اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
على عكس الرأي القائل بأن شريعتي يفتقر إلى نسق فكري متماسك، يسعى حسن محدثي كيلوايي إلى إظهار أن مجمل أعماله يقوم على أسس فلسفية محددة يمكن، بإعادة تأويلها، العثور على خيط الرابط بين آرائه المتنوعة.

(أستاذ مساعد في قسم علم الاجتماع، فرع طهران المركزي، جامعة آزاد الإسلامية)
مقدمة
عادةً وبشكل مألوف، عندما يواجه المتلقي أفكار وآراء مفكر ما، فإنه يتوقع للوهلة الأولى أن يصادف مجموعة من الأفكار المتماسكة. من المستبعد جداً أن يكون لهذا التوقع جذور نفسية أو بيولوجية. من المحتمل أن نشوء مثل هذا التوقع في مثل هذه المواجهات يعود جذوره إلى تربيتنا الفكرية. ومع ذلك، يبدو أن جزءاً من الأمر يتعلق بعمل الذهن. يبدو أن ذهن الإنسان، من خلال المقارنة وإيجاد الصلة بين الأفكار، يرشدنا إلى اكتشاف أوجه الانسجام والتنافر بين الأفكار مع بعضها البعض. لكن توقع التمتع بالانسجام والتوافق بين آراء مفكر ما المتنوعة، وهي آراء أنتجت وطرحت في فترات مختلفة من حياته، ونشأ كل منها في سياق اجتماعي ونفسي خاص، وارتبط بمقتضيات العصر وأحوال المفكر الداخلية، لا يتحقق عادةً. فكثيراً ما تتسلل أنواع مختلفة من التناقضات إلى آراء المفكرين وأصحاب الفكر. أحياناً يكون هذا التنافر كبيراً لدرجة أنهم يفصلون فترات الحياة الفكرية للمفكر عن بعضها ويتحدثون عن فترتين أو عدة فترات. في مثل هذه الحالات التي يكون فيها التنافر بين آراء مفكر ما المتنوعة تنافراً جوهرياً وأساسياً، غالباً ما يُتحدث عن رحلة بارادايمية للمفكر. أحد هواجس الباحثين الذين يدرسون ويحللون أفكار المفكرين هو إيجاد خيط أو خيوط الاتصال والرابط بين آراء المفكرين المدروسين المتنوعة. موضوع بحثنا في هذه المقالة بشكل عام هو إيجاد خيط الاتصال والرابط هذا في آراء المفكر الديني علي شريعتي المتنوعة.
طرح المسألة
لمواجهة منهجية وجوهرية لأفكار وآثار مفكر ما، لا مفر لنا من أن نتساءل عن تقليده الفكري أو سلالة فكره. لقد خلف شريعتي 36 مجلداً من مجموعة آثار، قام ورثته (سواء من أفراد أسرته أو بعض أتباعه) بتدوينها بشكلها الحالي ووفقاً لتقارب الموضوعات والمحتوى أو بناءً على وصية تركت منه، على هيئة هذه المجموعات الـ 36. الموضوعات التي ناقشها متنوعة جداً، وقد حاول شريعتي نفسه من خلال تقسيمها إلى إسلاميات واجتماعيات وكويريات أن يقيم صلة ما بين هذه المطالب المتنوعة.
شريعتي مفكر ديني، إن لم نقل إنه يتمتع بنبوغ خاص، فهو على الأقل مبدع جداً ويريد في فترة وجيزة أن يجيب على كثير من الأسئلة ويطرح مشروعاً جديداً. ليس من العبث أن شاندرا مظفر، الحداثي المسلم الماليزي، يعتبره "أكثر العقول إبداعاً" أنتجها "إسلام القرن العشرين" (مظفر، 1394). ومع ذلك، فالمشكلة هي أن النبوغ أو الإبداع (أياً كان التعبير المناسب لمثل هذه الشخصيات، والغرض من ذكره هنا ليس التحيز أو التمجيد بل طرح المسألة) لا يضمن انسجام آراء المفكر المتنوعة فحسب، بل على العكس تماماً، يزيله. في ذهن المفكر المبدع تولد مسائل جديدة باستمرار وتتولد أفكار حديثة. على الأقل في الظاهر، الطيف الواسع لهذه الموضوعات والمسائل والأفكار المتنوعة لا يمتلك أي تناغم فيما بينها. هذه مشكلة جدية في فهم وإعادة قراءة ونقد آراء مثل هؤلاء المفكرين.
لكن بخصوص شريعتي، هناك مشكلة جدية أخرى أيضاً، وهي أن معظم آثاره إنتاجات شفهية. إنه مفكر نشأت أفكاره بسرعة، وتم التعبير عنها، واستهلكت في ظروف غير مستقرة ومضطربة وشديدة التحول. وبالضرورة، بقيت أفكاره وآراؤه ناقصة، متقطعة، غير دقيقة، كثيرة التكرار، وأحياناً ربما دون تأمل شامل في الأسس. وبطبيعة الحال، فإن التنافر بين آراء مفكر كهذا سيظهر بشكل أكبر من ذي قبل.
والآن، ونحن بصدد دراسة ونقد أفكار شخصية كهذه، كيف ينبغي أن نعمل وكيف ينبغي أن نواجهها؟ أعتقد أن عدم اكتمال أفكار مفكرنا لا يجيز لنا أن نتناول أفكاره بشكل سطحي ونمر عليها سريعاً مكتفين بالإشارة إلى نقاط الضعف التي ستكون آثار شخصية كهذه مفعمة بها حتماً. يبدو أنه ينبغي، إلى جانب المضي في نقد يكشف بلا هوادة عن جميع العيوب والإشكاليات في آثاره وأفكاره، أن نسائل تقاليده الفكرية ونسقه الفكري. فإذا ما تعاملنا مع شريعتي أو أي مفكر آخر، لا بوصفه شخصاً نكن له الولع، ولا بوصفه شخصاً مغضوباً عليه منا، بل بوصفه ثروة ثقافية وإنسانية، فمن الجدير أن ننقب عن أسسه الفكرية ونقيسها ونصقلها، ثم ننقد آراءه وأفكاره في ضوء هذه الأسس. هذه مهمة ثقافية يضطلع بها كل جيل جديد تجاه ثرواته الثقافية، لأن إنتاج الفكر والثقافة لن يتأتى إلا من خلال مساع كهذه.
عندما يُطرح خيار كهذا، يعتبر البعض شريعتي مفكراً يفتقر إلى نسق فلسفي متماسك. تعتقد هذه الفئة من أصحاب الرأي أنه لا ينبغي البحث عن نسق فكري تأسيسي في آراء شريعتي، لأن أفكاره وتأملاته هي مجموعة من المطالب والمباحث التي نشأت وتبلورت وفقاً لمقتضيات ظروف العصر والأحداث والنزاعات، فضلاً عن المقاصد التي كان يسعى إليها. إذا كان الأمر كذلك حقاً، فلا يمكن إدراج شريعتي ضمن تقليد فكري معين، ولا اعتباره صاحب نسق فكري يمكنه أن يغذي تياراً فكرياً. وإذا قبلنا وجهة النظر هذه، فسنضطر حتماً إلى القبول بأنه لا يمكننا أن نتوقع من آثاره إثماراً وتأثيراً إلا في حدود الاستفادة من مفردات فكر شريعتي.
ومع ذلك، وبصفتي شخصاً عاشر آثار علي شريعتي لأكثر من ثلاثة عقود، أود أن أعترض على وجهة النظر هذه، وأن أبين في هذه المقالة، بقدر وسعي، أن مجموع آثار شريعتي قائم على جهاز فكري محدد، ويمتلك أسساً فلسفية معينة، وإن كان شريعتي نفسه لم يصقل هذا الجهاز الفلسفي ويقدمه بشكل متماسك، وربما لم يكن لديه وقوف تفصيلي عليه، فإنه يمكننا من خلال إعادة تفسير أفكاره وآثاره، أن نعيد بناء هذا النسق الفلسفي ونجد خيط الاتصال التأسيسي في آرائه. بل أود أن أطرح ادعاءً أكبر من ذلك: قد نجد أحياناً، وفي بعض الموضوعات في آثار شريعتي، آراءً متباينة بل ومتناقضة، لكن ما هو حاضر بشكل صريح أو ضمني ويؤدي دوراً فاعلاً في معظم آثاره، هو هذه الأسس الفلسفية الخاصة به. بمناقشة هذه الادعاءات وتدليلها، لعلي أستطيع بعد سنوات من المعايشة والاستفادة من آثار شريعتي، أن أوفي بجزء من ديني لهذا المعلم الكبير في زماننا. ورغم أنني لست من دارسي تخصص الفلسفة، وفي الحقيقة، لست في هذا البحث إلا مبتدئاً، وكلامي في أمس الحاجة إلى حكم المتخصصين في هذا المجال الدراسي، فإنني أظن أن ما أدركته يمكن أن يكون خيطاً يهدي إلى أعمال أكثر جدية في دراسة آراء وأفكار علي شريعتي.
الأسس النظرية
لمناقشة الأسس الفلسفية لفكر شريعتي، ينبغي أولاً أن أرسي قواعد البحث النظرية كي يتسنى، بناءً عليها، متابعة بحث متماسك ومنهجي. وبما أنني سأتحدث في هذه المقالة عن الأسس الفلسفية لأفكار مفكر ديني، فسأفتتح أولاً بحثاً حول الأسس الفلسفية للأنساق اللاهوتية، ثم أقدم، بقصد شرح وترسيم الملامح العامة للأفق الفكري لعلي شريعتي، تصنيفاً شاملاً للفكر الفلسفي. لقد تم إعداد هذه الأسس النظرية عن قصد لتتيح إمكانية شرح الفهم والتفسير الذي توصلت إليه من مجموع أفكار شريعتي.
أ) الأسس الفلسفية للأنساق اللاهوتية
نحن نعلم أن كل فكر – دينيًا كان أم غير ديني – يقوم على أسس فلسفية محددة. فالمبادئ الفلسفية تصبغ أفكارنا وتؤثر فيها باستمرار، وتوجه أفكارنا وتدفعنا إلى اجتذاب شذرات فكرية معينة وإلحاقها بنسقنا الفكري. أما مدى وعي المفكر بالمبادئ الفلسفية الكامنة في أفكاره، فهذا بحث آخر. بطبيعة الحال، إذا كان المفكرون على وعي تفصيلي بالأسس الفلسفية لفكرهم، فإنهم يسعون إلى الحفاظ على منهجية وانسجام أفكارهم المتنوعة. ومع ذلك، فإن أفكار أولئك المفكرين الذين لم يتأملوا ويتفكروا في الأسس الفلسفية لأفكارهم، أو الذين لا يملكون سوى وعي إجمالي بالمبادئ الفلسفية لفكرهم، ليست بمنأى عن هذا التأثر. إن وعي المفكر وإدراكه لمبادئه الفكرية لا يمكنه إلا أن يؤدي دورًا في تنقيح تلك التأثيرات، لكنه لا يستطيع أن يتسبب في الإفلات من المقتضيات المنطقية للفكر. فالمبادئ الفلسفية لها مقتضياتها المنطقية الخاصة، وهذه المقتضيات المنطقية تفرض نفسها أكثر أو أقل على المسيرة الفكرية للإنسان المفكر. وبتعبير كونفيرس الدقيق: "ترتبط العناصر الفكرية بعضها ببعض بواسطة صور معينة من الإلزام أو الاعتماد الوظيفي المتبادل" (Convers, 1964: 207).
هذه المقتضيات هي التي توجه تفكير المفكر. لذا فإن الأسس الفكرية التي تم تبنيها حتى الآن توجهنا بشكل نسبي في انتقاء وإلحاق شذرات فكرية أخرى بنسقنا الفكري. لقد أُدرج مفهوما "أكثر أو أقل" و"بشكل نسبي" في جملي السابقتين لكيلا يكتسب تأكيدي على توجيه المبادئ الفلسفية في هذا البحث طابعًا قطعيًا وتامًا. وفي معرض توضيح استخدام هاتين الكلمتين، ينبغي أن أضيف أنه بقدر ما يكون المفكر المعني قادرًا على التفكير المنهجي والابتعاد عن التشتت الفكري، وبقدر ما يكون قد تدرّب على ذلك أو درّب نفسه من هذه الناحية، يمكن أن نتوقع أن يكون مدى تأثير هذه المبادئ الفلسفية على نسقه الفكري أكبر. إذن يمكن القول إن في الأعمال الفكرية للمفكرين نوعًا من الأسس أو العروق أو الخيوط الفلسفية الموحِّدة الكامنة، التي قد يكون هو نفسه واعيًا بها، أو قد بقي غير عالم بها، أو قد كان على وعي إجمالي بها. لذا فإن أولئك الذين ينشغلون باستمرار بالانتقاء الانتقائي في المجال الفكري، ولا يقومون بهذا الانتقاء على أساس مبادئ محددة، هم وحدهم الذين سيفتقرون إلى أي نوع من الأسس والخيوط الفكرية الموحِّدة. وعلى الرغم من أنه لا يُتوقع من الأدباء والشعراء أن تكون لديهم مبادئ فلسفية مدروسة أو غير مدروسة، إلا أنه حتى في حالتهم لا يمكن الجزم بأنه لا توجد في أعمالهم أية أسس أو عروق فلسفية موحِّدة. على أية حال، فإن الأسس والخيوط الفكرية الموحِّدة في أي نسق فكري تؤدي إلى وحدة نسبية لأفكار المفكرين. والأنساق اللاهوتية أيضًا ينبع تفكيرها من التفكير الفلسفي. فكل نسق لاهوتي متجذر في نوع من التفكير الفلسفي. وسبب ذلك هو أن الأنساق اللاهوتية هي أنساق فكرية تتشكل حول المفاهيم والقضايا الدينية – وخاصة مفاهيم وقضايا الكتب المقدسة – وتقوم بتفسير وتأويل هذه المفاهيم والقضايا. لكن التفسير والتأويل غير ممكنين دون الاعتماد على مبادئ وأسس فكرية معينة: "التأويل – بعبارة أخرى، التفسير – يقوم دائمًا على مبادئ ومفاهيم تكون بمثابة افتراضات مسبقة توجه التفسير؛ حتى وإن كان المؤوِّلون أو المفسرون أنفسهم غالبًا لا يدركون هذه الحقيقة" (بولتمان، 1380: 61).
من المحتمل أنه بناءً على هذا الجهل بالأسس الفلسفية والفكرية لأفكارهم الدينية، يعتبر بعض علماء الدين –بمن فيهم بعض علماء المسلمين– فهمهم الديني عين ما يدّعيه الدين، ويخطّئون أي فهم أو قراءة أخرى. يجد بعض علماء المسلمين صعوبة بالغة في استيعاب فكرة إمكانية القراءات الدينية، لأنهم يعتقدون بوجود قراءة واحدة فقط، وهي قراءتهم الحقّة لا غير. يقول بولتمان في شرح هذا الفهم الخاطئ: "ربما ينبغي أن نقول إن علينا تأويل [النص] دون أي افتراض مسبق، والنص نفسه يمدّنا بالمفاهيم [المناسبة] للتفسير؟ هذا كلام يُقال أحياناً؛ لكن مثل هذا الأمر غير ممكن" (نفسه: 64). وهو هنا يميّز بحق بين نتائج التفسير ومبادئ التفسير وأسسه. في نتائج التفسير، ينبغي أن نعمل دون افتراضات مسبقة لأننا سنصل إلى النتائج من خلال عملية البحث، ولو كنا قد افترضنا النتائج مسبقاً لما قمنا بأي إجراء علمي وتحقيقي: "بالتأكيد، فيما يخص نتائج تفسيرنا، لا ينبغي أن يكون في أذهاننا أي افتراض مسبق. لا يمكننا أن نعرف مسبقاً ما سيقوله النص؛ بل على العكس، هذا شيء يجب أن نستخلصه من النص. على سبيل المثال، التفسير الذي يجعل من هذا الافتراض المسبق صدراً لعمله، وهو أن نتائج التفسير يجب أن تكون متوافقة ومتطابقة مع حكم دوغمائي، ليس تفسيراً صادقاً وجائزاً. ومع ذلك، يوجد تمييز أساسي بين الافتراضات المسبقة المتعلقة بالنتائج والافتراضات المسبقة المتعلقة بالمنهج. يمكن القول إن المنهج ليس سوى نوع من الاستفهام وطريقة لطرح السؤال. هذا يعني أنني لا أستطيع فهم النص دون أن أطرح عليه أسئلة. قد تختلف أنواع هذه الأسئلة اختلافاً كبيراً. [...] لديك فهم معين للموضوع المطروح، ومفاهيم التفسير تنبع من هذا الفهم. بقراءة النصوص، ستتعلم أشياء وسيغتني فهمك ويُصحّح. بدون هذه العلاقة وهذا الفهم المسبق [...] لا يمكن فهم أي نص" (نفسه: 65-64).
