اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
انتقد هدى صابر تصغير فكرة الإله في التصورات الرسمية والحوزوية والتنويرية، ورأى في الله «رفيقاً فاتحاً للدروب» وفاعلاً في الحياة الجمعية. وكان يرى أن العلاقة الاستراتيجية والمستمرة مع الله ضرورية ليكون الإنسان شريكاً له في بناء المجتمع.

في المقالات الثلاثة الأولى من مجموعة مقالات العرفان الاجتماعي في سياق التوحيد الاجتماعي-السياسي والتي تُعتبر مقالات فرعية (Spin-Off) منبثقة عن سلسلة المقالات الأربعة ضرورة إحياء التوحيد الاجتماعي-السياسي، تم التطرق إلى موضوعات مثل أهمية العرفان الاجتماعي في المقال الأول، والمسلم الكامل وتثليث "الله، الخلق، الذات" وأهمية دور "الذات" الإنسانية في السلوك الروحي في التعاليم العرفانية عند شريعتي-إقبال في المقال الثاني، وفي المقال الثالث تم تناول العرفان الاجتماعي عند شريعتي-إقبال في رؤية مصطفى تشمران ومنهجه وسيرته وأهمية دور "الخلق" في سلوكه الروحي. وفي المقال الأخير من هذه المجموعة، سنتناول العرفان الاجتماعي في رؤية هدى صابر ومنهجه وسيرته، ودور "الله" في سلوكه الروحي ضمن مثلث الله، الخلق، الذات.
۱
كان هدى صابر ناقداً لـ"تصغير دائرة الله" في الساحة الاجتماعية، وكان يرى أن المجددين الدينيين بعد الثورة متواطئون مع التصور المدرسي-الحوزوي وتصور التدين الرسمي في تصغير دائرة الله. في الكتيب التذكاري للذكرى السنوية الثانية لرحيل صابر، الذي أعده طلابه ومحبوه، ورد عن نقد صابر لهذه التصورات:
«.. إن اعتماد تصور التدين الرسمي الأحادي الجانب وضيق الأفق عن الله، يقتصر فقط على بضعة أوصاف محدودة لـ"هو" في القرآن مثل جبروت الله وانتقامه، و.. التصور المدرسي ـ الحوزوي عن الله، ينظر إلى "هو" فقط من خلال زاوية "آيات الأحكام"، و .. التصور العرفاني ـ التنويري عن الله، ينظر فقط إلى التجربة الروحية التي أدت إلى نشوء القرآن ويضع آيات النص القرآني بين قوسين ويسكت عنها... في هذا التصور، يكون الله في مدار محدود وفي المجال الخاص هو الذي يتصل بالإنسان. يُعتبر أرقى صنوف التدين هو التدين القائم على التجربة، الذي يسعى وراء "التجربة الدينية"، ومن الواضح بالطبع أن هذه التجربة لا تتخذ شكلاً اجتماعياً؛ بل هي أمر يمكن لمسه في العلاقة الروحية للفرد مع الله. النتيجة الواضحة لهذا التوجه نحو الله هي تعطيل "هو" في الحياة الجمعية والعمل الاجتماعي. إذا كان من المقرر أن تتشكل "التجربة الدينية" في علاقة الفرد مع الله وفي زاوية البيت، فباستثناء النتائج غير المباشرة المترتبة على هذه العلاقة، أي وجه اجتماعي مباشر لعلاقة الإنسان بالله يمكن تصوره؟ لم يكن هدى صابر في مباحث "باب بگشا" راضياً عن هذا النوع من تصغير دائرة الله في الساحة الاجتماعية أيضاً، وكان يسعى إلى تحويل التصور الذي استدعى "هو" إلى ساحة الحياة الخاصة إلى تصور آخر عن الله، لا يكون فيه الله مجرد مصدر إمكان للحظة الفارقة والمجال الفردي؛ بل يكون معلماً ومصدر إمكان لكل المسارات والعمليات الفردية والجمعية..»
كان صابر على قناعة بأن التنوير الديني بعد الثورة، الذي تحدث عن دين أقلي، قد حوّل، عن قصد أو عن غير قصد، الإله الأقصوي إلى إله أدنوي، وكان يعتقد: «.. في ظروف الانسداد والأزمة الفكرية والاجتماعية في المجتمع الإيراني، لا يمكن الخروج من الانسداد إلا بمعونة الإله الأقصوي ـ الإله بكل ما لديه من إمكانات ووظائف. وبالطبع، في نظر صابر، فإن الحاجة الخاصة إلى الإله الأقصوي في زمن الانسداد لا تعني الاستغناء عن الإله الأقصوي في زمن الانفراج واليسر...»
هدى صابر، ومن خلال نقده لتصغير دائرة الله في الساحة الاجتماعية من قبل التصورات الثلاثة المذكورة، تحدث عن تصور جديد لله، أسماه تصور الإله "الرفيق فاتح الدروب":
«..كان صابر في مباحث ”باب بگشا“ يسعى إلى صياغة جديدة لتصوّر عن الله يقدّمه بوصفه منبع الإمكان والوجدان والفاعلية في جميع المسارات الفردية والجمعية؛ إلهاً من أهل التغيير والمشاركة مع الإنسان، يستطيع الإنسان بالاتكال عليه أن يبني ويشقّ طريقه ويُقدّم نفسه ومحيطه ومجتمعه. من منظور الشهيد صابر، هذا التصوّر عن الله أقرب كثيراً مما نلاحظه من صفات الله وأفعاله في الكتاب الأخير (القرآن) وكتاب التاريخ من التصوّرات الثلاثة المذكورة آنفاً... إله ”الرفيق الفاتح للدروب“ يموج في القرآن كلّه، وطيف واسع من آيات القرآن يؤيّد هذا التصوّر عن الله بأنّه ”هو“ من أهل المشاركة والتعاون مع الإنسان؛ من أهل إقامة علاقة مستمرة، ولا ينظر إلى الإنسان بوصفه عبداً مطيعاً للأوامر والتعليمات، بل يراه صاحب كرامة وخليفة في الأرض للبناء والمشاركة والتعاون معه، ومعنى العبودية لله أيضاً مستمدّ من هذه العلاقة الدائمة والمستمرة بين الإنسان والله..»
