اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى شريعتي وإقبال إلى إعادة بناء «المسلم الكامل» على مثال الإمام علي؛ نموذج يجمع بين الأبعاد الروحية والاجتماعية في آنٍ واحد. وعرفانهما الاجتماعي يصوغ شخصية متعددة الجوانب تنهض بتزكية النفس وتخفيف آلام البشر معًا.

في تتمة سلسلة كتابات التوحيد الاجتماعي-السياسي، وفي المقال الأول من سلسلة كتابات العرفان الاجتماعي تحت عنوان "العرفان الاجتماعي على أرضية التوحيد الاجتماعي السياسي" قيل إن الموحِّد متعدد الأبعاد، لأن توحيده ليس أحادي البعد، فإن سلوكه الروحي لا يختزل في البعد الفردي، وهو سلوك قائم على العرفان الاجتماعي. كما تم التأكيد على أن مدرسة التنوير الديني، بالإضافة إلى إعادة قراءة التوحيد الاجتماعي-السياسي للجيل الأول من المتنورين الدينيين، تحتاج أيضاً إلى إعادة قراءة العرفان الاجتماعي عند شريعتي وإقبال وتعاليم طالقاني وبازركان والإمام موسى الصدر ذات التوجه الاجتماعي، لكي يولد من رحم هذه المدرسة مرة أخرى أبناء مثل آل جمران وآل هدى صابر الذين كرسوا حياتهم كلها للنضال والسعي من أجل تخفيف آلام البشر ومعاناتهم وتعليمهم وتمكينهم، وبذلوا وسعهم في تقرير الحقيقة وتقليل المرارة. وفي نهاية المقال السابق، أشير إلى أنه على الرغم من أن العرفان الاجتماعي عند شريعتي وإقبال ينتقد العرفان التقليدي والعرفان الإلهي المحور، وهو متأثر بالعرفان الخراساني والعرفان الإنساني، إلا أنه في نطاق النزعة الإنسانية يتجاوز العرفان الخراساني. في هذا المقال سنتناول العرفان الاجتماعي في فكر شريعتي وإقبال.
١
ما سُمي في سلسلة كتابات التوحيد الاجتماعي-السياسي بالموحد متعدد الأبعاد، كان شريعتي يسميه "الإنسان الكامل" أو "المسلم الكامل". ويعتقد شريعتي أن تجسيد الإنسان الكامل يمكن رؤيته في الإمام علي:
«... في "دين التوحيد" هذا، علي، وجميع الشخصيات العظيمة التي تربت تربية خالصة ومباشرة على يد النبي ومدرسة الإسلام، هم هكذا. هؤلاء شخصيات ذات بعدين، شخصية تماماً مثل علي: رجل يستحضر المرء في أحواله وجذباته الداخلية روحاً متجردة من الوجود، وفي معارجه الروحية "يعرف طرق السماء أفضل من طرق الأرض". روح كهذه لا تنام من الليل حتى الصباح، لأن: "في نقطة نائية من المجتمع الإسلامي، نام إنسان جائع". روح بهذه الدرجة من الحساسية إزاء مسألة الجوع في المجتمع، حتى جوع فرد واحد، في بقعة من الأرض. إنه تماماً كقائد مادي محب للشعب، لا يفكر إلا في أصالة الحياة المادية للناس. ومن بعده الآخر، هو حكيم محترق بالخلوة والصمت والداخل، وكأنه لا يفكر في هذا العالم كله! هذا "رجل السيف والكلمة، الحب والفكر، رجل ينهمر الموت من سيفه، والوحي من لسانه. هذا الرجل هو نموذج إنساني مثالي. هؤلاء الصحابة العظام، هم نماذج ونماذج إنسانية، يقدمها النبي ومدرسته إلى تاريخ البشر والإنسان والأمة الإسلامية، لكي يبنوا أنفسهم هكذا: "الإنسان الكامل"، النماذج المثالية، هم من ذلك النوع من البشر الذين يسمونهم في علم الاجتماع "L'.homma.total". أي إنسان يمتلك كل الأبعاد الكاملة و"الذات الكاملة" للإنسان المثالي. أحد معاني الإمام هو: النموذج المتعالي والإنسان النموذج...»(مجموعه آثار ۵ / ما و اقبال / ص ۳۰)
يعتقد شريعتي في كتابه "نحن وإقبال" أن إقبال كان يسعى لإعادة بناء المسلم التام الذي بناه على مثال الإمام علي:
«... إقبال إنسان لديه رؤية كونية، وبناءً على هذه الرؤية الكونية، والتفسير الروحي الفلسفي الذي يقدمه للعالم وللإنسان، أسس مذهبه الاجتماعي، وبناءً على الثقافة والتاريخ اللذين يتصل بهما، وبقدر ما تسمح به مواد بناء الإنسان في قرننا، بناه كما يعطي هو نفسه المعيار، على مثال "علي"...»(مجموعه آثار ۵ / ما و اقبال / ص ۳۸)
يرى شريعتي أن إقبال موحد متعدد الأبعاد يسعى إلى تجديد بناء "مسلم كامل":
«... محمد إقبال هو روح مسلمة متعددة الأبعاد. فهو لم يسعَ فقط إلى جمع وتأليف وإعادة بناء الأبعاد المتجزئة والأعضاء المتناثرة للأيديولوجيا الإسلامية، أي الجسد الحي للإسلام، الذي تقطّع أوصالَه عبر التاريخ الخدعُ السياسية والنزعات الفلسفية والاجتماعية المتناقضة، فاحتفظت كل جماعة بقطعة منه، وليس كتابُ "تجديد بناء الفكر الديني" هو "تحفته" الفنية فحسب، بل إن تحفته الأعظم هي بناء شخصيته هو الفريدة ومتعددة الأبعاد والكاملة. إنه إعادة بناء "مسلم كامل" في شخصه هو. إنه "عصامي" عظيم ونفيس...» (مجموعة آثار 5 / نحن وإقبال / ص 101)