علاوة على ذلك، يمكن التمييز بين دافع المفسّر وافتراضه المسبق. كل مفسّر يلتفت إلى نص بحسب اهتمام به، ومن خلال هذا الاهتمام والدافع يشرع في قراءته وتفسيره. يسأل بولتمان: "ما هو الاهتمام الذي نحمله عند تأويل الكتاب المقدس؟" (نفسه: 67). وهو هنا يتحدث بشكل ما عن استحضار النص واستدعائه لحياتنا في العصر الحديث: "في اعتقادي، إن اهتمامنا هو أن نصغي إلى ما يحمله الكتاب المقدس في قلبه ليقوله لوضعنا وحالنا الراهنة؛ أن نصغي إلى ما هو حقيقة حياتنا وحقيقة روحنا" (نفسه: 67). اهتمامنا ليس هو ما يحدد أسسنا الفلسفية في التفسير، لكن هذا الاهتمام والدافع (لماذا توجهت إلى هذا النص بالذات) قد يوجهني أيضاً نحو اختيار نوع معين من الأسس الفكرية والفلسفية. الآن، عندما يتضح أن تأويل وتفسير المفاهيم والقضايا الدينية لا يمكن تحققه دون افتراضات مسبقة، فإن النتيجة المنطقية لذلك ستكون أنه بتحويل وتغيير الافتراضات المسبقة والأسس الفكرية، ستولد قراءة دينية جديدة، وبالتالي سيكون لدينا بعدد الأسس الفكرية المعتمدة في التفسير الديني، قراءات وفهوم دينية. والنتيجة هي أن تعدد القراءات الدينية والأنساق اللاهوتية أمر لا مفر منه.
غير أن النقطة المهمة هنا هي أن قسماً من الافتراضات المسبقة قيد البحث ذو طبيعة فلسفية، بل وربما كان في حالات منها قائماً هو نفسه على أسس فلسفية أخرى. ويذكّر ماكواري، في معرض حديثه عن الصلة بين اللاهوت والفلسفة، بأنه "في حين أن اللاهوت العقائدي المحض، الذي يرفض أي صلة بالفلسفة، قد يحمل في الآن ذاته لوازمه الفلسفية الخفية" (ماكواري، 1375: 26). وهو يعتقد أن المتكلمين والمتألهين قد يخفون أحياناً مأخذهم الفلسفية عن عمد: "قد يقبل المتكلم الجهاز الإدراكي لفلسفة ما من أجل تبيين الإيمان الديني. وهنا أيضاً قد يكون ثمة شيء من التخفّي" (المصدر نفسه: 26). في الواقع، توجد بين اللاهوت والفلسفة أنواع من العلاقات. وهذه العلاقة علاقة ذات طرفين؛ إذ يستفيد الفلاسفة من الأفكار اللاهوتية ويتأثرون بها فعلاً، كما يستفيد المتألهون من الأفكار الفلسفية ويتأثرون بها. وهذا الأخذ والعطاء ذو الاتجاهين ليس إيجابياً بالضرورة ولا يُقيَّم بوصفه إيجابياً، بل إنه تعرض في حالات كثيرة للنقد والاعتراض من كلا الجانبين. وقد قيل الكثير عن آفات الأخذ والعطاء بين الفلسفة واللاهوت. على أن الحديث هنا ليس عن كيفية تأثير اللاهوت في الفلسفة، ولا عن بحث الآثار الهدّامة للأخذ والعطاء بين الفلسفة واللاهوت. لقد آن الأوان لأن أتناول تصنيفاً كلياً للتفكير الفلسفي، وأُظهر كيف أن المنظومات اللاهوتية والأفكار الدينية المختلفة، استناداً إلى اعتمادها على هذه التقاليد الفلسفية المتباينة جوهرياً، تخلق توجهاً وأفقاً دينياً مختلفاً.
ب) الفلسفات المتمركزة حول اللوغوس والفلسفات المضادة للوغوس
في تصنيف كلي، يمكن تقسيم التفكير الفلسفي، من منظور الإجابة عن سؤالين مختلفين لكنهما مرتبطان جوهرياً، إلى قسمين: تفكير متمركز حول اللوغوس وتفكير مضاد للوغوس. وهذان السؤالان هما:
1) أين وكيف تتكشف الحقيقة (truth) عن نفسها؟
2) فيمَ تفيد النظرية (theory) وإلى أي هدف تتجه؟ هل للنظرية هدف داخلي ومكتفٍ بذاته، أم أنها ناظرة إلى أمر خارج عنها وتفتقر إلى الاكتفاء الذاتي؟
هذان السؤالان مرتبطان جوهرياً لأن النظريات تدّعي التعبير عن الحقيقة وتُقدَّم بوصفها حاملةً للحقيقة. في التفكير المتمحور حول اللوغوس، تتجلّى الحقيقة في القضية (أو النظرية) عبر مطابقة القضية للواقع، أو وفقاً لوصف هايدغر لهذا الادعاء، "الحقيقة هي مطابقة (هومويوزيس) قضيةٍ (لوغوس) لموضوع matter (براغما)" (Heidegger, http://aphelis.net ... f-Truth). بعبارة أخرى، في التفكير المتمحور حول اللوغوس، تتجلّى الحقيقة من خلال التناظر بين العارِف (knower) والمُدرَك (known) أو التناظر بين الفكر (the intellect) والشيء (a thing) (Suvak, 2000: 5, 10). هذا هو ما يُسمّى بالحقيقة القضوية (propositional truth). وبهذا، تتفوّق القضية (أو النظرية) على كل ما يقع وراءها. فبالتركيز عليها (القضية والنظرية) وحدها نستطيع بلوغ معرفة موثوقة وصادقة، وآلية بلوغ المعرفة الموثوقة هي التمثّل (representation). أما في التفكير المضاد للوغوس، فالحقيقة تتجلّى وتُختبر من خلال ما يقع وراء القضية والنظرية، وفي السياق الذي توفّره القضية أو النظرية. العنصر أو المكوّن الذي يُتحدّث عنه عادةً في التفكير المضاد للوغوس هو العمل (praxis). وهكذا، ففي مقابل الفلسفات التي تجعل اللوغوس بؤرة الحقيقة، تبحث الفلسفات المضادة للوغوس عن الحقيقة في العمل. ومن بين الفلسفات الحديثة، يمكن ذكر الماركسية والبراغماتية والوجودية والتفكيكية بصفتها مدارس ومقاربات فلسفية تنتمي إلى هذا النمط من التفكير. وعلى هذا الأساس، أطلق البعض على التفكير الفلسفي لماركسيين أمثال ماركس ولوكاتش وأدورنو وماركوزه اسم فلسفة البراكسيس (Feenberg, 2013: 98). فلسفة البراكسيس تعبير استخدمه غرامشي لأول مرة في دفاتر السجن (Ibid: 99). في فلسفة البراكسيس، تُستقى حلول أعمق المسائل الفلسفية من داخل العالم الاجتماعي والتحولات التي تطرأ عليه، لا من التنظيرات المجردة للفلاسفة. وفي الفلسفات المسماة بفلسفة الحياة (life-philosophy) لدى أمثال دلتاي ونيتشه وبرغسون وهايدغر، تلوح إمكانية لمضادة اللوغوس، حيث تقف الحياة في مواجهة العقل وتُعرَف بوصفها فلسفة احتجاج؛ لأنها تثور على هيمنة العقلانية الأداتية (Farin, 2012: 24). أما اللاهوت النقدي، أو ما يُصطلح عليه باللاهوت السياسي الألماني، ولاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وآسيا، فهو تفكير ديني يندرج تحت هذا النوع من التفكير. ويمكن تسمية اللاهوت المضاد للوغوس، إجمالاً، بالتفكير اللاهوتي المضاد للمدرسية. وعلى أية حال، يُطرح في التفكير المضاد للوغوس معيار غير نظري للمعرفة.
في التفكير اللاهوتي المضاد للمدرسية، يُتحدّث عن معيار غير نظري بوصفه مقدِّماً للمعرفة الموثوقة والمعيار النهائي للإيمان. فعلى سبيل المثال، في الثقافة الإسلامية، هذا المعيار هو العمل؛ عمل يحمل عادةً شحنة أخلاقية إيجابية وبنّاءة ومتعالية، ويمنح الإنسانَ بصفته فاعلاً للعمل سموّاً روحياً، ويمنح الإنسانَ بصفته مفعولاً به للعمل كرامةً. ومن بين الذين استخدموا تعبير مضاد اللوغوس (counter-logos) في العالم الغربي، اللاهوتي المسيحي بونهوفر (Metz, 1980: 12). وفي الفلسفة البراغماتية أيضاً، تتجلّى مضادة اللوغوس بشكل بارز. فبرأي وليم جيمس وديوي، بصفتهما مفكرَين براغماتيَّين بارزَين، "يجب على الفلسفة أن تتحدث عن حياة الإنسان الواقعية، وينبغي لها أن تخدم تحسّننا المستمر. ومع ذلك، فحياة الإنسان هي أساساً عمل (practice)، وهذا هو السبب في أن النظرية هي أيضاً جزء من هذا العمل المأخوذ بأوسع معانيه. فالنظرية نفسها أداة من أدوات عملنا؛ عمل هدفه الرئيسي تحسين حياتنا الاجتماعية والفردية" (Kremer, 2011: 5).
بناءً على هذه المراجعة الإجمالية، يمكن القول إنّ في التفكير المتمركز حول مناهضة اللوغوس ثلاثة عناصر مترابطة: 1) اتّخاذ مواقف مناهضة للمدرسية والتأكيد على أنّ الحقيقة لا تُنال عبر التأمّل والتفكير والصراعات النظرية المحضة، وأنّ المعرفة ليست متفوّقة؛ 2) التأكيد على الصلة بين النظرية والممارسة وتفوّق الممارسة على النظرية؛ 3) التأكيد على السعي لتحسين ظروف حياة الإنسان في هذا العالم عبر إحداث تغييرات فردية واجتماعية. ولهذا السبب يُظهر ماركس في مواضع عدّة من أطروحاته الإحدى عشرة حول فويرباخ تفكيره المناهض للوغوس. فعلى سبيل المثال، يقول في الأطروحة الثانية: "يجب على الإنسان أن يُثبت في الممارسة حقيقةَ فكره، أي واقعيته وقوّته وهذا-جانبيّته [دنيويّته]... إنّ الجدل حول واقعية الفكر أو لا واقعيته بمعزل عن الممارسة هو مسألة مدرسية بحتة" (ماركس، 1386: 36؛ التسطير والتأكيد من النصّ نفسه وعلامة التلخيص منّي). ويقول في الأطروحة الحادية عشرة أيضاً: "لقد فسّر الفلاسفة العالم بطرق شتّى، غير أنّ المسألة هي تغيير العالم" (المصدر نفسه: 39). وبالمنوال نفسه، يقول ريتشارد رورتي بصفته براغماتياً جديداً:
"لدى جميعنا نحن مناهضي اللوغوس اليوم، سواء من أنصار ديوي أو أنصار ديفيدسن أو أنصار دريدا، إحساسٌ بأنّنا نؤمن بـ'الأطروحة الحادية عشرة'. لم نعد نحاول فهم العالم بالمفهوم الذي كان أرسطو وهيغل يفهمان منه 'الإدراك'. لا لأنّنا نعتقد أنّ العالم غير قابل للفهم، بل لأنّنا نعتبر إعادة وصفه، أكثر من كونها محاولةً لاكتشاف الخصائص الذاتية للواقع، أداةً للتغيير الفردي أو الاجتماعي. لكنّ خيارنا الآن يقع بين محاولة تغيير العالم أو تغيير الذات. إنّ الانغماس في تغيير ذواتنا، وهو ما فعله كيركغارد ونيتشه وبروست، يبدو أنانيّاً وغير صحّي ومنحطّاً. لذا، عندما نرى أنّنا بذلنا جهداً كبيراً في هذا البرنامج الخاصّ، نشعر بالخجل" (رورتي، 1384: 305).
ويقول رورتي أيضاً، مع تأكيده أهمّية النظرية: "يجب تقييم المجالات التي أوجدتها النظريات من خلال كفاءتها في إحداث تغييرات مؤثّرة، لا (كما يعتقد المتمركزون حول اللوغوس) من خلال كفايتها في طريق هدف ما" (المصدر نفسه: 305).
والآن، بناءً على هذه المقدّمات النظرية، يمكنني متابعة بحثي في رسم الأسس الفلسفية لفكر المفكّر الديني المعاصر، علي شريعتي. ينبغي أوّلاً أن أُظهر أنّ شريعتي كان على وعي إجمالي بالأسس الفلسفية لفكره، ثمّ أحاول أن أُظهر كيف أثّر التفكير المناهض للوغوس في أضلاعه الفكرية وتجلّى فيها، وأضفى لوناً ورائحة خاصّين على فكره الديني، وميّز فكره الإسلامي عن الأشكال البديلة للتفكير الديني في إيران المعاصرة (مثل التفكير السلفي، والتفكير المدرسي، والتفكير الديني الليبرالي، والتفكير التقليدي).
وعي شريعتي الإجمالي بأسسه الفلسفية
كان شريعتي يدرك، إلى حدٍّ ما، قُرب تفكيره الديني من هذا النوع من الفلسفات الحديثة، وكان يتحدّث عنه بين الحين والآخر في أعماله: "يتّضح العمق العلمي والفلسفي والسوسيولوجي لعلماء الأخلاق لدينا، وخاصةً الشيعة، تجاه «العمل» (وهو ما يفرّق بين التشيّع والتسنّن، وبخاصة فرقة المُرجئة: التي حصرت الدين في «القلب» فقط وأخرجت العمل من تعريفه)، عندما تُعرف المباحث الجديدة للفلسفات المعاصرة، وخصوصاً البراغماتية، وبالأخص الوجودية (التي ترى العملَ وحده خالقاً لماهية الإنسان) ومسألة البراكسيس في فلسفة ماركس وسوسيولوجيته" (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 4: 251). كان إلهامه من هذه الأفكار، واقتباسه منها أحياناً، نابعاً من انتمائه هذا إلى التفكير المناهض للمركزية اللوغوسية. كان شريعتي يصف المركزية اللوغوسية بأنها وقوع في "شرنقة ذهنية من حرير الذهب". وهو يعتقد أن الحقيقة ينبغي أن تُختبر داخل التاريخ. فالحقيقة في نظره لا تُنال في مقام التجريد، بل تتحقّق وتتجلّى في العمل، وأن التفكير التجريدي يبني شرنقة من الأفكار والمفاهيم يعلق فيها المثقّف، وقد يتسبّب في كارثة. يقول شريعتي في نقده للأممية: "إحدى هذه «الشرانق الذهنية الخيوط الحريرية الذهنية» لكثير من المثقفين، وخاصة بين الأمم الآسيوية-الإفريقية، هي الأممية. لُحمة هذه الشرنقة وسداها منسوجان من أرقّ المشاعر الإنسانية، وأثمن المُثُل الأخلاقية، وألمع وأجمل الخيوط الذهنية الشاعرية واللطيفة. لكنها حين تُنسج معاً تجلب الكارثة! لحسن الحظ، جرّب تاريخ البشر هذه الكارثة مراراً. أيديولوجيا لا تعتبر بالتاريخ، ماذا تكون سوى خيال رومانسي؟" (شريعتي، 1381: 120). يمكن تفسير النقد الذي يوجّهه شريعتي إلى المدرسية (السكولاستية) والميتافيزيقا والمثقفوية من هذا المنظور نفسه. في المدرسية والميتافيزيقا والمثقفوية، تستقر الحقيقة داخل الفكر والمعرفة، أما من وجهة نظر المفكّر المناهض للمركزية اللوغوسية، فينبغي العثور على الحقيقة في ميدان العمل: "ثمّة مسائل كثيرة توجد بين مفهومها الذهني وصورتها النظرية من جهة، ومصداقها العيني وتحققها العملي من جهة أخرى، مسافة تصل أحياناً حدّ التضاد والتناقض، وهذه إحدى مزالق المثقفين الكبرى، ذلك أن المثقف، أساساً، ولأن عمله الرئيسي هو «التفكير» وهو بعيد عن «العمل»، يجد نفسه بسهولة في جوّ ذهني يبتعد فيه شيئاً فشيئاً عمّا يجري في العالم الأرضي للحقائق العينية والعملية، ويعيش في عالم غالباً ما تستدعي فيه «الأفكار الفلسفية المجرّدة» و«العلّية العقلية الانتزاعية» و«الأحكام الصادرة عن آراء وأفكار مسبقة» بعضها بعضاً، وتشكّل له بمجموعها أيديولوجيا تصنع له نظّارتين ينظر بهما إلى كل شيء" (المصدر نفسه: 119).