إنّ تصوّر الله بوصفه الرفيق الفاتح للدروب هو نظرة نابعة من التوحيد الاجتماعي-السياسي:
«..رغم أنّ ”باب بگشا“ كان من وجهٍ مقاربةً تساؤلية وبحثية للقرآن بوصفه أسمى نتاج للعلاقة بين الإنسان والله، إلّا أنّه كان من وجه آخر تنقيباً أعمّ حول التوحيد بمقاربة اجتماعية-استراتيجية (لا كلامية-لاهوتية) وكان يسعى إلى هدف عيني وعملي: إدخال ”الله“ في الحياة اليومية والمسارات الجمعية والعمل الاجتماعي. ”الله“ هنا، لا بوصفه إلهاً ذهنياً، أو مفهوماً، أو مجرّد منبع لصوغ الهوية، ولا بوصفه صاحب الصولجان على مفترق طرق التاريخ، أداةً لإقصاء الصوت المخالف، نافياً للمشاركة ولعب الإنسان دوراً فاعلاً، ولا بوصفه إلهاً محدود المدار، محصوراً في المجال الخاص، خاملاً في ساحة المجتمع، بل بوصفه منبع الإمكان، واجد الوجدان والفاعلية، صاحب دور فاعل في حياة الفرد والمجتمع، من أهل المشاركة والمصاحبة مع الإنسان، والرفيق الفاتح للدروب...»
يكتب تقي رحماني عن تصوّر هدى صابر لله:
«..تصوّر هدى لله في القرآن وكيفية مواجهته للنصّ المقدّس هو استمرار لسنّة تيار فكري محدّد كان الطالقاني رائده. هذه النظرة ليست فقهية ولا فلسفية، بل هي مقاربة علمية بمعنى العلوم الدقيقة والإنسانية. لكنّ النظرة الفلسفية والنظرة الحوزوية غير موجودتين فيها».
آمن صابر بمشاركة الإنسان لله في الوجود، وهو يقول عن تطلّب مشاركة الإنسان مع الله في تأبين آية الله الطالقاني وفي محاضرة الرفيق الفاتح للدروب:
«...أيّها الرجال! أيّتها النساء! يا أهل الملّة! إنّ الله الربّ لمشاركٌ جدّاً. إنّ الله، بكلّ جبروته وعلمه المطلق وقدراته، يسعى في مسار التغيير المستمر للعالم إلى تهيئة أرضية مشاركة البشر. إنّه لا يسلب البشر الإمكان ثمّ يقول شارك. إنّه لا يسحق البشر ثمّ يقول أبدِ رأيك. إنّه لا يُجفّف نطفة الفكر ثمّ يقول شكّل شورى، وكن فاعلاً في الشورى. إنّ الله الخالق الربّ المبشّر الفاتح للدروب، يمنح الإمكانات، ويربّي الإنسان ثمّ يختار وحينئذٍ يفسح المجال. ومع كلّ الاقتدار والغنى المطلق، يقول للبشر تفضّل، الله يقول للبشر تفضّل. وبهذا الاعتبار، هو الرفيق الفاتح للدروب والفتى على مفترق طرق تاريخ عالم الإمكان».
كان صابر ناقداً للعلاقة التكتيكية والمقطعية مع الله، وكان يتحدّث عن ضرورة العلاقة الصادقة والمستمرة والدائمة والاستراتيجية مع الله، وهو يقول في الجلسات الأولى لدورة باب بگشا:
«ضرورة العلاقة الصادقة والمستمرة والدائمة والاستراتيجية مع الله، أي علاقة لا تكتيكية، ولا بمكر ودهاء، ولا عن هوى، ولا انعزالية ولا موسمية. بعبارة أخرى، رفاقة مستمرة.. بهذا المفهوم كي لا نقع في أسر التعاطي المناسباتي والتكتيكي الوبائي والعرفي السائد مع الربّ، ونستطيع أن نحفظ معه الحُرمة»
كان هدى صابر يعقد جلسة "باب بگشا" (افتح الباب) في حسينية الإرشاد لتبيين هذا النوع من العلاقة، وكان من بين مباحث هذه الجلسات مبحث "وظائف الله ومعارفه ومكتسباته". وقد شملت محاور هذا المبحث: الله المُصمِّم ـ المهندس، الله الخالق، الرؤية الاستراتيجية، النظرة العملية، الانتظام المرحلي، النظرة التاريخية والتحليل التاريخي، الله صاحب الفكرة، الله منبع الإلهام، الله منشأ الحب والأمل، الله مصدر الطاقة، الله الحافظ، الله الهادي، الله المؤيِّد ـ النصير، الله الملجأ، الله المُفوِّض، الله منبع الإمكان، الله المسؤول، والله الحامل للمثل الأعلى، وهذه العناوين الرئيسية بذاتها تُظهر رؤية صابر عن الله. كان يعتقد: «التعامل التكتيكي والأداتي والمُتقطِّع والمُناسباتي مع الله مذموم في كل الظروف، وهذا هو النص الصريح والتأكيد المتكرر من الله في الكتاب الأخير..» وكان يسعى إلى تبيين علاقة مستمرة، ثنائية الاتجاه، وقائمة على المشاركة بين الله والإنسان:
«..الحديث هنا عن "تأكيد خاص". بمعنى أنه إذا كان ينبغي لعلاقة الإنسان بالله في جميع الظروف أن تتسم بالاستمرار وصدق النية، فإن التمسك بمكتسبات الله ووظائفه يغدو في ظروف الأزمة والانسداد ضرورة مضاعفة مئة مرة، وهذا التأكيد الخاص يرتبط بديناميكية وحيوية علاقة الإنسان بالله: فبقدر ما يكون الإنسان جاداً في علاقته بالله ويسير في درب العبودية، بقدر ما يجعله الله محلاً لنزول لطفه ورحمته؛ فرحمة الله ليست بلا قاعدة؛ إن درجة تساؤل الإنسان وطرحه للأسئلة هي التي تحدد مدى استفادته من طاقات الله ومكتسباته. وعليه، فإن معنى التأكيد الخاص على الله الأقصى في زمن الأزمة هو أنه بمقتضى الطريق المسدود القائم، ينبغي للإنسان أن يتخذ نهجاً مضاعفاً وأكثر جدية في العلاقة مع الله، ليستفيد بقدر ذلك من مكتسبات الله. ولم تكن مباحث "باب بگشا" (افتح الباب) سوى تبيين لهذه العلاقة المستمرة والدائمة بين الله والإنسان، وإمكان استفادة الإنسان من مكتسبات الله ووظائفه..»
