اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التوحيد في فكر شريعتي وإقبال مفهوم دينامي لتحرير الإنسان من الأسر الأرضي وتوحيد الروحي والمادي؛ وعيٌ محرِّر وطاقة يوطوبية تفضي بالإيمان إلى البراكسيس والتغيير الاجتماعي.

في المقالة السابقة، تم التطرق إلى مقولة الدين الخادم، والمركزية المؤسسية والتعاون الاجتماعي في فكر وممارسة الإمام الصدر والمهندس بازركان، وتم التأكيد على أنه من أجل بلوغ التوحيد وسلوك إنساني، ينبغي أولاً امتلاك قراءة إنسانية للدين نفسه، وأنه من أجل "عبادة الله عبر الخلق" في العالم الحديث، فإن الاهتمام بالمأسسة والتعاون الاجتماعي ضروري. في هذه المقالة، وبالاستناد إلى تعاليم شريعتي وإقبال، سيتم تناول الوعي التحريري الذي يحرك الموحد السالك، والطاقة اليوتوبية التي تؤدي إلى استمرارية هذه الحركة والممارسة والتغيير.
١
كما ورد في المقالة الثانية من سلسلة كتابات العرفان الاجتماعي، قدم إقبال نظرة جديدة للتوحيد؛ توحيد الوجود بدلاً من وحدة الوجود. توحيد يؤدي إلى الدينامية والحركة والحيوية، وبتعبير حسن محدثي، يؤدي إلى الانسجام التام بين الأمر الروحي والأمر المادي:
..»كان التحدي الذي واجهه المسلمون لنقل جوهر التوحيد –اللبّ الجوهري للإيمان- إلى صميم ممارسة الحياة من أجل إعادة بناء [ما كان يصبو إليه] إقبال من التفكير الديني، تحدياً أساسياً. فعلى مدى قرون، كان علماء الدين التقليديون يقدمون التوحيد للمسلمين كمفهوم لاهوتي منقّح وبعيد عن صراعاتهم اليومية. وقد سعى إقبال إلى "جعل التوحيد عاملاً حياً في الحياة الفكرية والعاطفية للبشرية". إن وحدانية الله عنده تعني وحدة الحياة نفسها –أي انسجام الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من أبعاد التجربة الإنسانية ضمن وحدة عضوية من خلال القيم الروحية والأخلاقية المتجذرة في حقيقة متعالية. وهكذا، فإن إقبال "يجعل الله نصيراً لهذا العالم، وهو الآن معنا في مواجهة مشكلاتنا من الداخل، خالقاً عالماً جديداً وأفضل؛ معنا ومن خلالنا". ومن خلال جعل التوحيد واقعاً، أعطى إقبال، بمعنى ما، معنىً ديناميكياً جديداً للولاء لله، أو أعاد المعنى الذي كان المسلمون الأوائل يمنحونه إياه. وبتعبيره، "بما أن الله هو الأساس الروحي الأسمى للحياة كلها، فإن الولاء لله يصبح في الممارسة العملية معادلاً لولاء الإنسان لطبيعته المثالية". ومن خلال هذه الصلة بين التوحيد والطبيعة المثالية للإنسان، قلب إقبال معنى الإيمان والهدف من الحياة. لقد حطم الحاجز الذي أقامه الفكر الديني المحافظ في الفصل بين الروحي والديني، والأبدي والزمني، والمقدس والدنيوي. وكان إقبال يرى أنه "في الإسلام، لا يشكل الروحي والدنيوي عالمين منفصلين، وإن طبيعة الفعل، رغم كونها دنيوية في معناها ومفهومها، تتحدد بالموقف الذهني للفاعل الذي يقوم به... الفعل يكون دنيوياً أو غير مقدس إذا أُنجز بفكر الانفصال عن التعقيد اللانهائي للحياة الكامن وراءه؛ ويكون روحياً إذا كان مستلهماً من هذا التعقيد". وهو يوضح هذه الصلة بين الأمر الروحي والأمر المادي بشكل أكبر من خلال الإشارة [إلى ما يلي]: "الحقيقة القصوى، وفقاً للقرآن، روحية، وحياتها تتمثل في نشاطها الزمني. فالروح تجد فرصها في الطبيعي، والمادي، والدنيوي. ولذلك، فإن كل ما هو دنيوي مقدس في جذور وجوده. إن أعظم خدمة قدمها الفكر الحديث للإسلام –ولجميع الأديان في الواقع- هي نقده لما نسميه مادياً أو طبيعياً –نقد يكشف أن الأمر المادي البحت لا أساس له حتى نكتشف أن المادي متجذر في الروحي. لا يوجد شيء اسمه عالم دنيوي. إن كل هذه العظمة للمادة تشكل ميداناً لتحقق الروح. إن الساحة كلها مقدسة. وكما عبر النبي عن ذلك بشكل بالغ الجمال: 'جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا'. إذن، هذا هو الأساس الفكري لأفكار إقبال الإصلاحية: تفسير للتوحيد كمبدأ ديناميكي للحياة؛ الانسجام التام بين الروحي والمادي، والمقدس والدنيوي؛ نفخ القيم الروحية والأخلاقية في بعضها البعض وفي كل جانب من جوانب الحياة.
لقد ذُكر إبراهيم في القرآن كقدوة وأسوة، ويُعتبر أبا التوحيد وأبا الأديان الإبراهيمية التوحيدية. إن توحيد شريعتي، بتعبير نرجس سوري، هو التوحيد الإبراهيمي التحريري. توحيد قائم على انسجام الأمر الروحي والأمر المادي. كما أكد هدي صابر على إعادة بناء العلاقة الإبراهيمية مع الله. وتعتبر سوري اللاهوت الإبراهيمي لاهوتاً تحريرياً لا يتوقف عند السماء:
..» التوحيد يزيل سيطرة الإنسان على الإنسان بأشكالها المختلفة ويخلق مجتمعًا مثاليًا يتساوى فيه الجميع ويتحررون؛ لا يقيد الإنسان أي أسر ذهني أو موضوعي، وبهذا الاعتبار يستعيد ذاتيته المؤسسة على الله التي كان قد فقدها في علاقته مع الآخر الإنساني. ومن هذا المنطلق، فإن نهضة إبراهيم ليست نضالًا فلسفيًا واعتقاديًا فحسب، بل هي في الوقت نفسه نضال اجتماعي-تاريخي لإنقاذ البشرية من أسر الآلهة والأرباب الأرضيين الذين قهروا إرادته. إن محاربة عبادة الأصنام ليست محاربة لأمر وهمي، بل هي محاربة لواقع موضوعي أنتج بنى اجتماعية خاصة به. لذلك فإن لاهوت إبراهيم لا يتوقف في السماء ولا يأوي إلى ما وراء الوجود الإنساني، وبتحركه في اتجاه إنقاذ البشر من الفساد، يتحول إلى لاهوت تحريري.. إن تحرر إبراهيم هو تجسيد للتوحيد الخالص الذي انفك من قيد موضوعية الآخر بكل أشكالها، وباتكائه على فرديته دون هداية آخر إنساني، يقف في علاقة مباشرة مع المطلق. "المباشرة" مفهوم أساسي يستقيه شريعتي من النهضة والتوحيد الإبراهيمي، وبجعله محورًا في مشروعه للإصلاح الديني، يبادر إلى مشروع تحريري. لأن التوحيد، بنفي جميع الوسائط والوسطاء الأرضيين في وجوههم الثلاثة: الذهب والقوة والخداع، يحول الإنسان إلى ذات مطلقة لا تقيدها أي قيود تحد من إرادته الإنسانية. فبدخول الإنسان في علاقة مباشرة مع الأمر المطلق، يبلغ التحرر المطلق، لأنه بالنفي التوحيدي للوسائط الأرضية يحرر نفسه من العلاقة الشيئية والوثنية مع الأمر الخارجي في صور التعيينات الطبيعية والاجتماعية والتاريخية«...
