اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقتضي السلوك الروحي التوحيدي متعدد الأبعاد، القائم على التوحيد الاجتماعي-السياسي، توازناً بين العالم الشخصي والالتزام الاجتماعي؛ وهو نقدٌ للتأرجح بين الزهد المحض والإصلاحية المجردة، وبيانٌ لضرورة العرفان الاجتماعي في مدرسة التنوير الديني.

مجموعة المقالات الرباعية ضرورة إحياء التوحيد الاجتماعي-السياسي التي نُشرت سابقاً في موقع صدانت الثقافي، ومجموعة المقالات الرباعية الجديدة التي ستنشر تدريجياً على هذا الموقع نفسه كأعمال فرعية (Spin-Off) ومقالات تكميلية للمجموعة السابقة تحت عنوان العرفان الاجتماعي على أرضية التوحيد الاجتماعي-السياسي، ستكون بمثابة مقدمات في سبيل تبيين نظرية لاهوتية قائمة على آثار ورؤى ونهج وأسلوب رواد مدرسة التنوير الديني تحت عنوان "اللاهوت التحرري التعاوني"، والتي سيتم تناولها بعد الانتهاء من هذه المجموعة من المقالات.
في المقال الأول من مجموعة مقالات التوحيد الاجتماعي-السياسي تمت إزالة الغبار عن التوحيد الاجتماعي-السياسي، وفي المقالات الثلاثة التالية تم التطرق إلى آراء الجيل الأول من المجددين الدينيين (بازركان، طالقاني وشريعتي) في هذا الشأن. في هذه المقالات تم تقسيم التوحيد إلى قسمين: التوحيد الذهني-الفلسفي والتوحيد الاجتماعي-السياسي، وقيل إن هدف رسالة الأنبياء لم يكن فقط التحرر في مجال الذهن والفكر، بل كان أيضاً التحرر من القيود الاجتماعية (وليس النضال من أجل تشكيل حكومة أو تقديم برامج اقتصادية وسياسية وغيرها من صلب الدين).
الموحّد متعدد الأبعاد، ليس فقط موحداً في عالمه الشخصي وفي بُعد الفكر والمعتقدات، وقد نقّى ذهنه ووجوده من الشرك الذهني-الفلسفي ومن جعل الشركاء لله في "الألوهية" (من البشر الآخرين، والآلهة، إلخ...) وكذلك من "ربوبية ذاته" (الأنانية القديمة والإنسانية العلمانية الحديثة)؛ بل إنه في مجال العالم المحيط والمجتمع يسعى أيضاً إلى التحرر من العوامل التي تكبّله (كالاستبداد، والاستعمار، والاستغلال، والاستحمار، والهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والدينية) لكي لا يقع في الشرك الاجتماعي-السياسي بقبوله هيمنة وعبودية أرباب المال والقوة والخداع. ومن هنا، فإن الموحّد متعدد الأبعاد، بنظرته التوحيدية للعالم ومسعاه التحرري الواعي، يعارض اللامساواة والتمييز والظلم وكل أشكال هيمنة الإنسان على الإنسان.
كما تظهر النماذج التاريخية والمعاصرة، فإن الموحّد أحادي البُعد يكون سلوكه المعنوي أيضاً موجهاً نحو السلوك الشخصي في حدود عالمه الشخصي، ويكون سيره وسلوكه، شأنه شأن توحيده، منفصلاً عن أبعاد المجتمع والاقتصاد والسياسة وغيرها من العالم المحيط به، ومحايداً وغير ملتزم تجاهها. في هذا المقال ستتم الإجابة على هذا السؤال: كيف سيكون السلوك المعنوي لإنسان يؤمن بالتوحيد في عالمه الشخصي والعالم المحيط به؟ الموحّد متعدد الأبعاد، لأن توحيده ليس أحادي البُعد، فإن سلوكه المعنوي لا يقتصر على البُعد الفردي، بل هو سلوك قائم على العرفان الاجتماعي.
