اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وعي الحيوانات بذاتها قضية مثيرة للجدل تنطوي على تبعات أخلاقية وعلمية. تتناول المقالة ثلاث حجج مؤيدة: التشابهات السلوكية والعصبية، والاستدلال على التفسير الأفضل، والمقاربة التأويلية؛ رغم استمرار الشعور بغياب معايير تجريبية حاسمة.

تهتم الفلسفة بوعي الحيوانات الذاتي لعدة أسباب؛ إذ تتساءل الفلسفة: إذا كان للإنسان مكان في الطبيعة، فلا بد من السؤال عن علاقته بالأشياء الأخرى الموجودة في الطبيعة، وما هي أوجه الشبه والاختلاف بينه وبينها. والسبب الثاني هو أنه إذا اتضح أن الحيوانات تمتلك وعياً ذاتياً، فإن حدود المعرفة والمنهجية العلمية ستصبح أكثر انفتاحاً واتساعاً. أما السبب الثالث فهو أنه إذا لم تكن الحيوانات تتمتع بوعي ذاتي، فلن يكون ثمة مجال لتوجيه اعتراض أخلاقي للباحثين في المجالين الطبي والبيولوجي الذين يجرون التجارب على الحيوانات، أو حتى الاعتراض على مربي الماشية والدواجن لتربيتهم إياها في أكثر الظروف اللاأخلاقية.
والسبب الرابع هو أنه إذا تبين أن الحيوانات تمتلك وعياً ذاتياً أيضاً، حينها يمكن الاعتراض على مصداقية وصحة الأبحاث التي أُجريت حول الوعي الذاتي وتجاهلت وعي الحيوانات. ورغم كل هذه الأسئلة، لا تزال مسألة وعي الحيوانات الذاتي موضع بحث وجدل. بل يمكن القول إن هذه المسألة تُعد من المحرمات بين العلماء. على الرغم من أن الكثير من الناس يعتقدون أن الحيوانات تتمتع بتجارب واعية. وعاجلاً أم آجلاً، ينبغي على العلم أو الفلسفة أن يحسم أمره بشأن هذه المسألة. فالإجابة التي يقدمها العلم أو الفلسفة لهذه المسألة يمكنها أن تغير صورتنا عن العالم. سنتناول في هذه الحلقة الحجج المؤيدة لوعي الحيوانات الذاتي. وسنفحص في الحلقة القادمة الحجج التي تدعي أن الحيوانات لا تمتلك وعياً ذاتياً.
إذا نظرنا إلى الحيوانات الأليفة، فقد نجد تشابهات بين سلوك هذه الحيوانات وسلوك الإنسان. لكن أبحاث علم السلوك العلمي وعلم الأعصاب وجدت أيضاً تشابهات بين سلوك الحيوانات والإنسان. إن ردود الفعل التي تبديها حيوانات كثيرة، وخاصة الثدييات، تجاه الأحداث المؤلمة تدفع الكثير من الناس إلى الاعتقاد بأن الحيوانات يمكنها أيضاً أن تفهم الألم وتعاني منه.
فالحيوانات، مثل الإنسان، تُصدر أصواتاً مميزة ومتخصصة، وتُظهر ردود فعل تجاه الخوف، وتعتني بالحيوانات المصابة، وتتعلم مثل البشر ما هو خطير لتتجنبه، وتُصاب الحيوانات مثل البشر باضطرابات بصرية؛ كل هذا يزيد من الظن والتخمين بوجود تشابه بين الحيوان والإنسان.
حتى إن الحيوانات تشترك مع البشر في مجال علم الأعصاب؛ فجميع الثدييات لديها تشريح دماغي متشابه جداً، ويتشابه كثيراً مع تشريح دماغ الفقاريات. وحتى لو كان هناك اختلاف جوهري وبنيوي بين تشريح أدمغتها، لكان لا يزال بإمكاننا الادعاء بأن الحيوانات قادرة على امتلاك وعي ذاتي.
أُجريت أبحاث لا تُحصى في مجال الحالة الواعية استخدمت الحيوانات كنماذج تمثيلية عن الإنسان لقياس العلاقة بين الوعي الذاتي والنشاط العصبي والسلوك. وقد ارتبطت معظم هذه الأبحاث بمسألة الألم في جسم الإنسان. ولا يمكن الوثوق بهذه الأبحاث إلا بوجود تشابهات بين الإنسان والحيوان.
