اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى بعض علماء الأحياء التطورية أن الإنسان محاربٌ بطبعه؛ غير أن التفريق بين العنف الفردي والحرب المعقدة يُظهر أن تعميم ما يُستنتج من سلوك القبائل على البشرية جمعاء ناتج عن تركيز انتقائي على العنف لا عن واقع الطبيعة الإنسانية.

مدخل: هل تميل الطبيعة البشرية إلى الحرب أم إلى السلام؟ ماذا يقول علم الأحياء التطوري في هذا الشأن؟ وهل يمكن تعميم ما توصل إليه علماء الأحياء وعلماء النفس على الجنس البشري بأكمله؟
للنظرة التشاؤمية إلى الطبيعة البشرية جاذبية خاصة – ومتناقضة بالطبع –، وهي نظرة تحولت إلى اعتقاد راسخ لا يقبل الجدل لدى العديد من المتخصصين في علم الأحياء التطوري. بدأ الميل نحو هذه الرؤية منذ زمن بعيد. فعندما اكتشف عالم الأنثروبولوجيا الأسترالي الأصل، ريموند دارت، أول أحفورة لـ«أوسترالوبيثكس» عام 1924، قدم وصفاً لهؤلاء البشرانيات الأوائل على النحو التالي: «بلا شك أهل قتل وذبح؛ كائنات آكلة للحوم تنقض بعنف على فرائسها الحية، وتقتلها تحت وطأة ضرباتها، وتمزق أجسادها المحطمة إرباً، وتفصل أعضاءها وأطرافها، وتروي عطشها بشرب دماء ضحاياها، وتنهش بنهم لحومها التي ما تزال حية.»
لهذه النظرة التشاؤمية سابقة تاريخية طويلة، لا سيما في بعض فروع المسيحية. ففي رأي جان كالفن، اللاهوتي الفرنسي المتعصب في القرن السادس عشر، أن «عقل الإنسان قد ضل عن سبيل الرب القويم ضلالاً جعله لا ينظر ولا يريد ولا يطلب إلا ما هو دنس ومنحرف وشنيع ونجس وخسيس. وقلب الإنسان مشبع بسم الخطيئة حتى لا ينبعث منه إلا رائحة العفونة.»
من دواعي الأسف أن يقتنع البعض بخطيئة البشرية التي لا مفر منها، وهي خطايا يجب التكفير عنها في العالم الآخر. لكن الوضع يزداد سوءاً حين يستند أهل العلم والعقل أيضاً إلى نظرية حول الطبيعة البشرية يُخشى أن تتحول إلى نبوءة محققة تماماً. فعلى سبيل المثال، يصف روبرت أردري، الكاتب المسرحي الأمريكي، في كتابه المؤثر «الخلق الإفريقي» (1961)، البشر بأنهم «أبناء قابيل»: «الإنسان حيوان مفترس غريزته الطبيعية القتل بالسلاح. لقد شكلت الحرب وغريزة الحفاظ على الأرض أعظم إنجازات الإنسان الغربي. ربما يكون حبنا للحرية نابعاً من أحلامنا، لكن حريتنا تحققت بالحرب وبالسلاح.»
لقد تجاوز التيار الذي يدافع عن طرح «الحرب» بوصفها أحد الوجوه المعرّفة لـ«الحالة البشرية»، في العقود الأخيرة، نطاق نقاش علماء الأنثروبولوجيا والمتخصصين في علم الأحياء التطوري. يبدأ سايمون كريتشلي، الفيلسوف الإنجليزي، نقده لكتاب جون غراي «صمت الحيوانات» (2013)، في مجلة «لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس»، على هذا النحو: «البشر لا يصنعون أدوات القتل فحسب. نحن قردة قاتلة. نحن بشرانيون دنسون، عدوانيون، عنيفون، ومفترسون.»