١
كان المجتمع الإيراني في العصر الحديث يتأرجح في مقولة السلوك بين إفراطين: من الزهدانية والتصوف في حقبة ما قبل الثورة، إلى الاهتمام بالإصلاح الاجتماعي في فترة النضال الثوري التي تشكلت كرد فعل على الوضع السابق، ثم الميول المتزايدة نحو العرفانات المستحدثة والعرفانات الشرقية والروحانيات العلمانية بعد الثورة، والتي حدثت كرد فعل على الحقبة الثورية.
كان شريعتي، بسبب عدم اكتراث المتصوفة بالمسؤولية الاجتماعية والالتزام تجاه سائر البشر، يسمي عرفانهم بـ "عرفان الهروب"، وطرح في مقابله العرفان البنّاء، ويمكن رؤية إشارات من هذه الانتقادات في أدعيته:
«... إلهي!
اشفِ مجتمعي من داء التصوف والتخمة الروحانية، ليعود إلى الحياة والواقع، ونجّني من ابتذال الحياة وداء الواقعية، لأبلغ الحرية العرفانية والكمال المعنوي...»
.. إلهي!
احرمني من كل الفضائل التي لا تنفع الناس! ولا تبتلني بالجهالة المتوحشة للمعارف اللطيفة، التي في جذبة المشاعر السامية، وفي أوج معارج ما وراء الطبيعة، لا أستطيع أن أرى بريق الجوع في عمق عين، ولا الخط الأزرق للسوط على ظهر!...»
(مجموعه آثار ۸ / نیایش)
في أثناء النضال الثوري، طغى الإصلاح الاجتماعي على السلوك الروحي الشخصي الذي كان يُنظر إليه على أنه توافقي وسلبي وغير ثوري، ردًا على الوضع السابق. يقول مصطفى ملكيان في نقده لتغلّب الجوانب المعرفية والأخلاقية للسلوك وشجب السلوك الروحي الشخصي في زمن النضال الثوري:
«...في مرحلة من تاريخ بلدنا، وبالنسبة لشريحة واسعة من جيل الشباب في بلدنا، في اعتقادي متابعةً لما كان يجري في الغرب، كان للنضال السياسي أو حتى الإصلاح الاجتماعي بتعبير أعم، قيمة عالية جدًا، قيمة لا تُقارن بقيمة سائر جوانب شخصية الإنسان وخلقه. أي أنهم لم يكونوا يعيرون الصحة النفسية لمفكر ما قيمة تضاهي قيمة كونه مناضلًا سياسيًا ومصلحًا اجتماعيًا. لم يكونوا يعيرون الفضائل الأخلاقية لمثقف ما قيمة تضاهي قيمة كونه مناهضًا للظلم ومناصرًا للفقراء وجماهير الناس!...»
بعد الثورة وردًا على الحقبة الثورية، أدت القراءة الرسمية للدين، والدعاية الدينية الرسمية، والضغط لتطبيق الأحكام الفقهية التي سُميت بالشريعة الإسلامية، إلى تزايد النفور من الشريعة والميول نحو العرفانات الشرقية والروحانيات العلمانية واللامبالاة بالالتزام الاجتماعي والسياسي. كما تأثر التجديد الديني بهذه الحركة البندولية للمجتمع، وكما في مبحث التوحيد والشرك، فإنه في بحث العرفان والسلوك الروحي أيضًا، أكد المجددون الدينيون بعد الثورة على السلوك الفردي والوجودي والدين الخاص. ورغم أن الدكتور سروش دباغ انتقد، خلال تقدمه في مشروع عرفانه الحديث، عدم اكتراث السالكين التقليديين بالالتزام الاجتماعي-السياسي، إلا أنه مع المسار القائم وعدم الاكتراث في النظرة الغالبة للمجددين الدينيين بعد الثورة بالأزمات الاجتماعية، يُخشى أن يتحول السلوك الروحي، كما التوحيد، إلى بُعد فردي-شخصي وذهني-وجودي. تقول سارا شريعتي في نقدها لغياب التجديد الديني عن المشاريع الاجتماعية:
«..كما غاب المثقفون الدينيون عن ملف الفقر. لقد مال تجديدنا الديني نحو المباحث النظرية والفكرية واللاهوتية والإبستمولوجية والفلسفية و..، لكنه لم يكن حاضرًا في الملفات الاجتماعية ولم يتناول ملف الفقر. يبدو أن الناس قد تُركوا في مشاريع التجديد الديني، ونتيجة لذلك تتوجه الجمعيات الخيرية و"NGO" نحو قضايانا الاجتماعية...»