انطلاقاً من تفكير مناهض للمركزية اللوغوسية، يوجّه شريعتي نقده إلى المنطق الصوري أو منطق العقل المجرّد. المنطق الصوري في نظر شريعتي هو ذلك النوع من المنطق الذي يوجّه أذهاننا نحو الأمور المجرّدة والانتزاعية ويحرّفها عن الالتفات إلى الأمر العيني. فعلى سبيل المثال، يرى شريعتي، بخصوص معرفة الإنسان، أن المنطق الصوري يقول لنا: "يجب أولاً معرفة الإنسان بشكل عام، ثم بشكل عيني؛ يجب أولاً أن نعلم الحقيقة المجرّدة للإنسان، ثم واقعه الزماني والمكاني والاجتماعي والفردي أو التاريخي" (شريعتي، 1379: 4). ويرى شريعتي أن العلم التجريبي قد نبذ المنطق الصوري (أو ما يسمّى بـ"المنطق الأرسطي") وتسبّب في تحوّل كبير في المعرفة البشرية:
"تعتقد الرؤية العلمية الجديدة أنه، للذهاب نحو الحقيقة المجرّدة للإنسان، أو أي ظاهرة أخرى وأي موضوع علمي آخر، لا ينبغي البدء من «الكلي»، ولا ينبغي منذ البداية طرح المسألة بشكل مجرّد وعام وفي صورتها الفلسفية الكلية، ولا ينبغي أولاً معرفة حقيقتها الجوهرية ثم التطرّق إلى الجزئيات والعينيات. على العكس من ذلك، فإن المنهج العام للبحث والتحقيق العلمي، وهو المنهج التجريبي، وعلى خلاف منطق أرسطو، يقتضي أن نبدأ من الوقائع الجزئية والعينية؛ أي مثلاً عندما نريد أن نعرف الإنسان، على عكس العلماء السابقين الذين كانوا يسعون أولاً لإعطاء تعريف كلي لحقيقة الإنسان – كأن يقال أولاً إن الإنسان موجود كذا، وحيوان كذا!-، يجب علينا اليوم أن نفحص الإنسان الموجود، الإنسان العيني الذي يتنفّس ويمشي على الأرض ويعيش، (بشكل) دقيق ومحسوس وتجريبي وعيني، ثم نتقدّم مرحلةً مرحلة، وعلى أساس الواقع والحقيقة والقوانين والعلاقات التي نستخلصها منه، نصل إلى ذلك الشيء الذي اسمه الإنسان، بالمعنى الكلي والحقيقي. أين نجد هذا الإنسان الذي له واقع خارجي؟ في موضعين: أحدهما التاريخ والآخر المجتمع" (المصدر نفسه: 4).
علاوة على ذلك، ينتقد شريعتي المنطق الصوري من منظور ديني أيضًا: "في منطق العقل النظري، ينبغي لله أولاً أن يُري البشرَ سُبُلَه، ثم ينطلق أولئك الذين عرفوا 'سبله' في تلك السبل ويجاهدوا فيها، بينما الله بمنطقه الخاص يأمر أولاً بـ'الانطلاق' –العمل والجهاد– ثم يَعِدُ هؤلاء 'السالكين' –العاملين والمجاهدين– بـ'الهداية'" (شريعتي، 1358: 16-15). وعلى هذا الأساس، يتحدث شريعتي، في معرض نقده للمنطق الصوري، عن "منطق ما وراء المنطق" في القرآن (المصدر نفسه: 15)؛ منطق يدّعي أن الحقيقة تنكشف للعبد في صميم العمل، وأنه في أثناء العمل يبلغ الهداية: الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فالله "يُري سُبُلَه لسالكي سُبُله!" (المصدر نفسه: 16).
وتتجلى لوغوسية شريعتي أيضًا في نقده للذاتية الديكارتية. فمن وجهة نظره، تختزل الذاتية الديكارتية الوجودَ العيني إلى أمر معقول. الوجود أمر عيني يقع فيما وراء المعرفة، لكن اللوغوسية تأسر المفكر داخل شرنقة خيالية آسرة، وتُحل الأمر العيني داخل المعرفة وتصنع منه وجودًا معقولاً. يقول شريعتي في نقده للتجريبية العقلانية عند ديكارت، الذي يُعد مؤسس الفكر الحديث:
"خاطب ديكارت علماء ومفكري عصره الغارقين في الفلسفة القديمة والأسرى ذهنيًا لآثار القدماء، والذين كانوا يعتقدون، مثل بعضنا، أن 'الفضل أو العلم عند القدماء'، وأمرهم قائلاً: 'Resez la table' (أخلوا طاولة دراستكم!). وردًا على من سأله: 'أي كتاب تدرس؟'، أشار إلى كرش خروف وقال: 'هذا الكتاب'. ومع ذلك، من ذا الذي له ولو إلمام بسيط بمدرسة ديكارت ولا يجد فيها بوضوح هذه الحقيقة، وهي أنه صبّ الوقائع الموضوعية في قالب 'المقولات العقلية' وصنع من الوجود 'عالَمًا معقولاً'. إنه يدرس كرش الخروف نفسه انطلاقًا من 'الكتاب'، ويبدو أنه بعد أن أخلى طاولة عمله من كل الكتابات والأقوال والكتب والمصادر، عاد فرصّها كلها بدقة في أماكنها! هذه ليست سخرية، بل هي الحقيقة. إن أكثر أعماله الثورية حسماً هو 'الشك في كل شيء'، وهو 'الشك الديكارتي' الشهير. فهو لكي يتحرر من كل معارفه العلمية ومعلوماته السابقة وآرائه وأفكاره الفلسفية والدينية والعلمية، يشك في كل شيء، حتى في المحسوسات البديهية وحتى في وجوده هو. وفجأة يصل إلى هنا: 'لكننا لا نشك في أننا نشك'، ثم يستنتج: 'إذن لا بد أن أكون موجودًا حتى أتمكن من الشك'، ومن هنا يبلغ أول يقين ويكتشف مبدأً أساسيًا مع وجوده ويصوغه في معادلة: Je pense, donc je suis 'أنا أفكر، إذن أنا موجود'! ثم، انطلاقًا من نقطة البداية هذه، يعيد إثبات أفكاره وآرائه واحدًا تلو الآخر، ويعيد بناء كل شيء من 'فكرة مجردة'. عندما يكون ديكارت، رمز عقل الحضارة الجديدة، على هذا النحو، أفلا ينبغي لنا، نحن المثقفين متوسطي الحال، أن نخشى على عقلنا الضعيف من أن يبتعد عن الواقع وينصرف تلقائيًا إلى خلق مجردات ومعقولات منفصلة عن العالم الخارجي، فيأسرنا ويقتلنا مثل دودة القز داخل شرنقة ذهبية الخيوط حريرية لمذهب، يكون في كتبنا النظرية وآثارنا الأدبية ومناقشاتنا المثقفية جميلاً وغاية في الإثارة؟" (المصدر نفسه: 120-119).
موقف شريعتي من الحقيقة والمعرفة المعتبرة
كما سبق أن ذُكر، في التفكير المتمحور حول اللوغوس، تستقر الحقيقة داخل اللوغوس أو المعرفة. في مثل هذا التفكير، يمكن بلوغ الحقيقة بطريقتين: 1) فحص صحة القضايا من حيث صحتها المنطقية داخل النظام النظري؛ 2) اكتشاف الحقيقة من خلال اكتشاف تطابق الذهن مع العالم الخارجي. في المعنى الأخير، في عملية اكتشاف الحقيقة "يتم الفصل بشكل تجريدي بين جانبي قوة الإدراك والواقع ... عن بعضهما" (كوسه وآبه 1389: 39). في كلتا الحالتين، يكون اكتشاف الحقيقة ذا كيفية تجريدية وهو بالطبع تاريخي، لكن الحقيقة نفسها ليست أمراً تاريخياً؛ تاريخي بمعنى كونها عينية. بهذا المعنى، ما هو حقيقي يبقى كذلك إلى الأبد ولا علاقة له بالأمر العيني. رغم أن اكتشاف الحقيقة يحدث في زمن معين، لأن الذات تعيش في الزمان؛ لكن الحقيقة نفسها ليست زمانية. في الوقت نفسه، في التمحور حول اللوغوس، يكون اكتشاف الحقيقة أمراً نسبياً من حيث أنه "يطرح ضمناً نوعاً من الأمر المتعالي الذي لا يمكن بلوغه للمعرفة الإنسانية، والذي يمكن أن تكون الحقيقة نسبية أو تاريخية بالنسبة إليه" (نفس المصدر: 39). لكن في التمحور حول ما بعد اللوغوس، تكون الحقيقة عابرة وناقصة ومشروطة تاريخياً؛ لأنها أمر عيني: "في مقابل هذا المفهوم النسبوي، يوجد مفهوم جدلي و«منفتح» ... يرى الحقيقة وجهاً محايثاً للتاريخ، دون أن يوحي بتركيب مطلق لكامل الأوجه التاريخية تنتهي عنده حركة الحقيقة. كون الحقيقة عابرة وناقصة ليس دليلاً على وهميتها: فالحقيقة مشروطة تاريخياً فقط لأنها ليست بحثاً محضاً، بل مرتبطة بمصلحة عملية معينة" (نفس المصدر: 39).
لذا، تمر عملية اكتشاف الحقيقة عبر العمل وتخرج من حيز النظر. الحقيقة تتجلى في مقام العمل. صحة القضايا "تُقيّم بقابليتها على إقامة علاقة مع تحسين الشروط العملية للحياة" (نفس المصدر: 39). يبحث شريعتي عن الحقيقة النهائية في الأمر العيني لا في التفكير النظري. في نظره، تتجلى الحقيقة في التيار الديناميكي للحياة والصيرورة، لا في التفكير النظري أو التأمل الباطني: "في الحياة، لا يمكن أن نكون في طريق إدراك وفهم الحقيقة بعبقرية العقل والإشراق القلبي والفكر العملي والاستدلال النظري. ففي «الصيرورة» يمكن أن «نكون». ... في العمل تتجلى الحقيقة" (شريعتي، 1358: 15). ويضيف أنه "إذا سارت جماعة في طريق الحقيقة بصدق واجتهاد، ففي خضم المعاناة والعمل لأجل الحقيقة، تتجلى لهم الحقيقة أكثر ويجدون الطريق الأصوب" (نفس المصدر: 15). من لوازم التمحور حول ما بعد اللوغوس نفي تفوق المعرفة على العمل، وينفي شريعتي تفوق المعرفة بنفيه الثلاثي للإسلام المدرسي، والباطنية، والتنويرية، باعتبارها ثلاثة اتجاهات متجانسة أو متكاملة. يقول الإسلام المدرسي:
"يجب أولاً أن تفكر، تدرس، تحصل العلم، تقوم بالبحث العلمي، تقرأ الكتب، تشهد الحوزات، تتلمذ على الأساتذة ... حتى تنكشف لك «الحقيقة المطلقة» و«مطلق الحقيقة» وتطوي آخر درجات المعرفة، وهذا كله هو المرحلة الأولى. بعد طي هذه المرحلة ... تدخل المرحلة الثانية، مرحلة العمل، مرحلة الإصلاح، لكن العمل الفردي، إصلاح الذات. ... حينها، يمكنك أن تبدأ المرحلة الثالثة وتشرع في إصلاح الآخرين وتتحمل مسؤولية دين الناس ودنياهم. أي أولاً: معرفة الحقيقة، عن طريق التعقل والتعليم النظري والمنطقي والدرس والبحث والكتاب والمدرسة والأستاذ والتفكر والتأمل والإلهام والإشراق، عمل «الدماغ» و«القلب»! العلم والعرفان. ثانياً: إصلاح الذات حصراً عن طريق العبادة والرياضة والدعاء والتوبة والاستغفار والاسترحام ... وثالثاً: إصلاح المجتمع، الاهتمام بأمور المسلمين، مسؤولية الآخرين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... . هذا هو أسلوب تفكير ومنهج إرشاد بعض القدماء، في «الدين»! وأما أسلوب تفكير ومنهج إرشاد بعض مثقفينا الجدد، في «الأيديولوجيا» فهو كذلك أيضاً! «يجب أولاً أن تبني نفسك من ناحية الأيديولوجيا، تختار رؤيتك للعالم، تحسم أمرك مع الدين، تنتخب منهج التحليل المنطقي للظواهر الطبيعية والاجتماعية، ... وبعد أن تتحول إلى نسخة من المثقف المعياري وفق الضوابط المتعارف عليها في كل أنحاء العالم، يحق لك حينها، بصفتك مثقفاً ثورياً من الطراز الحديث ... أن تسعى وتلتزم. نرى أن كليهما يقولان: أولاً، «الفكر»، ثم «العمل»" (نفس المصدر: 21-18).
لكن شريعتي يرفض هذا النمط من التفكير الديني تحت عنوان "الفردانية الدينية" التي تقع "تحت تأثير الأخلاق الصوفية الشرقية والزهد المسيحي"، ويعتبرها تفكيراً يؤدي إلى الهروب من "الحكم المتعب والمليء بالمشاكل للأمر والنهي الاجتماعي، وهو تبرير للبحث عن الحقيقة الذهني والأنانية الفردية والهروب من المسؤولية، وإسدال ستار أبيض أو أخضر من العلم والتقوى الدينية على «الجثة البشرية»!" (نفسه: 22). إنه يتحدث عن تعبير "أن نصبح أكثر إسلاماً عبر ممارسة الإسلام" المثير للاهتمام والبديع (نفسه: 23). يعكس هذا التعبير بأفضل وجه ترابط الإيمان والعمل وتفوق العمل على الاعتقاد. لا يتحدث شريعتي عن تفوق العمل فحسب، بل (وبالنظر ظاهراً إلى أطروحة ماركس حول العلاقة بين النظرية والممارسة) يتحدث عن علاقة جدلية بين النظرية والممارسة، ويرى في ذلك جبهة من أنصار محورية العمل ترافقه:
"واليوم أيضاً، فإن رجالاً عظماء اكتسبوا الوعي بالحقائق الإنسانية والاجتماعية –ليس في المكتبات والكليات والمؤتمرات العلمية والمقابلات النظرية- بل من «الممارسة الاجتماعية» و«النضال والانخراط والمسؤولية»، قد اختبروا هذه الحقيقة الكبرى –التي أسس الإسلام عليها عقائده وأحكامه- وعلى عكس «المناطقة النظريين»، الذين يعتقدون: «من البديهي أنه يجب أن نفكر أولاً، ثم نعمل، يجب أن نقوم بالعمل الفكري أولاً، ثم العمل العملي»، فقد أدركوا أن الفكر والعمل ليسا مرحلتين متعاقبتين، متقدم ومتأخر، وليست بينهما «علاقة سببية» أحادية الجانب، بل توجد بينهما علاقة سببية متبادلة وثنائية الجانب، وهما على الدوام في تأثير وتأثر متبادلين، وكما عبّر أحد أبرز المفكرين الاجتماعيين في قرننا: «توجد بين العقيدة والعمل علاقة جدلية»" (نفسه: 23-24).
شريعتي، في شرحه لهذه العلاقة، هو من يقول: "الفكر والعمل صانعان وولودان لبعضهما البعض. كل واحد منهما يُصنع ويُربى ويتشكل في الآخر وبيد الآخر، و«العلاقة الجدلية» بين الفكر والعمل، تعني هذا!" (نفسه: 24).
