اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينقسم المفكرون إلى معسكرين: أنصار العقل المستقل بذاته والمتشككون؛ أوكشوت، عبر نقده للصيغ المجردة، يشبه العقلانية بسرير بروكروستس الذي يحطم الواقع، ويميز بين المعرفة التقنية والعملية.

في تقسيم عام، ربما يمكن تصنيف مفكري الغرب السياسيين (منذ عصر التنوير فصاعداً) في معسكرين رئيسيين. في أحد الجانبين، يقف مفكرون يعتقدون أن العقل البشري عنصر تجريدي ومستقل بذاته، إذا ما أُحسن استخدامه، سيكون قادراً على إدراك الخيرات الاجتماعية الكونية وتحديد سبل بلوغها. لخلق مجتمع قائم على العقل تنتظم فيه القيم الاجتماعية بشكل متماسك وموحد، ينبغي أولاً وضع المبادئ العقلانية للمجتمع في عالم النظرية. بعبارة أخرى، يجب أن نرى ما هي الصيغ الكونية التي يأمر بها "العقل المستقل" بمعزل عن جميع التبعيات التاريخية والإثنية والدينية والسياسية والهوياتية والثقافية. بمعرفة الصيغة الكونية لسلوك ونفس الإنسان والتشخيص العقلاني لغايات المجتمع، تصبح مهمة المنظر السياسي هي رسم خارطة طريق لخلق المجتمع المنشود. في مجتمع وُضعت مبادئه على أساس العقل المستقل وقبل أعضاؤه بحاكمية العقل، تسير الأمور بمنأى عن الصراعات المعتادة ويتفاعل أفراد المجتمع في انسجام تام مع بعضهم البعض. لكن لماذا لم يظهر مثل هذا المجتمع إلى حيز الوجود حتى الآن، ينبغي البحث عن السبب في عاملين. أولاً، أن الناس، بسبب التعليم الخاطئ، لم يستطيعوا أبداً الاعتماد على العقل المستقل. فكثير من الفئات والجماعات في المجتمع تستفيد من جهل الناس، ولذلك رأت عبر التاريخ مصلحتها في توسيع وتعميق الحماقة بين الناس. ثانياً، أن المنظرين السياسيين لم يستطيعوا أبداً تحرير أنفسهم من قيود التعصبات المختلفة التي تحجب العقل كالغشاوة وتمنعه من السير في المسار الصحيح. للوصول إلى المجتمع المنشود، ينبغي على المفكرين أن يكونوا أكثر جرأة في التنظير حتى يتمكنوا من التعبير عن تعقيدات العالم في قواعدهم ويبينوا في النهاية طريق التحرك نحو المجتمع المنشود.
في المعسكر المقابل، يقف مفكرون ينظرون بعين الشك إلى الآراء المذكورة أعلاه. من وجهة نظر هؤلاء المفكرين، فإن العقل التجريدي والمستقل ليس ذلك الإكسير السلطاني الذي يحل المشكلات، ولا ذلك المفتاح الرئيسي الذي يفتح أقفال جميع الأسئلة. العقل المستقل، على الرغم من كل جهده وطاقته، لا يزال محدوداً ومشروطاً. من وجهة نظر هؤلاء المفكرين، فإن الصيغ والقواعد الجامدة والعديمة اللون لأتباع "العقل المستقل" غير قادرة على إظهار تعقيد وجمال وثراء الحياة البشرية الواقعية. واقع العالم والنفس البشرية شديد الغموض والتعقيد بحيث لا يخضع لأي قاعدة كلية. القواعد الكلية ناتجة عن التجريد والتعميم، لكن لا يوجد تجريد أو تعميم حقيقي، بل إن الجزئيات وحدها هي الحقيقية. قواعد وصيغ أنصار "العقل المستقل" تفعل بالواقع ما كان يفعله بروكروستس في الأساطير اليونانية بضحاياه المساكين. كان بروكروستس يمتلك سريراً حديدياً ويجبر ضيوفه على الاستلقاء عليه. إذا كان طولهم أقصر من السرير، كان يخلع مفاصلهم ويمدد أطرافهم حتى يصبحوا بطول السرير. أما إذا كان طول الشخص أطول من السرير، فكان يقطع جسده حتى يصبح مساوياً تماماً لطول السرير. في كلتا الحالتين، كان الشخص المسكين يفقد حياته بناءً على معيار اعتباطي. الصيغة والقاعدة تفعلان الشيء نفسه بالواقع، أي تشويه أو تدمير واقع العالم المتكثر بناءً على قاعدة كلية. أحد أهم فلاسفة السياسة في القرن العشرين الذي كرس جهده لإظهار نقاط ضعف الاعتماد المفرط على العقل هو الفيلسوف الإنجليزي الشهير مايكل جوزيف أوكشوت (1901-1990).