يكتب كمال رضوي عن مقصود صابر من مكتسبات الله ووظائفه:
«..لقد كانت مباحث "باب بگشا" (افتح الباب) أساساً في سياق نفي التعامل الأداتي والتكتيكي مع الله، وضرورة العلاقة المستمرة والاستراتيجية معه. لذا، حين يتحدث هدى صابر عن مكتسبات الله ووظائفه، فهو لا يعني الوظائف اليومية والمبتذلة لله في التدين السائد، ولا الوظيفة بمفهومها المتعارف عليه في نظريات العلوم الاجتماعية. مكتسبات الله ووظائفه تعني كيف يُنعم الله، في سياق علاقته بالإنسان، على الإنسان الساعي والفاعل بمواهبه وإمكاناته الخلاقة المستمرة في الوجود، وماذا يمكن لنوع الإنسان، محور التغيير، أن يستعيره من الله بوصفه الخالق والفاعل والرقيب الخاص للوجود، في سبيل دفع حياته الاجتماعية إلى الأمام...»
٢
وعليه، فإن إله الرفيق فاتح الدرب من منظور صابر هو إله أقصى، تربطه بالإنسان علاقة صادقة النية، مستمرة، دائمة، واستراتيجية، وهو أهل للتعاون والمشاركة. وقد أطلق صابر على وضع مجتمعنا الراهن اسم حالة انعدام الإحساس بالله، الناشئة عن أزمة علاقة المجتمع بالله، وعن "انفصال أفراد المجتمع عن الوجود وعدم كونهم أعضاء فاعلين فيه". وفي الذكرى السنوية الأولى لوفاته، ورد عن رؤية هدى لهذا النقصان:
«...هدى صابر، سواء في دروسه الحوارية "هشت هزار، هزار نیاز" (ثمانية آلاف، ألف حاجة) أو "باب گشا" (فاتح الأبواب)، قدّم هذا الإدراك للظروف الراهنة بأن كل فعل اجتماعي يتطلب أساساً معرفياً خاصاً به، وهو انطلاقاً من شرحه في بداية "باب بگشا" للوضع الاجتماعي والقوى الاجتماعية والسياسية والفكرية والناشطين الاجتماعيين، كان يرى فجوة العصر في الحيرة والضياع الاعتقادي والاستراتيجي، وفي فكرة الدوران في حلقة مفرغة و"غياب الإحساس بالله" وإقصائه من المناسبات، وهو ما كان يؤدي برأيه إلى السلبية واليأس الشامل وفقدان الإحساس بالحياة في مختلف ساحات العيش الاجتماعي... يعبّر صابر عن الأزمة قائلاً: "الإحساس هو أننا عالقون في زقاق مسدود من كلا الطرفين، لا نملك طريقاً للفرار ولا سند لنا، والله قد تقاعد وتركنا بلا بوصلة، بل إنه يلعب دور المكابح، والشرطي؟" لكنه كان يعتقد أنه لا ينبغي التوقف عند الشك والأزمة، بل يجب التفكير في "سبيل للعبور" للخروج من هكذا وضع.. صابر، من خلال تقصّيه لهذا الوضع، كان يرى الأزمة متعددة الأوجه وأخطبوطية: نفسية، وعقائدية، وتصورية، وأخلاقية، ومصيرية، ثم يكشف عن لب الأزمة بفهم ثلاثي المنافذ هو "أزمة المعرفة، وأزمة المكانة، وأزمة العلاقة" مع "الله"، ويرى أن ثمرة هذه الأزمة متعددة الأوجه هي "الانفصال عن الوجود وعدم كوننا عنصراً فاعلاً في الوجود"... كان صابر يرى الفترة الراهنة نهاية لحقبة وبداية لفصل جديد، حقبة أُلقِي فيها الدين، والله، والإنسان المحوري المتغير والحامل للمثل العليا، والفكر التوحيدي في زاوية الإهمال، ومن هنا فهو يدعو الجميع للخروج من الطريق المسدود الفكري والسياسي والاستراتيجي الراهن إلى خلاصة أساسية للوضع، الوضع الذي اشتهر بـ "حقبة الانتقال" لكن طبيعة مواجهتنا له تشبه "المحطة الدائمة"، لذا فهو يقترح فهم الأزمة، وقبول الأزمة، وإقامة علاقة تحليلية مع الأزمة. صابر في هذا القسم، بعد المقدمات وشرح زاوية دخوله، يجرّنا إلى أرض ما قبل التبيين، فهو يرى في مرحلة ما قبل التبيين أن "توديع تصور والترحيب بمنظور جديد والتجهز به" هي أدوات وتعريف للمرحلة الصفرية وضخ دماء جديدة في الوضع، توديع وترك تصور المستأجر في الوجود، وتصور الإله الصغير المدار، وكل تصور آخر تسبب في نشوء الوضع الراهن، والترحيب بمنظور جديد في علاقة الإنسان والله والوجود، تصور نكون فيه عنصراً مساهماً ومؤثراً وباحثاً عن المشاركة في الوجود، ومن هنا ينبغي بناء فكرة جديدة أيضاً في ضوء التصور الجديد، تصور هو "انبعاث من قلب الشكوك والأسئلة" ويسعى إلى تصحيح المناسبات، وبالطبع يحمل في صلبه إعادة بناء مناسبات جوهرية مع "الله والوجود والمجتمع"، إله ليس قائد ثكنة يصول على العالم بعصا آمره فحسب، وليس مجرد إله مستقر في زاوية القلب يقيده الكثير من المثقفين الدينيين ولا يحسبون "رأي الله" بسبب جبروتهم وديكتاتوريتهم الفكرية، إله لا يصلح إلا لنشوة مفرحة للقلب في العزلة والتجريد، مع أن هذا التبيين ذا النهج العرفاني لا يمت بصلة للإله الفاعل في الوجود والإله المعين للمجتمع في القرآن... يبدأ "باب بگشا" لصابر من الشك والسؤال وتشخيص الأزمة، ومن خلال شرح الإحساس بالاستئجار واللا فاعلية، والحيرة والضياع في الوضع القائم، يتتبع ضرورة الخروج من الأزمة بمنهج فاعل، ثم يستحضر فلسفة الخلق ونموذج العلاقة الرفيقية الإبراهيمية، وفي المرحلة التالية يتجه إلى التعرف على الطاقات والموجودات الفاعلة الأولى في الوجود، ويسعى خطوة بخطوة إلى ترسيخ "صلة بهذا الحميم الأصيل"، حصيلة عمل صابر [وإن بقي ناقصاً] تميل إلى التذكير بأن الذات الإنسانية قائمة على نوع الأساس الكلي للوجود...»