لذلك، فإن المعيار النهائي لصدق الادعاءات من وجهة نظر شريعتي هو تحققها العملي. لكن إذا كانت الحقيقة تتحقق في العمل، فكيف لنا أن ندرك أي ادعاء يمتلك الحقيقة؟ بعبارة أخرى، ما الذي يجب أن يبرز ويظهر عند تحقق ادعاء ما حتى يمكن قبوله وإثباته كحقيقة معتبرة؟ في نظر شريعتي، المعرفة المعتبرة هي التي تكون مؤثرة في تحسين حياة البشر وتحريرهم من الآلام والأوجاع: "معياري لصحة أو عدم صحة نمط وفكر ما ليس هو المباحث الكلامية والفلسفية والمنطقية، بل مدى فائدة هذا الفكر لجيل ولعصر ما؛ وكذلك القيمة العملية لهذا الفكر في أداء المسؤولية الإنسانية لمثقف في بيئته. هذا هو معيار الصحة والسقم، والضعف والقوة لفكر ما" (شريعتي، 1379: 149-148). بناءً على هذا التفكير، يرى شريعتي أن الاختبار العملي للادعاءات ضروري بالإضافة إلى الفحص والتقييم المعرفي لاعتبار القضايا، ويُفضّل الاختبار العملي للادعاءات أو اختبار صحتها على التقييم المعرفي. من وجهة نظره، يجب تقييم المعرفة لا بشكل قائم بذاته وداخلي، بل بشكل ملموس: "أنا أعتقد بمبدأ في أبحاثي الإسلامية ... وهو أنه بدلاً من أن نثبت الاعتقاد بمبدأ عبر الطرق العلمية والمنطقية ... ونحلل حقه وباطله ...، علينا أن نجد ونطبق معياراً أكثر وثوقاً من حيث اكتشاف الحقيقة وأكثر فائدة من حيث الحياة الاجتماعية ... . إذا رأيتم أن استنباطي مثلاً من مبدأ الإمامة والاعتقاد به ... له تأثير إيجابي وبناء وتقدمي في الحياة الشخصية للمعتقد بهذا المبدأ والمجتمع الذي يعتقد بهذا المبدأ، فهذا الاستنباط صحيح ... و[إلا] فيجب أن نشك في صحة نظريتنا" (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 19 : 271-270).
العمل، معيار الحكم على القيمة الوجودية للإنسان وعامل العزة والتقدم للجماعة الاجتماعية
في فكر شريعتي، من الناحية الأنثروبولوجية، يُعدّ الفعل عنصرًا مصيريًا. فالله يُلقي بالإنسان إلى الدنيا، والإنسان هو من يصنع نفسه بنفسه عبر فعله: "يصبح الله أبًا 'ألقاه إلى الدنيا' فحسب، ثم صار قلقًا عليه. ليبلوكم أيكم أحسن عملا؟ لكي يرى 'ماذا يفعل'؟ لكي يرى 'ماذا سيكون'؟ هنا يحل 'الفعل' محل 'الإله' القديم: إنه عمل غير صالح. ليس للإنسان إلا ما سعى. يصبح الـ Praxis قلم تقدير الآدمي" (شريعتي، 1371: 120). لكن من ناحية تقييم القيمة، كيف ينبغي الحكم على الذوات (الجمعية أو الفردية)؟ يؤسس شريعتي نظامه في تقييم القيمة بناءً على فكره المناهض للمركزية اللوغوسية ويظل وفيًا له في مختلف أعماله. وبدون فهم هذه الأسس الفكرية، ربما لا يكون فهم نوع أحكام شريعتي على الذوات ممكنًا أيضًا. فهو يؤسس حكمه على البشر لا على أساس الفضائل التي يمتلكونها ولكنها لم تتحقق، بل على أساس الأفعال التي قاموا بها ويقومون بها. يستمد شريعتي العون من الفكر الإسلامي في اتخاذه الفعل معيارًا للحكم على الذوات: "يضيف علماء الشيعة، في تعريف الإيمان، إلى جانب الإيمان بالقلب والإقرار باللسان – شرط الفعل والتنفيذ - وحسب الاصطلاح العمل بالجوارح - وهو ما يمثل مبدأ 'أصالة الفعل'. أي كما هو مطروح في فلسفة 'الوجودية' مبدأ 'البراكسيس'، فالفعل هو موجد الواقع والحقيقة، وبدون فعل، يتساوى الاعتقاد وعدم الاعتقاد بشيء ما. أن تكون مؤمنًا بلا فعل يساوي أن تكون كافرًا ومنكرًا" (شريعتي، 1358: 169).
من وجهة نظره، ليست إيمانية المعتقد ولا لاإيمانية غير المعتقد هي ما يخلق التمايز بينهما. ففي نظر شريعتي، "أنا الذي أعتقد وذلك الذي لا يعتقد، في الفعل، كلانا متساويان" (شريعتي، 1379: 160). هذا لا يعني إنكار أهمية الوعي والمعرفة (الاعتقادات) لدى شريعتي، بل هو يعتقد أن المعيار النهائي للحكم على الآدمي ينبغي أن يكون أفعاله لا معارفه واعتقاداته. لذلك، يظل شريعتي وفيًا في جميع أعماله لتفوق الفعل على المعرفة، أو حتى لأبعد من ذلك، لتفوق الأمر الإنساني العيني (المتجسد) على الأمر الإنساني الذاتي. فالإنسان عنده، في تحول الأمر الذاتي إلى عيني، هو ما يُظهر عياره: "وكما يقول رغرية ... 'كبار الفنانين، في الأعمال التي لم يبدعوها، يتساوون مع عديمي الفن.' فالفردوسي والمولوي، اللذان هما فنانان وشاعران في إبداع الشاهنامه والمثنوي، في الأعمال التي لم يبدعوها، يتساويان مع الآخرين – حتى أولئك العاجزين عن القراءة والكتابة - وهذا في ذهنيتنا نحن، إذ أننا، لأنهم ليسوا في صدد الخلق والإبداع الفني أيضًا – لا يفعلون – نسميهم فنانًا وشاعرًا. المثقف التقدمي والواعي الذي يعلم ولا يفعل، متساوٍ. ذلك الذي يحلل جميع المسائل الاجتماعية بدقة وعلمية، لكنه يتخلى عن تحمل أي مسؤولية اجتماعية، له من القيمة الوجودية بمقدار من لا يعلم أصلًا ما هو المجتمع، وذلك لأن 'السيئ' و'الحسن'، و'الإيمان' و'الكفر'، و'كون المرء شيعيًا' و'عدم كونه شيعيًا'، إنما تتحقق بعد الفعل" (المصدر نفسه: 170-169). وفي موضع آخر يقول بصراحة: "كل إيمان وكل أيديولوجيا وكل نوع من الفكر والعلم تتضح قيمته حين يوضع في مرحلة الفعل ويتجاوز الفعل، وقبل الفعل، كما قلت، الفكر الباطل أو الحق، الدين الصحيح أو الخاطئ، الإسلام أو الكفر، التوحيد أو الشرك، التشيع أو التسنن، كلها متساوية، وذلك بإقرار وتصريح التشيع نفسه بأن 'الفعل' جزء من تعريف الدين" (شريعتي، 1379: 155-154).
معنى الفعل: من التحقق إلى التجسد المادي
كما يلاحظ في الإشارات أعلاه، فإن مراد شريعتي من العمل أو البراكسيس هو كل ضرب من الحياة والفعل يجد فيه أمر ذاتي ومن خلاله تحققًا خارجيًا وموضوعيًا، ويتجسد في صورة سلوك أو أمر مادي تجسدًا موضوعيًا ومستقلًا عن الذات. حتى حياة الإنسان هي خلقه الموضوعي والعملي، وهو إذ يحيا على نحو ما، يخلق نفسه. وبهذا المعنى العام وفي المستوى الأولي، حتى النظرية تُعد خلقًا من إمكانات المنظِّر الذاتية، كما أن الأثر الفني مخلوق لموهبة الفنان الإبداعية الفنية. فالمنظِّر بخلقه للنظرية يُخلق هو أيضًا. لكن العمل في فكر شريعتي لا يبقى عند هذا المستوى، بل يتجاوزه ليشمل الفاعلية ما بعد النظرية والموضوعية. في هذه المرحلة، ينبغي للأمر الذاتي الذي وجد تحققًا خارجيًا في أحد الأشكال التعبيرية أن يُختبر في صميم فعل الإنسان وحياته، وأن تُقاس آثاره ونتائجه. هذا هو المعنى الأكثر دقة وتجسيدًا للعمل في فكر شريعتي. وعليه، يبدو أن مدلول مفهوم العمل في فكر شريعتي يستدعي في المستوى الأول معنى مفهوم التحقق التعبيري (expressive realization)، وفي المستوى الثاني يعبِّر عن معنى التحقق المادي (material realization)؛ أي التمظهر المادي في قالب السلوك أو أي أمر متعين آخر. والنقطة المهمة الأخرى هي أنه حين يتحدث شريعتي عمومًا عن تفوق العمل على النظرية، فإنه ينظر إلى العمل المطلق الذي هو أعم من "العمل الأخلاقي" و"العمل الناظر إلى التصرف في الواقع بقصد رفع الحاجة" وحل المسألة؛ وهو تمييز ناقشه فرناند برونر ومترجم كتابه المفكر – رضا داوري [1] (برونر، 1380: 107-108). وبهذا، فإن التحقق الخارجي للأمر الذاتي، بأي شكل من أشكال تحققه، يتفوق في نظر شريعتي على الفكرة أو المخطط الذاتي غير المتحقق. لكن هذا ليس كافيًا بعد. ففي المرحلة الثانية، ينبغي أن يُوضع الأمر المتحقق موضع الاختبار عمليًا في حياة الناس أو في سياق تدخل الإنسان وتصرفه في العالم، وأن تُقاس آثاره الخارجية الفردية والاجتماعية. وبهذا المعنى، تكتسب الفكرة أو المخطط الذاتي هوية خارجية عبر تحققها واكتسابها المادية، ونستطيع حينئذ أن نتحدث عن وجودها وكينونتها؛ لأن البحث في وجود وعدم ذلك الأمر الذاتي الذي لم يتحقق بعد لا موضوعية له. فالأمر المتحقق وحده هو الذي يكتسب موضوعية للحكم من حيث كيفية تحققه. لكن المحك النهائي، أي الحكم الأخلاقي، لا يزال باقيًا.
العمل الموجَّه نحو الإصلاح: المحك الأخلاقي للعمل
إذا تجاوزنا الحكم على الإمكانات والخصائص الذاتية والخصائص المتجسدة والمتحققة وجوديًا، وأردنا أن نحكم على الأمور الإنسانية الملموسة والمتجسدة، فبأي معيار يمكننا أن نحكم بين هذه الأمور؟ هنا يطرح شريعتي معيارين مترابطين: 1) الالتزام تجاه الناس؛ 2) العمل على التغيير في اتجاه الوفاء بالالتزام الاجتماعي بهدف تخفيف معاناة الناس وتحريرهم. إذن، المعيار الأخلاقي للفعل هو كونه تحويليًا في اتجاه الإصلاح الفردي والاجتماعي. لقد تحدث شريعتي مرارًا عن الفرق بين الخدمة والإصلاح. الإصلاح هو فعل تحويلي في اتجاه الخير، والعمل الصالح يتسم بهذه الخاصية (شريعتي، بلا تاريخ: 162). «الخدمة» هي تقديم شيء للأفراد دون تغيير وضعهم، و«الإصلاح» هو تغيير وضع البشر وتحويل طباعهم وفعلهم وأسلوب عيشهم: "الخدمة تعني مساعدة الإنسان (أو المجتمع) على ما هو عليه، وبناءً على ما لديه من احتياجات، وهو ما يبقي الشخص أو المجتمع عادةً وفي الغالب على وضعه. الإصلاح يعني مساعدة الإنسان أو المجتمع على ما ينبغي أن يكون عليه، وبناءً على الاحتياجات التي ينبغي أن تكون لديه وليست لديه. ولهذا فإن كل مصلح خادم، ولكن ليس كل خادم مصلحًا بالضرورة" (شريعتي، 1368: 218). وعلى هذا الأساس يمكن تصنيف أداء البشر، وبحسب نوع فعل الأفراد، يمكن فصل الخادمين عن المصلحين. من الواضح أن الفعل التحويلي (التحول في اتجاه ما ينبغي أن يكون) يُفضَّل على الفعل الخدمي، وكذلك المصلحون يُفضَّلون على الخادمين: "مثلاً، ابن سينا خدم الإنسان والعلم وهو خادم، لكنه ليس مصلحًا. المسيح وموسى مصلحان لأنهما غيرا البشر، أي جعلاهم يدركون ما ينبغي أن يكونوا عليه. أخوك لا يملك مالاً فتشتري له بيتًا، تكون قد خدمت أخاك ولكنك لم تقم بأدنى إصلاح، وسيبقى على ما كان عليه، فقط سيعيش برفاهية أكثر قليلاً، أما إذا هيأت له وسائل الدراسة أو أحدثت تأثيرًا في وعيه وبصيرته، فأنت بذلك قد أصلحته، وبالطبع تكون قد خدمته أيضًا. الفرق بين أبي ذر وابن سينا في الإسلام، والفرق بين سبارتاكوس وأرسطو في الغرب، هو الفرق بين الخدمة والإصلاح. قارنوا روسو وفولتير بإديسون وباستور" (المصدر نفسه: 218).
إن حكم شريعتي على الحلاج وابن سينا وأبي ذر بوصفهم ثلاث شخصيات مسلمة (عارف وفيلسوف ومجاهد، على الترتيب، بوصفهم نتاج ثلاثة تيارات ثقافية وفكرية في العالم الإسلامي هي العرفان والفلسفة والإسلام النبوي) يستند إلى هذه النظرة ووفق هذه المعايير الثلاثة. هذه مقارنة بين ثلاث شخصيات مسلمة بارزة كثيرًا ما أُسيء فهمها، وقد تعرض شريعتي بسببه مرارًا للوم من قبل أفراد من مواقع فكرية مختلفة:
"يُقبض على الحلاج لأنه يقول 'أنا الحق، أنا الله'، أي لست أنا (بل هو الله) ... لكن الناس لم يفهموا كلامه العميق واعتبروه مشركًا وصلبوه في بغداد ... ألم يكن هذا موتًا طاهرًا في طريق عقيم؟ بلى. لأنه لو مات آلاف مثل الحلاج يوميًا في المجتمع الإسلامي، لما عاد ذلك بأي نفع على الناس. الموت الذي لا يضر أحدًا هو أكثر الموتات تفاهةً. المنطق يعتبر مثل هذا الموت عقيمًا، لأنه لا ينفع الناس والحياة. هو، بكل عظمة روحه، سار للأسف في طريق لم تستفد منه البشرية. ... ابن سينا، الفيلسوف، النابغة والمتعلم، العالم الكبير دون أي مسؤولية اجتماعية أو تفكير في الناس وبرنامج حياة المجتمع، وبيع ذاته واستسلامه ببساطة لأجهزة القوة والمال. ... خمسمائة ابن سينا لا تأثير لهم في المجتمع، عدا قلة تحلق حوله لتعلم الفلسفة، وآلاف الحلاج لو اجتمعوا لقامت مصحة عقلية. لكن أبا ذر واحد يكفي كل قرن ليغيره ويبدله" (شريعتي، 1381: 23-22).
لسوء الحظ، لم يعر نقاد شريعتي، في نقدهم لهذا النوع من أفكاره، اهتمامًا كبيرًا بالأسس الفلسفية لفكره. لكن يبدو أن شريعتي ظل وفيًا لها تقريبًا طوال حياته الفكرية والعملية. وانطلاقًا من هذا المعيار نراه يطلب من الله حتى في أدعيته أن يحرمه من كل تلك العظمات التي لا تحل عقدة من عقد الناس، وتجعله حبيس عالمه الخاص وغارقًا فيه فحسب: «اللهم: احرمني من كل الفضائل التي لا تنفع الناس! ولا تبتلني بجهالة المعارف اللطيفة المتوحشة، التي تجعلني، في جذبة المشاعر السامية، وفي أوج معارج ما وراء الطبيعة، عاجزًا عن رؤية بريق الجوع في عمق عين، وعن رؤية خط الزرقة على ظهر!» (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 8: 102). حتى إنه يذكر أن رغبته الأساسية كانت دراسة «الفلسفة [...] أو النقد»، لكنه تخلى عن تحقيق أمنيته بسبب ما شعر به من التزام تجاه الناس (شريعتي، 1379: 153). إن كلمات شريعتي في نقده للحلاج وأبي علي سينا بوصفهما نمطين من الشخصية، تذكرنا بقولة للفيلسوف البراغماتي الجديد المعاصر، ريتشارد رورتي، سبق أن أوردناها، لكن تكرارها مفيد لفهم كلام شريعتي بدقة:
«إن خيارنا الآن هو بين السعي لتغيير العالم أو تغيير أنفسنا. إن الانغماس في تغيير أنفسنا، وهو ما فعله كيركغارد ونيتشه وبروست، يبدو أنانيًا وغير صحي ومنحطًا. لذلك، نشعر بالخجل عندما نرى أننا بذلنا جهدًا كبيرًا في هذا البرنامج الخاص» (رورتي، 1384: 305).