لقد تم بحث الفرق بين توحيد إقبال وشريعتي والتوحيد التقليدي في المقالة السادسة، وتم الحديث عن اختلاف توحيد الوجود عند إقبال عن وحدة الوجود عند العرفاء وتوحيد الفلاسفة والفقهاء. وفي المقالة التاسعة قيل أيضًا إن هذا التوحيد هو توحيد إنساني ونزعة إنسانية يختلف عن التوحيد الذي يتحدث عنه الأصوليون الدينيون والسالكون التقليديون، وبتعبير سوري:
..» يرى شريعتي أن الفرد في الحج يتخذ هيئة إبراهيم لكي يتجاوز، مثله، بواسطة التوحيد قيد جميع الحدود والقيود ويتحرر من الاستغلال والاستحمار والاستبداد التي هي وثنيات اجتماعية-اقتصادية. ينفصل الفرد بالاتكاء على التوحيد عن الأرباب الأرضيين ليكون رب نفسه وينجو من عبودية الآخر. يرسم شريعتي التوحيد الإبراهيمي بوصفه توحيدًا إنسانيًا تحظى فيه مسألة تحرير الإنسان، وبتعبيره الناس، بأهمية أساسية. فالتوحيد كما يُفسر في القراءات الأصولية والراديكالية ليس بمعنى مجيء حكومة الله على الأرض وإزالة سيادة البشر، وبتعبير آخر استحالة المقام الإنساني أمام الله الذات، بل إن الأمر في التوحيد، برأي شريعتي، يتعلق أساسًا بالإنسان وتحريره. ولهذا السبب يعتبر الخطو في مسار الخلق والناس خطوًا في طريق الله، ويؤكد مرارًا أن الناس والله يقفون في صف واتجاه واحد... إن تأكيد شريعتي على إنسانية التوحيد يجعل حدود نقاشه متميزة عن الأصولية الدينية الراديكالية والعنيفة. لأنه في هذه النظرة إلى التوحيد، يحتل الإنسان وتحريره مركز الصدارة، وليس من المفترض أن يُضحى بالإنسان من أجل تحقيق كبرياء الله وشكل خاص من التدين الخالص على الأرض«...
لذلك فإن توحيد الوجود يوجب الانسجام التام بين الأمر الروحي والأمر المادي. إنه توحيد إنساني يقف في مقابل وحدة الوجود عند العرفاء التقليديين وتوحيد الأصوليين الذي هو توحيد إلهي المركز. تمامًا مثل العرفان الإنساني الذي يقف في مقابل العرفان الإلهي المركز عند العرفاء التقليديين والسلوك الجهادي عند الأصوليين. لقد قيل في المقالة التاسعة إن جوهر لاهوت التحرير التعاوني هو التأكيد الخاص على دور الإنسان، الإنسان الذي يُمحى ويُنفى ويُستحال في سلوك السالكين التقليديين والأصوليين أمام الله. إن الحركة في هذا اللاهوت ومثلث الله والخلق والنفس بهذه الرؤية الكونية القائمة على توحيد الوجود، تبدأ بالوعي التحريري.
۲
يرى شريعتي، شأنه شأن الإمام الصدر، أن الإنسان هو محور التحولات، ويشدد على الوعي المقترن بالعمل؛ وعيٍ تحريري قوامه الألم والحب والعمل. وقد ورد في المقال السادس أن شريعتي يعتقد أن إقبالاً كان يسعى إلى إعادة بناء "المسلم الكامل"، وكان يرى تجسيده في شخص الإمام علي، كما كان يطلق على إقبال نفسه لقب "المسلم الكامل". وتعتقد سوسن شريعتي أن هذا الوعي التحريري هو ما جعل من إقبال إنساناً متعدد الأبعاد، وعياً من النوع الذي يفضي إلى العمل لا الوعي التجريدي:
..» يُعد الوعي عنصراً مهماً في أعمال إقبال وشريعتي؛ وعياً يؤدي إلى حدث وواقعة؛ لا وعياً تجريدياً ذهنياً، وتأثير هذا النوع من الوعي هو ما جعل إقبال متعدد الأبعاد وخلق تعايشاً مختلفاً. الوعي الذي يتحدث عنه إقبال هو وعي بلا وسائط ومباشر، وليس مجرد نتاج آلة اسمها الذهن، بل هو بطبيعته وعيٌ هجومي منصب على الحياة، ويقوم في الحقيقة على ثلاثة عناصر: الألم والحب والعمل. هذا النوع من الوعي، لكونه منصباً على الحياة، يتشكل ويتخذ صورة ويتحقق، ويُعرَّف في جميع ساحات الحياة: في علاقتي بالأمر القدسي، وفي علاقتي بالأمر الاجتماعي، وفي علاقتي بالنحن الاجتماعي والعصر التاريخي، وفي تركيبه من الحب والعمل معاً. هذا النوع من الوعي لا يكون في غض الطرف عن الحياة والعزلة، أو كما يعبر شريعتي في "الانزواء في الذات"، بل يتشكل في قبول الدعوة إلى الحياة، ولهذا السبب تحديداً يؤدي إلى حدث ويبلغ واقعة، ويظهر تأثيره فوراً في حياة الفرد. هذا الوعي ليس كالإنسان القالبي الأحادي الوجه، بل له أضلاع متعددة، وهذا الوعي نفسه هو ما يؤدي إلى نشوء حياة مختلفة، ولهذا السبب عندما يدخل شريعتي مجال التدين، يعود مجدداً إلى إقبال. لأن هذا النوع من الوعي، لكونه قائماً على الألم والحب والعمل، ويخلق عيشاً موازياً متعدد الأبعاد، فإنه يقدم تجربة مختلفة للتدين«...