«.. محمد إقبال ليس عارفاً مسلماً كالغزالي، أو كمحيي الدين بن عربي، أو حتى كجلال الدين الرومي، ممن لا يفكرون إلا في تلك الأحوال العرفانية المتعالية، ويكتفون بذلك التكامل الفردي وتزكية النفس وإشراق باطنهم هم، أو بضعة نفر مثلهم، غافلين عن الخارج، غير مبالين بهجوم المغول واستبداد الحكم واستعباد الخلق. وليس كأبي مسلم والحسن الصباح وصلاح الدين الأيوبي وشخصيات من شاكلتهم ممن كانوا في تاريخ الإسلام رجال سيف وسلطة وحرب ونضال فحسب، ويرون أن إصلاح الفكر وتغييره والثورة فيه وفي العلاقات الاجتماعية وتربية البشر تتم وتكتمل بممارسة القوة والعنف والتسلط على العدو. وليس كعلماء من أمثال السير سيد أحمد خان الهندي، الذي يظن أنه أياً كان وضع المجتمع الإسلامي، حتى ولو كان تحت سيطرة نائب الملك الإنجليزي، يمكن إحياء الإسلام بتفسير علمي عصري، وبتأويلات علمية ومنطقية للقرن العشرين للمعتقدات الإسلامية والآيات القرآنية، وبأبحاث علمية معمقة وتدقيقات فلسفية. إقبال رجل لا يرى، في الوقت نفسه، أن العلم، كما في الغرب، عامل كافٍ لخلاص البشر وتكاملهم وإزالة آلامهم، وليس كالفلاسفة الذين يقدمون الاقتصاد وتأمين الحاجات الاقتصادية على أنه تأمين لكل الحاجات الإنسانية، وليس كأبناء وطنه، أي مفكري الهند والبوذيين، ممن يظنون أن صفاء الباطن وخلاص الروح من هذه الحياة "السامسارية" ومن هذه الدوامة الكارمية إلى "النيرفانا" هو تحقيق للرسالة البشرية، ويتوهمون أنه يمكن في مجتمع يسوده الجوع والعبودية والضعف والذلة، بناء أرواح طاهرة متعالية، وبشر مهذبين وسعداء، بل وحتى أخلاق مزكاة. كلا، إن إقبال، بمدرسته، وبكيانه ذاته أساساً، يبيّن أن الفكر الذي ينتمي إليه، أي الإسلام، هو فكر، في الوقت الذي أولى فيه الدنيا وحاجات البشر المادية اهتماماً بالغاً، إلا أنه يمنح الإنسان قلباً يرى، على حد تعبيره هو: "أجمل حالات الحياة في الأشواق والتأملات عند الفجر وفي الصباح".... إن أعظم إعلان لإقبال إلى البشرية هو: امتلكوا قلباً كقلب المسيح، وفكراً كفكر سقراط، ويداً كيد القيصر، ولكن "في إنسان واحد"، في كائن بشري واحد، على أساس روح واحدة، ولبلوغ هدف واحد. أي إقبال نفسه: رجل كان يمتلك الوعي السياسي لعصره في أسمى درجاته، حتى إن البعض لا يرونه إلا وجهاً سياسياً وزعيماً للتحرر الوطني ومناهضاً للاستعمار في القرن العشرين، وكان، في الآن ذاته، في تفكيره الفلسفي والعلمي، في مرتبة جعلت الغرب اليوم يعتبره مفكراً وفيلسوفاً معاصراً، في مصاف "برغسون"، وفي تاريخ الإسلام في مصاف "الغزالي". وهو في الوقت نفسه رجل نعتبره ونسميه مصلحاً للمجتمع الإسلامي، يفكر في وضع المجتمع البشري والإسلامي، والمجتمع الذي يعيش فيه هو، ويجاهد من أجل خلاصه ويقظته وحريته. لا ينظر ويعمل ويسعى على سبيل التسلية والعلم، وكما يقول سارتر، على شكل "الاستعراضات المثقفة لأشباه اليساريين السياسيين"، بل ينظر ويعمل ويسعى كإنسان ملتزم ومتعهد، وهو في الآن ذاته عاشق لجلال الدين الرومي، رفيق درب في معارجه الروحانية، لاذع ومحترق ومتوهج بنار العشق والألم والاضطرابات الروحية. لكنه رجل عظيم لم يصبح أحادي البعد، لم يتجزأ، مسلم لم يصبح ذا جانب واحد ووجهة واحدة، أي مسلم كامل. حتى لو عشق جلال الدين الرومي، فهو لا يفنى فيه أبداً، ولا يميل إلى جانب واحد..."(مجموعة آثار 5 / نحن وإقبال / ص 33)
لذا، وفقاً لاعتقاد شريعتي وإقبال، ينبغي اعتبار الإمام علي تجسيداً للمسلم الكامل المنتمي لمدرسة محمد النبي. كما سعى إقبال إلى إعادة بناء المسلم التام والموحِّد متعدد الأبعاد في العالم الجديد. وكما سبق أن ذُكر، فإن سلوك الموحِّد متعدد الأبعاد الروحي يختلف عن سائر السالكين، ومن أجل سلوك يتناسب مع هذه الرؤية للعالم، لا بد من إعادة قراءة عرفان شريعتي وإقبال.
٢
يمكن تسمية إقبال بتعبير عبد الكريم سروش "مؤسس التصوف الحديث"، فقد أحدث إقبال في العرفان ثورةً بحجم ثورة نيما يوشيج في الشعر، وتابع شريعتي هذا المشروع، وهو نوع من العرفان الاجتماعي القائم على النزعة الإنسانية المتمحورة حول الله، عرفانٌ يمثل عودةً إلى العرفان العلوي، عرفانٌ يقوم على التلازم بين الفكر والعمل. يكتب عبد الكريم سروش في مقاله "إقبال الشاعر":
«يمتلك محمد إقبال اليوم بضاعتين ثمينتين بالنسبة لنا، إحداهما علم الكلام الجديد والأخرى العرفان الجديد.. وكما يُرى، فإن إقبال، متفقاً مع شيخ بلخ، لا ينبذ فقط التصوف الموجب للعجز، بل ينبذ أيضاً الحكمة العقيمة والباردة والخالية من الجذوة ليصل إلى عشقٍ ذي لهبٍ محطمٍ للأصنام ومانحٍ للوعي، ويتخذه رأس مال للحركة والتحول.. والفارق المعنوي الذي أقامه الدكتور علي شريعتي لاحقاً بين أبي علي وأبي ذر كان من هذا القبيل أيضاً. إن إقبالاً في هذا النفور من التأمل والنزوع إلى العمل ونبذ الحكمة العقيمة والتوق إلى العشق الخلاق، يمضي قدماً بكل جرأة حتى إن أشعاره تذكّرنا بقولة ماركس: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم، ولكن المطلوب هو تغييره"..»
