور موجز به شرح و بیان اصول نظری فلسفهی دیلتای و مقولات اساسی آن میپردازیم که مؤلف این مطالب را یکسر از قلم انداخته و به جای آن نمایشنامهی شاهزادهی دانمارک را بدون هملت به اجرا درآورده است:
اصول فلسفهی دیلتای در وهلهی نخست وقف پیافکندن روششناسی مناسبی برای فهم تجلیات Expression اجتماعی و هنری آدمی بود و برای این منظور چنین میپنداشت که باید از روششناسی تقلیلگرا و مکانیستی علوم طبیعی فراتر برویم. به همین سبب است که مولر فولمر تلاشهای دیلتای را پدیدارشناسانه خوانده است، تفسیری که سایر مفسران از جمله مکریل و هاجز و پالمر با آن موافق نیستند. رسیدن به چنان منظوری مستلزم فهم این ۳ مسئله است:
۱- پرداختن به چندوچون این روششناسی امری معرفتشناسانه است.
۲- این روش باید فهم ما از آگاهی تاریخی را عمیقتر سازد.
۳- این روش ما را قادر میسازد که تجلیات را از خود «زندگی» بفهمیم.
اگر این ۳ مسئله فهمیده شود تمایز میان علوم انسانی Geisteswissen schaften و علوم طبیعی Naturwissen Schafen فهمیده خواهد شد. دیلتای دو نوع بنیاد متافیزیکی برای توصیف آفریدههای انسانی وارد میکند، مخالفت او با هگل ناشی از همین امر است، هرچند در اواخر عمر میخواست با توسل به مفهوم «روح عینی» هگل خود را از دست تناقضهای فلسفهاش رهایی بخشد و نتوانست.۱۵ دیلتای میپرسد سرشت فهمی که بنیاد مطالعهی آدمی است، چیست؟ بهعبارتدیگر، پرداختن به این امر را در حوزهی معرفتشناسی میداند. به معنایی دیلتای ادامهدهندهی فلسفهی انتقادی کانت است، اما وی را بههیچوجه نمیتوان یک نئوکانتی بهحساب آورد.۱۶ دیلتای معتقد بود که کانت در «نقد عقل ناب» بنیادهای معرفتشناختی علوم را پیریخت، اما دیلتای رسالت خود را نوشتن «نقد عقل تاریخی» میدانست که میبایست بنیاد معرفتشناسی در «علوم انسانی» را پیریزی کند. برای وی صحت مقولات کانتی در مورد علوم طبیعی تردیدناپذیر بود، اما میپنداشت مقولات پیشینی زمان و مکان برای فهم زندگی درونی آدمی بیاثرند. به سبب رد هر نوع مقولهی پیشینی است که هاجز، دیلتای را یک تجربهگرا میخواند که درعینحال رمانتیک نیز هستند.۱۷ منتهی تجربهای که دیلتای از آن سخن میگوید تجربهی خاصی است که از آن سخن خواهیم گفت.
فرمول هرمنوتیکی دیلتای
دیلتای مینویسد: «آن علمی به علوم انسانی تعلق دارد که موضوعش از طریق روشی مبتنی بر رابطهی سیستماتیک میان زندگی، تجلی و فهم Verdtchen به دست آمده باشد.»۱۸
این ۳ مقوله بنیان هرمنوتیک دیلتای را تشکیل میدهند و هرگونه بحثی دربارهی دیلتای بدون اشاره به آن بیمعنی است و تمامی شارحان دیلتای به تشریح و توصیف این مقولات میپردازند.
۱. تجربه
در آلمان برای تجربه دو کلمه وجود دارد، نخست Erfahrung، دوم کلمهای خاص که در ایام اخیر جعل شده است: Erlebnis.