ينبغي أن تقوم علاقة متبادلة بين هذا الوعي والعمل، ويشير الدكتور علي شريعتي في هذا الصدد مجدداً إلى الإمام علي:
..»الإخلاص، هو الوحدة الوجودية، أو بتعبير آخر التوحيد الوجودي، أي توحيد الفكر والعمل. العلاقة بين الفكر والعمل هي علاقة متبادلة. بأفضل تعبير، كما قال علي (وهو نفسه مثال لهذا التوحيد):
»من الایمان یستدل بالعمل«
»و من الاعمل یستدل بالایمان«
»من الإيمان يُستدل على العمل، ومن العمل يُستدل على الإيمان«...
تعتقد سارا شريعتي أن "شريعتي يرى أن أسمى مؤشرات وعي الإنسان هي وعيه بذاته وبربه وبمجتمعه. وفي هذا التعريف، يحظى المجتمع بنفس أهمية الذات والرب". يكتب عباس منوتشهري عن علاقة إنسانية شريعتي بالوعي الذاتي في فكره:
..»إن مقوّم «الأومانيزم الحق» هو «الوعي بالذات»، ولذا يقول: «لا يتحقق الوعي بالذات إلا بأن يعي الإنسان وضعه كإنسان ويشعر به، ولا يمكنه أن يفهم ويدرك بوضوح ودقة وكمال 'أين' هو، وبالتالي أن يعي ذاته ويفهم 'من' هو، إلا في علاقته بـ'العالم'. إن تأكيدي على الوعي في الإنسان، والوعي بالذات، لا التقدم والحضارة، ليس مجرد نظرية فلسفية أو ملاحظة علمية، فاختيار هذا المرتكز أو ذاك يحدد المصير النوعي والتلقي الوجودي للإنسان: أن نتحدث عن الإنسان بوصفه 'قدرة' أو أن ننظر إليه بوصفه 'فضيلة' (قيمة). في النظرة الأولى يكون التأكيد على 'القدرة' والهدف هو 'التمتع'. وفي النظرة الثانية، يكون التأكيد على التقوى والمثل الأعلى هو الفلاح.. هنا يكون الله نفسه مرجع إفاضة الوعي على الإنسان، لكنه عليم بإرادته، لذا يرد على الملائكة بما يجعل فلسفة النبوة أساساً هي إفاضة الوعي... الوعي بالذات هو تحديداً معنى 'الثمرة' الممنوعة التي هي الخصيصة الوجودية للإنسان: لقد فُسّرت الثمرة الممنوعة بعدة معانٍ... وكنت... أفسرها بالوعي بالذات، وهو ما تؤيده قرائن عقلية وشواهد نقلية كثيرة. لكن هذا الوعي ليس بمعنى معرفة شيء، ليس علماً بأمر كان مجهولاً للإنسان، بل هو نوع من التفسير والتأويل الأنطولوجي: إن ما نسميه 'الوعي بالذات' ليس من نوع الوعي العلمي أساساً: إنه نوع من 'الإدراك الوجودي' الخاص بالإنسان، والذي يجد فيه الإنسان 'معناه الوجودي' و'موقعه الكوني'. إن هذا 'الإدراك الوجودي' هو كلحظة تأسيسية ووساطة جدلية بين الإنسان وعالمه. الوعي بالذات هو منبع كل ما يمكن للإنسان أن يكونه كإنسان. والدين الذي يتضمن وعياً ومعرفة أخلاقية، يفضي إلى المسؤولية: فبالنسبة للموحد، تنبت المسؤولية من أعماق الكون وتتجذر في واقع موضوعي متحرر من الذاتية الفردية والتقليد الجمعي«.
يرى إحسان شريعتي، حول فكرة التحرر في رؤية شريعتي، أن بلوغ الوعي بالذات «الكامل» يتطلب مشاركة فاعلة من الذات التحررية في نوع من البراكسيس الروحي العاشق أو العرفاني:
..»الخطوة الأولى لفهم مفهوم «التحرر» هي معرفة الأشكال المتنوعة لـ«الأسر» (تقديم تعريف سلبي): من بلوغ الطفل مرحلة الرشد وتحرره من الولاية القهرية ووصاية الوالدين، وصولاً إلى التحرر من سطوة الاستبداد السياسي، والاستعباد في الاستغلال الاقتصادي، و«الاستحمار» الذي تمارسه التقاليد الثقافية التاريخية-الاجتماعية (سواء أكانت دينية أم عرفية)... علي شريعتي، الذي كان ناقداً للتقاليد الدينية والسياسية-الاقتصادية لمجتمعاتنا، وناقداً للحداثة المتوحشة والرأسمالية العلمانية في آنٍ معاً، يستعير تعبيراً من فرانتس فانون، باحثاً عن «إنسانية جديدة، ببشرة بلون آخر». التحرر عنده مرتبط بمفهوم الاغتراب عن الذات (الألينة)، بمعنى أن الحرية هي دوماً سعي للتحرر من شتى أنواع «المسّ الشيطاني». بعد أن يشير إلى مبحث الألينة ويستأنفه، في روايتيه الهيغلية-الماركسية والوجودية، إلى جانب الأشكال الحديثة لاغتراب الإنسان عن ذاته، يتناول الأنماط المحلية للألينة. «الجن» هنا، استعارة عن كل الساحات «الخفية» والمُغفَلة النفسية-السلوكية الفردية والاجتماعية لدينا. ومن هنا، فإن الوجه الأعمق للتحرر هو الوعي بالذات أو إزالة جميع أشكال الاغتراب. في النزعة الإنسانية التوحيدية عند إقبال وشريعتي، الحرية هي أول هبة ذاتية إلهية للإنسان، تُعرَّف في المقام الأول بـ«الاختيار» أو القدرة والحق في «الانتخاب» (إمكانية الاقتراب من الشجرة وتذوق الثمرة الممنوعة للوعي بالذات). ليس «الوجود» الإنساني هنا متقدماً على الوعي بـ«الماهية» فحسب، بل إن تعريف ماهية الإنسان هو عين وجوده الحر هذا. إذن، أول ملكية ذاتية للإنسان، والتي هي له أكثر من أي شيء آخر، والتي تصنع «ذاته»، هي الحرية. الوعي بالذات هو استعادة «للجوهر» المفقود واسترداد وتملّك (Appropriation) للملكية المغتصبة. الإنسان بوصفه معبراً، وبتعبير نيتشوي «جسراً»، بين الحيوان والإنسان الأعلى (هنا، الله)، هو كائن حر وفعل اختيار. بدون هذه الحرية لا مسؤولية تقع عليه ولا «كرامة». عظمته تكمن في هذا الوجدان الهش (إمكانية الخطيئة)، أو بتعبير باسكال، في كونه «قصبة مفكرة». في الأنثروبولوجيا الوجودية-التوحيدية عند شريعتي، الإنسان الذي يظل، في البعد الفردي الأخلاقي، عرضة لثلاث قوى نفسية هي «النفع، والخوف، والجهل»، وهي ثلاثة «دوافع» تشكل منشأ البنية الاجتماعية ثلاثية الأبعاد القائمة على محور «الذهب-والقوة-والخداع»، يعيش في بنيته الأساسية في أسر نوع من السجن الرباعي الأضلاع؛ وحياته الحقيقية تتبلور بنوع من النضال التعالي المستمر، في سبيل تجاوز هذه التناهيات الأربعة: الطبيعية، والتاريخية، والاجتماعية، والنفسية... بلوغ الوعي بالذات «الكامل» يتطلب مشاركة فاعلة للذات المخلِّصة في نوع من البراكسيس الروحي العاشق أو العرفاني. و«أليست روح الرب هي عينها هذا الإنسان المتخلص من سجون اللاوعي الأربعة؟»...