يرى أبوطالب آدینهوند أن هدف هدى صابر هو بناء "القوة الفاعلة في الوجود" وأن نهجه هو استمرار لمشروع المهندس بازركان والدكتور شريعتي في نهج تحفيزي واجتماعي للدين:
«..كان هدى صابر ينظر إلى الوضع الراهن للمجتمع الإيراني بوصفه وضع غزوة أُحُد، حيث تعاني القوى من دوار عقدي ـ تحفيزي، واستراتيجي، وتنظيمي. وفي تقديره، كان مركز الأزمة يكمن في الأسس المعرفية التي تجعل القوى تائهة وسلبية. لذلك، وفي هذا السياق، سعى هو بنفسه إلى تأسيس قاعدة معرفية تجعل من البشر، وفقاً لأهدافه، «عنصراً فاعلاً في الوجود». الفكرة التي طرحها صابر من منظور مثقف ديني، أنه كان يرى مركز الأزمة في عدم التصالح مع الوجود والله. لذلك، ومن خلال طرحه لمباحث «افتح باباً»، أوضح زاوية أخرى من قدرات الدين والقرآن، مركزاً على كيفية العلاقات المستمرة مع الله. إلهٌ كان في تصوره فاعلاً ومتدخلاً في المشاريع والعمليات، إلهٌ هو عون ونصير للفاعلين ودافعي التاريخ قُدُماً. نقاشه في «افتح باباً» مفصّل وأساسي للغاية، وهو نقد لمشروع خصخصة الدين، وفي الوقت نفسه، واستمراراً لمشروع المهندس بازركان والدكتور شريعتي، يحمل مقاربة تحفيزية واجتماعية للدين بالطبع. سعى صابر، من خلال إيصال هذه التعاليم، إلى تفعيل القوى الاجتماعية والسياسية وإخصابها وإثرائها، وتجهيزها بمعرفة ونظرة تمكّنها من المساهمة في تقوية المجتمع المدني في إيران. كان صابر يرى أن العلاقة بجوهر الوجود هي أساس الطاقة والتفعيل، ووضع هذه الفكرة في مدار التعليم والنقل.! ..».
كان صابر يعتقد أنه في هذه العلاقة الاستراتيجية القائمة على المشاركة، يقوم أعضاء الوجود الفاعلون بتعريف مشروع مشترك مع الله، وسيشارك الله في المشروع اعتباراً لما يقدمونه وصدقهم فيه. يكتب جواد رحيم بور عن مقولة المشروع المشترك في رؤية هدى صابر:
«.. كان هدى صابر، فيما وراء الاحتياجات اليومية، يرى جوهر العالم «منتشراً» في الوجود كله، وإلهاً «شديد المشاركة» يدعو الجميع إلى الارتقاء في الوجود والحياة، وهكذا تحول إلى «عنصر فاعل في الوجود»... كان يرى الأنبياء الإلهيين بوصفهم أصحاب مشاريع، وقد أكد الله أهليتهم لتبليغ الرسالة والارتقاء برؤية البشر ومنهجهم بفضل هذا المشروع وعضويتهم الفاعلة في الوجود. لكنه لم يكن يرى امتلاك المشروع حكراً على الأنبياء، بل كان يعتبره قابلاً للتعميم على جميع البشر، وعبر عنه بالعضوية الفاعلة في الوجود... في تصوره، الله هو الطرف الثابت في قرار كل أصحاب المشاريع...»
۳
لقد تنبه هدى صابر إلى غفلة المجددين الدينيين عن ساحة المجتمع وانشغالهم فقط بالمعرفة والسياسة، وكان هذا الأمر موضع انتقاده. بتعبير أبوطالب آدينه وند:
«..في آخر خلاصات هدى صابر في سلسلة دروسه الحوارية «ثماني قمم، ألف حاجة» حول تاريخ المئة والخمسين عاماً الأخيرة، كانت هناك نقطة محورية للغاية، وهي الميل إلى النشاط في الفضاء المدني ـ الاجتماعي. لقد طرح هذه النقطة بالقول: «بدلاً من الوعود المؤجلة إلى مستقبل مجهول وبأفعال مبنية للمجهول تجاه المجتمع، يجب أثناء المشاركة والنضال الاجتماعي إحداث تحول وتغيير بإنجازات محددة وملموسة في حياة الناس». هذه النظرة مؤسِّسة لتصور اجتماعي للنضال والممارسة السياسية، وقد نضجت في فكر هدى صابر. كان في هذه الدروس الحوارية، وإلى جانب تحليله للتاريخ المعاصر للمئة والخمسين عاماً الأخيرة، يفتح نافذة على تحولات العالم، وفي نظرته إلى وضع النشاط والمشاركة الراهن في العالم، كان يؤمن بأن «المشاركة العملية قد حلت الآن محل المشاركة النقطية والمؤقتة في منعطف خاص كالانتخابات»، وبالتالي فإن فضائه ونظرته إلى «الفعل الجمعي» كانا قائمين على «المشاركة العملية»..»
