اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى البعض أن الجمع بين التنوير والدين متناقض، في حين أن معاني الألفاظ تابعة لاستعمالها لا لوضعها. والمنتقدون، من دون أن يقدموا تعريفًا للتنوير، لم يسوقوا دليلًا واكتفوا بفرض مرادهم.

مهدي كمباني زارع: يزعم البعض أن الجمع بين التنوير والدين والتدين أمر خاطئ من أساسه، ويعتبرون تركيب "التنوير الديني" متناقضًا. كل من يدرس في هذا المجال يعلم من هم أصحاب هذه النظرية. وما ينبغي قوله في هذا الشأن هو أنه يمكن استثمار هذا الإشكال وكأننا إزاء لفظتي "متنور" و"تنوير" نواجه معاني صريحة وواضحة، بحيث إذا ما اجتمعتا مع شيء مثل "الدين" و"التدين"، أمكن بوضوح وجلاء تشخيص عدم تجانسهما وإصدار حكم بافتراقهما عن بعضهما. ليت الأمر كان كذلك! ليت الألفاظ في العالم الإنساني لم تكن تحمل دلالات مختلفة، وليت الاشتراك اللفظي لم يكن دائمًا مضللاً، وليت هذه الكلمات التي تبدو بسيطة وغير مؤذية كانت تنقل إلينا ما ينبغي بمجرد رؤيتها! إن الذين طرحوا مثل هذه الادعاءات هم أعلم من كاتب هذه السطور بالفلسفات الحديثة، وما قرأته أنا بترجمة متواضعة، درسوه هم بلغته الأصلية؛ لكن العجب أنهم حين يريدون استخدام ما قرأوه، ينسون أن معاني الكلمات وإمكانية تجاورها وتركيبها تابعة للاستعمالات، لا للاختيارات والوضعيات. يمكن للمرء أن يبتكر معاني جديدة لكل كلمة، لكنه حينها لن يستطيع التفاهم مع الآخرين، ولن يستطيع أن يقول كلامًا مفهومًا أو يسمع كلامًا مفهومًا. إن كلمات مثل "متنور" و"تنوير" استُخدمت لقرون عدة في تاريخ العصر الحديث لطيف واسع من الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والإنسانية، وتقبلت دلالات مختلفة، وجمع كل ذلك تحت معنى واحد هو عين عدم الاكتراث بتاريخ استعمال هذه الكلمة. لا يُعلم لماذا يتحدث هؤلاء الذين يعرفون أنه لا يوجد قدر مشترك لهذه الكلمة، عن أن هذه الكلمة لا تجتمع مع الدين والتدين. لو كان لهذه الكلمة قدر مشترك لما شملت هذا الطيف الواسع من الأنشطة النظرية والعملية في مجالات مختلفة. والآن، ما دام ليس لها قدر مشترك يمكننا كشفه، فكيف نحكم بأنها لا يمكن أن تقترن بقيد "ديني"؟ بالطبع، حاول البعض الإشارة إلى جوهر ولب التنوير، لكن غاية ما انتهوا إليه كان في الغالب تعيينًا للمراد، لا تعريفًا ناظرًا إلى حالات الاستعمال المتعددة. أطرح هذا على شكل سؤال ليجيب عنه أساتذتي ويستفيد الجميع. ما هو القدر المشترك، أو لب وعصارة الدلالات المختلفة للتنوير في تاريخ القرون الأخيرة، الذي لا يمكن معه أن يقترن به قيد "ديني"؟ بالطبع، سمعنا وقرأنا إجابات هي، كما قيل، من سنخ تعيين المراد، بل وحصر المعنى للكلمة بلا دليل. وبالطبع، ينبغي القيام بعمل مماثل بخصوص قيد "ديني" نفسه ودلالاته. لا يمكن للمرء ألا يعرف تعريف شيء ما، ثم يتحدث عن تضاده وتناقضه مع شيء آخر، ولا يمكنه أن يرى تاريخ تكون كلمة ما ويرى معانيها المختلفة، ثم يتشبث بلا دليل بمعنى خاص، بل ومختلق. تذكرت قولاً للإمام الصادق (ع) في الرد على أحد ملاحدة زمانه. أنكر ذلك الملحد كونه مصنوعًا، فأجابه الإمام: قل لي ما تعريفك للمصنوعية حتى تقول إنك لست كذلك. ثم قال له الإمام: لو أعطيتك كيسًا وسألتك هل فيه دينار، فإن كنت لا تعرف ما هو الدينار، فماذا ستجيب؟ العالم أكبر من ذلك الكيس، والمصنوعات أكثر من الدنانير. (الكافي، ج1، ص77). وبالطبع، فإن دائرة المفاهيم أكثر قابلية للتوسع والمرونة حتى من الواقع. وفي ختام هذا المقال، يلزم القول إن كاتب هذه السطور لا يصر على عنوان "التنوير"، وإنما أريد فقط أن أقول إن المنتقدين لم يقدموا أي دليل على نقدهم، وعبروا عن مرادهم بحصر لا وجه له.
.
.
.
.
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.