جذر هذا الوعي بالذات في فكر شريعتي وإقبال ينبع من إعادة تعريف فلسفة الخلق. تقول سوسن شريعتي عن التعريف الجديد لشريعتي وإقبال لفلسفة الخلق والبحث عن الله في التراب:
..»إعادة التعريف التي يقدمها إقبال لفلسفة الخلق برمتها، تجعلها أساساً مؤامرة مشتركة بين الإنسان والله والطبيعة، ونتيجة لذلك فإن نوع النظرة والعلاقة التي يقيمها الإنسان منذ البداية مع الله والأمر القدسي والخالق، هي نظرة تآمرية وعلاقة تواطؤ وتوافق؛ وليست علاقة عبد ومعبود. في هذا النوع من العلاقة الأحادية الجانب ينهار أنا المؤمن والأمر القدسي وتقوم علاقة متبادلة، وجوهر سر الخلق والتكوين بتعبير إقبال نفسه، هو «اكتشاف الإنسان لنفسه بنفسه». وفق هذا التعريف تتغير مفاهيم مثل نظرة العصيان والهبوط أيضاً، ولم يعد يُعتبر محرك تدين الإنسان هو الخطيئة، وعندما يُنظر إلى أمر العصيان والهبوط برمته على أساس مؤامرة، أي أنه كان مقدراً لي أن أعصي وأهبط وأقف في وجه الأمر القدسي، حينها يختلف تعريف المسؤولية وبالتالي الحضور في الأرض. وفق هذا التعريف لم يعد الهدف في الحياة هو الاعتذار والتوسل والبكاء والنحيب والتملق في الحضرة الإلهية من أجل العودة إلى الجنة، ونتيجة لذلك فلست مذنباً على الإطلاق وكان مقدراً لي أن آتي إلى الأرض، ولم يعد مقدراً لي أن ألعن الأرض والحياة، بل إن الأرض نفسها علامة، والعيش في الطبيعة ذاته هو الهدف. إذن، لم يعد على المتدين أن يظل مؤمناً من خلال إغماض عينيه عن الحياة، ونتيجة لذلك فالأخلاق التي تولد وفق هذا التعريف ليست أخلاق اجتناب وعداء للدنيا، بل تأخذ الدنيا بمعنى الحياة، والمؤمن هو من يقبل الدعوة إلى الحياة ويعشق الطبيعة، وكما يقول الدكتور شريعتي، يبحث عن الله في التراب«...
وباعتقاده، فإن إعادة قراءة فلسفة الخلق هذه هي التي أصبحت منبعاً للإنسانية والنزعة الإنسانية في فكر شريعتي وإقبال:
..» لذا فإن معرفة الله تمر عبر معرفة النفس، وهو لا يرى الله أمراً مجرداً بعيداً عني ولا يمكن بلوغه، ويقول: لكي نصل إليه، يجب أن أبدأ من نفسي. هذا النوع من النظرة هو تأسيس لنوع جديد من الإنسانية، إنها إنسانية مختلفة يكون الإنسان فيها متواضعاً. أي أنها لا تعتبر الإنسان مطلقاً، وليست المركزية على الإنسان، ولا تقطع الحبل السري عن الأمر القدسي فتدّعي أنها الفاعل لكل شيء وأن كل شيء هو هي. في هذا النوع من التدين، لا يذهب المؤمن خلف أبواب الأخلاق المغلقة لكي يبني نفسه طاهراً ونقياً، ونتيجة لذلك فإننا نتعامل مع متدين مختلف، ولهذا السبب بالذات، في فكر النظرة الكونية التي يتحدث عنها إقبال ويؤكد عليها الدكتور شريعتي باستمرار، ينشأ حد فاصل مع النظرة الكونية الصوفية والنظرة الكونية الفلسفية. وفي هذا السياق، لدى إقبال بحث يتناوله شريعتي أيضاً، وهو أنه يقول: إن التغرب اليوناني القديم في الشرق صنع الفيلسوف، والتشرق صنع الصوفي، والتمسح صنع الزاهد، ونتيجة لذلك أصيب الإسلام بعدة آفات، كل منها كانت تعاني من آفات خطيرة وكان لها تأثيرها غير المرغوب أيضاً«...