آمن هدى صابر أيضاً، في مشروعه الفكري والعملي، بالعرفان الاجتماعي وبالبراكسيس والحركة في محيط مثلث الله، والخلق، والذات من أجل النمو والصيرورة والتكامل المعنوي. يقول في محاضرته في الذكرى السنوية لرحيل آية الله طالقاني:
«..إن العالم الذي نعيش فيه، ونتنفس فيه، ونحن جزء منه، له روح؛ للعالم روح. للعالم روح مركبة من عدة عناصر: الخلق الأول، والخلق الجديد المتتابع والمستمر، والتربية، والغائية، والتغيير، والتحول والصيرورة... لقد اعتُبر الله ولُقّب بصانع الساعات اللاهوتي. إله أنجز الخلق الأول، وصنع ساعة وأدار مفتاحها ثم اعتزل الساحة وهو في المدار، غير فاعل. في الكتاب الأخير الذي أُنزل إلينا من أجل الحياة، تموج العناصر المكونة لروح العالم بأدبيات خاصة وعميقة. الخلق الجديد؛ التربية؛ الاصطفاء؛ الاجتباء؛ الخلق الجديد دال على عدم الاكتفاء بالخلق الأول، واستمرار الخلق وديمومته، وإبداع الله وخلّاقيته، في كلمة واحدة: ديناميكية العالم والعناصر المكونة له... التربية: تؤكد دور الله التربوي المستقل عن كونه خالقاً، الخلق والتربية معاً، الوجه الربوبي لله والعلاقة التربوية والتعليمية بين الرب والإنسان المخلوق، فالله هو من يجهّز البشر بالعلم، وهو من يرشدهم إلى طريق النمو. الاصطفاء والاجتباء: بمفهوم الجعل، الجذب والاستقطاب نحو الذات، الانتقاء والتنقية، وبعبارة أدق: الاختيار والارتقاء بالمقام في عملية تنقية مستمرة. فالله الخالق، وبالتزامن مع الخلق الجديد والمستمر، يهيئ الأرضية بشكل جاد لأداء دور البشر الخلّاقين، أهل التغيير وأهل تحسين حياة الناس على الأرض... منذ الأزمنة الغابرة، ومنذ عهد الأديان الرسمية وحتى الآن، يوجد تصوران رئيسيان عن الله: الإله الكلاسيكي غير الشامل، والإله الديناميكي الشامل في كل مكان وزمان. في التصور الأول أو التصور الكلاسيكي عن الله، يكون الله مجرد خالق، وحافظ، ومنذر، ومانع، ومعاقب، وعبوس، وعنيف، وبعيد، ومحدود المدار. وفي التصور الثاني، الإله الديناميكي، هو إله يكون، إلى جانب الخلق والمراقبة والإنذار، دافعاً إلى الأمام، ومبشراً، ومشجعاً، ومحفزاً، ورفيقاً وهادياً للطريق أيضاً. من المهم جداً أن الطيف الذي يتصور الله إلهاً كلاسيكياً، يُظهر هو نفسه عدة خصائص: الحفاظ على الوضع القائم، والمحاسبة البحتة، وتجنب المخاطرة؛ أما الطيف الآخر الذي يرى الله خالقاً ومربياً ومنبعاً للتغيير ومبشراً وهادياً ورفيق درب؛ فهو نفسه أهل للتجدد، وأهل للخلق، وأهل للفكرة، وله منهج، وله نتاج، وله إنجاز، وله هدية يحملها... في مسيرة البشر حدث أمر بالغ الأهمية من الناحية التاريخية، حدث ليس تلقائياً ولا ناتجاً عن سلطة، بل واعٍ ومن لدن الرب؛ ما هو ذلك الحدث؟ إن المصطفَين في مسيرة الاجتباء والاصطفاء كانوا من بشر الطيف الثاني، وليسوا من بشر الطيف الأول!.. الرشد في الكتاب بمعنى إراءة الطريق، والإيصال إلى الكمال، والارتقاء... عندما يمتزج الرشد والاصطفاء، ينبثق من ذلك إبراهيم. وفي شأن موسى استُخدمت كلمة الصنع... الصنع بمفهوم البناء المقرون بالتربية. وبما أن الله الرب ينظر إلى عموم البشر، فإنه يعمم مسيرة الاجتباء والاصطفاء والرشد، ضمن إطار الأنبياء وعلى مستوى مختلف عن الرسل أصحاب الوحي، على سائر البشر المستعدين...»
يمكن النظر إلى استعارة شمعة تشمران في مسيرة هدى صابر تحت عنوان استراتيجية دودة الليل المضيئة، يكتب آدينه وند عن هذه الاستراتيجية في رؤية صابر:
«..كان صابر يعتبر العمل مثمراً إذا استند إلى قاعدة معرفية واستراتيجية واضحة ومحددة. ويبدو أن قاعدته المعرفية هي روايته الخاصة عن تصور الله للإنسان، ومشروع الآدمية والإنسان المؤثر الفاعل في التغيير، وهو ما تناوله بالتفصيل في سلسلة دروسه "باب بگشا" (افتح الباب) لكي ينبثق منها "الإنسان الفاعل في الوجود". أما قاعدته الاستراتيجية فتعود إلى الدرس التجميعي الكلي للمحطات النضالية الثماني في تاريخ إيران المعاصر ضمن سلسلة دروس "راه هشت فراز هزار نياز" (طريق المحطات الثماني، ألف حاجة)، حيث كان يؤمن بأن النشاط الأمثل هو المشاركة في نشاط عملي يفضي، بالتزامن مع هذا النشاط العملي، إلى تحول واقعي وملموس في حياة الناس في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، بمعنى أن يتنظم النشطاء بحيث يستطيعون أثناء عملهم في المجال العام أن يخففوا قليلاً من آلام ومعاناة الناس اليومية الملموسة. ومن هنا فإن الإنسان الفاعل في الوجود يحمل بحضوره العملي عبئاً من الأعباء التي لا تُحصى والمتروكة على أرض هذا الملك... لقد قدم صابر، استناداً إلى ذلك التصور المعرفي الوارد في "باب بگشا" والذي يفضي إلى "قوة الوجود الفاعلة" كفاعل استراتيجي، وكذلك التجميع الاستراتيجي للتاريخ المعاصر بمضمون "المشاركة العملية المفضية إلى تحول ملموس يتناسب مع الاحتياجات الملموسة"، قدم خطاً سياسياً لتحقيق ذلك ضمن أفكاره، وكان صابر ينقل عن صمد بهرنگي قوله: "لا أريد أن أكون شمساً ساطعة تنير كل مكان، بل أريد أن أكون يراعة تنير ما حولي"، فبتكاثر أعداد هائلة من "اليراعات" في عملية متسقة الاتجاه سيُضاء كل مكان... لقد كان المعلم الآذري، السيد صمد بهرنگي، محقاً في قصصه حين قال: "قالت اليراعة: يا صديقي الأرنب، أسعى دوماً لأن أنير المجلس المظلم للآخرين، وأن أنير الغابة، رغم أن بعض الحيوانات تسخر مني وتقول: 'بزهرة واحدة لا يأتي الربيع، إنك تسعى عبثاً بنورك الضئيل لتنير الغابة المظلمة'. قال الأرنب: هذا كلام القدماء، أما نحن فنقول: 'النور مهما كان ضئيلاً، فهو في النهاية إضاءة'..." ذلك التصور المعرفي الوارد في "باب بگشا" كان يفضي إلى "قوة الوجود الفاعلة" وفاعل الاستراتيجية في فضاء النشاط العملي. وعليه فإن أساس تحقيق فضاء المشاركة والنشاط العملي هو الإنسان الفاعل في الوجود، المتعلم والمجهز بالفكرة والتنظيم ونهج حل المشكلات في النشاط...»