Erfahrung به تجربه بهطورکلی اطلاق میشود، مثل اینکه بخواهیم به «تجربهی زندگی» اشاره کنیم، اما دیلتای از واژهی Erlebnisاستفاده میکند که از فعل Erlebneu (بیشتر به معنی تجربهی فردی) مشتق شده است. باید متذکر شد که فعل منفرد Erlebnis را قبل از دیلتای کسی در آلمان استفاده نکرده بود و شکل جمع آن Erlebnisse را میتوان در نوشتههای گوته یافت، گمان میرود که دیلتای این واژه را از گوته به وام گرفته است. دیلتای مینویسد: «آنچه در سیلان زمان وحدتی را در زمان حال تشکیل میدهد -زیرا دارای معنی واحدی است- کوچکترین جزیی است که ما میتوانیم آن را بهمنزلهی نوعی «تجزیه» تلقی کنیم.»۱۹ بهعبارتدیگر، تجربه با معنایی از یک نقاشی را هرچند در زمانهای متفاوت رخ داده باشد میتوان یک تجربه یا Erlebnis نامید. خصوصیت این واحد معنا چیست؟ دیلتای به تفصیل این امر را توضیح میدهد؛ زیرا فهم Erlebnis که میتوان آن را به «تجربهی زنده» ترجمه کرد در هرمنوتیک دیلتای بسیار مهم است. تجربهی زنده محتوای بازاندیشیدهشده آگاهی نیست؛ زیرا در این صورت چیزی میبود که ما از آن آگاهی میداشتیم، تجربهی زنده، خود این عمل است و چیزی است که ما با آن و از طریق آن زندگی میکنیم. تجربهی زنده میتواند به موضوع بازاندیشی مبدل شود که آنوقت دیگر تجربهی بیواسطه و زنده نخواهد بود. «تجربهی زنده را نباید چیزی دانست که آگاهی بر فراز آن میایستد و آن را ادراک میکند.»۲۰
هذا يعني أن التجربة لا تستطيع إدراك ذاتها مباشرة؛ وإلا لكان ينبغي أن تكون هي نفسها فعلاً تأملياً للوعي؛ وبالتالي، توجد التجربة الحية قبل انفصال الذات والموضوع. التجربة الحية هي المواجهة المباشرة مع الحياة ومعايشتها بلا وسيط.
يكتب دلتاي: «إن الطريقة التي تقدم بها التجربة الحية ذاتها لي [أي كونها-هناك-لأجلي] تختلف كلياً عن الطريقة التي تظهر بها الصورimages أمامي. إن وعي التجربة وتكوينها Constiution هما شيء واحد، لا يوجد أي انفصال بين ما هو هناك-لأجلي وما هو هناك-لأجلي في التجربة، بل في الواقع إن وجودها المجرد لي حاضر هناك من ماهيتها Whatness الحاضرة هناك لي بشكل لا ينفصل.»۲۱
لكن من الخطأ اعتبار التجربة الحية مؤشرة إلى نوع من الواقع الذهني المحض؛ لأن التجربة الحية هي واقع ما هو موجود هناك-لأجلي، قبل أن تتحول التجربة إلى موضوع. يريد دلتاي أن يبين أن التجربة الحية هي مجال ما قبل الذات والموضوع، المجال الذي يُعطى فيه العالم وتجربتنا عنه معاً. الأمر الآخر بالنسبة لدلتاي هو التأكيد على زمانية (Temporality) «الشبكة النفسية» التي تُعطى لنا في التجربة الحية. التجربة الحية ليست أمراً ساكناً، بل إنها في وحدتها المعنوية تتجاوز ذلك وتشمل في الشبكة المعنوية الكلية كلاً من ذاكرة الماضي وتوقع المستقبل. لا يمكن تصور المعنى إلا في سياق ما يُتوقع من المستقبل وما حدث في الماضي. يريد دلتاي بجهد جهيد أن يثبت أن زمانية التجربة ليست شيئاً مفروضاً بشكل تأملي من قبل الوعي، وهو الموقف الذي تبناه كانط واعتبر الذهن عاملاً فاعلاً يفرض الوحدة على الإدراك. إن الزمانية من وجهة نظر دلتاي كامنة بشكل ضمني في التجربة التي تُعطى لنا.
لذلك، يريد دلتاي من خلال التأكيد على زمانية التجربة أن يؤكد على تاريخية العالم الإنساني. إن التاريخية ( ؟؟؟؟ Geschich) لا تعني أن الإنسان أسير الماضي، بل هي اعتراف بزمانية التجربة الحية التي نريد وصفها، وهذا يعني أننا لا نستطيع رؤية الحاضر إلا في أفق الماضي والمستقبل، وهذا الأمر لا علاقة له بنشاط الوعي، بل هو كامن في بنية التجربة الحية. لزمانية التجربة الحية من وجهة نظر دلتاي نتائج هرمنيوطيقية كثيرة؛ لأنها توضح أن دراسة العالم الإنساني بالمقولات العلمية أمر متعذر.