وانطلاقًا من هذا التفكير، يعتقد شريعتي أن الله ينظر بعناية ولطف أكبر إلى الملحد العامل منه إلى المعتقد المؤمن عديم العمل، لأن اعتقاد هذا المؤمن لا يُعتبر سوى اعتقاد عديم الجدوى:
«إذا آمنت ’جماعة‘ بالله، ولكنها لم تخطُ خطوة واحدة في طريق تحقيق مسؤولياتها الإنسانية، أي أن إيمانها بالله لم يكن له أثر عيني في تكاملها الإنساني – الذي أسمى تجلٍ طبيعي له هو الشعور بالتضامن مع الجماعة والتعاطف مع النوع، والشعور بالمسؤولية تجاه القبائح والمحاسن، وقبول الالتزام إزاء مصير الناس – ولم يكن له دور بناء في حياتها الاجتماعية، فهي إذن قد عثرت على حقيقة علمية وواقع فلسفي في عالم الاعتقاد الذهني، وهو ما يفتقر إلى القيمة لأنه لم يؤثر في مصير الناس، وهو عبث لأن الله ليس بحاجة إليه. إذ ينبغي ألا ننسى أننا نحن الذين نحتاج إلى ’عبادة الله‘ من أجل نمونا الإنساني والأخلاقي وبنائنا الإنساني وتكاملنا النوعي، لا الله! فالله – كما نرى بأعيننا – ينظر بعين العناية واللطف الأكبر إلى ’إنسان مادي‘ لا يعرفه، لكنه يعرف مسؤوليته الاجتماعية، ولا يعبد الله، لكنه يخدم الخلق، أكثر مما ينظر إلى عارف بالله يثبت وجوده بمئة دليل فلسفي وعرفاني وعلمي ومنطقي، ويعبده بنظام دقيق، ولكن، لم يصل منه أي نفع إلى الخلق قط، ولم يشعر أبدًا بأي مسؤولية إزاء مصير الناس وأمته» (شريعتي، 1358: 61-60).
ولهذا السبب يقول في مناجاته (التي هي في الواقع درس اجتماعي للناس أُلقي بلسان المناجاة): «اللهم امنح علماءنا المسؤولية [...]» (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 8: 118). فالإيمان في نظر شريعتي لا ينفع إن لم يتجسد في عمل، لأن التقدم والعزة ثمرة العمل، وإن كنا نرى في العالم المعاصر أن الملحدين والمشركين أكثر تقدماً وأعز من الموحدين (شريعتي، 1358: 62-61)، فما ذاك إلا لهذا السبب: «بكلمة واحدة، التقدم والعزة ثمرة ’العمل‘، وخلاص المجتمع وحياته وسيادته رهن بالجهد في سبيل المعروف والجهاد ضد المنكر، والذين ’يؤمنون بالله‘ ولكنهم عاجزون في ’العمل‘، متخاذلون عن مسؤولية الأمر والنهي الاجتماعي، لا يجديهم إيمانهم بالله نفعاً!» (المصدر نفسه: 64). إذن، لا يمكن أن تتحقق صفة المسلم دون عمل: «بالإيمان بالله، دون اعتماد أساسي على المسؤولية، ودون هدف عملي للناس، ودون سعي في طريق المعروف ونضال ضد ’المنكر‘ في الحياة، تصير فيلسوفاً إلهياً، وصوفياً صافياً، وعارفاً كاملاً، وعابداً زاهداً، ولكن مسلماً؟ كلا!» (المصدر نفسه: 58). علاوة على ذلك، ما يجعل كل واحد منا قريباً من الآخر هو شيء واحد فقط: العمل. وهكذا، لا الدم ولا المعتقدات ولا أي شيء آخر، بل العمل وحده هو معيار بعدنا وقربنا من الآخرين، ومعيار صلتنا أو انقطاعنا عن الغير: «في البشرية جمعاء، على امتداد الزمان وعرض الأرض، ليس هناك إلا أسرتان فقط، وذريتان ونسلان وقبيلتان: العمل الصالح والعمل الفاسد! كل إنسان هو ’عمل صالح‘ فهو من أهل بيتك يا نوح! يا ربان سفينة النجاة في طوفان الفساد والموت الذي يحكم العالم، والقضاء المحتوم! كل شيء هالك إلا وجهه. ’العمل غير الصالح‘ محكوم عليه بالعدم، وهذه سنة الله، وسنة الله لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول! والله نفسه لا يخرقها» (شريعتي، 1359، م.آ/9: 229-228).
الأسس الدينية لتفوق العمل
ما ذكرناه حتى الآن كان معتمداً في الغالب على فقرات من آثار شريعتي عرّفت بفكره القائم على مركزية العمل (براكسيس) دون ارتكاز على أسس دينية؛ وإن كانت تتخللها بعض المقولات الدينية. لكن شريعتي لا يكتفي بذكر بعض المقولات الدينية، بل يقدم تفسيراً للدين قائماً على مركزية العمل (براكسيس)، ويقيم فكره القائم على مركزية العمل (براكسيس) على أسس دينية. إنه يسعى، استناداً إلى تفسير للإسلام والتشيع، إلى طرح العمل بوصفه المعيار الأساسي والنهائي لصدق الفكر والنسق الفكري:
"في التشيّع – كما قلتُ هنا مرّةً – العملُ جزءٌ من تعريف الدين. هذا النقاش اليوم ليس مجرّد نقاشٍ سوسيولوجيّ، وليس نقاشًا قد تكون الوجوديّة قد طرحته. التشيّع يُعرّف الإيمان – الذي نعتبره مسألةً ذهنيّةً وباطنيّةً وقلبيّةً – في ثلاثة أبعاد: أحدها مسألةٌ ذهنيّة، والآخر مسألةٌ بيانيّة، والثالث مسألةٌ عمليّة: الإقرار والاعتراف بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. بمعنى أنّه إذا كان الإيمان على هيئةٍ يكون فيها واضحًا تمامًا في قلبي، واعتقادي مئة بالمئة، بل وأتلفّظ به دائمًا بلساني لكنّي لا آتي به عملًا، فبحسب تعريف التشيّع لم يتحقّق إيماني. أحد الاختلافات الأساسيّة بين المعتزلة والشيعة هو هذا، فهم مثلنا جميعًا يعتقدون بأنّه – ولا نركّز الآن على هذه المسألة وحدها، فالجميع يعتقدون هكذا – يجب تقسيم الدين والكفر بناءً على معيارٍ ذهنيّ. من وجهة نظرنا يتمّ هذا التقسيم بحيث عندما نقول كافر، فهو شخصٌ لا يعتقد بالميتافيزيقا، ولا يؤمن بالروح والعالم بعد الموت؛ هذا كافرٌ ولادينيّ! والمؤمن هو من يعتقد بهذه الأمور! لكن انظر إلى الكفر في القرآن: تعريف الكفر والدين دائمًا هو تعريفٌ بالعمل، لا بالذهنيّة: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، أرأيتَ إنسانًا يُكذّب الدين أصلًا، أي ينفي المذهب. حسنًا، مَن هو الذي ينفي المذهب؟ أهو الذي ينفي الميتافيزيقا؟ ينفي الله؟ ينفي الروح؟ ينفي القيامة؟ يُكذّب بهذه الأمور؟ لا يعتقد بها؟ كلّا! التعريف كلّه في هذه السورة تعريفٌ بالعمل: ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (هذا الإنسان هو الذي يدفع اليتيم ويزجره)؛ هذا هو تعريف اللادينيّ وتعريف المادّيّ. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (ليس أنّه لا يُطعم المسكين أو يُقلّل من إطعامه، [بل] لا يسعى أبدًا بحماسةٍ وحرصٍ وجدّيّةٍ دائمة لمحاربة الجوع). هذا إنسانٌ لا دين له. هذا هو تعريف الدين، هكذا هو في كلّ مكان، وهكذا هو القرآن في كلّ موضع. حينما يتحدّث عن الكفر – خلافًا لنا – لا تُطرح المسألة الذهنيّة" (شريعتي، 1379: 156-155).
معيار حقّانيّة الدين: تفسير شريعتي البادلوغوسمحور للدين
من وجهة نظر شريعتي، لا ينبغي لقياس أحقية الدين أن نلجأ إلى الاستدلال والبحث والحوار الفلسفي، بل يجب البحث عن معيار أحقية الدين في مقام تحقّق الدين: "كل مدرسة أو مذهب أو أيديولوجيا دينية أو غير دينية –على أية حال– معيار أحقيتها وبطلانها هو دورها الاجتماعي" (المصدر نفسه: 156). ومن وجهة نظره، فإن إحدى الآفات المهمة التي قد يصاب بها دين ما هي أصالة الدين؛ أي الدين لأجل الدين: "المذهب، حين يتحول إلى مذهب لأجل المذهب، ينقطع عن علاقته بعلته الغائية وعلة وضع الحكم، ويصبح مستقلاً ومجرداً بذاته، وهذا ما يجعله يبتعد عن التماس مع العمل، وهذا هو ما يجعل الاتكاء على هذا المذهب بهذا الشكل يصد الفرد المتنور أو المتدين عن العمل، وكلما ازداد التركيز على هذه المسألة، يفقد المفكر فرصة العمل وإنجاز الرسالة العملية" (المصدر نفسه: 159). ومن وجهة نظر شريعتي، فإن تحول الدين إلى أخروي هو مصداق لتشكل ظاهرة الدين لأجل الدين: "نقل جميع النتائج العملية والفكرية الاعتقادية في المذهب من مرحلة ما قبل الموت إلى ما بعده، هو تحويل للمذهب من كونه مقدمة للحركة والكمال والنمو والوعي والعمل، إلى مجموعة من الاعتقادات والمشاعر والحركات والأعمال التي لا ترتبط أساساً بالعمل وتبقى في صورة ذهنية" (المصدر نفسه: 158). علاوة على ذلك، فإن التفسير الذي يقدمه شريعتي للتعاليم الدينية هو تفسير متمركز حول نقيض اللوغوس. فعلى سبيل المثال، حين يتحدث عن التوحيد أو عن الانتظار، فإنه يضفي عليهما وجهاً عملياً وعينياً واجتماعياً. وحين يتحدث عن التوحيد بوصفه أعمق المعتقدات الإسلامية أساساً، فإنه يطرحه أولاً بمنزلة نوع خاص من النظرة إلى العالم، ثم يتحدث عن التوحيد بمنزلة البنية التحتية الاجتماعية للمجتمع الإسلامي والمبدأ المؤسس للمجتمع الإسلامي المنشود. وهكذا، يكتسب التعليم الديني مدخلية اجتماعية بارزة ويُظهر نوع نظرة الإسلام إلى المجتمع (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ 18: 162-161). التوحيد بهذا المعنى هو "الأساس الأيديولوجي والإسمنت الفكري والاعتقادي غير المتناقض (التوحيد العالمي)" (المصدر نفسه: 193). إن بحث شريعتي في التمييز بين إسلام الثقافة وإسلام الأيديولوجيا هو المبدأ الأساسي في مثل هذا التفسير للدين، وهذا التمييز نفسه بين إسلام الثقافة وإسلام الأيديولوجيا قائم على فكرة متمركزة حول نقيض اللوغوس؛ تحويل الإسلام من مجموعة من المعارف والفضائل المعنوية إلى دين تحولي وصانع للعالم الاجتماعي. علاوة على ذلك، فهو يقسم الأديان، بحسب العلاقة التي تقيمها مع الوضع القائم وأقطاب السلطة الموجودة في المجتمع، إلى نوعين: دين تبريري ودين ثوري. وهو يرى أن معيار فحص الدين هو كونه ثورياً أو تبريرياً، ويعتبر الثورية، وبتعبير أدق التحولية، للدين من الناحية الاجتماعية-السياسية معياراً لتفوق دين على الأديان الأخرى أو لتفوق تقريرات مختلفة لدين واحد. بغض النظر عن كوننا متفقين معه أو مخالفين له، ثمة نقطة محورية في بحثه، وهي أن الثورة بمنزلة أمر اجتماعي ومن سنخ البراكسيس والأمر العيني والتاريخي، هي معيار الحكم على الدين، وليس الدين بمنزلة أمر معرفي وذي مضمون ميتافيزيقي هو معيار قياس الثورة. إن مثل هذه النظرة في التقييم الخارجي والعيني للدين هي نظرة متمركزة حول نقيض اللوغوس. لذلك، ينبغي هنا أن نخاطب المنتقدين الذين أساءوا فهم آرائه ونقول إن "الثورة الدينية" أو "الثورة الإسلامية" لم تكن مقصود نظر شريعتي، بل الدين الثوري والإسلام الثوري هو ما كان منظور نظره ومثله الأعلى ومبتغاه. ولهذا السبب لم يكن شريعتي منظّراً لـ"الثورة الإسلامية"، بل كان منظّراً للإسلام الثوري، وهذان يختلفان اختلافاً فاحشاً. إن مقارنة آرائه حول هذا الموضوع بآراء مرتضى مطهري ستكون جديرة بالاهتمام وكاشفة. فمطهري يرفض "الإسلام الثوري" ويدافع عن "الثورة الإسلامية". على أية حال، وكما قلت في موضع آخر، فإن شريعتي "بيّن أن فحص الدين وتقييمه بناءً على معاييره الداخلية فقط هو فحص تجريدي وخاطئ، وفي مثل هذا الفحص يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار في الوقت نفسه تأثير الظروف الاجتماعية التي يحيا فيها الدين. وهذا المنهج في عمل شريعتي جاد إلى درجة أنه يعتبر الترسيم الحدودي الداخلي بين المذاهب الإسلامية قليل الأهمية، ويرى أن تمييزها بناءً على آثارها الاجتماعية أكثر جوهرية" (محدثي، 1383: 120-119):
«من وجهة نظري، لا ينقسم الدين الإسلامي إلى مذهب شيعي، وسني، ومالكي، وحنفي، وجعفري، وأمثال هذه. من وجهة نظري الشخصية، ينقسم الدين الإسلامي إلى مذهب منحط منحرف متجمد مغلق، وإسلام أصيل منفتح تقدمي تنويري. هذان المذهبان موجودان في الإسلام، ولا يوجد مذهب ثالث غيرهما» (شريعتي، 1370، م.آ. 29: 144).
هنا، أو في حالات مماثلة، ليس قصده نفي التمايز بين أنواع الأديان والمذاهب والفرق، بل من منظور الفكر المتمركز حول البادلوغوس، فإن جميع هذه التمايزات، في مقابل التمايز الأساسي المتمركز حول البادلوغوس، هي تمايزات فرعية وقليلة الأهمية. عندما يرى شخص ما أن معيار القرابة بين البشر ليس الاعتقادات والإيمان بلا عمل، بل العمل الصالح (العمل التحويلي، المكرِّم، والمحرِّر الموجَّه نحو الإصلاح الإنساني والاجتماعي)، فمن الطبيعي تمامًا أن يقول: «أنا أعتبر غاندي عابد النار أكثر استحقاقًا لأن يكون شيعيًا من آية الله البهبهاني، والأسوأ منه العلامة المجلسي، وماذا أقول؟ المجلسي سني، والإمام أحمد بن حنبل الذي عندما يرى أن خميرة العجين قد أُحضرت من بيت ابنه الذي صار قاضيًا لسنة، وخُبز منها خبز، لا يأكل ذلك الخبز، وعندما يسمع أن الخبز قد أُلقي في دجلة، لا يذوق سمك دجلة أبدًا، وأبو حنيفة الذي يُضرب بالعصي كي لا يقبل المنصب، ويهرب من ملاحقة الخليفة العباسي وفاءً لحق إمامة آل النبي، هو أكثر تشيعًا منه. غورفيتش اليهودي المادي الشيوعي، لأنه قضى عمره كله في النضال والخطر والفرار والتشرد حول العالم ضد جاهلية فاشية هتلر وديكتاتورية ستالين والاستعمار العسكري للجيش السري الفرنسي لاستعباد شعب الجزائر، وجلادي الصهيونية ومذبحة شعب فلسطين، ودافع لسنوات بقوة قلمه وشخصيته العلمية دفاعًا رجوليًا عن حرية مسلمي الجزائر وفلسطين في وجه فرنسا المسيحية وإسرائيل اليهودية، معرضًا حياته للخطر، رغم أنه كان يعيش في فرنسا وعرقه يهودي، فهو أقرب إلى التشيع بمراتب من المرجع الشيعي رفيع المقام سماحة آية الله العظمى الميلاني، الذي كانت كل فتاواه حتى الآن في طريق تفرقة المسلمين أو قمع أي حركة بين المسلمين، ولم يكتب سطرًا واحدًا طوال عمره ضد خمسة وعشرين عامًا من جرائم الصهيونية وسبعة أعوام من مذبحة فرنسا ومئة عام من الاستعمار ومئات الأعوام من الاستبداد، وكانت الولاية بالنسبة له مقام اسم ودكان خبز وهراوة في اليد» (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ/ 1: 12-13). من وجهة نظر أولئك المعتقدين بالمذهب الشيعي الذين يرفعون الاعتقاد فوق العمل، فإن مثل هذه المقارنة هي إهانة لعلماء الدين الشيعة البارزين، ولكن في نظر المفكر المتمركز حول البادلوغوس، فإن مقارنة غاندي بهذا النوع من علماء الدين، لربما هي إهانة لمقام غاندي الرفيع. ولكن ما الذي كان يتيح لشريعتي أن يتحدث بهذه الطريقة في مجتمع شيعي كان علماء الدين فيه يتمتعون بقوة اجتماعية هائلة وقوة تكفير حاسمة؟ يبدو أنه بالإضافة إلى الشجاعة الشخصية وغلبة المُثُل الإنسانية على وجوده وشخصيته، كان هناك وضوح وجلاء الأسس الفكرية التي كان يفكر على أساسها.