من ناحية أخرى، لدينا نابليون شانيون، عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، الذي أمضى عقوداً من عمره في البحث والدراسة حول قبيلة يانومامي في منطقة الأمازون في دولتي فنزويلا والبرازيل. كان لكتابه الأكثر مبيعاً «شعب شرس» (1968)، أثر لافت في ترسيخ تصورنا عن البشر القبليين كأفراد في حالة «حرب وقتال عنيف» دائمين.
لقد تعرض كتاب شانيون لانتقادات شديدة، ولكن، في اعتقادي، تبقى المصداقية التجريبية والقيمة النظرية لأبحاثه ودراساته بلا خدش. في مجال (علم النفس التطوري، أو كما أسميه، علم الأحياء الاجتماعي البشري) الذي كثيراً ما يُنتقد لافتقاره إلى المعلومات الموضوعية، تكتسب نتائج شانيون، مهما بدت غير لائقة، قيمة وأهمية كبيرتين. ومن بين نتائج شانيون، إحدى أكثرها إقناعاً، هي أنه لم تكن فقط تدور معارك متكررة ومميتة بين قبائل يانومامي المختلفة، بل إن أفراد يانومامي الذين يرتكبون القتل يتمتعون، مقارنة بمن لم يرتكبوه، بتكيف تطوري وحظ أوفر بكثير في التكاثر والتناسل. المعلومات التي يقدمها شانيون، وإن كانت محل جدل من قبل متخصصين آخرين، تبدو في مجملها قابلة للاعتماد ورصينة.
لذا فأنا أُعجب بشانيون وأعماله، لكنني أنظر بعين الشك المتزايد إلى طريقة تفسير أبحاثه حول اليانومامي والنتائج المستخلصة منها. ما يزعجني هو أن العديد من زملائي، كما قلت سابقًا، لم يكونوا قادرين على التمييز بين الجذور التطورية المباشرة نسبيًا لـ«عنف البشر» والمسألة الأكثر تعقيدًا وتعددًا للطبقات والسياسية لـ«حروب البشر». دعوني أكون صريحًا، من المرجح أن للعنف جذورًا عميقة في الطبيعة البشرية؛ أما الحرب والقتال فليس كذلك. إن التركيز المفرط على العلاقة الواضحة تمامًا بين عنف اليانومامي والتكيف التطوري الذكوري، قد صرف انتباهنا عن الطيف المتنوع لنبذ العنف لدى البشر، وجعلنا نتجاهل المسالمة والتسويات بغية التركيز على الأنماط المثيرة والملفتة للانتباه لافتعال الحرب.
لطالما كنت، كمتخصص في علم الأحياء التطوري، توّاقًا للإقرار بالدلالات الموروثة أو الآثار التطورية للخصائص البشرية (سمات تبدو شاملة وعالمية). لوقت طويل، اعتقدت أن نتائج شانيون حول الحظ الوفير لرجال اليانومامي القتلة في الإنجاب هي من أقوى الأدلة المقدمة لإثبات هذه النقطة. لكنني حاليًا لست واثقًا من ذلك بالقدر نفسه، وينبغي أن يُحسب هذا اعترافًا مني بخطئي.
هناك نزعة بين علماء الأنثروبولوجيا والمتخصصين في علم الأحياء التطوري تقضي باعتبار بعض المجتمعات البشرية مصدر إلهام واكتشاف لا نظير له، ليس فقط لأن الأبحاث والدراسات التي أُجريت عنها كانت غنية وواسعة النطاق، بل أيضًا لأن أحوال هذه المجتمعات متوافقة ومتسقة تمامًا مع توقعاتنا المسبقة. إن الخوض في مغامراتهم، خاصة بالنسبة للرجال، أمر ممتع ومسلٍ.