يكتب إحسان شريعتي عن موانع الوعي الذاتي التحرري من وجهة نظر شريعتي:
..»الجهد والنضال التحريري، في آنٍ واحد، نتيجةٌ لنوعٍ من الوعي بالزمان، أو الاستشعار بزوالية الوضع القائم و«إمكانية» التغيير والتحول، ويستلزمه في الوقت ذاته، مع تصوّر وتخيّل وضعٍ مرغوبٍ محتملٍ «آخر». هذه المعرفة وهذا الوعي، بدوره، نتاجُ ممارسةٍ اختبارية-نقدية و«تفكيكية». هذا «الوعي الذاتي التحريري» يُكتسب تدريجياً أثناء النضال لإزالة العقبات السياسية-الاقتصادية والثقافية. في منظور شريعتي، من بين جميع أشكال «الاستضعاف» (كالاستعمار، والاستبداد، والاستثمار، إلخ..)، يُعتبر «الاستحمار» أو الاغتراب الثقافي-العقائدي والنفسي-الأخلاقي عن «الذات»، العقبةَ الرئيسية أمام التحرر والتعالي. في المجتمعات التقليدية، من بين العناصر المكوّنة «للثقافة»، كاللغة، والفن، والدين، ونمط العيش (والإنتاج ودرجة نمو التكنولوجيا)، والتاريخ، فإن النواة الأساسية هي الدين أو «المذهب». في البلدان الإسلامية، ينبغي على المثقفين المسلمين أن يشنّوا حرباً تحريرية لتحرير الإسلام نفسه..؛ «إذا نجا المسلمون وبقي الإسلام سجيناً، فسيسقطون مرة أخرى في سجن الرجعية». أما على الصعيد العالمي وفي أكثر البلدان الصناعية تقدماً، فإن نقد الإيديولوجيات وفي مقدمتها «النيوليبرالية»، بوصفها أشكالاً «للاستحمار الجديد»، يُدرج في جدول أعمال النضال التوعوي. وهكذا، فإن «الاستحمار» لا يُقيّم فقط بوصفه أكثر أشكال «الاستضعاف» تعقيداً، بل بوصفه الممهّد لسائر أشكاله أيضاً. الاستحمار (من الجذر حَمُرَ، أي صار ثقيلاً وبطيئاً كالحمار)، له صلة بالحُمْق والحَمْل (انظر نوعي «الحَمْل»، حمل الأثقال «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا»، وكون العالِم حاملاً أو عاملاً في القرآن، الجمعة/5) ويعمل بوصفه «مِحْمَلاً» لأنواع الاستضعاف. الكلمة المفتاحية «الاستحمار» هي من المفاهيم الأصيلة والأساسية في قاموس شريعتي. ترياقها هو نوع من الوعي الذاتي الروحي والأخلاقي الذي يجد بعداً تاريخياً-اجتماعياً وسياسياً-اقتصادياً في ثالوث «العرفان، المساواة، الحرية». إن موقع هذا النوع من المعرفة العرفانية مع ضلعيه «السوسيو-ديمقراطيين»، يدل على الطابع العيني أو التحريري لهذا النوع من المعرفة والوعي العملي والسلوكي الذي موضوعه «الحكمة» (المعادل لكلمة سوفيا في ثقافتنا)، بوصفها نمط عيش حر وعادل، وسعياً نحو النمو والتعالي. هنا يصبح الهدف التحريري السلبي للتحرر الإيجابي، أي التصالح مع الحياة والانسجام مع مسار الوجود. «الليبرتيه» هي مجرد تحرر من قيد، أما الفلاح فينطوي على حرية وجودية تكاملية، لا مجرد تحرر فرد من سجن. إنه ليس إزالة لعائق، بل هو نوع من النمو، نوع من التفتح.»...إن تبسيط «لاهوت التحرير» عند شريعتي ممكن، مع ذلك، بالمفتاح الذي يقدمه هو نفسه: الحرية، إلى جانب العدالة والروحانية، تشكّل أحد الأركان الثلاثة لهذا الفكر. إن تحقيق هذا الفهم للحرية، في علاقته بالمساواة والوعي الذاتي، يرسي أساس مشروع عيني للتحرر التدريجي والمرحلي الذي يمتد من الحرية الليبرالية إلى المساواة الاجتماعية وصولاً إلى الفلاح الروحي. إن خاصية الخلاص النهائي الذي ينشده هي أن هذا الأمر المهم لن يُتصوّر ولن يصبح ممكناً إلا في مجتمع حر ومتساوٍ، وإلا فإن الحديث عن أي روحانية وأخلاق وعرفان، خارج البعد الفردي وعلى الصعيد الاجتماعي، لن يكون سوى خداع! لأنه بكلمة واحدة، التحرر من الغير ونفي الاغتراب، هو الشرط المسبق لتحقق الحرية واستعادة الذات..».
المثل الأعلى والهدف الذي يسعى إليه هذا الوعي الذاتي التحريري في فكر شريعتي هو ثالوث العرفان والمساواة والحرية. لقد أعرب مراراً عن أسفه لانفصال الحاجات والمُثُل البشرية الثلاثة: العرفان والمساواة والحرية عن بعضها البعض. رأى شريعتي أن الرأسمالية والشيوعية والدين الرجعي تشوّه هذه المُثُل، وتحدث عن ضرورة أن تتحقق هذه المُثُل معاً. إنه يعتبر المثقفين في دور أنبياء يبلغون الوعي الذاتي أولاً، ثم بعد إحساسهم بالمسؤولية التي يشعرون بها في داخلهم، يضطلعون بمهمة النضال التحريري الفكري والثقافي لإنقاذ هذه المُثُل عبر التوعية:
..» التاريخ برمته ينتهي إلى ثلاثة طرق رئيسية: الحرية، العدالة، العرفان. الأولى كانت شعار الثورة الفرنسية الكبرى وانتهت إلى الرأسمالية والفساد. والثانية كانت شعار ثورة أكتوبر وانتهت إلى رأسمالية الدولة والجمود. والثالثة كانت شعار الدين وانتهت إلى الخرافة والسبات! إن المهمة الأساسية لكل مثقف في هذا العالم وفي هذا العصر هي نضال فكري وثقافي تحرري من أجل إنقاذ الإنسان من مستنقع الرأسمالية الوقح والاستغلال الطبقي، وإنقاذ العدالة من براثن الديكتاتورية الماركسية المطلقة الخشنة والفرعونية، وإنقاذ الله من مقبرة الأخوندية القاتمة المميتة! وهذه الرسالة النبوية العظيمة ينبغي أن يبدأها المثقفون الحقيقيون والمسؤولون كبار الرؤى، لا بالبندقية والقنبلة، ولا بالمظاهرات والصخب، ولا بالمناورات السياسية الرائجة والسطحية، ولا بالثورات وتغيير الأنظمة وتبديل الأشخاص وخلق المغامرات والحوادث، ولا بالانشغالات اليومية والنضالات الموسمية، ولا بتقدم التكنولوجيا والاقتصاد والعلم والأخلاق، ولا بالترجمة والتقليد والعمل بالرسائل العملية وفتاوى المراجع الرسمية والرائجة للمثقفين، ولا بالتفيهق المتأنق في التشبه بالموجات الجديدة واليساريات على أحدث طراز والتحديثيات المقززة والتفريغات العقدية الحقيرة والثرثرة والتكرار والتلقين ونقل الاقتباسات عن هيغل وماركس وإنجلز ولينين وماو وبيكيت وبريشت وريجيس دوبريه والتصنع والتكلف الثوريين المزعومين المدبلجين بالفارسية... بل بعملٍ على شاكلة الأنبياء بين قومهم وفي عصرهم وجيلهم، في أي ركن من أركان هذا العالم كنا، ينبغي أن يبدؤوا: التبليغ! وسلاحهم الكلمة! «...