برأي رحيم بور، فإن التمكين في منظور صابر هو مقدمة للعضوية الفاعلة في الوجود:
«..كان هدى صابر، في شرحه للعلاقة الاستراتيجية مع الله، يؤمن بالعضوية الفاعلة في الوجود. لهذه العضوية الفاعلة في الوجود جانبان أساسيان. أولاً، هي قابلة للتعميم على كل إنسان بمفرده، وثانياً، هي بحاجة إلى مشروع. لكن مقدمة كل ذلك هي التمكّن بمعنى اكتشاف الطاقات والسير في مسار الكفاءات الداخلية للأفراد... كان يرى الكون ساحة لجولان الإنسان العادي، ويدعو أصحاب الهمم إلى المشاركة في الوجود. ومن هذه الرؤية المنظورية، كان يشق طريقه نحو مسار التنمية، وكان يؤكد في أدبياته الاقتصادية على مقولة "العالم هو عالم العاديين". ومن هنا كان يدافع عن تقوية البرجوازية الوطنية كبرنامج وطني لنمو وحماية رؤوس الأموال المادية والمعنوية للبلاد... ولفهمه العميق لعالم العاديين، كان يشكل استهدافاً برامجياً ذا وجهين، يؤمن من جهة باكتشاف رؤوس الأموال البشرية، ويأخذ من جهة أخرى تمكينها بعين الاعتبار. وبعبارة أدق، فإن خلق الفرص المتكافئة هو نتاج وثمرة تمكين كل فرد على حدة. كان هدى صابر يعتبر التمكين مسؤولية تنبع من جهة من توجهه التنموي في مجال المجتمع والاقتصاد، ومن جهة أخرى تُعد سعياً للعضوية الفاعلة في الوجود، وهو سعي متجذر في مفاهيمه المنظورية ونظرته للعالم..»
كان هدى صابر يؤمن بأن طاقات العناصر الفاعلة في الوجود يجب أن توضع في خدمة "التمكين الاجتماعي"، وبتعبير مجتبى نجفي:
«..لقد توصّل صابر، من أجل تحقيق الأمر الراديكالي، إلى قراءة اجتماعية للسياسة، تقضي بضرورة وضع طاقات عناصر الوجود الفاعلة في خدمة "التمكين الاجتماعي". كان التمكين الاجتماعي في نظر صابر يعني مواجهة الأزمات الاجتماعية، وهذه المواجهة بحد ذاتها تشكّل أرضية لبناء الفردية. كان هدى صابر، شأنه شأن القائلين بنظرية الديمقراطية الراديكالية، يعتقد أن فردية الإنسان تُبنى في تفاعله مع الجماعة، وأن الفرد المنعزل لا يبلغ الخصائص الحقيقية للإنسان. وبناءً على هذه الرؤية، فبقدر ما نشارك في بناء المجتمع، تتشكل فرديتنا في خضم هذا الجهد نفسه من أجل البناء. كان هذا هو الأساس النظري الذي جعله ينتقل من لرستان إلى خوزستان للتعليم، ويشدّ الرحال إلى زاهدان ليُعرّف الشباب المحرومين بعالم الأعمال. يمكن بالأساس وصف هدى صابر بأنه شخصية براكسيسية، تكرّس مُثُلها العليا كلها لخدمة نزعته العملية. كانت هذه السمة البراكسيسية فيه هي التي تجعل الإله ينزل من السماوات إلى الأرض في خدمة الإنسان، وتضعه لا في مقام القاضي، بل في مقام الصديق؛ نوع من العرفان الاجتماعي الذي يرى أن الطريق إلى الله يمرّ عبر مساعدة البشر والسعي للتخفيف من آلامهم ومعاناتهم..».
يكتب رضا عليجاني عن أهمية التمكين في فكر صابر وعمله:
« كان ينظر إلى تمكين "الإنسان" بوصفه عاملاً جوهرياً "للتغيير"؛ تغيير بذل فيه العمر والمُهج. تغيير كان يعتبره أساس "الوجود"، ويرى "هو" الرفيق الأعلى في هذا الطريق ومرافقاً لكل الكادحين في هذا المسار. وهكذا كان، وهكذا فعل..».
كان صابر يولي مقولة التعليم أهمية بالغة أيضاً، وبسبب نهجه القائم على الوعي التحرّري، لُقّب بين تلامذته، شأنه شأن شريعتي، بـ "المعلم الشهيد":
«انشغل هدى صابر لسنوات بالبحث والنشاط في مجالات التنمية، والأضرار الاجتماعية، والمؤسسات الاجتماعية، والحركة الطلابية، والرياضة، والفتوّة و... كما أجرى أبحاثاً معمقة حول تاريخ النضال الإيراني المعاصر والقرآن، قُدّمت حصيلتها في الأعوام 1385 إلى 1389 في شكل دورتين من المحاضرات بعنواني "ثمانية فروع، ألف حاجة" (75 جلسة) و"افتح الباب، ضرورة العلاقة المستمرة والاستراتيجية مع الله" (69 جلسة) في حسينية الإرشاد. بقيت دورة محاضرات "افتح الباب" غير مكتملة إثر اعتقال صابر في آب/أغسطس 1389، لكن مساعي صابر استمرت. فقد واصل في السجن، حتى وفاته، تدريس تاريخ إيران المعاصر والقرآن..»
إلى جانب عقده الصفوف المعرفية والتاريخية للطلاب وأبحاثه حول الاقتصاد والمعضلات الاجتماعية، كان صابر، شأنه شأن چمران، يضطلع بأنشطة تمكينية ولكن في المناطق المحرومة من إيران:
«لم يكتفِ صابر بمدّ يد العون لأسر السجناء السياسيين، بل كانت له قدم في جنوب طهران وضواحي العاصمة، مهتماً بالمشرّدين وأطفال العمل والشوارع، وقدم في الزوايا النائية من إيران الشاسعة، حتى أنه ذهب إلى أبعد نقاط سيستان وبلوشستان». «في مرحلة ما، رافق المهمشين والشباب العاطلين عن العمل والمحرومين في سيستان وبلوشستان. كان تنفيذ مشروعي "تطوير المهارات الأساسية" و"تشكيل مجموعات ريادة الأعمال والتدريب على التعامل المصرفي" في المستوطنات غير الرسمية في زاهدان في خرداد 1388 ذروة هذا المسعى. كان الهدف الرئيسي للمشروع هو تطوير المهارات الأساسية للتمكين وبناء القدرات لمجتمعات المستوطنات غير الرسمية في مدينة زاهدان. بحيث يكتسب نحو 900 شخص من سكان هذه المناطق - مع التركيز على النساء والشباب - مهارات وتدريبات فنية ومهنية تمكنهم من خلق فرص عمل ومداخيل لأنفسهم في سوق العمل المحلي أو في زاهدان... وفي مسعى مماثل آخر، قبل زاهدان، كان له حضور مؤثر في خوزستان ومسجد سليمان في تمكين 250 شاباً من خرمشهر وآبادان... » اليوم، وبعد عقد من مساعي هدى صابر في زاهدان، أثمرت مشاريع عنصر الوجود الفاعل هذا، حيث تقوم 186 امرأة معيلة من قرى أطراف زاهدان بمهارة مهنية ببيع منتجاتهن، ويتلقى 170 طفلاً تعليمهم في دار هدى.