آمن إقبال اللاهوري وشريعتي، في حقلهم المعرفي، بالإضافة إلى تفسير العالم، بتغيير العالم وبالجدل بين الرؤية والفعل، وبتعبير علي قاسمي:
«..شريعتي أيضًا، شأنه شأن مُلهمه إقبال، كان يُعنى بالتغيير أكثر من التفسير؛ حتى إنه يمكن القول بأن نظرته المعرفية والإيمانية في فهم واقع الظواهر، ولا سيما الأمور الوحيانية والقدسية، قد قامت على الإرادوية والبراكسيس (الممارسة القائمة على الفكر). كان إقبال يرى أن القرآن قد عُني بالعمل أكثر من الفكر، وأن «الدين ليس فكرًا مجردًا ولا شعورًا مجردًا، بل هو تعبير وتفسير عن الإنسان بأسره» و«غايته تغيير شكل الحياة الباطنية والظاهرية للإنسان وتوجيهها»... هذا الاعتقاد الذي تجلّى في أسمى صوره في الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، يؤكد على جوهر الإرادة بوصفها بؤرة التغيير، ويرى أن طريق تغيير البشر وتحررهم من الأوضاع اللاإنسانية والألم والعذاب والقيود وأشكال الجبر الاجتماعي... إنما يتيسر عبر الفعل والعمل، لا في المواجهة النظرية المحضة.. وبناءً على هذا التعليم، كان شريعتي يرى أن «إسلام القرآن قد استبدل التقدير السماوي - الذي لا شأن للإنسان فيه - بالتقدير الإنساني الذي للإنسان فيه دور أساسي». وفي عبارة أخرى عن رؤية إقبال العرفانية للإنسان يقول: «الإنسان في عرفان إقبال، الذي ليس تصوفًا هنديًا ولا تعصبًا دينيًا، بل هو عرفان قرآني، عليه أن يغير الزمان».. يرى شريعتي أن طريق بلوغ الحقيقة والمعنى يتيسر في سياق العمل، وبالاعتماد على البراكسيس الذي يظهر فيه الإنسان في كامل طيف وجوده (الفكر والشعور والإرادة)، يتغير العالم ويُفسَّر في آنٍ واحد، وبهذه النظرة يقول: «النظرة التوحيدية للعالم تفسيرها يتيسر بالحركة»، وانكشاف الحقيقة والمعنى يحدث في العمل، ولبلوغهما ينبغي الانطلاق، وعبر الجهاد والعمل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يتم بلوغهما. في اعتقاده، فهم المعنى رهنٌ بالوقوع في مسار مصداق ذلك المعنى، تمامًا كالإحساس بالحرارة التي تسببها رصاصة على الجلد، وسبل الله تنفتح في صميم العمل والأحداث وتتجلى برانيًا. بلا عمل، يتساوى الاعتقاد وعدم الاعتقاد بشيء (فالمؤمن كالكافر)، والإيمان والكفر، والخير والشر... تتحقق بعد العمل. وبتعبير إيغلتون: «العمل يعني أن تفقد الشيء في نفس اللحظة التي تسعى فيها لإدراكه».. بعبارة أخرى، الحقيقة ليست في مكان نتجه نحوه، بل العمل والحقيقة يولدان في مسار الحركة.. كان شريعتي يقول بجدلية الفكر والعمل بدلًا من تقدم الفكر على العمل، ولم يكن يعتقد، مثلًا، أنه لأداء الواجبات الدينية ينبغي أولًا أن يصبح المرء عارفًا بحقائق الدين، ثم يبلغ الكمال في التزكية والتقوى (إصلاح الذات)، ثم ينتقل إلى المرحلة الثالثة أي إصلاح الآخرين وتحمل مسؤولية خير المجتمع وشره. كان يرى هذه المراحل الثلاث متكافئة، تنتقل جدليًا من وجه إلى آخر ومن مستوى إلى آخر، وفي الميدان الذي يفيض إليه الإيمان والعمل ترتبط ببعضها وتتجلى برانيًا..»
في الرؤية العرفانية لشريعتي وإقبال، بالإضافة إلى التأكيد على تغيير العالم ونقد عدم التزام السالكين التقليديين ولا مبالاتهم تجاه العالم المحيط، تتعرض تعاليم مثل وحدة الوجود والفناء في الله للنقد أيضًا. كان شريعتي يرى عرفان وحدة الوجود نوعًا من الاغتراب، وبرأي نرجس سوري كان عرفان شريعتي هو عرفان الاتصال:
« ..يذكر شريعتي في كتابه "الإسلامشناسي" (معرفة الإسلام) في معرض حديثه عن أنواع الاغتراب، أنه ينتقد عرفان وحدة الوجود بوصفه أحد عوامل الاغتراب وأحد أنواعه، لأنه في نظره يؤدي إلى اغتراب الإنسان عن ماهيته وهويته الإنسانية. ومن هنا يدافع شريعتي، في مقابل هذا العرفان، عن عرفان يمكن تسميته بـ"عرفان الاتصال"، و"العرفان الثوري"، وبتعبير آخر "العرفان الدنيوي". وأبرز خصلة لهذا العرفان هي كونه اجتماعياً، أي علاقته وتفاعله مع الواقع الاجتماعي. يُتيح شريعتي حلقة الوصل هذه بين العرفان والأمر الاجتماعي عبر إدخال قطب ثالث، ألا وهو عنصر "الآخر"، الذي يرد في أدبياته بتعبيري الخَلق والناس... وعليه، يتشكل عرفان شريعتي من مثلث أضلاعه الثلاثة هي: الله، والعارف، والخَلق. بدخول عنصر الخَلق، يخرج العرفان من اعتماده على ذاته وقيمته في حد ذاته، أي العرفان لأجل العرفان، ويتحول إلى عرفان موجَّه نحو الخَلق. وهكذا، وإن كان الحديث في عرفان شريعتي يدور حول نفي الذات، وموت الأنا، ونكران الذات والإيثار (بطبيعة الحال لا بمعناها الصوفي السلبي)، فإن كل ذلك يكون في سبيل الآخر ومن أجله.. وعلى هذا الأساس، يُعد بناء الذات وبناء الآخر في فكره أمرين متلازمين، بمعنى أن الشخص يكون في حال بناء للآخر أثناء بنائه لذاته، ويُعتبر بناء الذات شرطاً ضرورياً لبناء الآخر، وتربطهما علاقة ثنائية الاتجاه. بهذا، إذا كان بناء الذات في العرفان الأخروي يستلزم تنقية الذات من الآخر والغير، وبالتالي الانعزال، فإن الذات في عرفان شريعتي هي في الأساس مفهوم متشابك مع الآخر، وبناء الذات بل والوعي بالذات لا يتيسر إلا بوجود الآخر، ومن هذا المنطلق يؤكد على أن من يستطيع إيجاد القيم المتعالية في نفسه، وأن يصبح -بالتعبير- متألهاً، هو من ينخرط في مصير الناس المحرومين والمضطهدين. وكما نرى، فعلى عكس العرفان الأخروي -الذي يؤكد فيبر في نمذجته للعرفان على هذه السمة- حيث توجد هوة وفجوة عميقة بين نمط حياة الناس العاديين ونمط حياة العرفاء، فإن هذه الفجوة تُزال في عرفان شريعتي، بحيث يصبح التفاعل والتأثير المتبادل مع المجتمع وحياة عامة الناس شرطاً مسبقاً ضرورياً ولازماً لتحقق الذات الأصيلة للإنسان، ومن ثم يكون هذا العرفان قريباً من الساحة الإنسانية وحساساً إزاء مصيره. وإذا قبلنا، بناءً على المباحث المذكورة، أن الاهتمام بمصير المضطهدين بالمعنى الأخص، والاهتمام بمصير جماهير الناس بالمعنى الأعم، يُعد افتراضاً رئيسياً لقراءة العرفان الدنيوي عند شريعتي، فإنه يمكن عندئذٍ إدراك صلته بمسألة التحرر. يؤكد شريعتي في "بناء الذات الثوري" صراحةً على أنه "قبل أن نتحرر، لا يمكننا كبشر أن نضطلع بدور في زماننا ومجتمعنا من أجل الطبقة التي نشعر بالمسؤولية تجاهها.."