في مجموعة المقالات السابقة، تم الحديث عن ضرورة إحياء التوحيد الاجتماعي-السياسي من أجل ولادة جديدة للموحدين متعددي الأبعاد، وذُكر الدكتور جمران وهدى صابر كمصاديق لهذا النوع من الموحدين. كان السلوك الروحي لأبناء مدرسة التجديد الديني هؤلاء نوعًا من العرفان الاجتماعي المنبثق من التوحيد الاجتماعي-السياسي، والذي تشكل تحت تأثير التعاليم العرفانية لشريعتي-إقبال والتعاليم ذات التوجه الاجتماعي لطالقاني وبازركان والإمام الصدر. لذا فإن الموحد السالك متعدد الأبعاد، كما في مبحث التوحيد، يراعي في سلوكه الروحي أيضًا التوازن بين الساحتين الفردية والاجتماعية، ويلتزم خلال سلوكه الروحي، بالإضافة إلى عالمه الشخصي، بأخذ العالم المحيط به في الاعتبار والسعي لتحسين الوضع الاجتماعي للمجتمع، وهو ما عبر عنه آية الله طالقاني بقوله:
«بالحياة الفردية والانزواء وباسم السلوك والأخلاق؛ أن يغرق المرء رأسه في نسج خيالاته وينسج لنفسه أوهامًا باطلة، لا ينفتح بهذا طريق السلوك إلى الله ولا تجد الأخلاق معنى، لأن هذه الأنانية هي سلوك نحو الذات لا نحو الله»
۳
قدم علي طهماسبي صياغة جديدة لثنائية العرفان الهروبي والعرفان البنّاء عند شريعتي. فهو يقسم العرفان الموجود في التاريخ الإسلامي إلى عرفان إلهي المركز وعرفان إنساني، وقد عبر عن وجهة نظره هذه في مقابلة مع مجلة جشمانداز إيران على النحو التالي:
«في كثير من السور... ورد الحديث عن مسؤولية الناس، وآلام الناس، وحقوق الناس، وأُشير إلى قضايا اجتماعية وسياسية، ولكن بعد وفاة النبي وتشكّل الإمبراطورية العربية، وضع الفاتحون أقدامهم بالضبط محل أقدام الإمبراطوريتين الساسانية والرومانية. في ذلك الزمان، كان على سكان البلدان المفتوحة إما أن يذعنوا ويخضعوا لسلطان هذه الإمبراطورية أو يُقتلوا؛ فماذا كان ينبغي أن يفعل المثقفون وأولئك الذين أرادوا الحفاظ على إيمانهم؟ من هنا نشأ نوع من العرفان العزلة، أو كما يعبّر عنه شريعتي، عرفان الهروب من المسؤوليات الاجتماعية... كانوا مضطرين إلى نبذ المسؤولية الاجتماعية والتفكير فقط في الحفاظ على أنفسهم، ومن هنا يتشكل العرفان الزهدي. أولى النحل العرفانية التي ظهرت خاصة في البصرة -منذ أواخر القرن الأول الهجري فصاعداً- كانت عرفاناً زاهداً أو زهدياً، وقد بلغ الخوف من حساب الآخرة لديهم حداً مبالغاً فيه وجسيماً حتى ضحوا بحياتهم الطبيعية نفسها في سبيل ذلك الخوف. لاحقاً، تشكل نوع آخر من العرفان استبدل الخوف من الله بحب الله. يُروى أنه مع ظهور شخصية كرابعة وعلاقتها بالحسن البصري، دخل العشق أيضاً إلى هذا العرفان، لكن هذا العشق كان موجهاً إلى الله وحده ولم يكترث بالناس والمجتمع... ما أعنيه بالعرفان «الإلهي المركز» هو هذا العرفان الذي لو جرف السيلُ الناسَ جميعاً، لظل هؤلاء، دون أن يعيروا ذلك أهمية، ينشدون لله