كما ورد آنفاً، كان صابر يعتبر الوضع الراهن للعالم عصر أداء المتوسطين والصغار، يكتب أبوطالب آدينهوند عن السعي بقدر الوسع في فكر صابر:
«..إن عالمنا يبتعد عن النظام الهرمي العمودي، وقد جعل المجتمع الشبكي العالم يميل نحو العلاقات الأفقية، وهذا يوفر فرصة وإمكانية لأداء الأدوار من قبل العموم. كان صابر يعتقد أنه في وضع عالمنا المعيشي الراهن، نحن في عصر أداء أدوار "المتوسطين والصغار"، وهذا يؤدي إلى زيادة معامل المشاركة في العالم... المتوسطون والصغار يتابعون أفعالهم في المؤسسات الصغرى، وبدلاً من السعي للسلطة، يؤسسون لمسألة الخير العام... هدى صابر، في شرحه لأداء أدوار "المتوسطين والصغار"، متأثراً بصمد بهرنكي، تحدث عن حضور "الدودة المضيئة" في كل مكان، وعن إشعاع الدودة المضيئة الشامل والمتاح القابل للتحقق، بدلاً من التحول إلى شمس ساطعة مؤجلة إلى مستقبل مجهول..»
وقد أشار صابر إلى هذا الموضوع في وصيته السياسية أيضاً:
«..إيراننا هي جزء من الوجود؛ الوجود الفاعل في ذاته، الوجود التشاركي، الوجود الصانع للفرص والمانح للإمكانات للإنسان، الإنسان المتسائل، الباحث، الفاعل الجوهري والمغير... إننا في صميم كفاحنا من أجل رفاه ورفعة ومستقبل البغايا في الثالثة عشرة من العمر، والنساء المعيلات لأسرهن، والرجال الخجلين من الفقر، وجموع العاطلين عن العمل تحت عجلة الاقتصاد القاسية، ومن أجل راحة البال والعيش الهانئ لأتباع جميع المذاهب وكل القوميات، وما وراء ذلك من أجل صون المستقبل الوطني والمكانة الرفيعة لإيران آرش - مصدق في العالم، نسعى جاهدين؛ سعي إنسان متوسط بقصوره الخاص..»
۳
كان هدى صابر يعتقد أن العضو الفاعل في الوجود والإنسان المحوري للتغيير بحاجة إلى "الخلق"، ومن هنا كان ناقداً لانعدام الخلق في المجتمع والمثقفين. وبتعبير جواد رحيم بور: «كان الإنسان المنشود لدى هدى صابر هو الإنسان المحوري للتغيير. هذا الإنسان يعرّف مشروعاً ويسوقه إلى مسار التحول المنقط. وبالطبع، فإن البشر ذوي الخلق هم وحدهم القادرون على المضي قدماً بمشروعهم والتوسط في خضم الظروف... الخلق هو إيثار المصالح وتقاسمها وتقاسم الإمكانات، وبدون الخلق، يقع البشر في مهاوي أنواع المحافظة. أدنى مستويات المحافظة هو الخروج من مدار التغيير وكسب المصالح الفردية البحتة. إن السعي وراء المصالح الجماعية وإقصاء الآخرين هو أيضاً نوع من المحافظة المرتقية.. أما صاحب الخلق فيتقاسم المصالح دون اعتبار للطبقة أو أي نوع آخر من التمييز الاجتماعي...»
يكتب محمد رضائي عن الخلق في فكر وعمل هدى صابر:
« .."الخلق" في رؤية هدى هو "الاعتقاد" بالقيم الأخلاقية المطلقة والمتعالية و"السعي" نحو "التخلق" بها في الحياة الفردية والاجتماعية. "الخلق" هو نوع من العيش الأخلاقي يضع قيوداً على فعل الفرد تجاه نفسه ومجتمعه. هذه القيود هي قيود دائمة وأبدية لا يمكن تجاهلها تحت أي "مصلحة"، ولا حتى وضعها جانباً بشكل مؤقت. "الخلق" من منظور هدى هو القيم الأخلاقية المتعينة في الفعل الفردي والسلوك الاجتماعي، وهي ملازمة للفرد دائماً وفي كل مسلك ورؤية. كما أن "الخلق" هو مؤشر للابتعاد عن الأفراد والقوى والتيارات أو الاقتراب منها...»
ومن هنا، عمد صابر إلى إعادة قراءة البشر المحوريين للتغيير وأصحاب الخلق في التاريخ، وصنع منهم نماذج يُحتذى بها:
« .."كان يبحث عن 'الخلق المفقود'. كان ينقب عن 'الخلق المفقود' القابل 'للبحث' والتحقق. كان صابر يعتقد أن 'نبش القبور' لا يرضي الله ولا التاريخ. كان يقول: لا يمكن 'لركود الحال' أن ينتعش 'بالمفاخر' الماضية. ويضيف: كما أن 'بقاء الطاقة' هو 'أصل'، فإن 'بقاء العشق' و'بقاء الخلق' هو 'أصل' أيضاً. كان يؤمن بأن العثور على الخلق و'تحديثه' أمر حسن. وكان يشدد على أن البحث في 'الخلق' منفصل عن 'المسلك': 'المسالك قابلة للتغير وفقاً للظروف، أما الأخلاق فثابتة، كان 'يحدّث' ويعيد قراءة خلق حنيف نجاد وتختي وطالقاني وبازركان."
تبلغ أهمية الخلق في رؤية صابر حداً جعل كمال رضوي يعتبر الخلق هو الموسيقى التصويرية لصابر:
«..من بين مجمل إنجازات صابر في عقد الثمانينيات (الهجرية الشمسية)، ثمّة عملان له يتّجهان بشكل مركّز نحو إحياء مقام «المنش» (الخلق القويم): الملحق الخاص «مكان خالٍ، مكان أخضر» عن تختی (مجلة جشمانداز إيران) وكتاب «ثلاثة حلفاء للحب» عن المجاهدين المؤسسين. لكن باستثناء هذين الأثرين اللذين يتمثّل توجّههما وغايتهما الرئيسية في تنبيه المتلقّي إلى الالتفات إلى المنش وتقديم نموذج عيني لتحقّقه في الحياة الاجتماعية والسياسية، يمكن في الأغلبية الساحقة من مباحث صابر ملاحظة عرقٍ من التأكيد على المنش؛ وكأن هذا التأكيد هو الموسيقى التصويرية لكلام صابر...»