۲. التعبير
المصطلح الثاني في صيغة دلتاي هو Ausdrack الذي يمكن ترجمته إلى التعبير. من وجهة نظر دلتاي، التعبير ليس تجسيداً لمشاعر الإنسان، بل هو «تعبير عن الحياة». يمكن أن يُطلق التعبير على فكرة، أو قانون، أو زمان، وعلى كل ما يحمل انعكاس وطابع وعلامة الحياة الداخلية للإنسان. يمكن أيضاً تفسير التعبير بأنه تشييء (Objectification) للذهن والشعور والإرادة الإنسانية. تكمن الأهمية الهرمنيوطيقية للتشييء في أن «الفهم» يمكنه أن يركز على التعبير «الموضوعي» للتجربة الحية وألا يسعى وراء الاستبطان (Introspection). من وجهة نظر دلتاي، لا يمكن للاستبطان أن يشكل أساساً للعلوم الإنسانية، وهو أساس غير راسخ لمعرفة الذات أيضاً؛ لذلك، يجب على العلوم الإنسانية بالضرورة أن تعتمد على «تعبيرات الحياة»، إن الاعتماد على موضوعات الحياة هو بالأساس هرمنيوطيقي. يكتب: «كل شيء جسّدت فيه الروح الإنسانية ذاتها يقع في نطاق العلوم الإنسانية.»۲۲
العمل الفني بوصفه تشييئاً للتجربة الحية
إن نطاق الدراسات الإنسانية واسع جداً. والسؤال الآن هو: كيف يتيسر فهم العمل الفني، وبعبارة أدق فهم الآثار الأدبية، وأين يقع موقعه؟ يصنف دلتاي تعبيرات الحياة المتعددة في ۳ مقولات مهمة:
أ. الآراء (Ideas)؛ أي المفاهيم (Concepts) والأحكام (judgments) التي توجد فقط في «مضامين الفكر» وتكون مستقلة عن المكان والزمان والشخص الذي يصدرها، ولهذا السبب يمكن التواصل معها بسهولة.
ب. الأفعال (Actions)؛ يصعب تفسير الأفعال وتأويلها؛ لأن في كل فعل هدفاً كامناً، لكن يصعب علينا أن نوضح العوامل التي جعلتنا نقرر القيام بفعل ما.
ج. تجليات التجربة الحية (Expressions of Lived Exprience)؛ يبدأ نطاق هذه المقولة من التجليات التلقائية للحياة الداخلية كإيماءة ما، وينتهي إلى الأعمال الواعية كالأعمال الفنية.
يسمي دلتاي المقولتين الأوليين «أشكال ظهور الحياة» (Lebensausserungen) والمقولة الثالثة «تجليات التجربة الحية» Erlebnisausdrucke. في المقولة الثالثة تتبلور التجربة الداخلية للحياة وتتجلى بشكل جيد، ويواجه الفهم والتأويل أصعب العقبات وبالتالي أصعب المهام. يقول دلتاي: «كم يختلف تجلي التجربة الحية عن الأفعال والآراء! توجد علاقة خاصة بين تجلي التجربة الحية بوصفه تجلي الحياة نفسها، والفهم الذي يحققه. يمكن أن يتضمن التجلي حصة من شبكة الحياة الداخلية (see lischen zusammenhang)، حصة أكبر بكثير مما يستطيع الاستبطان إدراكه؛ لأن التجلي ينبع من أعماق لا يملك الوعي القدرة على إنارتها.»٢٣
الأثر الفني أعمق بكثير من الإيمان؛ لأن الإيمان يمكن أن يكون خادعاً، أما الفن فهو معبر عن التجربة ذاتها ولا سبيل للخداع فيه. يكتب دلتاي: «تخلق الأعمال الفنية العظيمة رؤية مستقلة عن الشاعر والفنان والكاتب وخالقها ... وندخل مملكة حيث لم يعد الخالق يخدع ... حقاً إن هذا الأثر لا يسعى إلى قول شيء عن خالقه، الأثر الفني الذي يحتوي حقيقته الخاصة يقف هناك ثابتاً ومرئياً راسخاً ...»؛ ٢٤ لأن الأثر الفني يشير إلى الحياة نفسها، ولهذا السبب فإن الأثر الفني هو مرتكز وطيد ومستقر للعلوم الإنسانية. الأثر الفني الثابت والموضوعي يوفر فهماً فنياً للتجليات. يقول دلتاي: «وهكذا ينشأ في المنطقة الواقعة بين المعرفة والفعل، حلقة أو مملكة تتجلى فيها الحياة في عمق لا تبلغه الملاحظة وإعادة التأمل والنظرية.»٢٥ من بين جميع الأعمال الفنية، تمتلك الأعمال الكتابية القوة الأكبر لفتح الحياة الداخلية للإنسان، ولهذا السبب فإن للهرمنيوطيقا مهمة هامة أمامها.