تقدّم المعرفة وتفوّق العمل: الاستقلال النسبي والتكامليّة المتزامنة للمعرفة والعمل
إذا كانت الحقيقة تنكشف في العمل، وصدق القضايا يُعرف في العمل، وقيمة الإنسان الوجودية تُقاس أيضًا في عمله، فما هو شأن المعرفة إذن في مثل هذا الجهاز الفكري؟ ألا تتحول المعرفة، على أساس مثل هذا الفكر، إلى زائدة للعمل؟ يبدو أن هذه النقطة يمكن استنباطها من آراء شريعتي، وهي أن المعرفة والعمل حقلان مستقلان نسبيًا عن بعضهما البعض، يُحدث كل منهما آثاره الخاصة في حياة الإنسان. نظرته إلى الانفصام وعدم الانصهار بين المعرفة والعمل هي نظرة باثولوجية. العمل بدون معرفة «يُلقي في مهلكة العمل الأعمى» (شريعتي 1356: 156)، والمعرفة بدون عمل قد تؤدي أيضًا إلى «الاغتراب الذهني والتقوقع في الكتب» (المصدر نفسه: 156). لذا، فإن شريعتي ينظر إلى العلاقة المتبادلة بين هذين الاثنين:
«العلاقة بين الفكر والعمل هي علاقة متبادلة. بأفضل تعبير كما قال علي ... :
«مِنَ الإيمانِ يُستَدَلُّ بالعَمَل»
«ومِنَ العَمَلِ يُستَدَلُّ بالإيمان»
«من الإيمان يُهتدى إلى العمل، ومن العمل يُهتدى إلى الإيمان» (المصدر نفسه: 162).
على عكس ما يُستنتج غالبًا من آرائه، يعتبر شريعتي أن الذرائعية المحضة "مزلق انحرافي": "نعلم أنه بعد الإيمان مباشرة، يتردد العمل الصالح على لسان الله، وحتى بقول النبي حين يُسأل: ما الإسلام؟ فيجيب: العمل. ليس المقصود أن نقع في نوع من البراغماتية ونتخذ المعيار الفكري معيارًا عمليًا. هذا نوع من المزلق الانحرافي الذي يلقي بالإنسان في مهلكة العمل الأعمى، لأنه قبل ذلك لا بد من امتلاك أساس أيديولوجي لتمييز العمل الصالح من غير الصالح، والعمل الذي يخدم الإنسان من العمل الذي يخدم الشخص أو هو مدمر بالأساس" (شريعتي 1356: 156). ومع ذلك، ينفي شريعتي الانفصال بين هذين الاثنين وكونه "يجب أولاً أن نفكر، ثم نعمل، يجب أولاً القيام بالعمل الفكري، ثم العمل العملي" (شريعتي: 1358: 24-23). وهكذا، فالمعرفة في نظره تعمل بمنزلة معيار للتعرف على أنواع الأعمال وتمييزها عن بعضها البعض؛ لكنها معرفة تكون قد اجتازت مرحلة التنظير وارتوت من حصائل العمل. العمل بدون فكر عقيم: "في جميع المجتمعات أيضًا، الأمر على هذا النحو: خلف العمل يكمن الفكر والارتكاز الفكري، وإلى جانب العمل يكمن التفكير والارتكاز الفكري، وفي أثناء أداء العمل أيضًا يوجد التفكير والارتكاز الفكري. كلما ابتعد الفكر عن العمل، تحول العمل إلى جهود عقيمة، وتحول الفكر إلى تخيلات ذهنية، وكلاهما يصبحان بلا جدوى" (شريعتي، 1379: 165).
من وجهة نظر شريعتي "عندما لا يكون المجتمع قد فكر ولا يفكر ولم يبلغ الوعي، لا يمكنه أن يفعل شيئًا. لا شيء! عندما تقارن دستورية إيران بالثورة الفرنسية الكبرى، بالمقارنة مع ما اقتبسوه منها، يخرج أحدهما بهذا الشكل والآخر بذاك الشكل. هكذا نرى أن الدستورية تبدأ ببضعة فرمانات وفتاوى. في حين أن الثورة الفرنسية الكبرى (تبدأ) بقرن من التفكير، والتأمل، والرؤية الجديدة، والحركة الفكرية التقدمية الواعية والتنويرية" (المصدر نفسه: 166-165). إذن فالعمل بحاجة إلى أساس فكري: "إذا لم يكن للعمل بنية تحتية وقاعدة فكرية، فهو إما لا يتحقق أو لا يتحقق بوعي. لهذا نرى في كل مكان عبر التاريخ، أنه حيثما وجدت حركة وبناء، كان خلفها رؤية ووعي فكري، وثقافة اعتقادية توقظ وتنير، وكذلك تبرير نقدي للقول والعمل" (المصدر نفسه: 163). لذا يمكن القول إن المعرفة من وجهة نظر شريعتي هي معيار الحكم على العمل، والعمل هو موضع اختبار المعرفة. وهكذا، يقر شريعتي بأولوية (priority) المعرفة على العمل. وعلى هذا الأساس، فإن "الإنسان الثوري" عنده ليس مجرد من قام بعمل ثوري، بل سعى قبل العمل إلى أن يربي ويبني نفسه ثوريًا من الناحية الفكرية والأخلاقية والوجودية: "أساسًا، «الإنسان الثوري» ليس فقط إنسانًا يشارك في ثورة اجتماعية. – فكثيرًا ما يشارك فيها «الانتهازيون» و«المغامرون» و«الأنانيون»، وهم يشاركون فعلًا، وجرثومة انحراف كل النهضات، وإخفاق كل الثورات هي مشاركة هؤلاء – بل إن الثوري قبل كل شيء هو جوهر متحول عصامي، إنه إنسان استبدل «ذاته العصامية الأيديولوجية» بـ«ذاته الموروثة التقليدية والغريزية»" (المصدر نفسه: 133). ومن هنا، فإن "التحول إلى ثوري يستلزم قبل كل شيء ثورة ذهنية، ثورة في الرؤية وثورة في أسلوب تفكيرنا" (المصدر نفسه: 167). إذن فالمعرفة لها الأولوية في منظومته الفكرية. فمن وجهة نظره، بدون نور المعرفة، سيكون جهد الإنسان أعمى ومدمرًا. ولكن على الرغم من كل الأهمية التي يوليها شريعتي للرؤية والمعرفة والفضائل الداخلية والوجودية (الأمور الذاتية)، فإنه يضيف فورًا أن "الإنسان لا يُصنع بالنظرية وحدها" (المصدر نفسه: 168). الاكتفاء بتكديس المعرفة قد يؤدي إلى شكل من أشكال الانحراف ويجعل الفرد أعمى تجاه عوالم من الكون. شريعتي، بتحدثه عن ثنائية الكتاب والعمل (المرادفة لثنائية المعرفة والعمل)، يعتبرهما متكاملين:
«إن "العمل" لا يعين الكتاب في هذا الطريق فحسب، بل يمنع انحراف الإنسان، وفي الوقت نفسه هو، كالكتاب، منبع للوعي ووسيلة لبلوغ الحقيقة وتجربة روحية أخرى. ... العمل ليس فقط منبعاً للتجربة والوعي كالكتاب، بل إن الوعي الصادق والموثوق ينبع من العمل، وما يأتي من الكتاب، وإن كان ينمو بسرعة، غالباً ما يكون مرضياً ومنحرفاً وموهوماً، أو قد يحمل في طياته عناصر تقود المثقف شيئاً فشيئاً إلى الانحراف والمرض أو التسمم. الكتاب والعمل كلاهما يؤثران في بناء الإنسان. الكتاب يزاوج العمل بالوعي الفكري وقوة التحليل والاستعانة بتجارب كثيرة هيأها بشر آخرون وعبقريات أخرى، والعمل يرسخ الفكر الذهني على أرض الواقع ويصححه. من يدافع عن حق العمال في الإضراب، ومن تعلم الأفكار التقدمية حول النقابية، ليس تلقيّهما وإحساسهما بالإضراب كمثل تلقي وإحساس من يشارك فعلياً في إضراب عمالي» (المصدر نفسه: 168-169).
وهكذا، في التركيب المترابط للمعرفة والعمل، يكون كل منهما مستقلاً نسبياً، ولا يؤدي أي منهما بمفرده إلى الغاية المنشودة، بل هما انحراف عن المسار المطلوب. عند شريعتي، في هذا التركيب، وإن كانت الأولوية للمعرفة، إلا أن للعمل التفوق (primacy)؛ لأن العمل هو الذي 1) يصحح الانحراف الذهني، و2) يقدم معرفة مكملة وصادقة، و3) ينقي الإنسان وجودياً وأخلاقياً، و4) يعرّف الفاعل بمعاناة الناس وآلامهم:
«المعرفة الصادقة مزيج من هذين. العمل للإنسان خالق ومكمل وصاقل لجوهر الوجود. العمل للمثقف هو مغيّر للشخصية الطبقية والسلوك الاجتماعي والأخلاق والعواطف والعادات والنزعات الانحرافية الموجودة في إطاره الطبقي والتي تفصل بينه وبين جماهير الناس –الناس الذين يعملون-. وأخيراً، العمل هو دعوة من طبقة المعاناة والحرمان لاستدعاء المثقف الذي يسعى، في الطبقة الوسطى أو العليا، إلى خلاصه وإلى أداء مسؤوليته الإنسانية. العمل يجانس المثقف مع الجماهير ويرفعه إلى درجة، كما يقول كاتب شعبي كبير: "يخلط الناس بينه وبينهم في الشارع والسوق"» (المصدر نفسه: 169).
وهكذا، فإن العلاقة بين المعرفة والعمل هي علاقة جدلية. إنهما متكاملان: «الفكر والعمل صانعان وولودان لبعضهما. كل منهما يُصنع ويُربى ويتشكل في الآخر وبيد الآخر، و"العلاقة الجدلية" بين الفكر والعمل، أي هذه!» (شريعتي، 1358: 24). من وجهة نظر شريعتي، «يجب أن يكون الكلام والعمل والمعرفة والتطبيق متلازمين دائماً، وهذه هي سنة نبي الإسلام الذي لم يكن يقسم الحياة أبداً إلى فصلين، كأن يكون الفصل الأول فصل الكلام المطلق والفصل الثاني فصل العمل المطلق» (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 28: 89).
التمييز بين المنظومة المعرفية المتمحورة حول العمل والمنظومة المعرفية غير المتمحورة حول العمل
النقطة المهمة الأخرى التي توجه فكر شريعتي والتي يستخدمها كمعيار لأداء وحياة نفسه والآخرين ويحاكم بها، هي التمييز الذي يقيمه بين نوعين من المعرفة: منظومة معرفية موجهة نحو العمل وتفضي إليه، في مقابل منظومة معرفية لا تنتهي إلى عمل: «فكر هو أساساً فكر عمل» و«عملي»، وفكر «ذهني» و«يوتوبي» و«خيالي» (شريعتي، 1379: 162-163). من وجهة نظر شريعتي، يمكن تقييم المنظومات المعرفية من حيث قدرتها على تحفيز الأفراد على الفعل: «لهذا، على المثقف هنا أن ينتبه إلى أنه إذا رأى أن الاتكاء على فكر باسم مذهب أو دين يبعده عن العمل، فعليه في حكمه –إن أراد أن يكون دقيقاً ومنصفاً- أن يفصل، هل أن عامل نفي العمل هذا يتعلق بجنس الفكر، بمعنى أنه فكر ذهني ونوع من الفيدية والبوذية والصوفية والتصوف و... أو هو وجودية ذهنية، هيغلية، أم لا [...]» (المصدر نفسه: 160). المنظومة المعرفية المتمحورة حول العمل، من وجهة نظر شريعتي، لها خاصيتان مهمتان:
1) «في التاريخ يصنع الحدث (الحدث، الحركة والظاهرة، الواقعة، سواء أكانت بصورة حادثة اجتماعية، أم بصورة ثورة اجتماعية، أم بصورة حضارة وثقافة). إذن يتّضح أنه فكرٌ يُعمَل به» (المصدر نفسه: 161-162)؛ 2) «الإنسان يُصنَع ويُمكن [أن] يُقدَّم إلى العالم بقيم محدّدة، و[يمكن] القول إن هذا صنيعة هذه المدرسة؛ الإنسان المُصنَع، أي الإنسان ذو النمط الخاص، والسنخ الخاص والمواصفات المميزة التي استقاها من هذه الأيديولوجيا، [إذن] يتّضح أن هذه المدرسة ليست بصورة يوطوبيا وبصورة مجموعة ذهنيات، بل إنها تصنع الإنسان، أي إنها عملية؛ ليست يوطوبيائية، بل عملية» (المصدر نفسه: 162-163؛ الأقواس في النص).
بناءً على هذه الأسس الفكرية، تابع شريعتي أهم مشروع فكري له –«الإسلام بوصفه أيديولوجيا»–؛ إسلام يصنع، من وجهة نظره، سنخاً خاصاً من البشر وكذلك مجتمعه المنشود. من وجهة نظره «الإسلام "مخطط" [...] يجب أن يُشيَّد» (المصدر نفسه: 160). يمكننا الآن مرة أخرى أن نعود إلى التمييز الذي يقيمه شريعتي بين بعض الأنماط الشخصية في العالم الإسلامي (أبو ذر، والحلاج، وابن سينا) وأن ننتبه إلى نقده للعرفان التقليدي ونقده للعرفاء. من وجهة نظره، الاعتماد على أنساق فكرية موجّهة نحو العمل لبناء مجتمع منشود ضرورةٌ ومقدمةٌ لأي برنامج عملي: «الاتكاء الفكري على فكرٍ هو أساساً فكر عمل، فكر عملي وفكر بناء، لا يقتصر على مساعدة العمل وتأييده، بل إن تحقيق العمل وكذلك ضابط صحة عمل ما –وجودُه وإيجادُه وصحتُه– يستلزمان اتكاء العمل على هذا الوعي الفكري المسبق» (المصدر نفسه: 162). والمثقف أيضاً من وجهة نظر شريعتي هو من يحمل رسالة عملية و«لكي يؤدي رسالته العملية يجب أن يكون لديه اتكاء فكري ومرتكز فكري عن وعي» (المصدر نفسه: 166). لذا، بناءً على هذا النسق الفكري، يرى المثقف كائناً بروميثياً ونبوياً: «المثقف ما يمنحه للمجتمع هو النار الإلهية؛ تلك النار التي يأخذها من الدين وأنبيائه هو. والمثقف –أياً كان وكل واحد منهم– هو بروميثيوس يأخذ تلك النار ويمنحها لمجتمعه. ماذا تعني النار؟ تعني فكراً يخلق الوعي والهداية والنور وكذلك الحركة والحرارة والدفء، وهذا الفكر لا يتنافى مع العمل فحسب، بل إن العمل من هذا الفكر يتغذى» (المصدر نفسه: 166). يبدو أن شريعتي في مثل هذا النقاش –عن وعي وتعمد أو بغير وعي– يقدم معياراً للحكم على الأفكار وحياته أيضاً.