الأغاني العاشقة، وينظرون إلى سماء الله ويستمتعون، أما الناس فلا أهمية لهم. هذا النوع من العرفان لم يشكّل أي خطر على الحكومات ولا يزال. بل على العكس، كانت الحكومات تشجع هذا النوع من العرفان. كان كثير من خلفاء بني العباس يذهبون لزيارة هذه الفئة من العرفاء ويسلمون عليهم لعل الناس يتشجعون على هذا النهج. كان يُقال: ذهب خليفة الله لزيارة العارف الفلاني ونال شرف تقبيل يده. هؤلاء كانوا عرفاء بلا أي خطر، أو كما يعبّر شريعتي، «الأطهار الأجوفون»... في مقابل هذا العرفان، تشكل تدريجياً في خراسان نوع آخر من العرفان أسميه «العرفان الإنساني». العرفان الإلهي المركز لا ينظر إلا إلى الله، أما العرفان الإنساني فله وجهان؛ الأول: الصلة بالله، والآخر: الصلة بسائر البشر. هذا العرفان حسّاس تجاه الناس وآلامهم، ويحسب للناس وقضاياهم الاجتماعية حساباً دون أن يرى نفسه وصياً عليهم أو منقذاً لهم أو حاكماً؛ أي دون أن يُعدّ لنفسه رداء الحكم. هذا العرفان إلى جانب الناس لا حاكماً عليهم. في ظني أن الشرارات الأولى لهذا العرفان الإنساني انطلقت منذ منتصف القرن الثاني الهجري فصاعداً؛ في زمن لُقبت فيه بغداد، عاصمة الإمبراطورية العربية، بـ «دار السلام»، وكان عمال الدولة وولاتها في الأراضي المفتوحة منهمكين في جمع الخراج والهدايا والعبيد لأنفسهم وللخليفة... يقول أبو الحسن: «لو أن شوكة أصابت قدم إنسان من بخارى إلى الشام، لكان ألمها في قلبي». الجملة نابضة بالحياة جداً. نحن لا نرى مثل هذه المضامين في العرفان الإلهي المركز والعاشق الذي لا يعشق إلا الله. عندما أتحدث عن العرفان الإنساني في مقابل العرفان الإلهي المركز، فإنني أشير إلى مثل هذه الفروق. ما أعنيه بالعرفان الإنساني هو هذه الأمور التي ذكرتها، حيث يكون أحد طرفي هذا العرفان هو الله، والطرف الآخر هو الناس. هذا العرفان قلبه معلق بالناس، وهو بالطبع يختلف عن العرفان الذي قدّمه ابن عربي لاحقاً والذي كان يرى نفسه متولياً هداية الخلق.»
يرى طهماسبي في الفصل الأول من «مقالات فارسية دري والحكمة والعرفان الإنساني» أن هذا التقسيم لديه مقتبس إلى حد ما من الأستاذ شفيعي كدكني الذي كتب في مقدمة كتاب «نوشته بر دريا» عن عرفان خراسان:
«في تصوف خراسان، تُعد الإنسانية والتفكير في مصائب الحياة البشرية وآلام الناس بل وحتى الحيوانات الأخرى أمراً لافتاً للنظر، ولو أجريت مقارنة بين ما يميز تصوف خراسان وما هو موجود في تصوف ابن عربي، فسيظهر تقابل واضح من هذه الناحية بين هذين الأسلوبين من التصوف. في تصوف ابن عربي يمكن للمرء أن يكون صوفياً وعارفاً ويرى مصائب آلاف البشر بل وحتى هلاكهم وكأن شيئاً لم يكن؛ أما في تصوف خراسان فإن التعاطف مع الإنسانية وحتى الحيوانات أمر لا مفر منه. ومن بين عرفاء خراسان، يحتل أبو الحسن الخرقاني من هذا المنظور مكانته الخاصة».