تذكروا مقولة المراسلين والصحفيين: «إذا كان هناك دم، فالكل سيحدق.» يبدو من غير المرجح أن يكون العنوان الرئيسي لصحيفة هو «فرنسا وألمانيا لم تذهبا إلى الحرب مع بعضهما»، في حين أن أصغر مشهد مميت، في أي مكان في العالم، يتصدر الأخبار بسهولة. والتعبيرات اللغوية تشهد على ذلك أيضًا. يُقال إن البدو لديهم ما يقرب من مئة كلمة مختلفة للجمل، يميزون بها بين أنواع الجمال الهادئة، والنشيطة، وسيئة المزاج، والأليفة، والشرسة... إلخ. ولكن، بينما لدينا تعابير متنوعة للإشارة إلى «الحروب» – حرب المئة عام، حرب الثلاثين عامًا، الحرب الأهلية الأمريكية، حرب فيتنام، وأمثالها – فإننا نستخدم «السلام» بصيغته المفردة المجردة فقط وليست لدينا كلمات مختلفة للإشارة إلى أنواعه.
من منظور تطوري، يبدو أن البشر يولون اهتمامًا خاصًا للأحداث العنيفة، سواء بين الأفراد أم بين الأمم: فالحروب، إجمالاً، هي مسألة حياة أو موت. لكن مثل هذه المقاربة من قبل العلماء والمتخصصين، والأهم من ذلك، إقدامهم على تأسيس استنتاجاتهم الأنثروبولوجية «المعياريّة الأساس» على ما هو مجرد حصيلة انتباههم الانتقائي، هو أمر إشكالي حقًا.
إن أخطر مشكلة في آراء شانيون وتأثيرها على فهمنا للطبيعة البشرية هي مشكلة يمكن ملاحظتها في العديد من فروع العلم: تعميم مجموعة من النتائج – مهما كانت مقنعة – على عالم أوسع بكثير من الظواهر. على سبيل المثال، لا يزال علماء النفس الأكاديميون يتصارعون مع تداعيات بحث أُجري عام 2010 في جامعة كولومبيا البريطانية أظهر أن غالبية الأبحاث النفسية يجريها طلاب من دول «غربية، متقدمة، صناعية، غنية وديمقراطية». والآن، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن اليانومامي ليسوا سوى عينة واحدة بين المجتمعات البشرية القبلية، وهي مجتمعات شديدة التنوع. بالنظر إلى التنوع الهائل للتقاليد الثقافية البشرية، لا يمكن حقًا اعتبار أي مجموعة من البشر العقلاء (الهومو سابينس) ممثلةً للنوع البشري بأكمله.
يمكن وصف شعب اليانومامي، عن حق، بأنهم شديدو العنف – على المستويين الفردي والجماعي على السواء؛ ومع ذلك، فإن العديد من التجمعات القبلية الأخرى لا تعرف شيئاً عن أعمال العنف شبه الحربية. قبائل الباتيك في ماليزيا، والهادزا في تنزانيا، والمارتو في أستراليا، وعدة قبائل بدوية في جنوب شبه القارة الهندية، والعديد من القبائل الأخرى هي على هذا النحو، وهذا مع أنها "بشر" بقدر القبائل التي يُستشهد بها لإثبات النزعة الحربية الفطرية لدى الإنسان.
في الحقبة التي لم يكن فيها علم الأحياء قد بلغ أوج ازدهاره بعد، كان المتخصصون في التصنيف يعتبرون "العينات النموذجية" ممثلة لخصائص النوع الواحد، لكن هذه الممارسة لم تعد شائعة في علم الأحياء اليوم. لقد أظهر إرنست ماير، المتخصص البارز في علم الأحياء التطوري، عن حق أن التفكير القائم على الإحصاء والأرقام ينطوي على تصور أفلاطوني لمفهوم "النوع"، وهو تصور يتجاهل التنوع الحقيقي للكائنات الحية، بل ويتجاهل تنوع البشر أنفسهم. ومع ذلك، يبدو أن علماء الأنثروبولوجيا (وعلماء الأحياء، رغم وعيهم الأكبر) قد وقعوا في هذا الفخ، إذ يأخذون في الاعتبار عدداً قليلاً من التجمعات البشرية ويعممونها باعتبارها ممثلة للنوع البشري بأكمله ولكل البشر العقلاء. ومما يؤسف له أن هذا الميل إلى تحديد وطرح "التجمعات النموذجية" يزداد حدة في النقاش حول هيمنة النزعة الحربية على الوضع البشري.
