اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يخلق لنسكي اثني عشر عالماً ميكروبياً من بكتيريا الإشريكية القولونية، ليلعب دور الإله سعياً لمعرفة ما إذا كان التطور ثمرة تقارب أم صدفة. هذه التجربة، بما تتيحه من تجميد الأجيال وإعادة بثها، أشبه بآلة زمن لاختبار السبب والأثر.

النص التالي هو ترجمة وتلخيص لجزء قصير من كتاب «الصدفة: الحظ، الفوضى، ولماذا كل ما نفعله مهم» (2024) من تأليف برايان كلاس (Brian Klaas). المحور الرئيسي لكتاب كلاس هو تأثيرات الأحداث الصغيرة والتي تبدو خفية في تشكيل المسارات الكبرى. المقتطف أدناه يدور حول واحدة من أطول تجارب علم الأحياء، حيث يحاول العلماء من خلال دراسة عشرات الآلاف من أجيال بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) في بيئة مختبرية، إظهارُ أي مقدار من التغيرات في اثنتي عشرة سلالة من هذه البكتيريا ناتج عن الصدفة، وأي مقدار ناتج عن التقارب.
.
.
فهمنا للتاريخ البشري هو صراع بين التقارب (convergence) والصدفة (contingency). أي هل هي التيارات القديمة والثابتة التي تدفع التغيرات إلى الأمام، أم أن التاريخ يعتمد على أدق التفاصيل؟ بما أننا لا نستطيع اختبار الماضي تجريبياً، فليس لدينا خيار سوى التكهن حول هاتين الرؤيتين للعالم.
لكن ماذا لو استطعنا خلق عوالم مختلفة، وأمسكنا داخل كل منها، ليس فقط بزمام السيطرة على الأحداث، بل بزمام الزمن أيضاً؟ تخيل لو كان لديك مقام الإله، واستطعت أن توقف حركة الزمن متى شئت، وأحياناً أن تعيده إلى الوراء لإعادة بث اللحظات المهمة. بهذه الطريقة كان يمكننا بدقة غير مسبوقة إلقاء نظرة على أسرار العلة والمعلول الخفية، وفهم كيف يحدث التغير والتحول – وفي النهاية معرفة ما إذا كانت الغلبة للصدفة أم للتقارب. هذه تجربة فكرية مسكرة. لكن هل هي ممكنة؟
قبل بضعة عقود، اكتشف عالم يدعى ريتشارد لينسكي (Richard Lenski) أنه يمكن القيام بذلك دون الحاجة إلى قصص الخيال العلمي. في ذلك الوقت، كان لينسكي، ذو اللحية الداروينية الفاخرة، يعمل كعالم أحياء تطوري يجري بحثاً ميدانياً حول السلوك العدواني للخنافس الأرضية الجنوبية في ريف ولاية كارولينا الشمالية. كان لينسكي يستمتع بالعمل في أحضان الطبيعة، لكن دراسته كانت تتقدم ببطء، وكان هناك العديد من الأفاعي السامة التي يجب الحذر منها، وكانت الخنافس التي يدرسها تغرق أحياناً في الأمطار الغزيرة، والأهم من ذلك أن تعقيد العالم الواقعي كان يُدخل متغيرات عديدة في البحث لدرجة أنه جعل من المستحيل عملياً اختبار أكثر أفكاره إثارة بدقة. فكر لينسكي في نفسه كم سيكون رائعاً لو استطاع إجراء تجربة على التغيرات التطورية ليس في الطبيعة الجامحة البكر، بل في بيئة مختبرية مضبوطة. وهكذا، في عام 1988، بدأ لينسكي واحدة من أهم وأطول التجارب في تاريخ العلم.
تجربة لينسكي، إلى جانب جمالها، بسيطة. خذ اثنتي عشرة قارورة أو وعاءً مختبرياً متماثلاً، وأضف إليها اثنتي عشرة سلالة متماثلة من بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)، وأطعمها حساء غلوكوز متماثلاً تماماً، ودعها تتطور. بما أن بكتيريا الإشريكية القولونية تتكاثر بسرعة، فإنها تنتج 6.64 جيلاً كل يوم. كل جيل بين البشر يستغرق حوالي 26.9 سنة، وهذا يعني أن يوماً واحداً في عالم بكتيريا الإشريكية القولونية يعادل 178 سنة في زمننا نحن البشر. قد يكون من الصعب تصديق ذلك، لكن منذ عام 1988، شهد لينسكي شخصياً تطور 70000 جيل من بكتيريا الإشريكية القولونية، وهو ما يعادل 1.9 مليون سنة من التغيرات في المعادل البشري لها. في عام 2004، انضم عالم استثنائي آخر يدعى زاكاري بلونت (Zachary Blount) إلى مختبر لينسكي. وهذان الاثنان معاً، يشرفان منذ مدة طويلة على اثني عشر عالماً ميكروبياً، يدور كل منها حول نفسه في قارورته.
ذهبتُ لمقابلة هؤلاء العلماء، وهكذا تمكّنتُ من إلقاء نظرة على عوالمهم الخاضعة للرقابة. مختبر لنسكي وبلانت في جامعة ولاية ميشيغان ليس مثيراً للإعجاب بشكل خاص. رفوف المختبر مليئة بالدوارق والمخابير وأطباق بتري وزجاجات المواد الكيميائية البيضاء. أشار لنسكي إلى حاضنة مربعة الشكل قرب المدخل، مضبوطة على درجة حرارة 37 مئوية، أي درجة حرارة جسم الإنسان. كانت الحاضنة تطنّ وهي تدوّر قوارير الميكروبات وتهزّها برفق.