يؤكد دلتاي أن مبادئ الهرمنيوطيقا يمكن أن تمهد الطريق للوصول إلى نظرية عامة للفهم؛ لأن «أكثر من أي شيء آخر ... فإن فهم بنية الحياة الداخلية يقوم على تفسير الآثار، تلك الآثار التي يتجلى فيها عمق الحياة الداخلية بشكل كامل.»٢٦ لذلك تكتسب الهرمنيوطيقا أهمية أحدث وأوسع عند دلتاي؛ لأن مهمتها ليست فقط تفسير النص، بل كيفية انفتاح الحياة وتجليها في الأعمال الفنية.
٣. الفهم (Verstchen)
يُستخدم الفهم، مثل المقولتين الأخريين، في صيغة دلتاي بمعنى خاص؛ فمثلاً لا يتعلق «الفهم» بفهم مفهوم عقلي كمسألة رياضية. يُستخدم الفهم لإدراك ذهن أو روح (Geisit) الإنسان الآخر. هذا الأمر لا يتعلق أساساً بفعل معرفة الذهن، بل هو لحظة خاصة تفهم فيها حياةٌ حياةً أخرى. «نحن في التفسير نستخدم فقط العمليات الفكرية، ولكننا بمساعدة النشاط المشترك لقوى الذهن الإدراكية، نفهم.»٢٧
يعرّف دلتاي الفهم في موضع آخر بعبارة أوضح: «إننا نفسّر (Explain) الطبيعة، بينما ينبغي لنا أن نفهم الإنسان.»٢٨ إذن، الفهم عملية ذهنية ندرك بها التجربة الحية البشرية، و«الفهم» تماماً مثل مقولة التجربة الحية، يمتلك كليّةً تفلت من قبضة التنظير العقلاني.
بفهم العالم والأفراد البشر، نكشف بالتالي عن إمكانات طبيعتنا الخاصة. الفهم ليس مجرد فعل عدم الفعل، بل هو إعادة تجربة العالم الذي يواجهه الآخر في تجربته الحية. الفهم ليس علماً تأملياً واعياً للقياس، بل هو فعل التفكير الساكن الذي به «يعثر الفرد على ذاته في الآخر.»٢٩
نحن نصرف النظر عن شرح وبسط مقولات دلتاي الأخرى ونمتنع عن تشريح مسار تطور آراء دلتاي،٣٠ ونطلب من القارئ المتلهف والباحث أن يلقي نظرة، إذا كان مثلنا ومثل المؤلف لا تصل يده إلى الأعمال الكاملة لدلتاي بسبب الإلمام باللغة الألمانية أو لقيود أخرى، للتعرف على جماليات دلتاي إلى الفصول ٢ و٣ و٤ من كتاب مكريل ٣١ الذي يشمل قرابة ٣٥٠ صفحة، والتي يمكن الإشارة من جملتها إلى «المهام الثلاثة للنقد الأدبي»، و«قوانين التحول التخيلي»، و«الخيال وإدراك الأسلوب»، و«الممالك السبعة للشعور»، و«الخيال الشعري» الذي يخصص له دلتاي ٥ خصائص ونوعين، وغير ذلك.