يُظهر ستيفن بينكر، المتخصص في علم النفس التطوري، في كتابه "الملائكة الأفضل في طبيعتنا" (2011)، وهو كتاب نال استحساناً عن جدارة، بأدلة لافتة أن العنف البشري – سواء العنف بين الأفراد أو النزعة الحربية – قد انخفض بشدة في الفترات الأخيرة. ومع ذلك، وبغرض التأكيد على المظاهر الإيجابية والمتحسنة للأعراف الاجتماعية في الفترات الأخيرة، يبالغ بينكر بشأن المستوى "الطبيعي" و"الفطري" والقائم مسبقاً لنزعتنا الحربية، ويدعي أن "الخصومة والعداء المستمرين كانا السمة المميزة للحياة في الحالة الطبيعية." لكن الحقيقة خلاف ذلك. وكما أظهرت الدراسات الحديثة لعالم الأنثروبولوجيا دوغلاس فراي وآخرين، فإن نمط الحياة الأكثر شيوعاً في الجزء الأكبر من تاريخنا التطوري (خاصة في الحقبة التي سبقت الثورة النيوليتية) كان البداوة على طريقة الصيادين-الجامعين. وفي هذا النمط من الحياة، كان البشر ينخرطون بالطبع في أعمال عنف بين الأشخاص، لكن النزعة الحربية بمفهوم العنف المميت الذي تمارسه جماعة ضد جماعات أخرى كانت شبه معدومة، ولم تظهر إلا مع زيادة المحاصيل الزراعية وتطور التنظيمات القبلية الواسعة، ونمت مع الروح الحربية والقيادة العسكرية في شكلها الأولي.
لقد ضل علماء آخرون نالوا التقدير الطريقَ بالطريقة نفسها. عالم الأحياء إدوارد ويلسون، في كتابه "الغزو الاجتماعي للأرض" (2012)، يصف النزعة الحربية بأنها "اللعنة الموروثة للبشرية". إنني معجب بنفور بينكر وويلسون من الحرب، لكنني كنت أتمنى لو أنهما فكرا بعمق أكبر وأخذا الأدلة الأثرية وعبر الثقافية بعين الاعتبار بدقة أوسع قبل الانضمام إلى قافلة القائلين "الحرب كانت دائماً معنا".
يُظهر تاريخ البشر أن النزعة الحربية ظاهرة متأخرة في تاريخنا التطوري. ولكن ماذا عن أقرب أقربائنا، القردة العليا؟ ليس لدينا سلف حي بين القردة العليا؛ لا شك أن لدينا سلفاً مشتركاً مع الشمبانزي، والبونوبو، والغوريلا، والأورانغوتان، والجيبون، لكن السلوك الاجتماعي للأنواع الثلاثة الأخيرة يختلف بشكل لافت عن سلوك البشر المعاصرين، وهذا في حين أن الشمبانزي والبونوبو لديهما سلوك يكاد يكون متضاداً. تشتهر الشمبانزي بالانخراط في مواجهات عنيفة وجماعية، وكذلك بأعمال التجول والإبادة، التي تذكرنا بالمناوشات البشرية وحربهم وجدالهم. وعلى العكس من ذلك، فإن البونوبو – التي تفصلها عن البشر المسافة التطورية نفسها – لا تُظهر مثل هذا السلوك على الإطلاق، وتشتهر بـ"المودة، لا النزعة الحربية".
لا نجد في تاريخ تطوّرنا خطّ ربطٍ مباشر ووحيد فيما يتعلّق بالنزوع إلى الخصام والعنف والعدوانية. فمن جهة، نحن قادرون على ارتكاب أعمال عنف مروّعة ومقيتة؛ ومن جهة أخرى، نُظهر قدرًا لافتًا من الشفقة والتضحية. جيناتنا الأنانية تدفعنا إلى أفعال شنيعة وهدّامة وبغيضة؛ ومع ذلك، فإنّ هذه الجينات الأنانية ذاتها تحثّنا على الإيثار والتضحية اللامحدودة. ثمّة احتمال على الأقلّ بأن يكون التطوّر السريع جدًا لأدمغتنا ناتجًا عن نجاحنا في منافسة أشبه بالمعركة مع مجموعات أخرى من البشر البدائيين وأشباه البشر. لكن ثمّة احتمال مماثل تمامًا بأن يكون هذا التطوّر ناتجًا عن تعاوننا وتآزرنا وعنايتنا المتبادلة.