إلى جانب أهمية الله والخَلق، تحدث إقبال وشريعتي أيضاً عن أهمية الذات في السلوك الروحي. يكتب سروش دباغ عن أنواع اللاذاتية في المقال الرابع من مجموعة مقالات "تصميم أولي للعرفان الحديث":
«يمكن التمييز بين معنيين لمصطلحي “اللاّذاتية” و“الذاتية” والتعرّف عليهما. فبحسب المعنى الأول، تنطوي “اللاّذاتية” على التحوّل والاستغراق في اللامتناهي والفناء في الله. وقد وجّه إقبال اللاهوري وعلي شريعتي نقداً صائباً لهذا التلقّي من “اللاّذاتية” و“الفناء في الله” في التراث العرفاني، وتحدّثا عن “البقاء بالخلق” وأبرزا اختيار السالك وإرادته واعتبرا إعمالهما مقوّماً للسّلوك العرفاني الفاتن والآسر والفعّال. علاوة على ذلك، يمكن الحديث عن معنى آخر “للاّذاتية” لا ينطوي على اندكاك السالك وفنائه، ويتمتع في الآن نفسه بأبعاد أخلاقية وباطنية بارزة. ومن هذا المنطلق، وبالاستناد إلى غزل مولانا، جرى التمييز بين مكوّنات “الذاتية” و“اللاّذاتية” بالمعنى الثاني. فالنرجسية والهشاشة والانشغال بصيد البعوض؛ والكآبة والذبول كالخريف والجشع والقلق والاضطراب هي من مقوّمات مفهوم “الذاتية” بالمعنى الثاني. وفي المقابل، فإن سعة الأفق وعدم رؤية الذات في الوسط وامتلاك قلب كالبحر والمحبة والتوجّه نحو “الآخر” وصيد الفيل؛ والبهجة والفرح والسكينة والطمأنينة هي من مكوّنات مفهوم “اللاّذاتية” بالمعنى الثاني. إن العرفان الحديث كما يرويه الكاتب ينطوي على العدول عن “اللاّذاتية” و“الفناء في الله” بالمعنى الأول، وانتقاء وتبنّي “اللاّذاتية” بالمعنى الثاني، والسعي نحو تحقيق مكوّناتها ومقوّماتها في رؤية السالك وضميره. وبتعبير آخر، يمكن للمرء في وادي السلوك أن يصبح “لا ذاتياً” وأن يستقبل ذلك؛ ولكنها لاّذاتية لا تتوقّف على التحوّل والاستغراق والفناء في اللامتناهي؛ بل تتجلّى بأوصاف كالإرادة وخفة الروح والطمأنينة. في الواقع، إن ما هو مذموم ومنبوذ في العرفان الحديث هو “التمركز حول الذات النفسي”؛ لأن “الذات” فيه تكون هي المحور ولا يُحسب حساب “للآخر”؛ أما السالك الحديث، وبتعبير هنري سيدجويك، فإنه يتوافق مع “التمركز حول الذات العقلاني” ويأخذه على محمل الجد. وبتعبير آخر، فإن “الإيثار” والانفتاح على الآخرين الذي يحتل مركزية في العرفان الحديث لا يمنع من أخذ الذات على محمل الجد بشكل معقول. إن “حب الذات” وحساب “الذات” ومحبتها، بشكل معقول ومتوازن، هو بالطبع جائز ومقبول؛ في مقابل “التمركز حول الذات النفسي” الممزوج “بالذاتية” والتمركز حول الأنا والنرجسية، وهو غير مبرّر. ومن جهة أخرى، فإن “اللاّذاتية” بالمعنى الأول هي أيضاً مما ينبغي تركه، إذ لا يبقى فيها للسالك بقيّة ولا هوية ولا استقلال، ويضمحل وجوده ويندكّ ويزول من البين... »
ويكتب أيضاً عن الذاتية واللاّذاتية في فكر شريعتي وإقبال وأهمية دور “الذات” في مسار السلوك من وجهة نظرهما:
«..محمد إقبال اللاهوري، ليس على وفاق قط مع هذا المعنى (المعنى الأول) من اللاخودية والفناء، ويعتقد أن السالك المعاصر ينبغي أن يخرج من الخمول والانفعال، وأن يسطر دوره على صحيفة الوجود باختيار وإبداع وعزة، وأن يهجر المقام السابق وألا يسعى إلى الاستحالة والاندكاك في وادي السلوك؛ ذلك أن السلوك العرفاني ليس متوقفًا على المحو والفناء في بحر الوجود اللامتناهي، ويمكن تقديم تصور وتلقٍّ آخر للسلوك العرفاني وسالك الطريق. إنه في "كلشن راز جديد"، ومن خلال طرح جملة من الأسئلة، يتحدى نظرية "وحدة الوجود" العرفانية برواية الشيخ محمود الشبستري وتوسعًا سائر العرفاء، ويؤكد أنه بقبول هذه النظرية، لا تبقى للسالك والعارف المندك الفاني بقية لإظهار الوجود والفعالية والحركة. ومن هنا، وعلى خلاف جمهور العرفاء، يؤمن إقبال اللاهوري بضرورة إحياء "الذات" النحيلة التي كادت أن تضمحل، وإعادتها إلى المشهد وجعلها محورًا، وترجيح وتبني سلوك معنوي يتضمن إعمال إرادة السالك واختياره.. وعلی شريعتي أيضًا، اقتفاءً بإقبال اللاهوري، يتحدث عن "الفناء في الله" و"البقاء بالخلق"، ويؤمن بأن العارف والسالك ينبغي ألا ينغمس في تأملاته وأذواقه ومواجيده الشخصية وألا يولي عناية للبشر العيانيين الملموسين؛ لذا فبدلًا من "البقاء بالله" ينبغي أن يكون في فكر "البقاء بالخلق"، وأن يرى آلام الخلائق ومعاناتهم ومصائبهم الاجتماعية والسياسية، وينطلق للحد منها. ومن هنا، كان شريعتي يمتدح نهضة السربداران، ولم يكن على وفاق كبير مع عرفاء أمثال بايزيد البسطامي ومنصور الحلاج، وكان يصفهم بالصوفيين المغتربين عن ذواتهم. والعلاقة الجدلية بين العرفان والسياسة في منظومة شريعتي الفكرية وسلوكه السياسي في أدوار حياته المختلفة ينبغي أن تُفهم في هذا السياق ذاته. الوجه التحرري لكويريات شريعتي يتمثل في أن يطأ الإنسان المتحرر الهابط على الأرض بين الناس، من أجل إحداث التحول والتمرد ومناهضة الظلم وتحقيق المجتمع التوحيدي اللا طبقي. السالك الخفيف الحمل الذي جرب الوحدة المعنوية في هذا العالم، ووطئ "إقليم الوجود المفقود" وديار العدم واللا شيء، ونال الحيرة والطمأنينة، يخطو بعد ذلك إلى دار الكثرة والحياة المألوفة، ويختلط بالخلائق ويحل المعضلات، ويكون في فكر تحسين حياة البشر من حوله...»