٥
قيل إن بلوغ الوعي الذاتي «الكامل» في اعتقاد إحسان شريعتي يتطلب مشاركة فاعلة للذات التحررية في نوع من البراكسيس الروحي العاشق أو العرفاني، غير أن البراكسيس الروحي العاشق أو العرفاني يحتاج لكي يتشكل إلى طاقة يوتوبية. طاقة ومشروع لتغيير الوضع القائم إلى الوضع المنشود. يكتب مهدي خلجي عن نسبة الوعي واليوتوبيا:
»في عصرنا، يبدو تخيل اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة أمنية محال. لقد أفسح الحمى والسعي لبناء يوتوبيا في المستقبل المجال للسأم الموشوم بالموت للعيش في الديستوبيا أو المدن الخربة الراهنة. الجماهير المقتلعة من جذورها، المنقطعة آمالها عن المستقبل، تحترق بنار حسرة «العصر الذهبي» الماضي، وبدلاً من تثبيت عين الرجاء على أفق المستقبل، تستنبت تمني تكرار الزمن الضائع والشوق للعيش في الوراء أو الريتروتوبيا. بهيمنة الريتروتوبيا على اليوتوبيا، أو النكوصية على المدينة الفاضلة، يخفت ضوء مصباح العقلانية، وتظل الجماهير، كقطعان جائعة يائسة في صحراء العالم، تائهة حائرة، وتعيش الوحدة والنبذ بين الجموع. في وضع كهذا، لا يرى الناس، وهم واقعون في قبضة اكتئاب وغضب لا يطاق ومكبوت، سوى طريقين أمامهم: لا مناص من أن يستسلموا للانفعال والعزلة أو أن يخلبوا ألبابهم بألوان وخدع الإيديولوجيات الجوفاء ودعايات السياسيين الشعبويين. الأصولية والراديكالية، بأشكالهما الدينية والقومية واليسارية المتنوعة، تطل برأسها مراراً وتكراراً، وتنمو بسرعة، وبإثارتها لغبار وضجيج لا حد له، تعكر صفو الفكر والفضاء العام. يسمي نورثروب فراي، في مكان ما من مذكراته اليومية، اليوتوبيا «الرؤية إزاء الشكل العقلاني للمجتمع» التي ينبغي النظر إليها لا كنقطة نهاية بل كمبدأ واعٍ. ويؤكد فراي على الصلة الوثيقة بين اليوتوبيا والتعليم: «اليوتوبيا هي الجانب الموضوعي (الأوبجكتيف) لما يعتبر ذاتياً (سوبجكتيف) تعليماً مثالياً. في القرن السادس عشر، كانت المدينة الفاضلة والرسالة التعليمية متلازمتين لدى أمثال رابليه وكاستيليون وسبنسر. كانت الرسالة التعليمية موضع الطرح المثالي لنظام البلاط والجامعة. علاوة على ذلك، التعليم هو السبيل الوحيد لتنمية العادات والآداب اللازمة. لذا، فإن نظرية التعليم واليوتوبيانية لا تنفصلان... نظرية التعليم نفسها ترتكز على نوع من فهم نظام الكلمات«...
يعتقد محمد رضا نيكفر أن المجتمع الإيراني يعاني من انخفاض الطاقة اليوتوبية وأننا نعيش في زمن اللايوتوبيا:
»امتلاك اليوتوبيا بمعناها الملموس يعني امتلاك مشروع واقعي للتغيير، تملّك هذا المشروع، غرسه في الذهن والقلب، تقاسمه مع الآخرين وإظهار تلك الشراكة بعلامات، الشعور بالذات كممثل للمستقبل في الحاضر، نقد الراهن من منظوره، وعيش الحياة منذ الآن بصورة بديلة. قول «لا» لا يتأتّى بمجرد التحليل العقلاني. لكي نقول «لا» علينا أن نقطع التعلق، أن نزيح النظر، أن نتعلق بشيء آخر ونتطلع إلى نقطة في المستقبل. امتلاك اليوتوبيا هو امتلاك القدرة على توسيع أفق الممكنات، إنه الرغبة في المستحيل. الطاقة اليوتوبية الاجتماعية لا وجود لها بدون تضامن. حين نتحدث عن انحدار الطاقة اليوتوبية، يمكننا التعبير عن قصدنا بوصفه وصفاً لانحدار التضامن أيضاً. يمكننا الحديث عن أمنية وهدف خاصين، لكن لا عن يوتوبيا خاصة، رغم أن الفترة الراهنة تُسمّى أحياناً، باعتبارها فترة أفول المثالية، فترة «خصخصة الأمل»... في مقولة «الحركة»، نرى الصلة بين الطاقة اليوتوبية والتضامن. الحركة تنشأ من تضامن من أجل التغيير. إذا كان شعار مجتمع أو حقبة هو «فكّر في نفسك»، فإن ذلك المجتمع أو الحقبة يكون قد فقد مثله العليا... الطاقة اليوتوبية تنحدر حين تتغلب «لا نستطيع» على «نستطيع»، وبالعكس، ترتفع حين تكون لدينا إرادة التغيير ونقول إننا نستطيع... فكّر في نفسك! هذا هو شعار الحقبة اللايوتوبية«...
سبيل الخروج، بحسب نيكفر، هو فكر جديد وتخيل تحرري جديد لتجديد القوى اليوتوبية: «قوة التخيل والتصور تحررية، وهي تمنح الإنسان إمكانية وضع فكر بديل في مقابل الاعتقاد الراهن، وضعية بديلة في مقابل الوضع القائم، بل وعالم بديل في مقابل العالم الموجود«...
شنّ الملكيون والعلمانيون واليساريون والأصوليون بعد وفاة شريعتي هجمات كثيرة عليه، لكن نيكفر يرى أن أحد أسباب انحدار الطاقة اليوتوبية في المجتمع الحالي هو النقد غير المنصف لشريعتي من قبل المجددين الدينيين بعد الثورة وكذلك تيار الإصلاحيين:
»لقد حرّفنا الواقع إذا ما رأينا الاختلاف بين شريعتي وناقديه من المجددين الدينيين اختلافاً معرفياً، الاختلاف الرئيسي هو اختلاف في المثالية، في مستوى الطاقة اليوتوبية. انحدار الطاقة اليوتوبية يُشاهد في العالم كما في إيران. ينظرون إلى المثاليين ككائنات من عصر آخر وعالم آخر. نرى في إيران تجليات انحدار الطاقة اليوتوبية في انحدار الحركة اليسارية، وانحدار الحركة الطلابية، وانحدار الخيال الأدبي والفني، والكآبة.. تفريغ القيم من قيمتها، والابتذال الشامل، والنخبوية التي تكتفي بإنتاج سلع أنيقة ورصينة: إسلام أنيق، ويسار رصين، وكتب نفيسة، وانحطاط مستوى وعمق المعاشرة مع ارتقاء آداب المعاشرة في الوقت ذاته. حين تنحدر الطاقة اليوتوبية، تنمو السخرية. تُسخر المُثُل. يُحقّر كل شيء. تنتصب الأفكار الأكثر حقارة في مواجهة الأفكار السامية. السخرية هي أكثر أشكال الاستسلام للوضع القائم خساسة... يمكن منذ الآن توجيه هذا النقد إلى المثقفين الدينيين بأنهم في الوقت الذي كان لازماً فيه وضع أفكار تحولية في متناول الشباب المسلم، كانوا منشغلين بإنتاج إسلام أنيق لشريحة متميزة لا يتجاوز نقدها حد التساؤل عن لماذا لا يسمح النظام لهم بالتمتع بامتيازاتهم على النحو الذي يرغبون وزيادتها. كان المؤشر على النزعة اليمينية لدى المثقفين الدينيين هو تصفية الحساب مع شريعتي. لقد أغلق الإصلاحيون دفتر شريعتي«...