في الواقع، ليس من الصعب صياغة نماذج يكون فيها للحيوانات والبشر الذين يتقنون هذه الأمور (بجينات تُقدّر هذه النزعات مسبقًا) حظّ أوفر في البقاء عبر الانتخاب الطبيعي، مقارنةً بأفراد وجينات أخرى تميل أكثر إلى الخصام. علاوة على ذلك، في حين أنّ الحرب ظاهرة حديثة نسبيًا في التجارب الإنسانية، وبالتالي فإنّ أساسها ثقافيّ أكثر منه طبيعيّ، فإنّ أنظمة ضبط السلوك الذاتية قائمة منذ أمد بعيد، وتُشاهد بين أنواع لا تُحصى من الحيوانات، وبالتالي فمن المحتمل أن تكون لها جذور عميقة في طبيعتنا. إجمالاً، حتى في عالمنا الذي تمزّقه الحروب اليوم، فإنّ الحروب في الواقع أقلّ بكثير من التسويات اللاعنفية؛ وهذه التسويات تحدث يوميًا، بين الأفراد وبين الأمم على حدّ سواء.
لم أدّعِ قطّ أنّ البشر متساوون بيولوجيًا في قابلياتهم ونزعاتهم، وأنّهم يستطيعون – بصرف النظر عن إرثهم التطوّري – أن يفعلوا ما يشاؤون ويصبحوا ما يشاؤون، ولا أدّعي ذلك حاليًا. لن نستطيع أبدًا أن نكون إيثاريين بقدر شغّالات النحل، أو منعزلين بقدر سمكة الشصّ في أعماق البحار. لا يوجد مجتمع بشريّ يمارس أفراده الجماع مرّات عدّة يوميًا، أو يمتنعون عنه كليًا. لكنّ لنزعاتنا التكوينية حدودها أيضًا – وانتبهوا، هذا يقوله متخصّص في البيولوجيا التطوّرية يُتّهم بأنّه يحمّل الجينات مسؤولية كلّ أفعالنا.
يجب التمييز بين التكيّفات والقابليات في مسار التطوّر. اللغة تكاد تكون قطعًا أمرًا تكيّفيًا وناتجًا عن التلاؤم، شيء يستطيع كلّ البشر الأسوياء اكتسابه، وإن كانوا يفعلون ذلك بطرق مختلفة في ظروف متباينة. في المقابل، تُعتبر القراءة والكتابة قابلية، أي خصالاً اشتقاقية لم يلعب الانتخاب الطبيعي على الأرجح دورًا كبيرًا في نشأتها، وقد تطوّرت عبر عمليات ثقافية. وبالطريقة نفسها، المشي والركض على الأرجح أمور تكيّفية؛ أمّا قيادة العربة والمشي على الحبل فقابليات. في رأيي، العنف بين الأفراد هو نوع من التكيّف الإنساني، شيء لا يختلف كثيرًا عن النشاط الجنسي، والعناية بالوالدين، والتواصل مع الآخرين، وما شابه ذلك. هذا شيء أراه في كلّ المجتمعات البشرية. في الوقت نفسه، الحرب (وهي أمر متأخّر تاريخيًا، وتتنوّع تنوّعًا هائلاً من حيث الامتداد الجغرافي وتفاصيلها) تكاد تكون قطعًا قابلية. والقابليات ليست عالمية ولا حتمية ولا إجبارية.