غير أن الدكتور سروش دباغ يرى أن العرفان الخراساني، وإلى حد ما مدرسة شيراز، وإن تضمنا توصيات اجتماعية حول الاهتمام بالبشر الآخرين، فإن هذا الأمر لا يُعدّ في هذه المدارس من الشروط الضرورية للسلوك:
«... في العرفان الإسلامي التقليدي، ورغم الحديث عن مقولات كالوفاء والإحسان والشفقة على الخلق، والتشديد كثيراً على مبادئ الفتوة والمروءة، يبدو أن الاهتمام بألم الآخرين ومعاناتهم، والمعاناة جنباً إلى جنب مع المتضررين والبشر المتألمين والمكلومين، لم يُنظر إليه بوصفه شرطاً ضرورياً للسلوك. وبعبارة أخرى، فإن الخلاص الأخلاقي والروحي ممكن ومتحقق، من حيث المبدأ، دون الالتفات إلى البشر الآخرين المحيطين والنظر في عيون البشر المكلومين؛ فالاهتمام بالآخر والانشغال به ليس في الواقع شرطاً ضرورياً لا يتخلف لتحقق السلوك الروحي وخوض التجارب الباطنية... يبدو أن ما يحظى بالمحورية ويؤدي دوراً في التقليد الوجودي المسيحي والفينومينولوجيا المعاصرة (كأعمال دوستويفسكي وكازانتزاكيس وليفيناس ومارسيل)، من الاهتمام بالبشر المحيطين ذوي اللحم والدم، والعشق في حقهم، ومشاركتهم آلامهم وأحزانهم، والمعاناة معهم، لم يبرز في تقليدنا العرفاني الكلاسيكي، ولم يُستثمر فيه بشكل منهجي ومنسجم، رغم وجود إشارات وقبسات في هذا الباب...»
ورغم أن الدكتور دباغ ينتقد في مشروعه للعرفان الحديث، في مقولة اللامبالاة الاجتماعية-السياسية، السالكين التقليديين، ويتحدث عن اهتمام التقليد الوجودي المسيحي والفينومينولوجيا المعاصرة بهذا الأمر، وعن رؤية شريعتي وإقبال حول العرفان أيضاً، إلا أن غفلته عن شخصيات من تيار التنوير الديني كجمران وهدى صابر، وهو التيار الذي ينتمي إليه الدكتور دباغ نفسه، تدفعه إلى ذكر شخصيات من روايات دوستويفسكي وغيرهم باعتبارهم السالكين المنشودين، مع إغفاله للنماذج الحقيقية الموجودة في طيفه ذاته. كذلك فإن سالكين من أمثال المجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وأضرابهم، ممن يصفهم بالسالك الحديث، رغم أنهم دفعوا ثمناً لمواقفهم، إضافة إلى ساحة المعرفة، في ساحة السياسة أيضاً، وكان لهم أثر كبير في التوعية، إلا أنه يمكن طرح هذا السؤال: ما هو الإنجاز المعرفي أو المدني الذي حققه هؤلاء السالكون في الساحة الاجتماعية لتمكين المجتمع في مجالات الفقر والإدمان والبغاء والحرمان وغيرها؟ وإن كانت لهم تعاليم، فأين يمكن مشاهدة تجليات هذه التعاليم وبروزها؟ مشروع الإصلاح الديني والإصلاح السياسي اللذان سارا بالتوازي على يد التنويريين الدينيين في المئة عام الأخيرة، ماذا كان حصادهما للمحرومين والمستضعفين والمبتلين بالآلام الاجتماعية، عدا قلة من الطبقة الوسطى والحديثة؟ هل خففت متابعة هذه المشاريع من قبل التنويريين المسلمين من آلام ومعاناة المهمشين والانحرافات الاجتماعية؟ بسبب الاهتمام المفرط بمقولة المعرفة الدينية والسياسة، وبتعبير سارة شريعتي، كان التنوير الديني غائباً في المشاريع الاجتماعية وترك الناس وشأنهم.