يكتب عبد الكريم سروش عن دور وأهمية "الذات" في عرفان إقبال:
«.. ينبغي النظر إلى شعر إقبال بوصفه راوياً لـ«تكوين الذات» ونافياً لـ«عبادة الأصنام». «الذات» هي العنصر الأكثر امتلاءً في شعر إقبال، وإن كان ينبغي لنا أن نطلق عليه «مؤسس التصوف الجديد»، فلهذا السبب. تصوفنا القديم الذي يضمحل فيه العز والاختيار والابتكار والجَيَشان والكفاح إلى الصفر، ويحل محله الفناء والدونية والتواضع، وتحل فيه حالة الطريدة محل الصياد ولا أثر فيه لتصميم العالم وتسخيره، يفسح المجال في شعر إقبال لتصوف يكون «الإنسان المؤلَّه» محوره، وهذا الإنسان-الإله، هذه الذات الإلهية، باختيارها وقدرتها وإبداعها وخلاقيتها الخاصة، لا تعتزل العالم فحسب، بل تسخره: «ترك هذا الدير العتيق: تسخيره»... أجل، لقد تحدث الصوفيون أيضاً عن الفناء في الله، بل وقرعوا طبل أنا الحق، لكنهم حين ارتدوا ثوب الألوهية ووضعوا تاج الربوبية على رؤوسهم، صاروا إلهاً مسالماً كلياً، رحيماً، عالماً بالأسرار، لا أكثر. لا إلهاً خالقاً مختاراً جواداً صانعاً للأدوار مصمماً مقتدراً. لكن إقبالاً يدعونا إلى هذا الإله الخالق وإلى تلك الخلاقية. هو أيضاً يقول «تخلقوا بأخلاق الله»، لكن لا تنسوا أن «المختار» هو أيضاً من الأسماء الإلهية، كما أن الخالق كذلك، وكما أن القادر والقهار كذلك. فخذوا حظكم من الاختيار والقدرة والخلاقية أيضاً، ولا تستسلموا لهذا كله بالفقر والعجز والذلة والجبر والمقهورية والعبودية. في التصوف القديم، كانت الذلة تغلب العزة، والجبر يغلب الاختيار، وحتى العشق الذي كان يصارع العقل، كان أحياناً بمنزلة العمى الذي يحسد البصير. كل هذا ينقلب رأساً على عقب في شعر إقبال، ويصبح شعره الحماسي-العرفاني مفعماً بالعزة والاختيار وعشق بصير، عشق استقر في «ذات» ممتلئة بالله وجعل منه إلهاً على الأرض... كان شعر إقبال رداً على الوجوديين الملحدين المعاصرين له أيضاً، الذين قالوا إن الإنسان الصغير يتضاءل إلى جانب الإله اللامتناهي حتى لا يبقى منه شيء. وكان مضمون كلام إقبال أن الإنسان المتناهي، بفعل مصاحبته للامتناهي، يصبح لامتناهياً حتى لكأن لا أثر للعبودية يبقى فيه، ويصير قاهرية ومختارية خالصة. شعره بكامله في خدمة هذا التصوف الإنساني-الإلهي المربي للعزة والمتمحور حول الاختيار... »
يعتقد كاووس كياني أن شريعتي وإقبالاً، بدلاً من وحدة الوجود، كانا يؤمنان بـ«توحيد الوجود» الذي لا تنحل فيه «الذات» الإنسانية فحسب، بل لها دور خاص، ألا وهو أن تصبح «الدُّردانة» في ساحة الوجود:
« ...في منظور عرفان وحدة الوجود، ومنه مولوي، فإن المثل الأعلى النهائي للعارف هو «المحو في الله»، و«الانحلال في الله»، و«أن يصبح لا أحد»، وبتعبير العارفين أنفسهم، «الفناء في الله». في عرفان وحدة الوجود، الإنسان قطرة، في النهاية، تُحيل «ذاتها» في «بحر» وجود الله، وتمحوها، وتفنى... في فكر شريعتي وإقبال، نحن لا نؤمن بـ«وحدة الوجود»، بل، كما يقول إقبال، نؤمن بـ«توحيد الوجود». نحن لا نسعى إلى «الفناء في الله»، بل نسعى إلى «السير إلى الله». نحن لا نسعى إلى «اللاكينونة» (الاغتراب عن الذات / عدم الإحساس بـ«الذات» / الاستلاب بواسطة الله)، بل نسعى إلى تحقيق الهوية الإنسانية المستقلة لـ«ذاتنا الإلهية». نحن لا نسعى إلى أن نكون قطرة بلا هوية (لا أحد) في بحر الوجود. نحن، وإن كنا «في البدء» قطرة انفصلت عن ذلك البحر (إنا لله)، ونريد في النهاية أن ننضم إلى بحر الوجود ذاك (إليه راجعون)، لكن هدفنا ليس أن نبقى قطرة، ولا أن نكون قطرة في ذلك البحر، بل أن نصبح جوهراً و«دُردانة». نحن أيضاً أمنيتنا الانضمام إلى البحر، والعيش في بحر الوجود ذاك، مع سائر موجودات الوجود، لكننا لسنا على استعداد لأن «نفقد كينونتنا»، ونفقد هويتنا، بل سنحضر في ذلك البحر بهويتنا المحددة التي تشكلت طوال حياتنا (ونفس وما سواها، قد أفلح من زكاها...). هذه الرؤية موجودة في الأساطير، حيث تتشكل «الدردانة» بحركة وسعي قطرة الماء الحقيرة، في داخل الموج. وقد نظم إقبال اللاهوري في «فلسفة الذاتية» خاصته، تحول «الذات» هذا إلى دردانه، في صدفها، بأجمل صورة ممكنة:
الحياة، في صدف الذات، صياغة الجوهر
في قلب اللهيب التوغل، وعدم الذوبان...»