لكي يتحرك الإنسان الذي بلغ الوعي الذاتي، الموحّد متعدد الأبعاد، في براكسيس روحي وعاشق ضمن مثلث الله والخلق والنفس، ويستمر في الحركة، فإنه يحتاج إلى طاقة يوتوبية، يحتاج إلى مثقفين نبيّين أمثال شريعتي وصابر وحنيف نجاد. مثقفون باعثون على الوعي الذاتي ومانحون للطاقة. مثقف يسعى، بتعبير نرجس سوري، إلى إنعاش الإنسان المغترب:
»من وجهة نظره، فإن الإصلاح الديني ليس مشروعًا قائمًا بذاته ونقائيًا يسعى فحسب إلى إحياء الأمر الديني النقي والخالص، بل ينبغي وضع الإصلاح الديني على صلة بالأمر الاجتماعي بحيث يمكن إقامة نوع من علاقة التطابق بينهما. ومن هذا المنطلق، يقترب الإصلاح الديني في تصور شريعتي من خطاب لاهوت التحرير، لأنه يستحضر الدين بهدف تحرير "الآخر الإنساني" في ساحة الحياة الاجتماعية-السياسية. يكتسب الإصلاح الديني عنده أوجهًا مختلفة، بحيث يمكن أن نجد فيه نوعًا من اللاهوت السياسي والاجتماعي والاقتصادي والوجودي، الذي يشكل تحرير الإنسان بأشكاله المختلفة جوهره الأساسي. لذا، يدافع شريعتي عن ضرورة الإصلاح الديني بهذا التمهيد كونه يُمهد الطريق للتغيير الاجتماعي والتاريخي. يجب أن يؤدي التجديد الديني، بتعبيره، إلى تجديد اجتماعي، وأن يُسفر إحياء الأمر الديني عن إحياء الإنسان المُغتَرب«...
على الرغم من كل الهجمات أو الانتقادات الجائرة ضد شريعتي، فإن طاقته اليوتوبية قد حركت عدة أجيال حتى الآن. في هذا الوضع الخالي من اليوتوبيا، ترى بنات الدكتور شريعتي أن الحل يكمن في الأمل. أملًا في عودة المثالية، يتحدثن عن ضرورة تجديد الطاقة اليوتوبية للمجتمع. تتحدث سوسن شريعتي عن الأمل الراديكالي:
..»الأمل مرة أخرى؟.. لم يُبنَ التاريخ دائمًا على الذاكرة؛ الخيال ضروري أيضًا. يجب ترك مساحة لاستئناف التفاؤل. الأمل كمشروع وليس كانظار. تحويل الأمل إلى مشروع منظم وهجومي. هل يمكن التعامل مع الأمل بهذه الإرادية؟ كل جاذبية الأمل تكمن في أنه، بتعبير شريعتي، يمتلك "مصدرًا لا أدريًا"؛ عدم المعرفة وعدم القدرة هما صفتان دائمتان للآمِل (لا أعلم متى، وهو خارج عن طاقتي)، ولهذا السبب هو قوي، ومن هنا هو من جنس الانتظار. الأمل كمشروع يمكن أن يكون متناقضًا ذاتيًا، لأنه يُشرك المعرفة والإرادة الإنسانية، وربما يفقد بذلك ديناميكيته وقوته المتعالية. ومع ذلك، في عالمنا المسحور عنه السحر، الأمل كمشروع – وإن كان إراديًا ولهذا السبب مصطنعًا – يعني قبل كل شيء خلق حل جديد في مواجهة اليأس الفاعل الهجومي الأناركي الذي انتفض ضد الأنظمة. هذا الخلق الجديد مشروط بتحديد وفتح الميادين التي يتغذى منها وحش اليأس: الفقر، التهميش، التحول إلى فرائس جيوسياسية، أحادية النموذج في أنماط التنمية«...
وتتحدث سارا شريعتي عن عدم الاستسلام للواقع، عن الأمل والتمسك بالمُثُل، والبحث عن نماذج جديدة وخلقها:
..»في مواجهة ديكتاتورية هذا الواقع، ما هو سلاحنا؟ لا نملك قوة ولا إمكانيات، إنه الأمل وحده، والإيمان وحده هو الذي سيمنحنا هذه القوة وهذه الإمكانيات. الأمل بمستقبل نشارك في بنائه، والإيمان بالمُثُل والقيم التي تشكل معنى حياتنا. سألني صديق ذات مرة: ما العمل؟ وأمام كل طريق، وكل فعل، وكل اقتراح كنت أطرحه عليه، كان يعدد لي مشاكله وعقباته والحقائق الاجتماعية المانعة. كل ذلك بدقة وواقعية. لم يكن لدي ما أقوله. قلت له: أنت على حق. لكن، الشرط المسبق لأي عمل، ليس الإمكانيات التي نملكها ولا القوة التي نتمتع بها، الشرط المسبق لأي عمل هو "أن نحب". يجب أولاً أن نحب هذه الأمة، هذا الشعب، هذه الأرض، يجب أن ننتمي إلى هذه الأرض، يجب أن نفكر في المصير المشترك حتى يكون خيره وشره، خيرنا وشرنا نحن، وبعدها، نستطيع أن نسعى لتغييره. حديثي السابق كان عن الوفاء. الوفاء لمفهوم: مفهوم الإنسان الجديد. ولحركة: بداية التاريخ من جديد. الوفاء الذي كنت أتحدث عنه، كان الوفاء لقيمنا نحن على الرغم من الواقع القائم. الوفاء لنفس الحب، لنفس المُثُل، لنفس المبادئ، لنفس القيم، لنفس الطموحات التي أوصلتنا إلى هنا. بحث دؤوب وعدم استسلام. ألسنا ما زلنا، حتى الآن، نؤمن بتلك المُثُل وتلك الإنجازات؟ إذن، فلنأتِ وبدلاً من أن نغسل أيدينا من دعاوينا، لنقم "بإعادة تعريف" هذه المفاهيم المحرفة ولنستعد ملكية هذه القيم المغتصبة. فلنأتِ بعد غسل هذه المفاهيم وإعادتها إلى مقامها الأول، لنطالب بملكيتها. لنطالب بملكية أرضنا. لنطالب بملكية خطاب المطالبة بالعدالة. نفس الخطاب الذي يدعيه اليوم في مجتمعنا أولئك الذين يقفون في وجه الحرية، لنطالب بملكية خطاب الديمقراطية، نفس الديمقراطية التي تعتبرها الرأسمالية الجديدة اليوم ملكاً مطلقاً لها. فلنشارك في مشروع تحرري وننتزع قيمنا من براثن مدعيها ومالكيها المعروفين. لنكن أوفياء لإرثنا. قبل نصف قرن، كان مصدق يتحدث عن الأمة الإيرانية. وكان بازركان يتحدث عن المسلم الاجتماعي. وتحدث طالقاني عن الشورى والمطالبة بالعدالة. وكان شريعتي يرى الناس هم الترجمان الاجتماعي لله. أما نحن فقد تخلينا عن كل هذا. نبذنا الانتماء الوطني باسم العالمية. خصخصنا ديننا ليكلفنا أقل. تركنا المطالبة بالعدالة لأن التيار اليميني يتولى أمرها. نعتبر الديمقراطية الليبرالية الرواية الوحيدة الناجحة والممكنة، لأن تلك التجارب الأخرى باءت بالفشل. اليوم نعالج مشكلاتنا بالتراجع، لكن المسائل لا تزال قائمة. في إحدى الحفلات، قال أحد أقاربنا ممن يدرس ولداه التاريخ: اللعنة على من يسمح لأبنائه بدراسة التاريخ، وكان يقصد من كلامه: "...لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين..." وأنا أكمل هذا الكلام: أحياناً يرى المؤمن أنه قد لُدغ، فأصبح عاجزاً. يسمع أن على المرء أن يتعلم من هذه اللدغات، ويشعر أنه لا حيلة له. أحياناً تنفد طاقته، وفي هذه الحال، المؤمن، إن كان مؤمناً، لا يراجع إيمانه. لأنه استُلب إيمانه، لا ينبذه. لأن إيمانه لم يتحقق، لا يتخلى عنه. لأنه لا يبلغ إيمانه، لا ينكره. لأن الواقع ضد حقيقته، لا يستسلم. المؤمن يرى معنى وجوده، حياته، في الوفاء لإيمانه. المؤمن يفضل هذا الوفاء على نيل القبول العام. المؤمن يصنع من حياته شهادة، ويصبح هو نفسه نموذجاً لقيمه. المؤمن إذا لُدغ مرة، لا يسقط، الحب، الإيمان، الأمل، المُثُل، هي المعنى ودينامية حركة التاريخ. الوفاء لهذه القيم يدفعنا إلى البحث وخلق نماذج جديدة. هذه هي مهمتنا ومسؤوليتنا اليوم«...
وعليه، فإن الموحد متعدد الأبعاد قد بلغ الوعي الذاتي، ولديه يوتوبيا، وفي مثلث الله والخلق والنفس، يسعى بوعي هجومي منصب على الحياة وقائم على عناصر الألم والحب والعمل الثلاثة، عبر براكسيس عاشق وروحي، إلى تحقيق هذه اليوتوبيا. إنه يسير بمنهج وعيه التحريري نحو التوعية ونشر الطاقة اليوتوبية في المجتمع، وهو وعي يؤدي إلى مساندة المستضعفين وتمكينهم وإضفاء اليوتوبيا عليهم في إطار تعاون وتآزر اجتماعي مؤسسي قائم على مبدأ "التعاون من أجل البقاء". في المقال التالي، الذي يُعد المقال الأخير في إطار لاهوت التحرير التعاوني، سنقوم بتجميع خلاصات المقالات الأحد عشر السابقة، واستعراض إمكانيات وآفاق التجديد الديني لبدء مشروع اجتماعي قائم على هذا اللاهوت.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
اقبال ، شریعتی، عبده، سید جمالدین اسد آبادی ، عبدالرحمان کواکبی نمونه افرادی که اندیشه اشان محکوم نگرش غرب نشد و نه تنها تکرار کننده آثار اندیشه غربی نشدند بلکه توان تفکر مستقل در آن ها موجب خلق آثار متفاوت و بدیع شد.
شریعتی برخلاف روشنفکر ، صادق، original، کارا، اهل اندیشه بود. شخصیتش و اندیشه اش ارزشمند تر، قوی تر ، تاثیر گذار تر از جذابیت شهرت و تبختر متفکر بودن و تظاهر به تعلق به ایلیت خارج رفته فرانسه زبان بود. شریعتی مورد حسرت فلاسفه و روشنفکرین تشنه شهرت بود و هست. تاثیر شریعتی سالهاست که باقی مانده و مورد تهاجم متظاهرین مترجم مؤلف نما است.
واقعا مقاله بامزهای است! مقاله در مورد اقبال و شریعتی است ولی نویسنده حتی به یک پاراگراف از متون این دوارجاع نداده. در عوض نقل قول در نقل قول از افراد درجه دوم آورده شده است. نقل قولهایی از محدثی تا نیکفر! دلیلش چه میتواند باشد ؟ عدم آشنایی نویسنده با متون اصلی؟ در هرصورت سیاه مشق مفرحی بود. اما برای خوانندهی بی حوصله امروز که کمتر کتاب میخواند و با آثار اصلی شریعتی و اقبال آشنا نیست این شبه مقاله ها به شدت خطرآفرینند. چرا که در میزان آشنایی شریعتی با اسلام و همچنین با فلسفه غرب اغراق میکندو او را علامه دهر نشان میدهد. مشخصا میزان آشنایی شریعتی با فلسفه غرب همان مد روزگار خودش بوده است اگزیستانسیالیسم سارتری ( و نه هایدگر) و مارکسیسم. تمام واژگان این نظریه بافیها هم از افق فکری این دو نحله خارج نیست. خودآگاهی،عمل،مبارزه، وحدت میان نظر و عمل و... در مورد سواد اسلامی شریعتی هم اما و اگر های زیادی بوده است که برخی از اهل علم و فضل بارها گفته اند. در مورد اقبال هم حرف بسیار است عجالتا باید گفت علامه اقبال مشخصا در مقابل مولانا کلام آزاد و عبدالغفارخان قرار گرفت و ایده کشور پاکیها را بافت. بد نیست برادرانی که به توحید نظر و عمل اعتقاد دارند سری به کشور پاکی ها بزنند تا ببنند که بافتن بدون مسئولیت و جاهلانه چه بر سر مردم آورده است.