يشرح بلانت التجربة بحماس. كل يوم، تنمو البكتيريا في حساء الغلوكوز نفسه الذي يحتوي على السكر والسترات، والتي نعرفها بأنها «الحمض الذي يعطي عصير البرتقال رائحته اللاذعة». كائناتنا الصغيرة في التجربة تسبح في السترات لكنها لا تستطيع أكل سوى السكر. للتكاثر، تنقسم بكتيريا الإشريكية القولونية إلى خليتين متطابقتين تقريباً بدلاً من ممارسة الجنس. لذا، فإن التنوع الذي نشهده في القارورة ناتج في الغالب عن الطفرات، أو الأخطاء التي تحدث أثناء نسخ الحمض النووي.
السمة الأساسية للتجربة هي أن اثنتي عشرة جمهرة مختلفة تنحدر من سلف مشترك وتتطور بحرية في ظروف متطابقة. وهكذا، تستبعد التجربة الجنس والتغيرات البيئية والمفترسات من المعادلة، مما يسمح للعلماء بدراسة التطور في أنقى صوره.
من هنا، يستطيع لنسكي وبلانت اختبار ما إذا كان التقارب هو السائد أم الصدفة. إذا كان التغير ناتجاً عن التقارب، فيجب أن تبقى القوارير الاثنتا عشرة كلها متشابهة تقريباً حتى على المدى الطويل، مع وجود اختلافات طفيفة فقط. قد يكون لكل قارورة مسارها التطوري الخاص، لكنها في النهاية ستصل جميعاً إلى المكان نفسه تقريباً. أما إذا كانت الغلبة للصدفة، فيجب أن تتباعد الجمهرات الاثنتا عشرة المعنية بطرق مهمة في نهاية المطاف، لأن الأحداث العشوائية ستؤدي إلى خلق كائنات ميكروبية غريبة تغير المسار التطوري إلى الأبد.
علاوة على ذلك، يمتلك لنسكي وبلانت ما يفتقر إليه معظم العلماء: آلة زمن. يمكن تجميد بكتيريا الإشريكية القولونية دون أن تتضرر. هذا يعني أن المجمّدات تعمل كزر «إيقاف مؤقت» على جهاز تشغيل الأفلام. لإعادة الضغط على زر «التشغيل»، يكفي إخراج البكتيريا من المجمّد. منذ بداية هذه التجربة، قام لنسكي وفريقه بتجميد جمهرات كل قارورة مرة كل خمسمئة جيل. هذا يعني أنهم يستطيعون «إعادة تشغيل» أي جزء من التجربة من أي وقت يريدون. هل تريد إعادة تشغيل البكتيريا من يوم انهيار الاتحاد السوفيتي أو من يوم 11 سبتمبر؟ لا مشكلة في ذلك. في هذه العوالم الاثني عشر، لنسكي وبلانت هما من يحكمان الزمن.
لأكثر من عقد، بدا أن التجربة تؤيد فرضية التقارب التطوري. بالطبع، نظراً لأنه لا مفر من التغير والتحول، اختلفت المستنبتات الاثنتا عشرة بعض الشيء. لكنها بدت جميعاً وكأنها تتغير في مسارات متشابهة. كل سلالة من سلالات البكتيريا كانت تتحسن كل يوم في أكل السكر، وتكتسب «صلاحية» داروينية أكبر. كان كل شيء منظماً تماماً، وبدت الطفرات التي تحدث غير ذات أهمية تُذكر. كما لو أن الجمهرات الاثنتي عشرة كلها تسير على سكة قطار واحدة نحو وجهة مشتركة.
لكن في أحد أيام يناير 2003، ذهب تيم كوبر، الذي كان باحث ما بعد الدكتوراه آنذاك، إلى المختبر لتفقّد الجمهرات الاثنتي عشرة. كان هذا أمراً فعله مئات المرات من قبل، لكن شيئاً ما كان مختلفاً هذه المرة. بدت إحدى عشرة جمهرة بكتيرية طبيعية «تماماً مثل قوارير زرقاء أُذيبت فيها قطرة أو قطرتان من الحليب. العلامة الوحيدة على أن ملايين البكتيريا تعيش فيها كانت عكورة طفيفة». لكن القارورة الثانية عشرة كانت مختلفة تماماً عن البقية. كانت هذه القارورة داكنة وعكرة إلى حد ما، بينما كان يفترض أن تكون صافية وشفافة نسبياً. قال لي كوبر: «ظننتُ أن خطأً ما قد حدث، لكنني كنت متأكداً من أن شيئاً مثيراً للاهتمام يجري».
يتصل كوبر بلنسكي.
قال لينسكي: «ظننت أنه خطأ مختبري. ولتجنب التلوث، شعارنا في المختبر هو:
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
توهم متافیزیکی فلسفه مدرن و پروژه شکست خورده
در واقع نویسنده در اینجا همگرایی را به انسانها و اختیار و اراده آنها نسبت می دهد و اتفاق یا تصادف را به خدا (با توجه به تیتر نوشته به عنوان "بازی کردن نقش خدا در زیستشناسی")
خیلی خوب بود ممنون از شما