يسمي كياني نظرية شريعتي في العرفان والمساواة والحرية رؤية «أصالة الوجود الإلهي» التي هدفها وصول الإنسان إلى التألّه:
«..في نظرية "العرفان، المساواة، الحرية" التركيبية لدى شريعتي، فإن كل إنسان يسعى إلى التكامل الفردي والتكامل الاجتماعي، لن يبلغ هذه الأهداف إلا بالاعتماد على العلاقات الثلاث: العلاقة مع الوجود، والعلاقة الاجتماعية، والعلاقة الوجودية. بعبارة أخرى، كل إنسان يرغب في أن يتصف بـ"ذاته"، أي بـ"الله" بلغة الدين، وهي "القيم الإنسانية – الإلهية"، أو بـ"القيم الأخلاقية – الإنسانية" بلغة غير الدين، ينبغي له أن ينال ذلك من خلال إقامة علاقة عاشقة دائمة مع مركز الوجود، بأي شكل وبأي اعتقاد يوجه طريق الخلاص (الدور العرفاني)، والحضور الاجتماعي الفاعل في صميم "المجتمع" (الدور الاشتراكي)، وكذلك السعي إلى تنمية "الذات" وصيانتها، أي ذاته الإلهية، في ميدان إقامة علاقة هذه "الأنا" مع "الآخر"، التي هي بناء وتَشَكُّل، وتأثير وتأثُّر، وتعليم وتعلُّم، وحب ومحبوبية، وعفو ومغفرة، وما إلى ذلك (الدور الوجودي). وبتعبير آخر، حدد شريعتي تكليفه إزاء هذا الثالوث التاريخي المثير للمتاعب دوماً، أي "الذات، الخلق، الله"، على النحو التالي: إيصال "الذات" إلى "الله" عبر "الخلق"! ... في نظرية "العرفان، المساواة، الحرية"، التي يمكن تسميتها برؤية "أصالة الوجود الإلهي"، يكون كل إنسان يتبع هذا المثل الأعلى، شأنه شأن العرفاء، على علاقة وجودية عميقة بالمركز المعنوي للوجود. وهو كالقطرة التي ترغب في الانضمام إلى بحر الوجود، ولكن ليس بقصد "الانحلال" فيه، أو "الفناء" فيه، أو "المحو" فيه، وأن يصبح قطرة بلا هوية، مجرد قطرة من قطرات البحر، بل، على حد تعبير إقبال اللاهوري، أن يتلألأ "كجوهرة" في ذلك البحر اللامتناهي، وأن يكون "الدرة الثمينة" لمحيط الوجود، مع الحفاظ على "ذاته"، والتمتع باستقلال وجودي أبدي. كل إنسان يتبع هذه النظرية، في الوقت الذي يكون فيه، كالعرفاء، مفعماً بالحب الإلهي، وعلى اتصال دائم بإلهه، وعابداً للقيم الإنسانية – الإلهية، فهو في علاقته بالمجتمع، وفي علاقته بالبشر الآخرين، الذين كل منهم عضو في هذه الأسرة البشرية الكبرى، الأسرة التي كل عضو فيها هو أخوه وأخته، والله هو والد تلك الأسرة، يمتلك إحساساً مفعماً بالقرابة والوحدة والإيثار والمحبة، وكأنه ولهان بأن لا يحدث أي استغلال، وألا يُداس أي حق، وأن ينعم الأفراد، لمجرد كونهم بشراً، وأعضاء في هذه الأسرة البشرية الكبرى، وبسبب سعيهم وعملهم، بنعم الحياة على قدم المساواة. إن إنساناً كهذا يسعى إلى طرح وبسط قوة الحرية والاختيار المبهجة للإنسان، وتبيين العلاقة الشائقة بين "وجوده" و"ماهيته". وهو يرى نفسه في هذا العالم كخيط منفصل، قُذف به إلى هذه الصحراء (الهبوط)، وهذا الإحساس بـ"الانفصال" يجره تدريجياً إلى "الوحدة". لكن مثل هذا الإنسان، بما أنه، شأنه شأن ذلك العارف، في مواجهة الوجود، يقيم علاقة عاشقة مع "الغيب"، وقد وجد في ذلك الغيب القيم الإلهية، وهذه القيم هي معيار وملاك وموجِّه لكل "فكر وقول وفعل" يصدر عنه، كما أنها موجِّه لهذه "الحرية" الوجودية العزيزة والمحرِّرة وجودياً، فإنه لن يُساق من "الحرية" إلى "التشرد"، بل ستصبح هذه الحرية أرضية للصيرورة فالصيرورة فالصيرورة، ولبلوغ الهدف العزيز جداً لذلك الودود الأبدي الذي لا يصيبه ضرر، في خلق الإنسان: "التأله".»
٣
في أهمية "الذات" في فكر شريعتي، ينبغي الانتباه أيضاً إلى مذهبه في النزعة الإنسانية الإسلامية. ففي النزعة الإنسانية الإلهية المحور لدى شريعتي، لا يحل الإنسان، كما في النزعة الإنسانية الغربية، محل الله مركزاً ومحوراً لعالم الوجود وفي عرض الله، بل هو خليفته ونائبه في الوجود وفي طوله. هذه الرؤية واضحة أيضاً في فكر الإمام موسى الصدر. يكتب يوسفي أشكوري عن نزعة شريعتي الإنسانية:
«..إنه يرى الإنسان "خليفة الله" بمعنى كائن شبيه بالله (من حيث الصفات بالطبع) ووريثاً لله في الطبيعة، ويعد صفات كالإبداع، والعقلانية، والاختيار، والحرية من علامات هذه المكانة؛ لذا يعتقد أن ما يفعله الله في الوجود (الخلق والإبداع)، يفعله الإنسان في الطبيعة وعلى الأرض. وهو يرى "عصيان" آدم، الذي يتحقق في القرآن بأكل الفاكهة المحرمة من قِبَل آدم وزوجه، رمزاً لحرية الإنسان وإرادته، ويعلن أن إنسان القرآن ليس أسيراً للجبر الطبيعي أو التاريخي فحسب، بل هو حر إلى درجة أنه قادر على العصيان حتى في مواجهة الله، ولهذا السبب هو مسؤول، وهو من يحدد سعادته أو شقاوته بنفسه (من الواضح بالطبع أنه لا يريد القول إن الإنسان "من حقه" أن يعصي الله، بل كلامه هو أنه "يستطيع" ذلك). من منظور شريعتي، الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجد "وجوده" أولاً، ثم يختار "ماهيته" بعد ذلك، وأدواته هي الوعي، والإرادة، والإبداع، وقوة الاختيار. إنسان شريعتي هو كاسر للأغلال، ويستطيع أن يحرر "ذاته الإنسانية" من قيود سجون الطبيعة والمجتمع والتاريخ والنفس (الغرائز) الأربعة. في هذا الفكر، لا وجود للخطيئة الأصلية فحسب، بل على الرغم من التناقض الذاتي للإنسان، فإن "فطرة" الإنسان تتجه نحو الكمالية، والحقانية، والعدالة، والحرية، وحب الفضيلة، وبكلمة واحدة، "الخير"؛ ومن هنا، وعلى عكس رأي عدد من المفكرين الغربيين (ميكافيلي وهوبز)، فالإنسان ليس ذئباً لأخيه الإنسان، ويمكن التفاؤل بالطبيعة البشرية وإمكانية خلاصه. الإنسان في هذا الفكر، قادر على التحليق من "الوحل" إلى "الروح"، ومن التراب إلى الله، ومن الناسوت إلى اللاهوت، ومن الأرض إلى السماء، وهذا الجهاد والسعي الدائمان يتمان بواسطته هو نفسه بالطبع؛ لا بواسطة الله أو أولياء الدين أو السحر والشعوذة أو أي شيء آخر. هذا طريق وإمكانية لـ"صيرورة" الإنسان و"تكونه"، والأنبياء دعاة إلى "الهداية" و"العدالة"، وليس لهم الحق في أي إكراه أو تسلط أو فرض سيطرة على البشر. في الدين التوحيدي، لا توجد "وساطة" بين الخلق والخالق، وكل إنسان لديه القوة والقدرة على الاتصال بالله مباشرة وبدون وسيط، والوصول إلى "التجربة الدينية"...»