من الواضح أن هذا البحث ليس مجالاً لعرض فلسفة دلتاي، لكننا قمنا بهذا لسببين: لنبيّن أن شرح آراء فيلسوف بشكل يفهمه معظم القراء ليس بالأمر الصعب، وأن الغموض في عرض هذه المطالب يدل على ضعف الشارح في فهمها، والنقطة المهمة الأخرى هي أننا مثل المؤلف لا نعرف اللغة الألمانية، ولكن كيف استطعنا في هذا المختصر أن نحيل هذا القدر الكبير إلى أعمال دلتاي الكاملة؟ المسألة بسيطة جداً، لقد أخذنا هذا النص من الفصل الخاص بدلتاي في كتاب ريتشارد بالمر المسمى الهيرمينوطيقا ٣٢. كان بإمكاننا أن نغطي كتابتنا بنقولات أخرى من عين القضاة، وكافكا، وأبو شكور البلخي، وأغاثا كريستي، لكننا لم نفعل ذلك.
.
.
ملاحظات:
١. نيتشه وهوسرل وهايدغر وفرويد جميعاً معاً في ٢٨ صفحة. سوسير وبيرس وموريس في ٢٧ صفحة، فوكو في حوالي ٩ صفحات.
٢. على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الصفحتين ٥٨٤ و٥٨٥ من الكتاب. في هذا الجزء، ينقل المؤلف عبارات من إسكاريكر ويعترف بصدق أن مرجع ذلك هو كتاب ديفيد هوي [الهامش ٦٩]، لكنه ينسى أن يضيف أن الفقرة التالية ونقول غادامير هما أيضاً ترجمة لمطالب الصفحتين ١٠٦ و١٠٧ من كتاب هوي.
٣. للتعرف على نموذج من «تأثيرات» كتاب شولز على أثر المؤلف، قارن الجزء الثاني من القسم الخاص ببارت (ص ٢١٩-٢٢٠) بمطلب الصفحتين ١٤٩-١٥٠ من البنيوية في الأدب.
٤. ربما تُحمَل الإشارة إلى حالات مثل الغياب الكامل لنورثروب فراي الذي هو من الوجوه البارزة للنقد البنيوي -في بنية النص وتأويله- على الاعتراض، لكن هذه حفرة حفرها المؤلف لنفسه. إن تجميع الأسماء اللامعة يثير بطبيعة الحال سؤال لماذا لم يُذكر فلان وفلتان. كما أن إكمال منهج المؤلف يجرّ العمل بالضرورة إلى تأليف دائرة معارف، وهو للأسف رائج بكثرة اليوم. إن أثر المؤلف بوصفه دائرة معارف ناقصة يستجيب لهذا الاشتقاق العام من أجل توحيد الثقافة أو قاموس المصطلحات؛ النقطة الأساسية هي أن هذا الشغف هو نفسه علامة على الأزمة والفقر الثقافي.
٥. على سبيل المثال، لا تمتلك كلمة «عمو» أي ماهية خاصة، وليس فيها من الناحية الصوتية أو البصرية، ولا أي شيء آخر، ما يربطها جوهرياً بمدلولها الخارجي، أي شقيق الأب. إن هوية هذه الكلمة، التي تُلفظ بأشكال متنوعة، تنبع فقط من اختلافها عن الكلمات الأخرى داخل نسق معين، أي اللغة الفارسية، ومن ثم كان بإمكانها بسهولة أن تتخذ شكلاً آخر. وتحمل كلمة uncle في اللغة الإنجليزية المعنى والمدلول نفسه، رغم عدم وجود أي تشابه بين هاتين العلامتين الصوتيتين. ولكن، وفقاً لسوسير، فإن مدلول هذين الدالّين الاعتباطيين هو أيضاً أمر اتفاقي وغير جوهري. ففي اللغة الإنجليزية، يُعبَّر عن الخال والعم بكلمة واحدة، ولا توجد، من حيث المبدأ، مقولة تفصل «شقيق الأب» (العم) عن «شقيق الأم» (الخال). يوضح هذا الأمر أنه ليست الكلمة وحدها، بل المقولات والمفاهيم التي تعبر عنها هذه الكلمات هي أيضاً أمور اتفاقية واعتباطية. فالمقولات التي تشكل أساس التجربة والمعرفة بالعالم هي جزء من نسق ثقافي معين وقابلة للتغيير تماماً.