إن رواد التنوير الديني في إيران، خلافاً للجيل الثاني، كانوا شديدي التأكيد على الاجتماع، فقد كان آية الله طالقاني، بوصفه أحد الجيل الأول من التنويريين الدينيين، يرى سبيل الله هو سبيل خلاص البشر:
«سبيل الله هو سبيل خلاص الخلق. هو سبيل حرية البشر. سبيل الله لا يتجه نحو السماوات، ولا نحو الشرق ولا الغرب، ولا الجنوب ولا الشمال، سبيل الله هو هذا. في كل الآيات التي وردت عن الجهاد والهجرة والنضال، جاء قيد "في سبيل الله". أولاً، لكي لا تكون الجهادات والمساعي بدافع الأنانية والتضليل والاستعباد، بل فقط من أجل خلاص البشر، من أجل خلاص كل الناس، من أجل فك القيود. من أجل تحرير البشر. من أجل إزالة السدود، السدود التي فرقت بين الناس وأغلقت سبيل الله وسبيل التعالي. سبيل الله هو سبيل خلاص الناس هذا. وإلا، فإن يجلس الإنسان في زاوية ويستغرق في أفكاره وتأملاته وخيالاته ولا يقول إلا التسبيح؛ فهذا من منظور إنساني ليس منشأ للتقرب إلى الله. فكم من إنسان يقول بظاهر لسانه سبحان الله، وفي باطنه وأفكاره مؤامرات شيطانية. وكم من إنسان يسبح قائلاً الله أكبر، ولكن في كل شيء لديه حب المال والثروة والسلطة والشهوات. وكم من إنسان يقول بلسانه في زاوية خانقاه أو مسجد لا إله إلا الله، وفي فكره ينحت لنفسه مئات الأصنام. وكم من إنسان يقول وحده الحمد لله، ولكن في باطنه ملوث بكل أنواع الرذائل الخلقية والأفكار الدنيئة. إن ما هو سبيل الله هو الجهاد في سبيل الله. سبيل الناس هو سبيل الله.»
إن نحلة التجديد الديني، بالإضافة إلى إعادة قراءة التوحيد الاجتماعي-السياسي للجيل الأول من المجددين الدينيين، تحتاج أيضاً إلى إعادة قراءة العرفان الاجتماعي لدى شريعتي وإقبال، والتعاليم الاجتماعية لطالقاني وبازركان والإمام الصدر، لكي يولد من رحم هذه النحلة مرة أخرى أبناء مثل آل شمران وآل هدى صابر، الذين كرسوا حياتهم كلها للنضال والسعي من أجل تخفيف آلام البشر وأوجاعهم ومعاناتهم، وتعليمهم وتمكينهم للخلاص من الحرمان والآفات الاجتماعية، وقدموا بقدر وسعهم تقريراً للحقيقة وتقليلاً للمرارة. إن العرفان الاجتماعي لدى شريعتي وإقبال، وإن كان ناقداً للعرفان التقليدي والعرفان الإلهي المركز ومتأثراً بالعرفان الخراساني والعرفان الإنساني، إلا أنه في حدود كونه إنسانياً يتجاوز العرفان الخراساني. في المقال التالي، ومن أجل تبيين العرفان الاجتماعي في منظومة فكر التجديد الديني، سنتناول دراسة العرفان الاجتماعي في فكر شريعتي وإقبال، وفي المقالين الأخيرين سندرس هذا العرفان الاجتماعي في رؤية ومنهج وسيرة مصطفى شمران وهدى صابر.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
خواندنی و مفید بود دست تون درد نکنه