كان شريعتي يعتقد أن البشر كائن موجود، والإنسان كائن صائر، والدين طريق لهذه الصيرورة والتكون، يكتب محمد باقر تلغري زاده عن الفرق بين البشر والإنسان في فكر شريعتي:
«..لذلك فكل الناس متساوون من حيث كونهم بشراً، ولكن من حيث إنسانيتهم، فالمسافة بينهم هي من التراب إلى الله. بعبارة أخرى، كلما تحققت تلك الخصائص الثلاث، الوعي الذاتي، والاختيار، والإبداع، في الإنسان بشكل أكبر، كلما ابتعد عن كونه مجرد بشر وأصبح "أكثر إنسانية"... لكن هذا الإنسان يتأرجح بين التراب والله، وفي مسيرة تكامله، أي الحركة من التراب أو البشر نحو الله أو التشبه بالله، التي لا نهاية لها، يواجه عقبات كثيرة يرى شريعتي أن أهمها هي الجبرات الأربعة ويسميها سجون الإنسان الأربعة...»
يعتقد شريعتي أن الخلاص من السجن الرابع لا يكون إلا بالعشق، عشق الآخر:
«...هذه هي المرحلة الرابعة التي يضحي فيها الإنسان بنفسه. الإنسان الذي -بكلمة واحدة بالغة المعنى لا وجود لها في أي لغة أخرى- بلغ مرحلة "الإيثار". الإيثار هو المرحلة التي يختار فيها الفرد، الإنسان، الآخر على نفسه، الإيثار يعني هذا: تفضيل الآخر على الذات. حتى عندما تكون هناك حياة الآخر وحياتك، تفضيل الآخر أو الآخرين على حياتك؛ الإبقاء عليه وإفناء نفسك. هنا يتضح أن الإنسان اختار أحد الموتين، موت نفسه، سواء كان موت حياته، أو موت منفعته، أو موت اسمه، أو موت سعادته، أو موت راحته، أياً كان، خبزه أو اسمه. من هذا السجن الرابع، الشديد الثقل والرعب والداخلي والذي لا يمكن التغلب عليه، يمكن لكل إنسان أن يتحرر بقوة عشق كهذا، عشق يستطيع، ما وراء العقل والمنطق، أن يدعونا إلى نفي الذات والعصيان ضد أنفسنا والدوس على كياننا، من أجل هدف أو من أجل الآخرين. في هذه المرحلة يظهر الإنسان الحر، وهذه أسمى مراحل التحول إلى إنسان. خلاصة كلامي: ذلك الإنسان المحرر، المبدع، المختار الواعي، يتحرر من سجن الطبيعة بالعلم، ومن سجن التاريخ بالعلم، ومن سجن النظام الاجتماعي بعلم الاجتماع، لكنه يتحرر من السجن الرابع بالدين، بالعشق...»
يعتقد حمود هرمزي أن الأصالة في نظرة شريعتي هي للإنسان لا للدين، ويعتبره إنسانياً راديكالياً:
«..تقوم أنسنيته على دعامتين أساسيتين: أ ـ "التمرد حتى في مواجهة الله". ب ـ خلافة الإنسان لله في الطبيعة. في هذه النظرة، الأصالة للإنسان لا للدين. في النظرة الشائعة، يُساوى بين الإيمان والدين بوصفه مجموعة من الأنماط السلوكية الثابتة. في حين أن الإمام الصادق يقول: "الإيمان أفضل من الإسلام". والإيمان، بتعبير إقبال اللاهوري، هو تفسير روحي للعالم لا أشكال ثابتة وتكوينات جامدة. من وجهة نظر شريعتي، الإنسان هو الكائن الوحيد الذي وجوده سابق على ماهيته. هذا الحكم يحطم جميع الأحكام والأطر المحددة سلفاً، ويترتب على قبوله نتائج عظيمة جداً. لذلك فإن مركز اهتمام شريعتي ينصب بشكل جوهري على "الإنسان". ويمكن باطمئنان اعتباره "أنسنياً راديكالياً"، طبعاً وفق تعريفه هو للأنسنة... يمكن تلخيص جوهره الفكري في هذه العبارة: "الصيرورة الدائمة للإنسان وخلاصه من كل سجن"...»
والسؤال الآن، كيف تؤدي هذه الأنسنة الإنسانية التي تتحرر بالعشق من سجن الذات إلى أن يصير الإنسان "درة ساحة الوجود"؟ ترى ناهيد توسلي أن نزعة شريعتي الإنسانية المتمحورة حول الله ترتبط بجدلية الفكر والعمل:
«...يكمن الفرق بين الأنسنة الدينية عند شريعتي والأنسنة الغربية في أن الأنسنة الدينية عند شريعتي لا ترى الإنسان وحيداً تائهاً في العالم، وتقر بوجود حلقة وصل بين هذا الإنسان والساحة القدسية، أي الله. يرى فكر شريعتي أن للإنسان قيمة هي قيمة قدسية أيضاً، إلى جانب قيمة ووجه وجودي ودنيوي وأرضي... يرى شريعتي الإنسان "صيرورة دائمة"، هاجسه "التحول". وأداة هذا التحول، المتجه نحو معنى الوجود والكون الكلي أي الله، ليست سوى "العمل" للوصول إلى "إيمان الإنسان" الذي تجسده العيني هو حضوره الفاعل والواسع وانتفاعه بكل الإمكانات التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفه. يعتقد شريعتي أن على الإنسان، لكي يبلغ جوهره القدسي ذاك ولكي ينال محراب ذاته الباطني، أي ما يرتبط بالوجود الكلي، أن يمارس العمل. عمل وفعل مصحوبان بالفكر والإيمان والعشق في هذا العالم. هذه النزعة العملية في منظور شريعتي البراغماتي تبدأ أولاً بالتوعية والتجديد الفكري للإنسان. توعية بدأها الأنبياء ويواصلها العلماء. هذا الأمر، أي التحول والتجدد وصيرورة الإنسان ذاته في مسار الحضور الفيزيائي/الفكري للعمل المقرون بالنظرية (الفكر) سيكون مثمراً...»