لأكن صريحًا. العنف أمر شائع، وللأسف، إنساني بعمق، تمامًا كما أن اللجوء إلى العنف في بعض الظروف كامن في طبيعة العديد من الحيوانات الأخرى. لكن الحرب مسألة مختلفة. فخوض الحرب نوع من القدرة، ويستلزم ممارسة عنف مميت على مستوى الجماعة. ومن هنا، يجدر بنا أن نميز بين الحرب وبين المنازلة، والغضب، والانتقام، وصنوف القتل. لاحظوا هذا التشبيه الذي قد لا يكون موفقًا تمامًا. العنف كمراسم الزواج، بالنظر إلى العملية التي يضفي بها الأفراد البالغون والراشدون الطابع الرسمي على علاقتهم، وهي علاقة تبدو أمرًا كونيًا يتجاوز الحدود الثقافية، ويمكن على الأرجح اعتبارها من المكونات التكيفية للطبيعة البشرية. من ناحية أخرى، الحرب كحفل الخطوبة أو حفل ما قبل الزواج، في قاعة بأحد الفنادق، مع الرقص والموسيقى والغناء والضيافة الواسعة. يمكن الحكم بأن تصوير المراسم، والكعكة متعددة الطبقات، وصف الرفقاء، وسيارة العروسين الخاصة، وما شابه ذلك لا تنبع من البنية الجينية للإنسان، رغم أن البشر قادرون على توفير مثل هذه الأمور. وبالطريقة نفسها، فإن العنف الصريح والمزمن بين البشر أمر واقعي، ومهما كان مؤسفًا، فهو جزء من طبيعة الإنسان وفطرته. الحرب أشد أسفًا من هذا، لكنها ليست «طبيعية» وفطرية أكثر من حفل خطوبة أو خط إنتاج طائرة قاذفة للقنابل.
كتب عالم النفس بي. إف. سكينر: «لا يمكن لأي نظرية أن تغير الموضوع الذي تبحث فيه؛ فالإنسان يبقى كما كان دائمًا.» ينطبق هذا القول على معظم الظواهر: فالمجموعة الشمسية هي ذاتها التي كانت لدى بطليموس أفكار خاطئة عنها؛ وبعد تقديم نظريات كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو، وهي نظريات قدمت وصفًا أكثر صحة، لم تتغير شيئًا.
لكن النظريات المتعلقة بالطبيعة البشرية مختلفة بعض الشيء. عندما أكتب أو أتحدث عن السلوك الاجتماعي واستراتيجيات التكاثر لدى أنواع مختلفة من قوارض ابن عرس الجبلية، فليس لأقوالي وكتاباتي أي عواقب اجتماعية - سياسية. لكن عندما أكتب أو أتحدث عن العنف، والعدوانية و/أو خوض الحرب بين البشر، فإن لأقوالي وكتاباتي (سواء أكانت عن قبيلة الليبتشا المسالمة في الهيمالايا أم عن قبيلة اليانومامي الشديدة الغضب والعنف) عواقب جمّة للغاية.
ليست المسألة أن نظرية ما يمكنها أن تغير طبيعة الإنسان نفسه. المسألة هي توقعاتنا، وبالتالي تغيراتنا السلوكية، وعواقبها الجسيمة. على سبيل المثال، إذا كنا مقتنعين بأن توماس هوبز كان على حق وأن البشر ميالون بفطرتهم إلى الخسة والوحشية، فسيكون لهذا الاعتقاد عواقب على نظرتنا السياسية، بما في ذلك تصورنا للأولويات الوطنية في الميزانية (مثلاً، كم ينبغي أن يكون حجم الاستثمار في التعليم والصحة وكم في القوات العسكرية وقوات الأمن)، وهذا بدوره يمكن أن يتحول إلى نبوءة محققة التحقق حتمًا. أليس سباق التسلح ودوامة انعدام الثقة بين الدول ناشئًا من أننا نعتبر الطرف الآخر معتديًا، وعنيفًا بالقوة، وبلا شك محبًا للحرب، وألا يؤدي هذا بدوره إلى سياسات وتصرفات تثبت واقعية هذه الفرضيات؟
النظريات المتعلقة بالطبيعة الأساسية للإنسان، عندما تصل إلى موضوع الحرب والسلام، تصبح أكثر جدية وتأثيرًا من أي بحث تطوري آخر (كالأبحاث، مثلاً، حول ما إذا كان البشر المعاصرون يحملون نفس جينات النياندرتال، وأمثال ذلك). ليست المسألة أنني أؤمن بعالم ما بعد حداثي تشكل فيه اللغة والأيديولوجيا «الواقع». المسألة هي أنني أعتقد أن بعض الأفكار لها تأثيرات واقعية على موضوعات مهمة كمستوى تخصيص الميزانية للشؤون الدفاعية وإشعال الحرب أو عدم إشعالها.