٦. لا شك في أن سارتر يجمع الأبعاد المختلفة من حياة جينيه وفلوبير في كُلّية واحدة. كانت «الحياة بوصفها كُلاً» إحدى المنجزات النظرية للحركة الرومانسية، التي ارتبطت بفلسفة المثالية في فكر هيغل، وقُدمت لاحقاً في أعمال دلتاي وآخرين بوصفها أساس التأويل والمعنى. واستناداً إلى هذا المفهوم، فإن كلية الحياة حاضرة في كل جزء من أجزائها، أو على الأقل في أحداثها المهمة، وفي المقابل، لا تستعيد هذه الأجزاء والأحداث معناها الحقيقي إلا في سياق تلك الكلية. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم الكلية، إلى جانب مفهوم الكلنة Totalization، هو أحد المفاهيم الأساسية في آخر أعمال سارتر، «نقد العقل الجدلي»، الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بكتابه عن فلوبير. بالنسبة لهيغل، كانت «الحياة بوصفها كُلاً» تعبر عن مثل أعلى [مثال] أكثر مما تعبر عن تصور [فكرة]، مثل أعلى ينبغي للإنسان أن يحققه. أما سارتر، واستناداً إلى تأويله للتحليل النفسي الوجودي، فكان يرى الحياة مشروعاً Project ذا اختيار كلي، ينم جوهرياً عن الحرية والمسؤولية، وهذا المشروع الكلي وكيفية تطوره هو الكلية ذاتها التي تصنع من الحياة وأحداثها كُلاً. إن تأويل سارتر لهذه المقولة يحول جدل الذات والآخر، الذي يشكل، في اعتقاده واعتقاد هيغل، أساس تكوين النفس والذاتية الفردية، إلى ساحة لتحقق الحرية والاختيار والمسؤولية؛ ذلك لأن كل إنسان يستطيع أن يدمج القدر المفروض من قبل العالم وحوادث الحياة في مشروعه الشخصي؛ أي أن يكون، باختياره ومسؤوليته، ذلك الشيء الذي هو عليه في أعين الآخرين، أو على العكس، أن يفصل نفسه بسوء نية عما هو عليه، ويلوذ بـ«ليت» و«لو».
٧. D.C.Hoy, The critidal circle, university of California Press. ۱۹۸۲,P١٤٤.
٨. H.G, Gadamer. Truth and Method. P٣٧٣.
٩. Christopher Prendergast. The order of Mimesis. Cambridge u.p.۱۹۸٦,ch.١.
۱۰. هذه الحركة بين الواقعة (الفعل) والبنية التي تُبقي التفكيكية على حدود السيميولوجيا بنوع من الحب والكراهية تجاهها، هي ما يشكّل دينامية فكر دريدا الداخلية. يشير دريدا إلى نماذج متعددة من هذا التقابل، منها تقابل الدال والمدلول، والأهم من ذلك تقابل الكتابة والكلام المنطوق الذي يكتسب عنده أهمية جوهرية. في كل هذه الحالات، يسعى الفكر الميتافيزيقي، استناداً إلى ما يسميه دريدا «منطق الإلحاق» Logic of Supplementarity، إلى اعتبار أحد القطبين أصلاً والآخر ملحقاً أو مكمّلاً أو نسخة ثانوية عنه. في كل هذه الحالات، يعكس دريدا العلاقة ويُظهر أنه، خلافاً للتصور السائد، يمكن اعتبار الكلام نتاجاً فرعياً للكتابة والمدلول ملحقاً بالدال، لكن قصده ليس مجرد قلب وتكرار للفكر الميتافيزيقي، بل يسعى إلى خلق فضاء espacement يتم فيه «تخريب» وتفكيك كل من النظرتين بواسطة الأخرى. لا يمكن للفكر الميتافيزيقي أن يصمد في هذا الفضاء الناتج عن الاختلاف والغياب؛ لأن هذا الفكر يفسر الوجود والإدراك انطلاقاً من مفهوم الحضور، وهو في جوهره ليس سوى نوع من «ميتافيزيقا الحضور». يضطر هذا الفكر دائمًا إلى تحويل أحد القطبين إلى أصل أو مركز، واعتبار ذلك المركز منشأً وحقيقة قصوى أو ما يُعرف بـ«الكلمة الخلّاقة» logos، ومن هنا يطلق عليه دريدا تسمية Logocentnsm. يحتاج هذا الفكر إلى أساس أو بداية حاضرة دائمًا تجعل تحقق المعنى ممكنًا، لكن الاختلاف والتقابل بين الواقعة (الفعل) والبنية (العلامات اللغوية) الذي يُنشئ فضاء القراءة والفهم والمعنى هو ذاته ما يجعل الوصول إلى أساس أو حقيقة أو فهم أو تأويل نهائي أمرًا مستحيلاً. يحدد دريدا هذه الحركة بمصطلحه الجديد Differance. في فضاء Differance، يرتبط الفعل والبنية، والإبداع والانفعال (التقليد)، والاختلاف والهوية ببعضها البعض. العلامات مختلفة عن بعضها differing وهذا الاختلاف هو ما يجعل المعنى ممكنًا، لكنها في الوقت نفسه تزيح بعضها البعض وتؤجل الوصول إلى المنشأ أو الأساس النهائي differing. بهذا يمكن القول إن Differance هو معرفة شيئين؛ اختلاف منفعل موجود مسبقًا بوصفه بنية موضوعية وشرطًا للدلالة والمعنى، وفعل فاعل يُنشئ الاختلافات من خلال الاختلاف differing والتأجيل differing. يعبّر فكر دريدا عن حركة في التفكير الفلسفي تنقل مركز ثقل هذا التفكير من المنطق Logic إلى البلاغة rhetoric. يحوّل دريدا العلاقة بين الكلمات والأشياء مع لغة الواقع إلى علاقة بين الكلمات نفسها مع علاقة داخلية محايثة. إن غض الطرف عن اختلاف وتقابل هذين النوعين من العلاقة واختزال الأولى إلى الثانية هو بذاته نموذج «لمنطق الإلحاق» والحد الأساسي لفكر دريدا، الحد الذي يمكن بمساعدته تفكيك الذات وكشف وظائفها الإيديولوجية. يختزل دريدا نقد الواقع أو النقد الإيديولوجي إلى نقد أدبي. لا شك أنه يمكن قراءة رواية «بسيطة القلب» لفلوبير بطريقتين مختلفتين ومتضادتين [لرفض أو تبرير استخدام الكليشيه في الفكر والحياة]، لكن الحياة الواقعية ليست نصًا أدبيًا، ولا يمكن اختزال التاريخ إلى لعبة العلامات اللامتناهية. في نهاية «لعبة» دريدا وأتباعه، يبقى وجه الواقع الجاف والجاد والمتجهم بمنأى عن المساس.
۱۱. على سبيل المثال، راجع تحليل أبرامز لمفهوم «التحليل العضوي» في أعمال كوليردج
M.H.Abrams, The Mirror and the Lamp, o,u,p,۱۹۷۷,p۱۷۳.
۱۲. The Parsult of sign,P.۱۶۳
۱۳. المقصود بالمرحلة المرآوية mirror stage هي فترة الطفولة التي لا يميز فيها الطفل بين العالم ونفسه. في هذه المرحلة، لا يزال الطفل فاقدًا للاسم والمكانة والهوية المحددة في إطار العلاقات الأسرية، ولا يدخل «المرحلة الرمزية» والصراع التكويني والمؤلم للهوية إلا بعد الخضوع للغة وقبول انفصال النفس وتميز الجسد عن الأشياء [راجع الكتاب المذكور أعلاه، ص ۱۶۵].
۱۴. Ibid, p.۱۶۳
۱۵. Andrew Arato, The Neo. Idealist defese of subjectivity in Telas No:۲۱. Fall۱۹۷۴, pp۱۰۸-۱۶۱.
۱۶. بخصوص علاقة دلتاي بالكانطيين الجدد، راجع الفصلين الثاني والثالث من الكتاب التالي:
H.A. Hagdes, The Phliosophy of Wilhelm Dilthey, Koutldge & Kegan Paual, London,۱۹۵۲.