علم الدين بناءً على أداء الدين وتحققّه التاريخي
ترتبط معرفة الدين لدى شريعتي أيضًا بفكره المتمحور حول الـ«بادلوغوس». فهو يشبّه الدين أولاً بالإنسان، ويرى أنه في معرفة الإنسان ينبغي معرفة سيرته من جهة، وأفكاره وآثاره من جهة أخرى. أما الثانية فتدرس الإنسان في صيرورته. ويقول في موضع آخر: «ليس الإنسان شيئًا سوى صيرورة الإنسان». وبالطريقة نفسها، يرى شريعتي أنه في معرفة الدين ينبغي معرفة الفكر الذي يقدمه الدين من جهة، وظهوره التاريخي وتجليه وسيرورة صيرورته من جهة أخرى: «إن المذهب كالشخصية تمامًا: أفكار المذهب وآثاره هي كتابه، أي النص المذهبي الذي يدعو الناس إليه. أما بيوغرافيا المذهب وسيرته الذاتية فهي تاريخه. لذلك، لكي نعرف الإسلام معرفة صحيحة ودقيقة وبمنهج عصري، يوجد طريقان رئيسيان: الأول، القرآن بوصفه مجموعة أفكار وآثار فكرية وعلمية لشخصية تُدعى الإسلام، والثاني، تاريخ الإسلام، أي سرد التحولات التي مرت به منذ بداية البعثة وحتى اليوم» (شريعتي، بلا تاريخ، م.آ. 28: 76). وهو يتجاوز لاحقًا هذه النقاط العامة ويقدم منهجًا أكثر تحديدًا لدراسة الدين، يتضمن خمسة أنماط رئيسية: 1) نمط إله الدين؛ 2) تحديد نوع كتاب الدين؛ 3) تحديد نمط نبي الدين؛ 4) تحديد كيفية ظهور النبي وتوجهه (وهو عنصر يبدو أنه يمكن إدراجه ضمن العنصر الثالث)؛ 5) تحديد نمط النماذج البارزة التي صنعها الدين المعني وربّاها، وأظهر من خلال تربيتها قدراته عمليًا (المصدر نفسه: 82-83). «إن معرفة هذه النماذج بدقة ووضوح من الناحية العلمية أشبه بمعرفة مصنع نعرف سلعته فنستدل من سلعته على جودة المصنع، لأن المذهب مصنع لصناعة الإنسان» (المصدر نفسه: 83). وهو في شرحه لهذا البند، يعقد مقارنة بين الحسين بن علي من جهة، والحلاج وابن سينا من جهة أخرى، ويقول في شأن هذه المقارنة: «إن مقارنة هؤلاء الثلاثة توقفنا، بشكل محسوس وسمعي وبصري، على معرفة اختلاف مدرسة الفلسفة أو التصوف مع مدرسة الإسلام، ووجوه اشتراك هذه المدارس» (المصدر نفسه: 84). وباستثناء البند الأخير الذي يركز بالكامل على الوجه العملي للمدرسة وآثارها ومنتجاتها الخارجية، فإن شريعتي يولي في معرفته للدين اهتمامًا تامًا وكاملاً بالأبعاد الاجتماعية والخارجية للعناصر الأربعة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يقول في شأن كيفية ظهور النبي (البند 4): «كيف كانت جبهته عند الظهور؟ إلى أي طبقة انحاز؟ وضد أي طبقة ناضل؟» (المصدر نفسه: 82).
يمكن متابعة هذا البحث أكثر من هذا، ويمكن استقاء محاور مختلفة أخرى من فكر شريعتي وطرحها للنقاش وإظهار اللمحات المتمحورة حول الـ«بادلوغوس» فيها. وبحكم الضرورة، إذا كانت الأسس النظرية وكيفية صياغة بحثي معتبرة، فأظن أن الفكر المتمحور حول الـ«بادلوغوس» هو بمنزلة ذلك المنظور الفلسفي الأساسي الموجود في آثار شريعتي المتنوعة، وهو يعمل بمنزلة الخيط الجامع لكتاباته شديدة التنوع، كما أنه صبغ فكره بلونه الخاص.
خلاصة
بناءً على العرض التفصيلي نسبياً أعلاه، يمكن القول إن علي شريعتي، بوصفه مفكراً دينياً، يفكر داخل التقليد الفكري المتمركز حول ضد اللوغوس. إن تقسيم الأنظمة الفلسفية على أساس ثنائية الفكر المتمركز حول اللوغوس / الفكر المتمركز حول ضد اللوغوس يوفر معياراً مناسباً لدراسة وتقييم فكر شريعتي، ويوضح ويشرح الأسس الفلسفية لفكره بشكل جيد. إن المفكرين المختلفين الذين قاموا بتقييم آراء شريعتي، اعتبروه في بعض الحالات متأثراً بالماركسية أو الوجودية أو كليهما. كما وجد البعض في آراء شريعتي نزعات براغماتية، أو تجريبية، أو وظيفية. يبدو أن الانتباه إلى الأسس المتمركزة حول ضد اللوغوس في فكر شريعتي، يكشف أن هذه الاستنتاجات والتفسيرات ناتجة، على الأقل في بعض الحالات، عن عدم المعرفة الدقيقة بخصائصه الفكرية. لكل من هذه المقاربات الفكرية المذكورة قرابة مع أسسه الفكرية، ومن ثم، تُرى أحياناً شبهة ظاهرية بين آرائه وهذه الأنواع من الأفكار، وقد أتيح لشريعتي أحياناً، بسبب القرابة الفكرية مع الأنظمة الفلسفية المتمركزة حول ضد اللوغوس مثل الماركسية والوجودية والبراغماتية، إمكانية الاستلهام منها أو الاقتراض منها. فقط أولئك الذين يؤمنون بالتنقية والنقاء في الفكر (وهو نوع من العارضة الفكرية التي لو تحققت وأصبحت ممكنة، لأدت إلى الجمود والعقم الفكري)، يعتبرون هذا النوع من الاستلهام أو الاقتراض غير مبرر. بالطبع، في بعض الحالات قد لا يكون اقتراض شريعتي مبرراً، أو على الأقل لم يمر بعملية التملك النقدي للفكر المأخوذ. هذا الموضوع بالطبع بحاجة إلى بحث دقيق. من الضروري التذكير بأن سعيي في هذه المقالة لم يكن منصباً على تبرير نظام شريعتي الفكري والدفاع عن فكره. إن أي دفاع أو نفي ورد يتطلب أولاً معرفة صحيحة وموثوقة. إن مدى اعتبارية فكر شريعتي المتمركز حول ضد اللوغوس بشكل عام، هو موضوع مستقل ينبغي مناقشته وبحثه ونقده بشكل منفصل. وكذلك، ما هو شأن ومكانة الأسس الفكرية لشريعتي داخل تقليد الفكر المتمركز حول ضد اللوغوس، وبالمقارنة مع البدائل الأخرى داخل هذا التقليد الفكري نفسه، وما هي درجة اعتباريتها، فهذا بحاجة إلى بحث ودراسة. كان مقصدنا في هذه المقالة، مجرد شرح الأسس الفلسفية لفكر شريعتي التي تعمل كخيط رابط لأفكاره المتنوعة.
.
.
المصادر والمراجع
برونر، فرناند (1380) "نسبت نظر و عمل در طیّ تحول تفکر غربی". ترجمهی رضا داوری اردکانی در کتاب تمدن و تفکر غربی: مجموعهی مقالات. تهران: نشر ساقی، صص 118-107.
بولتمان، رودلف (1380) مسيح و اساطير. ترجمهی مسعود عليا. تهران : نشر مركز، چاپ اول.
رُرتی، ریچارد (1384) فلسفه و امید اجتماعی. ترجمهی عبدالحسین آذرنگ. تهران: نشر نی، چاپ اوّل.
شریعتی، علی (بیتا) با مخاطبهای آشنا. مجموعهی آثار 1. بیجا: بینا.
شریعتی، علی (1356) خودسازی انقلابی، مجموعهی آثار 2. تهران: حسینیهی ارشاد.
شریعتی، علی (بیتا) بازگشت، مجموعهی آثار 4. تهران: حسینیهی ارشاد.
شریعتی، علی (1368) تاریخ تمدن (2). مجموعهی آثار 12. تهران: نشر قلم، چاپ سوّم.
شریعتی، علی (1381) بازشناسی هویت ایرانی-اسلامی، مجموعهی آثار 27. تهران: انتشارات الهام، چاپ هفتم.
شریعتی، علی (بیتا) روش شناخت اسلام. مجموعهی آثار 28. بیجا: بینا.
شریعتی، علی (بیتا) ما و اقبال، مجموعهی آثار 5. تهران: حسینیهی ارشاد.
شریعتی، علی (1358) شیعه، مجموعهی آثار 7. تهران: سحاب کتاب، چاپ اول.
شریعتی، علی (1359) تشیع علوی و تشیع صفوی. مجموعهِی آثار 9. تهران: انتشارات تشیع.
شریعتی، علی (بیتا) نیایش، مجموعه ی آثار 8. تهران: بیجا.
شریعتی، علی (1379) اسلامشناسی، مجموعهی آثار 17. تهران: انتشارات قلم، چاپ ششم.
شريعتي، علي (دون تاريخ) حسين وارث آدم. مجموعة آثار 19. دون مكان: دون ناشر.
شريعتي، علي (1371) هبوط در كوير، مجموعة آثار 13. طهران: نشر چاپخش، الطبعة الخامسة.
شريعتي، علي (دون تاريخ) روش شناخت اسلام. مجموعة آثار 28.
كوسه، إيف وآبه، ستيفن (1389) واژگان مكتب فرانكفورت. ترجمة أفشين جهانديده. طهران: نشر ني، الطبعة الثانية.
ماركس، كارل (1387) هستي وآگاهي و چند نوشتة دیگر. اختيار وترجمة أمير هوشنغ افتخاري ومحمد قائدي. طهران: نشر آگاه، الطبعة الأولى.
محدثي، حسن (1383) زير سقف اعتقاد: بنيانهاي ماقبل انتقادي انديشة شريعتي. طهران: نشر فرهنگ و انديشه، الطبعة الأولى.
مظفّر، تشاندرا (1394) "إقبال وتحدي الإصلاح". ترجمة حسن محدثي كيلوايي. مجلة نسيم بيداري الشهرية، العدد 58، أرديبهشت 1394.
مككويري، جون (1375) تفكر ديني در قرن بيستم، ج 1. ترجمة محمد محمد رضائي وعباس شيخ شعاعي. قم: مكتب الإعلام الإسلامي لحوزة قم العلمية.
.
.
Convers, Philip, E. (1964) Ideology and Discontent. New York: Free Press.
Farin, Ingo (2012) “Heidegger and Hegel: The Time of Life & The Time of Life-Philosophy. Parrhesia 15:24-34.
Feenberg, Andrew (2013) “Realizing philosophy: Marx, Lukács and the Frankfurt School”. Espaço de interlocução em ciências humanas n. 18, Ano IX, out./2014 – Publicação semestral –ISSN 1981-061X. http://www.verinotio.org/conteudo/0.53075547379512.pdf
Heidegger, Martin, “On the Essence of Truth” .Date of original version: 1943. Based on a translation by John Sallis. This translation is based on fourth edition of the essay (1961). http://aphelis.net/wp-content/uploads/2011/02/Martin-Heidegger-On-the-Essence-of-Truth.pdf
Kremer, Alexander (2011) “Introduction: An American Leftist Patriot” IN The Roots of Rorty’s Philosophy. Vol. 2, Issue 1, Summer 2011. http://www.pragmatismtoday.eu/index.php?id=2011summer1
Metz, Johann Baptist (1980) Faith in History and Society: Toward a Practical Fundamental Theology. Trans. By David Smith. The Seabury Press. New York.
Suvak, Vladislav (2000) “The Essence of Truth (aletheia) and the Western Tradition in the Thought of Heidegger and Patocka”. IWM Junior Visiting Fellows Conferences, Vol. IX/4.
.
.
[1] . أدين بمعرفتي بمقالة فرناند برونر حول "نسبة العمل والنظر في سياق تطور الفكر الغربي" للأستاذ الجليل الدكتور بيجن عبد الكريمي. كما أدين بلفت انتباهي إلى ضرورة الاهتمام بمعنى العمل في فكر شريعتي للدكتور عبد الكريمي، ولذا أغتنم هذه الفرصة لأعبر عن امتناني له.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١٠ تعليق
سلام 1- تقسیم فلسفه به لوگوس محور و غیر لوگوس محور که نوشتار بالا بر آن پی ریزی شده است تقسیمی کاملا دلبخواهانه است و اصولا این دو قطیی سازی ها به ویژه در قلمرو شناخت و معرفت بشر که تمودی طیفی دارد و برساخته های عملی و اجتماعی آن بسنده نیست.نویسنده محترم لطف کنند و جایگاه امثال کانت را در این تقسیم بندی مشخص کنند.آیا نقد عقل نظری لوگوس محور و نقد عقل عملی ضد آن است؟ به قول یکی از دوستان که در بالا اشاره کرده اند اگر شریعتی ابوعلی سینا را در برابر ابوذر قرار می دهد آنگاه جایگاه حلاج معلوم نیست و شاید از سر ناچاری است که شریعتی با همه عشقی که به ماسینیون دارد افلاطون وار تاج گلی بر سر حلاج می گذارد و او را از مدینه علوی خود بیرون می کند. هر نگاه دو قطبی و تراژیکی که جهان را در پوشش خیر و شر وناریخ را در روابط هابیل و قابیل فهم و خلاصه کند به ناچار در چنین تنگنایی می افتد. 2- معلو نیست هدف نویسنده از آوردن این همه اسم چیست. آیا واقعا هایدگر به معنایی که مد نظر نویسنده و مارکس و پراگماتیست هاست عمل را معیار حقیقت می داند. آن وقت با مفهوم آلتیا یا گشودگی و آشکارگی که از هر دو معیار تطابق و عمل فراتر می رود و هایدگر در سرآغاز کار هنری به تفصیل آن را شرح داده است چه باید کرد؟ آیا ذکر نام یک فیلسوف بدون اشاره به دیدگاه نهایی او مطابق با آداب حقیقت ورزی است؟ 3-ردیف کردن نام ها و مرزبندی های دلبخواهانه از شگردهای ویژه دکتر شریعتی است که احتمالا به دلایل عملی به آن مبادرت می ورزید و چندان پروای درستی و نادرستی آن را نداشت. کنار هم قراردادن روسو و ولتر که در مسائل ریز و درشت مانند طبیعت گرایی رمانتیک و خردورزی یا توجیه زلزلزله لیسبون با هم مناقشه داشتند تا چه اندازه درست است؟ بدتر از این در برابر هم نهادن ولتر و پاستور است؛آیا اگر ولتر نیود پاستور سرنوشتی بهتر از هزاران اندیشمندی پیدا می کرد که در دادگاه های تفتیش عقاید محکوم به مرگ شدند. آیا خدمات پاستور نقش اصلاحی کمتری از روشنگری های ولتر در پیراستن اذهان مردم از خرافات داشت؟ اصلا اگر بیکن و نوارغنون ها نبود پاستورها به وجود می آمدند؟ و امثال بیکن دغدغه شرایط علم را داشتند یا عمل؟ آیا نویسنده محترم آن جا که از دکارت و تشریح و..می گویند به تفاوت تجربه و عمل از حیث معرفت شناختی توجه داشته اند؟ 4- به فرض شریعتی به تقدم معرفت و تفوق عمل باور داشت. در راستای همین بازی با کلمات، او چه اصلاحی در مبانی و مواد معرفتی مکتب مورد علاقه اش یعنی تشیع به عمل آورد؟ کدام نظریه یا قاعده فقهی، اصل فلسفی، کلامی یا رویه عرفانی را به نحو روشمند و مستدل طرح و نقد کرد. چز چند طنز که اینجا و آن جا نثار امثال مجلسی کرد آیا یک خط در باره مکاسب و جواهر و شرح لمعه و ...که اکنون بند بند قوانین ما را شکل داده اند نوشت؟اگر این ها را قبول نداشت منشور عمل او چه بود؟ 5-واقعاآیا این که خواست شریعتی "اسلام انقلابی بود و نه انقلاب اسلامی" نوعی دیگر از بازی با کلمات آن هم به قصد تبرئه شریعتی از هر آنچه در چهار دهه اخیر گدشت نیست؟ تفاوت این دو در چیست؟ جهان بینی، معرفت شناسی، اخلاق و حقوق این ها چه تفاوتی دارند؟مگر نه این که در هردو، ساختار جامعه و حاکمیت امت و امامت و نهاد واسط یک حزب آن هم حزبی تمام است و دیگر هیچ؟ 6- به راستی اگر جامعه ای متشکل از گروهی چون بوعلی و حلاج باشند که سر درکار خود و کتاب و شهود و عبادت دارند، چیزی جز تیمارستان نیست، آن جامعه ای که میلبون ها نفر داعیه اصلاح یکدیگر دارند و دن کیشوت وار شمشیر و تازیانه در دست در پی گسترش معروف و زدودن منکرند، چقدر از یک تیمارستان موجه تر است؟ آیا بدون نقد ریشه ای مفاهیم، و باورها و طرح واره های خویشتنی که قرن ها متحمد شده است می توان به آن باز گشت و آیا به صرف لباس چریک پوشاندن به تن یک فقیه و دیندار، و ستاندن تسبیح و سپردن سلاح به او طرحی نو در بشر و تاریخ و جهان در انداخته ایم؟ 6-این که شریعتی چقدر با واقعیت خویشتنی که همگان را به آن دعوت می کرد آشنا بود بماند. همین کافی است که اشاره شود در ذهن شریعتی توهم و تاریخ چنان در هم آمیخته که هیچ گاه مستندی برای اثبات آنچه در باب مدینه فاضله گمشده و اسطوره های انقلابی- تاریخی اش می گوید ارائه نمی دهد. او ازامثال بوعلی و دیگر فلاسفه منزجر بود، انزجاری که به دانشگاه و پژوهش های روشمند دانشگاهی نیز گسترش یافت، شاید به این دلیل که توانایی مستدل و مستند سخن گفتن نداشت. او بیش از هر چیز یک خطیب بود و به قول کانت خطابه همیشه کمتر از آنچه ادعا می کند به ما می دهد..... اما، واقعیت آن است که شریعتی حتی مفاهیمی را هم که از غرب و در دانشگاه فرا گرفت یا درست به کار نمی برد با کامل نمی شناخت.آیا پژوهشگری که با تطور مفهوم ایدئولوژی آشنا باشد آن رادر معنایی مثبت به کار می برد و از آن منشور عملی در برابر جهان بینی مراد می کند؟ آیا امکان دارد یک پژوهشگر دینی پروتسانتیسم را در معنای خشک و عبوس لوتری و کالونی عمیقا درک کرده باشد و باز برای آینده دینی جامعه خودآن را چون الگویی پیشنهاد دهد، و چشم بر محافظه کاری، وانهادگی آگوستینی، روانجوری توام با احساس گتاه دائمی لوتر یا آدم سوزی کالون بر بلندای تپه های ژنو ببندد. 7- شریعتی در تخصص، داشنن هرگونه تیپ معین مثل کارمند، فیلسوف، نویسنده، فیزیکدان و...را دون شأن انسان آرمانی خود می داند،انسانی که باید فراتر از همه نقش ها و تیپ ها باشد. شریعتی احتمالا به دلیل همان کینه دیرینه نسبت به فلسفه نخواست از ارسطو بشنود که ماده بی صورت هیولای صرف است.هیولاها تاریخ نمی سازند، خاستگاه آنان شکاف های تاریک و ژرفی می شود که تود ه ها فوج فوج در آن فرو می غلتند.