٤
وعليه، ووفقاً لما تقدم، يمكن تسمية عرفان شريعتي وإقبال، بتعبير مجتبى نجفي، نوعاً من "العرفان الاجتماعي" في منظومة التجديد الديني:
«في كويريات شريعتي أيضاً، يظهر نوع من العرفان مصحوب بالحيرة والضياع الإنساني. لكن هذا الضياع والحيرة والقلق ممتزج بأمل يميز شريعتي عن شخصيات مثل صادق هدايت. عرفانيات شريعتي تدعو إلى نوع من التشاؤم لكنه مقرون بالأمل. إنه يرى طريقه إلى إلهه في العيش البناء بين الناس. الوجود عنده له معنى، لكن يقينه هو الإيمان بخالق منح الوجود معناه. يمنح شريعتي نفسه الحق في أن يتمرد على معبوده ويتساءل عن ماهية الخلق، وهو يعشق معبوده في الآن ذاته... لقد تقبل أن الطريق إلى المعبود يمر عبر مساعدة الإنسان. وتقبل أن هذا الدنيا هي دنيا الضياع والحيرة، وأن وراء هذه الحيرة معنى خفياً، ولذلك يسعى خلف الحيرة ليبلغ مقصداً. في هذا الطريق، يرى شريعتي أبناء جنسه وهم في معاناة، فيشاركهم معاناتهم، وتصبح اللذة عند شريعتي هي السعي للتخفيف من هذه الآلام، ولهذا السبب يتحدث عن الأحزان الجليلة والآلام الكبرى. في اجتماعيات إسلاميات وكويريات شريعتي، يظهر جلياً سعيه للربط بين الله والناس.. يقول شريعتي: حيثما ورد لفظ الجلالة "الله" في القرآن يمكن استبداله بـ "الناس". أي أن خدمة الناس هي عبادة الله. ولهذا السبب فهو يضع العمل والعبادة والنضال الاجتماعي في صف واحد في مشروعه للثورة على الذات. في نظر شريعتي، المجتمع هو مسرح تجلي المعتقدات الروحية. فالإيمان بالله يتحقق في مسار النضال الاجتماعي، لا في السلوكات الفردية ..»
يقوم هذا العرفان الاجتماعي على رؤية كونية توحيدية يمكن تسميتها، بتعبير إقبال، "توحيد الوجود"، حيث يتساوى فيها التوحيد الذهني-الفلسفي مع التوحيد الاجتماعي السياسي في الوزن، ويكون السلوك الاجتماعي في العالم المحيط بنفس أهمية السلوك الفردي في العالم الشخصي، بل إن طريق السلوك الشخصي يمر عبر المجتمع. العرفان الاجتماعي هو عرفان إنساني قائم على البراكسيس (الممارسة المؤسسة على الفكر)، فالسالك في هذا العرفان ينخرط في الفعل ضمن مثلث "الله، الخلق، الذات"، وبدلاً من "الفناء في الله" يتجه تفكيره نحو "البقاء بالخلق"، وباختياره نهج "الإنسانية المتمحورة حول الله" لا يغفل دوره في هذه الأضلاع الثلاثة، ويصنع ذاته في طريق مساعدة الخلق عبر جدلية الفكر والممارسة والحب للآخر، ويظل، عبر تضحياته في هذا السبيل، في صيرورة و"تحول" دائمين وتكامل روحي حتى بلوغ مقام التأله والألوهية في ساحة الوجود. العرفان الاجتماعي، خلافاً للعرفان التقليدي، لا يغفل عن الالتزام السياسي ونبذ الخضوع للهيمنة والالتزام الاجتماعي إزاء معاناة أبناء جنسه، ويرى في التعاضد والإغاثة والمواساة والتضحية والإحسان الاجتماعي لتحسين أوضاع الناس من لوازم السلوك. فالموحِّد متعدد الأبعاد، برؤيته الكونية التوحيدية ومسعاه التحرري الواعي، يسعى خلال سلوكه الاجتماعي إلى تمكين الشرائح المستضعفة والمحرومة مادياً وفكرياً... وتعليمها ودعمها والعمل المتواصل على تحسين أوضاعها، وهم الذين يقول عنهم شريعتي في كتابه "حوارات العزلة":
"... العرفان هو أسمى ذروة تحليق الفكر، وأرفع إحساس للروح الإنسانية، وأجمل وأقدس وأطيب حركة ووثبة لقلب الإنسان، ولكن لأمة تحترق في الفقر والأمية والانحطاط والجوع والمرض... أي نفع يمكن أن يعود عليها من الحديث عن جنات في الجانب الآخر من هذا العالم، وعوالم وراء هذه السماء، وبساتين وعمارات وينابيع مختبئة في صحارى وجبال وبحار وسهول الروح، سوى مزيد من الألم فوق ما هي مبتلاة به..."
الموحِّد أحادي البعد، إن فكر في عالمه الشخصي فحسب، فمثاله أنصار الإسلام التقليدي الذين يكون سلوكهم أيضاً على نمط العرفان التقليدي. وإن فكر في العالم المحيط فحسب وغفل عن العالم الشخصي والمعرفي، فأمثلته يمكن رؤيتها في الجماعات المقاتلة الثورية كجماعة "فرقان"، التي يقوم سلوكها على النزعة الثورية والنضال الاجتماعي دون اكتساب الفكر، فتكون ثمرة الأول السلبية والعجز، وثمرة الثاني التطرف والعنف. والموحِّد متعدد الأبعاد، لتجنب هذه الآفات، ملزَم في رؤيته الكونية وسلوكه المعنوي بمراعاة الاعتدال والتوازن في الاهتمام بعالمه الشخصي وعالمه المحيط.
ما كشف عنه إقبال وشريعتي بوصفه "المسلم الكامل" يمكن رؤية تجسيده في شخصيتي تشمران وهدى صابر. في مقالات لاحقة سنتناول العرفان الاجتماعي لدى هذين الشخصين من الموحدين متعددي الأبعاد، السائرين على درب نحلة التنوير الديني، واللذين لم يغفلا في مسيرتهما السلوكية، إلى جانب المعرفة والسياسة، الانخراط في المشاريع الاجتماعية.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
شریعتی مارکسیستی بود که اسلام را دستاویز کرد و دانسجویان را فریب داد و در آشوب و به هم ریختن جامعه نقش داشت. تحلیل مارکسیستی دکتر از هابیل و قابیل را بخوانید از خنده روده بر میشودی ولی شوخی نمیکرده واقعی میگفته! این آقای قطبی چه نمدی از عرفان اجتماعی میخواهد بسازد؟
توهین و فحاشی شما حاوی استدلال نیست. معلوم است دل پری از دکتر علی شریعتی دارید!شریعتی مسلمان بود و از سلمان، ابوذر و امت اسلامی می گفت. تحریف کردن شریعتی تلاشی ناموفق است که به علت حسادت محبوبیت وی صورت می گیرد.