۱۷. بخصوص دمج هاتين الرؤيتين لدى دلتاي، راجع الفصل الأول من كتاب هاجز.
۱۸. انظر
Dilthey. Gesammelte schriften
VII,P,۸۶
وكذلك
Hadges,P,۲۴۹
۱۹. Dilthey.G.S,VII ۱۹۴
۲۰. ibid, P.۱۳۹.
۲۱. ibid.
۲۲. G.S.VII.۱۴۸
۲۳. ibid. P. ۲۰۷
۲۴. ibid
۲۵. ibid
۲۶. ibid. P.۳۲۲
۲۷. G.SV.P۱۷۲
۲۸. ibid. P.۱۴۴
۲۹. G.S.VII.P۱۹۱
۳۰. بخصوص نقد أعمال دلتاي، راجع الكتابين التاليين
۱. Jurgen Habrimas. Knowledge and Human interests.
Bcacon Press, Boston, ۱۹۷۱, PP۱۴۰-۱۶۰.
۲. Georg Lukacs, The Destraction of Reason. Merlin Press London ۱۹۸۰,PP ۴۱۷-۴۴۲.
۳۱. Rudolf A. Makreel. Dilthey. Philosopher of the Haman studies, Princcton, ۱۹۷۵.
۳۲. Richard. E.Palmer, Hermeneutics, North western university Press, ۱۹۶۹.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفن
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
با نوع نگاه این نقد، می توان خود نویسنده ها را متهم کرد به حسادت و غرض ورزی! من نقد خاصی در این نوشتار ندیدم که روشنگر باشد.
کتاب آقای احمدی را خواندم و نقدهایی بر آن وارد است. نه این کتاب بلکه هر کتابی با دیدگاه انتقادی قابل نقد است. انتقاد موثر آداب خود را دارد و مجموعه از اصول اخلاقی در آن توصیه می شود. نیروی نقد اگر مهار نشود منجر به تهاجمات ویرانگری می شود کما اینکه قبل از هر کس و هر موضوع، نقادان (فرهاد پور و اباذری) را مورد عنایت قرار می دهد. آقای بابک احمدی موظف است با توجه به بازخوردی که از کتاب دریافت کردند اصلاحات لازم را به عمل آورند. برای برادران فرهادپور و اباذری نیز خوانش کتاب اصول و فنون نقادی نوشته دکتر غلامرضا خاکی را توصیه می کنم. به امید اصلاح و آبادانی وطن
در ایران معاصر نیاز مبرم داریم که دو مقوله بصورت کاملا طبقهبندی شده و دقیق آموزش داده شود، یکی نقد و دیگری نقدِنقد. متن بالا را خواندم که خود نقد است و نقدِنقد و خالی از شاخصههای نقد، انواع مغالطه و مغلطه را در آن میتوان نشان داد، هیچ تعمید مقدمهای ندارد و نتیجهگیری عالمانه ای نیز ندارد، نتایجی که گرفته است از مقدمه چینیهای آن اتخاذ نمیشود و سرتاسر آن پیشنتایجی است که قبل از تحلیل درنظر گرفته شدهاند و... علیرغم این که نام آشنایانی چون اباذری و فرهادپور با هم مولف این متن بودهاند باید گفت مثل نوشتههای زرد و در حد تحلیلهای کودکانه فراستی بر سینما بود. این نکته را نیندازم که بر کتاب مذکور نقدهای فراوانی وارد است، اما برای آن نقدها شیوه درست باید اتخاذ کرد
از کثرت وجود کلمات توصیفی از جمله"ضعیف"، "مبهم"، "پرداخت کلیشه ای" و از این قبیل بر میاید که هدف نقدی فنی نبوده بل نوعی غرض ورزی یا حمله به مولف بوده است. در اغلب جملات این به اصطلاح نقد به نادانی مولف اشارت رفته و ظاهرا هدف بررسی خود کتاب نبوده است.
بیشتر مچ گیری بابت دزدی ادبی و علمی بود تا نقد :-D
این نوشته نسبت ناچیزی با نقد حرفه ای دارد.