واقعا باعث مسرت است که علاقه به شناخت و نقد صادقانه حال چه موافق و یا مخالف شنیده میشود. این که علم و فلسفه ای که در دانشگاه تدریس می شود و جایگاهی غیر قابل نقد یافته و تقدسی بالاتر از تمامی نهادها ، باورها، و افراد یافته را خواهشمندم مورد مطالعه و توجه قرار دهید. پل فایرابن گفته "ساینس همان دین است در لباسی زیبا" و همچنین این که "افرادی شجاع بایست جامعه را از ساینس نجات دهند." وقتی ساینس بر جایگاه مرجعیت می نشیند ... و غیر آن. میشل فوکو نیز با مطالعه تاریخی علم به ما آگاهی می دهد که "علم" صرفا تجربه و مشاهده و شناخت نیست بلکه حاوی ارزش هایی است که به چشم من و شما نمی آید و این که علم ابزار نیل به قدرت است. اشتباهات فرانسیس بیکن و صدمات نگرش او که انسان بایست علم را به کار ببندد تا طبیعت را شکنجه کند و از آن فایده برد را در Ozone layer depletion در deforestationدر Oil spillage در محیط زیست ، در تخریب محیط زیست و نتیجه عقاید ماکس وبر و جامعه سرمایه داری و پروتستانیسم او در کشتار جنگ جهانی اول میلیونها نفر و در نابودی جوامع بشری در غرب با هشتاد و پنج میلیون نفر کشته و صد و بیست میلیون معلول ، اواره و یا بی خانمان تجربه کردیم. تجربه گرایی و طبیعت انگاری، و پوزیتیویسم اشکال های متعدد و بعضا نادری دارند که تحت نام و اتوریته دانشگاه به خورد ما داده شده و این دقیقه را پنهان داشته که اصولا ارزشهای دانشگاهی بعد از قرون وسطی حاوی متافیزیکی است که بعنوان Gospel Truth به ما حقنه شده است. فرانسیس بیکن، راجر بیکن، هیوم، اوکام ، لاک ووو با تکیه بر تجربه و فراموش کردن نقش ذهن و جهل و یا تغافل نسبت به متافیزیک مبانی dogmaیا cannons و methodology جدید را برای فرو ریخت اصول عقاید کاتولیسیزم بر گرده تحصیلات دانشگاهی و ابتدایی رسمی گذاشتند. پوزیتیویسم منشور رسمی این جزم ها dogmaکلیسای جدید بود. مطالعه ، دانش، مشاهده، تحلیل قطعا راه شناخت است اما "ساینس" و " فلسفه" اکنده از ارزشهای غیر قابل دفاع و غیر موجه را بایست مطالعه کرد. ایدئولوژی نامیدن فله ای اندیشه منتقد ساینس بزرگترین ایدئولوژی زمان حاضر و تعصب به دانشگاه و ساینس خرافه زمان ماست که معرفی اش هزینه دار و باعث انزوا و بد و بیراه شنیدن است. فعلا جادوگران جدید یعنی دکتر و مهندس و دانشمند معتقد به ساینس بر گرده شناخت ، معرفت سوارند و اگر بخواهیم مانند امثال افراد مشهور فایده و توجه و پول و تبلیغات به سراغمان بیاید بایست دانشجو را تحقیر و مجموعه عقاید کلیسای ساینس و فلسفه را بر سرشان بکوبیم و له اشان کنیم. کانت زحمت کشیده اما کانت معیار اندیشه نیست و بری از نقد نیز نیست. اگر اعتبار و شهرت و جایگاه رفیع در نگاه دانشجو و مخاطب غافل می خواهیم راه فرانسیس بیکن و ارغنون نو راه نون در اوردن و سری تو سرها پیدا کردن است. اما منتهی به کلیسای جدیدی به نام دانشگاه و دادگاه تفتیش عقاید بی رحمی به نام اصلاحات، لیبرالیسم، و خشونت علیه جوامع جنوب، سیاه پوستان و آمریکای لاتین. اگر دنبال دردسر و فحش و توهن هستید سراغ مطالعه و تاریخ علم و فلسف بروید. تیمتون رو با آگاهی انتخاب بفرمایید.
" آن جامعه ای که میلیون ها نفر داعیه اصلاح یکدیگر دارند ، و دن کیشوت وار ، شمشیر و تازیانه در دست ، در پی گسترش معروف و زدودن منکرند، چقدر از یک تیمارستان موجه تر است؟ " . جمله قشنگی بود .
علی شریعتی در جایگاهی متفاوت در میان روشنفکران ایرانی قرار گرفته است روشنفکر ایرانی راهی را که در جامعه جهانی در اعتراضات وال استریت ، جلیقه زردهای فرانسوی ، اعتراضات به نژادپرستی در غرب مشخصا در نمونه اعلای لایسیته آمریکا طی تظاهرات مردم مورد اعتراض است را دنبال میکند. عجیب است که روشنفکری ایرانی چقدر از تحولات دنیا عقب است و همان ملکم خان و آخوندزاده و سروش به ذهن متبادر میکند. در جامعه جهانی دیگر دعوای ایرانی به تاریخ پیوسته مردم دیگر ارزش های کاپیتالیسم را نمیتوانند تحمل کنند. وقتی آثار نویسندگان ایرانی را میخوانیم هنوز ذهنیت قدیمی شده را مشاهده میکنیم. دیگر جوان و پیر جامعه جهانی پروپاگاندا و اقناع اذهان را بوسیله حاکمیت انگلیس آلمان و آمریکا و غیر این ها را بر رسانه و انتشارات شناخته است و فریب تبلیغات را تشخیص میدهد و جرأت اعتراض به این حاکمیت بر اقتصاد رسانه و تحصیلات را پیدا کرده. نویسنده مقاله فوق باید به روز شود و کهنگی هواداری از نگاه غالب را کنار بگذارد
بدون شک، دین اسلام و کلا طریق درست، به سیاست و امر اجتماعی، توجه میکند، اما از این نتیجه نمیشود دین اسلام، یک مدل و نسخه فراتاریخی و جهان شمول برای سیاست دارد. اصول عام سیاست مانند قسط و عدالت و حفظ حقوق همسایه و دیگری، هنوز هم قابل اتکا هستند، ولی مدل و نسخه کشورداری، امری عرفی و سیال و تغییر پذیر است. خود پیامبر هم اگر در زمان معاصر ما بود، به دموکراسی و حقوق بشر تن میداد. مثلا سیستم مالیاتی در کشورهای پیشرفته، به مراتب به روح و فلسفه زکات، یعنی کاهش فاصله طبقاتی، نزدیکتر است. در حال حاضر بیشتر اقلام زکات، مال قشر مستضعف و روستایی است، از این بیچارهها میگیرند که به کی بدهند؟
از دکتر محدثی بابت نگارش این مقاله ( پرزحمت و پر ارجاع ) تشکر میکنم . اما ثم ماذا ؟ 1- چه رویکرد شریعتی در قبال دین پراگماتیک بود یا نبود ، یا چه پراگماتیسم و رویکرد پادلوگوس قابل دفاع باشد یا نباشد ، شواهد و قرائن حاکی از عبور جامعه ایران از دین است . اما بزعم من حتا اگر جامعه از دین عبور نکرده باشد ، باید عبور کند . چرا ؟ 2- زیرا به طور کلی " متن مقدس " ( خدا فرستاده ) قویا استعداد خشونت زایی ، استبدادزایی ، و تضعیف عقلانیت را واجد است . چرا ؟ الف : به علت قرار گرفتن متن مقدس ( خدافرستاده ) در جایگاهی استعلایی و مافوق بررسی عقلانی . چون و چرا کردن در حکم الهی بیمعناست . بشر ناقص العقل را چه به چون و چرا کردن در حکم الهی . اگر هم امثال سروش تئوری دهند که " فهم ما از متن مقدس " غیر از " متن مقدس " است ، این هم یک تئوری خواهد بود در میان دهها تئوری دیگر . مثلا اصولی و اخباری و اشعری و اعتزالی و دهها رویکرد دیگر ، تئوریهای فهم دین هستند . رشته مشترک همه اینها این است که متن " مقدس " است ( البته دکتر سروش متن را " مقدس " نمیداند ) . ب : متن مقدس یعنی تعطیلی عقلانیت . چرا ؟ زیرا علی الادعا خدا بهترین پاسخ ها را برای مهمترین پرسشها به ما گفته است . اوج تعقل و عقلانیت همین است که ما در کتاب خداغور کنیم . همین و بس . هزاران جلد کتب تفسیر و کلام مبتنی بر همین باور بوده است . ولی وقتی ما هیچ ملجا استعلایی ای برای دانش نداشته باشیم ، مجبور به تعقل و کسب دانش شخصی ( بشری ) هستیم . ج : در همین تاریخ اخیر ایران ، " دین " هم شریعتی و فرقان و مجاهد خلق و فداییان اسلام و از ما بهتران درست کرده و هم بازرگان و سروش. رشته مشترک دسته اول خشونت و ترور و نارواداری تحمل مخالف بوده است . دیگر تفصیل نمیدهم که میوه های درخت " دین " در طول تاریخ ، چه میزان خشونت و استبداد و ظلم را باعث شده . د : دفع دخل مقدر : مگر مارکسیسم یک ایده بشری نبود ؟ مگر استالین مارکسیست حدود بیست ملیون نفر را نکشت ؟ پاسخ آنست که اساسا هر " ایده ای " که تقدس بیاید و در جایگاهی استعلایی بنشیند خطرناک است . ثانیا رویکرد مستبدانه یک شخص و استفاده ابزاری او از یک ایده ، غیر از مقدس بودن یک ایده است . جنایات تحت لوای مارکسیسم ، در حالی واقع شد که مارکسیسم ادعای قدسیت نداشت ، تا چه رسد به ایده ها و متن هایی که خود را ذاتا مقدس میدانند . لب کلام : تبلور سیاسی متن مقدس حکومت مقدس است ، و تبلور فرهنگی متن مقدس رکود عقلانیت است .
1 ـ خودشیفتگی و دگرآزاری و تعصب بر دینداری و بی دینی منطبق نمی شود ؛ چه بسا دینداران دگرپذیر و اهل مدارا و چه بسیار دین ستیزانی که تحمل شنیدن یک پرسش را ندارند و تمامی شرور عالم را به پرسشگر نسبت می دهند! 2 ـ روایت شریعتی از دین فقط معطوف به عمل و نتیجه نبود ؛ رگه های ژرف خوداندیشی و عواطف نوع دوستانه ... داشت . 3 ـ متن مقدس متضمن انباشت دانش در مقطع معین و مبنای کاوش و سنجش و فراروی فکری بوده است . پیدایش ادیان صاحب کتاب ، مبین مرحله ای مهم از فرایند رویش شناخت انسان است . 4 ـ اصرار بر حذف دین و کلام مقدس در تعصب و ویرانگری دست از تعصب دین محورانه دست کمی ندارد . 5 ـ نزد بسیاری از کسانی که می شناسم ، ضدیت با دین پوشش ضدیت آنان با قانون و حقوق دیگران است ! 6 ـ ایرانی با ذهنیت دوقطبی آشتی ناپذیر ، بی دین و ضد دین هم که باشد ، دگر اندیش را ابله می انگارد و لایق حیات نمی داند ؛ حد اقل او را سزاوار دخالت و مشارکت در تصمیم سازی و تصمیم گیری به شمار نمی آورد : هر که با مانیست ، بر ماست و جهان پاک از آن ناپاک بـِه ! اگر این رویکرد و منش « دینی » باشد ، زرتشتی و مانوی است و نگرش چهار طیفی ( حرام ، مکروه ، مستحب ، حلال ) شیعی ( با شدت و ضعف درونی مستتر در احتیاط ها و انواع واجب ) در مقام مقایسه هم برتر است و هم پادزهر آن انگاره باستانی همچنان زنده ، خاصه نزد دین ستیزان !
در آمریکا مجسمه کریستف کلمب سرنگون میشود و مدرنیته و لیبرالیسم و کاپیتالیسم مسیول تبعیض نژادی اعلام میشود و در کشوری که قربانی ارزشهای آمریکایی بوده علیه روشنفکر ضد استعمار مطلب نوشته میشود. جای فکر دارد
بهتر است همین مطالعه در مورد آکادمیای به ظاهر روشنفکر و فلاسفه تسلیم اوتوریته جامعه قدرتمند صورت بگیرد. حمله به شریعتی به علت افشاگری professionalismفیک جامعه "معتبر" دارای"مرجعیت دانشگاهی" و social image الیت ایرانی است نه بر اساس مبنای عقلی و علمی.
کاملاً مشخص است که جناب دکتر محدثی گرامی با اندیشه های دکتر شریعتی زیسته است,, چرا که خیلی خوب با دکتر شریعتی( همذات پنداری) می کنند. اگر دکتر شریعتی واقعاً ( پادلوگوس محور) بود , در نتیجه نمی توانست حلاج را رد کند ولی ابوذر را بپذیرد؟ زیرا حلاج عارف بود و خودش به نوعی پادلوگوس محور. عارفان به کشف حقیقتِ وجود در درون باور دارند و از آن طریق به( حقیقتِ مطلق ) می خواهند که برسند و می رسند . اما ابوذر زاهد بود ,, زاهد به دنبال حقیقت می دود , آیا به حقیقتِ مطلق می رسد یا خیر؟ خودش جای اندکی تامل است! به نظرم دکتر شریعتی در آثارِ خودش به نوعی به دنبال حقیقتِ وجود خودش می گشته است. مثلا شما کتاب حج دکتر شریعتی را که می خوانید,, در این کتاب, شریعتی تماماً دنبال حقیقت وجود خودش می گردد و حقیقت را مطالبه می کند. مانند ابوذر . شریعتی ابوذر وار خودش را می بیند و نه حلاج وار؟ شریعتی خودش را در ابوذر جستجو می کند . و اما در مورد ابن سینا به نظرم دکتر شریعتی , ابن سینا را نخوانده بود که اگر خوب خوانده بود هیچ گاه در مورد او چنین نظری نمی داد؟! پزشکی امروز غرب مرهون اشخاصی نظیر ابن سیناست . به نظرم دور از انصاف و عدالت است که امثال ابن سینا را با آن همه خدمات به جامعه بشریت با ابوذر در یک کفه ترازو قرار دهیم!