لا أقول إنه ينبغي تقييم الآراء العلمية بناءً على نتائجها الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية. فعلى خلاف المسائل المتعلقة بالأيديولوجيا واللاهوت والأخلاق، ينبغي تقييم العلم بناءً على قابليته للتفنيد وجدوى ثمراته ومدى خلقه لأفكار قابلة للاختبار فحسب. لكن ينبغي لنا أيضاً أن ننتبه لمخاطر إساءة استخدام العلم لأغراض أيديولوجية؛ ناهيك عن أن بعض الباحثين قد يقعون، دون قصد، وبمجرد اختيارهم للحالات التي يدرسونها، في انحياز في دراساتهم وأبحاثهم – لا سيما حين يعتبرون مجتمعاً بشرياً واحداً أو عدة مجتمعات ممثلاً للنوع البشري بأكمله. ويزداد الوضع خطورة عندما تتجاوز المسألة الأخطاء «العلمية البحتة» لتكون لها تبعات على القرارات الاجتماعية والسياسية.
يميل العقل البشري إلى القضايا البسيطة من نوع إما / أو (إما الله أو الشيطان، إما رعاة البقر أو الهنود الحمر، إما معنا أو مع الإرهابيين)، لكن الواقع أرهف وأكثر تعقيداً. وينطبق هذا الأمر بشكل خاص على هذه المسألة التي تبدو بسيطة، وهي ما إذا كان البشر «بالطبع» و«بشكل غريزي» ميالين للنزاع والعنف أم لا. في الماضي، كان التصور الشائع للبشر باعتبارهم «قردة قاتلة» منحرفاً بشكل واضح بسبب أحاديته؛ وبالمثل، سعى آخرون إلى إثبات أننا جميعاً متعاونون ومحبون للسلام. طبيعتنا البشرية ليست روسوية ولا هوبزية؛ ملائكة الخير والشر كلاهما يجلسان على أكتافنا، وميولنا التطوري يمكن أن يتجه نحو كلا الجانبين.
والآن، لعل القراء الذين يتخذون من التطور دليلاً لفكرهم يصابون بالذهول والإحباط إزاء مواجهة حقيقة أن مجموعتنا الوراثية مبهمة وملتبسة إلى هذا الحد. من المهم بالتأكيد أن ندرس الخلفية التطورية لميولنا، لكن أي إجابة ستعيدنا إلى مقولة جان بول سارتر بأن البشر «محكومون بأن يكونوا أحراراً». قد يكون هذا مدعاة عزاء لدعاة السلام أننا لسنا محكومين بيولوجياً بالعدوانية، وقد يصاب محبو السلام بالإحباط لأننا لسنا ميالين كلياً للسلام، لكن مهمتنا هي أن نقيم وضعنا الإنساني الخاص بأكبر قدر ممكن من الصدق والصراحة.
في مواجهة المسائل المتعلقة بالميل للحرب أو السلم، من الأفضل كثيراً (ليس فقط من أجل صحة الأبحاث العلمية بل أيضاً بسبب العواقب الاجتماعية) أن نأخذ على محمل الجد حكم أحد الخبراء بالطبيعة البشرية، ثيودور غايزل: «لديكم أدمغة في رؤوسكم. أقدامكم في أحذيتكم. يمكنكم أن تتجهوا نحو أي جانب تختارون.»
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.