هذا المنش البهلواني (الفروسي) نفسه هو سبب اهتمامه بتقليد الجوانمردی (الفتوّة) والفروسيّة في تاريخ إيران وفاعليته فيه، وبتعبير رضوي:
«..كان هدى صابر مهتمّاً بإرث الفروسيّة الإيرانية، ولهذا الاهتمام وجهان: الأول تعلّق القلب الذي كان يكنّه للرياضة الفروسيّة الإيرانية، والثاني المنش المتجلّي في الفرسان ذوي السلوك. في عمل بحثي مشترك بعنوان «إرث الفروسيّة»، كان هدى صابر يسعى إلى استعادة الحياة الفروسيّة في إيران ورسمها تاريخياً. وفي هذا السياق، كان لسيد حسن رزاز تأثير بالغ على صابر؛ حتى إنه كان يذكره كأحد النماذج الحاملة للمنش..»
كان صابر مهتماً كثيراً أيضاً بمحمد حنيف نجاد والمجاهدين المؤسسين، وفي كتاب «ثلاثة حلفاء للحب» أعاد قراءة بصيرتهم ومنهجهم ومنشهم، وأعاد قراءة جوانب من عملهم الدراسي والتعليمي، ومنهجهم التأسيسي والتنظيمي، وجدّيتهم، ومثابرتهم ومنشهم، وشعورهم بالمسؤولية الاجتماعية... إلخ، وكان يسمّيهم فتيان العصر الأوائل. كان محمد حنيف نجاد هو النموذج لصابر، لكن صابر، على عكس تلميذي المهندس بازرغان، محمد حنيف نجاد الذي كان فدائياً مدنياً، ومصطفى تشمران الذي كان فدائياً عسكرياً، لم يكن من أهل النضال المسلّح والعنيف. اشتهر هدى بـ «الفدائي المدني»، وهو فدائي شبيه ببازرغان نفسه الذي كان الناس، بناءً على لقب أطلقته عليه مجلة «باري ماتش» الفرنسية، يدعونه «الفدائي العجوز».
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول باختصار: إن إله «الرفيق فاتح الدرب» هو إله أقصويّ، يقيم الإنسان معه علاقة صافية القلب، مستمرة، في كل حين، واستراتيجية، وهو إله أهل للتعاون والمشاركة. علاقة البشر بالله في هذا التصوّر ثنائية الاتجاه وفي كل حين، وإمكانية تمتّع الإنسان بما لدى الله من مكنونات ووظائف أمر ممكن، وينبغي للإنسان أن يكون له نهج مضاعف وأكثر جدّية في العلاقة مع الله حتى يتمتّع بنفس القدر بما لدى الله من مكنونات. مكنونات الله ووظائفه تعني كيف يُمتّع الله، في سياق علاقته بالإنسان، الإنسانَ الطالبَ والفاعلَ بمواهبه وإمكاناته الخلّاقة المستمرة في الوجود. الإنسان في هذه العلاقة عضو مساهم، ومؤدٍ للدور، وباحث عن المشاركة، وعنصر فاعل في الوجود. في هذه العلاقة الاستراتيجية القائمة على المشاركة، يعرّف أعضاء الوجود الفاعلون مع الله مشروعاً مشتركاً، وسيشارك الله أيضاً في المشروع اعتباراً لجِدّهم وصدقهم. استراتيجية «إنسان مدار التغيير» هي «الإشعاع النوراني لدودة مضيئة شاملة في المتناول قابلة للتحقّق»، إنه إنسان حامل للمنش، منشٍ يفضي إلى الإيثار، والالتزام بالمبادئ، ومراعاة الأخلاق، والتحلّي بالمبدأ، والعمل الجوانمردي والفروسي.
الموحّد متعدّد الساحات (المسلم التام)، هو إنسان صار عضواً فاعلاً في الوجود، هو إنسان مدار التغيير، هو في علاقة استراتيجية شاملة قائمة على المشاركة مع الله، هو مؤدٍ للدور وعضو مساهم في الوجود، لديه مشروع، متحلٍ بالمبدأ وحامل للمنش، وهو مُمَكِّن. لديه نهج براكسيسي وهو عمليّ. في رؤيته للعالم، التوحيد ليس أحادي البعد، وفي سلوكه، العرفان ليس أحادي البعد. في بيئة تثليث الله، الخلق، الذات، يتحرّك في عرفانه الاجتماعي الذي هو عرفان إنساني، توحيد وجودي، قائم على الإله الأقصوي وإله «الرفيق فاتح الدرب». يلتمس عنوان الله من مدينة الخلق، وبإنسانيته المتمحورة حول الله يمنح النور بقدر وسعه كالشمعة، وكالدودة المضيئة، وفي العلاقة القائمة على المشاركة والمتمحورة حول المشروع مع الله، ينهض بالتمكين وتخفيف آلام الخلق، وبهذا ينال الصيرورة ويقف في مسار التألّه ودرك آلام ساحة الوجود.
لقد تم تحديد مسار وبيئة حركة ودور "الذات" في السلوك في المقال الأول من خلال إعادة قراءة آراء شريعتي-إقبال حول العرفان. وفي المقال الثاني، تم توضيح كيفية علاقة الذات بـ"الخلق" من خلال إعادة قراءة رؤية ومنهج وسيرة جمران، وفي المقال الثالث، تم إظهار كيفية علاقة الذات بالله من خلال إعادة قراءة رؤية ومنهج وسيرة هدى صابر. هذه النظرة التوحيدية للعالم (المشتملة على التوحيد الذهني-الفلسفي في العالم الشخصي والتوحيد الاجتماعي-السياسي في العالم المحيط)، بطريقتها وسلوكها العرفاني الخاص (المشتمل على السلوك الفردي في العالم الشخصي والعرفان الاجتماعي في العالم المحيط) تحتاج أيضاً إلى إطار لاهوتي، ويمكن تسمية هذا اللاهوت بـ"لاهوت التحرير التعاوني" القائم على تعاليم بازاركان، والإمام موسى الصدر، وآية الله طالقاني ذات التوجه الاجتماعي والمؤسسي. هذا المقال هو آخر مقال في سلسلة مقالات العرفان الاجتماعي، وستكون المقالات التالية بمثابة خلاصة وتأطير للمقالات الثمانية السابقة وخارطة طريق لتقديم مقاربة لاهوتية قائمة على منظومة فكر التنوير الديني، والتي ستنشر لاحقاً.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
خدا بیامرزدش. چقدر غریب و ناشناس از دنیا رفت.