لكن وجود مثل هذه التشابهات لا يمكن أن يكون دليلاً على أن الحيوانات حسّاسة مثل الإنسان أو بقدره. فالإنسان يمتلك خاصية تفتقر إليها حتى الحيوانات القريبة منه؛ فمن بين جميع الكائنات، الإنسان وحده هو القادر على لعب الشطرنج. إن لعب الشطرنج هو مثال على الوعي الذاتي. والتشابهات بين الإنسان والحيوان لا تبرر القول بأن المبادئ المعرفية والإدراكية للحيوانات والبشر واحدة.
الآن وقد أدركنا أن حجة التشابه بين الإنسان والحيوان واهية وضعيفة للغاية، يمكننا أن نؤسس أساساً نظرياً لربط السمات (السلوكية والعصبية) القابلة للملاحظة لدى الحيوانات بالوعي الذاتي. لكي نتمكن من دراسة الوعي الذاتي، ينبغي أن نكون قادرين على تحديد السلوك، لأن الكائن الواعي ذاتياً وحده هو القادر على القيام بفعل التفسير أو التأويل، وليس الكائن غير الواعي؛ فالكائن الواعي ذاتياً يستطيع، باستراتيجية الاستدلال، أن يصل إلى أفضل تفسير وتأويل.
إذا كان كائن ما يعرف الغرض الذي يُستخدم من أجله الوعي الذاتي، فإنه يستطيع عندئذٍ استخدام تلك المعرفة لاستنتاج وجود ذلك الوعي الذاتي وتوظيفه. لقد أظهرت الأبحاث أن الحيوانات قادرة على التواصل فيما بينها وحل المسائل. لكن مع ذلك، يعتقد بعض النقاد أنه لا توجد علاقة منهجية ومنظمة بين هذه النماذج السلوكية للحيوانات والوعي الذاتي.
لكن من ناحية أخرى، يقول أنصار هذه النظرية إن الوعي الذاتي الذي يوجد لدى الحيوانات ربما يكون لتعويض النواقص في أجهزتها العصبية. أي ربما يكون الوعي الذاتي أكثر قيمة بالنسبة لنحلة العسل منه بالنسبة للإنسان.
إن القدرة الذهنية التي تمتلكها الحيوانات لتصحيح أخطائها الإدراكية يمكن أن تكون دليلاً على أنه ربما يكون لدى الحيوانات وعي ذاتي أيضاً. وبالطبع، فإن تصحيح الخطأ بحد ذاته ليس دليلاً على الوعي الذاتي؛ فإذا استطاع حيوان أن يستخدم القاعدة أو المبدأ الذي توصل إليه بعد تصحيح خطأ إدراكي في موقف لاحق، حينها يمكننا القول إن الحيوانات لديها وعي ذاتي.
يقول بعض الفلاسفة إن الوعي الذاتي للحيوانات غير البشرية لا يتعلق بالاستدلال، بل يتعلق بالتأويل. يقول جون سيرل: "أنا عندما أدخل الغرفة لا أستدل على أن كلبي حيوان واعٍ ذاتياً، بل أخمن أن الأفراد الموجودين في الغرفة واعون ذاتياً. أنا أتفاعل مع هؤلاء الأفراد بطريقة تتناسب مع العلاقة مع كائن واعٍ ذاتياً. أنا ببساطة أعامل هؤلاء الأفراد كما أعامل الكائنات الواعية ذاتياً."
على الرغم من أن مقولة سيرل هذه قد تكون صحيحة من منظور علم النفس، إلا أنها لا تتمتع بالكفاية الكافية، كما أنها غير مبررة من الناحية القانونية والأخلاقية والعلمية. من ناحية أخرى، تقودنا مقولة سيرل هذه نحو هرمينوطيقا الحيوانات؛ أي أن فهم الحالة الذهنية للحيوانات يرتبط بإدراك الإنسان وتأويله. إن الألفة والمعاشرة مع الكلب يمكن أن تجعل الإنسان مؤوِّلاً حسّاساً؛ مؤوِّلاً أكثر حساسية من غيره من المؤوِّلين للحالة العاطفية والمعرفية للكلب.
ومع ذلك، حتى بين العلماء المتعاطفين مع هذا الموضوع والحسّاسين لمسألة الثراء الذهني للحيوانات، يُلاحظ افتقار إلى الأبحاث التجريبية. لكي نفهم ما إذا كان حبس النمور في حديقة الحيوان يسبب لها الكآبة أم لا، ولكي نفهم ما إذا كانت الأسماك تتألم عند اصطيادها أم لا، نحن بحاجة إلى معايير تجريبية.
.
.
.
الدين
الفلسفة
البيئة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
لطفا در مورد فلسفه تحلیلی با دکتر زهیر نوع پرست مصاحبه ای کنید. با احترام، علی