كان أوكشوت متشككاً بعمق إزاء استخدام القواعد الكلية والصيغ المجردة في مجال السياسة، وقد كتب واحدة من ألمع مقالاته بعنوان «العقلانية في السياسة» حول هذا الموضوع (Oakeshott, 1947/1991). يميز أوكشوت بين نوعين من المعرفة، المعرفة الفنية (التقنية) (technical knowledge) والمعرفة العملية (practical knowledge). والمقصود بالمعرفة التقنية هي المعرفة التي يمكن التعبير عنها بوضوح وشفافية على شكل قاعدة أو صيغة. وتجدر الإشارة إلى أن أوكشوت يعرّف كلمة «تقنية» بمعنى «منهج» الدراسة أو البحث للوصول إلى قواعد كلية بخصوص السلوك البشري، وكذلك بمعنى «نتيجتها» (Tseng, 2003: 134-135). في هذا النوع من المعرفة، يمكن إثبات صحة قضية أو ادعاء ما بشكل منطقي. قواعد المعرفة الفنية كلية وأبدية وعالمية ولا مجال للاستثناء فيها. من وجهة نظر أوكشوت، «العقلاني» هو من يقر بهذا النوع من المعرفة فقط بوصفه معرفةً مشروعة. لذلك، بالنسبة لـ«لعقلاني» لا توجد سلطة أعلى من «العقل»، فـ«العقل» يمكنه أن يسائل كل شيء وهو واثق من أنه قادر في النهاية على اكتشاف جوابه الصحيح. من الصعب على الشخص «العقلاني» أن يتصور أن «شخصاً يفكر بوضوح وصدق قد يكون له رأي مخالف لرأيه» (Oakeshott, 1947/1991: 6). ومع أن «العقلاني» لا ينكر أهمية التجربة، إلا أن ما يعنيه بالتجربة هو «تجربته الشخصية» فحسب؛ إن «العقلاني» بالمعنى الدقيق للكلمة «عصامي» لأنه لا يقيم وزناً لتجربة البشرية. فتجربة البشرية ليست «تجربته الشخصية». كل يوم يبدأ هو بالنسبة لـ«لعقلاني» يوم خالٍ من أي التزام، متحرر من كل العادات والتقاليد، كل يوم بالنسبة لـ«لعقلاني» هو يوم جديد وطازج تماماً مفعم بإمكانيات لا نهائية حيث يمكن اختبار شيء جديد وبديع. علاوة على ذلك، لا يعتبر «العقلاني» مهماً من «التجربة الشخصية» سوى ذلك الجزء القابل للتعبير عنه بمبادئ دقيقة وعالمية. فالتفاصيل والاستثناءات وكل ما هو غير مستقر وفانٍ هي في نظره أمور تافهة ومبتذلة. بالنسبة لـ«لعقلاني» المعرفة الوحيدة الممكنة هي المعرفة التي يمكن التعبير عنها على شكل قاعدة وصيغة. ومع أن أوكشوت لا يشير إلى كانط في كتابته، إلا أنني أعتقد أن أحد أعمال كانط يمكنه أن يظهر موقف أوكشوت بوضوح. نشر كانط في عام 1793 مقالاً تحت عنوان «حول هذا المثل السائر: قد يكون الشيء صحيحاً في النظرية لكنه عديم الفائدة في التطبيق» (Kant, 1793/1999). كان أحد المواضيع التي عالجها كانط هو أن البعض يعتقدون أن أحكام الفلاسفة وحكماء الميتافيزيقا لا تنفع في الحياة اليومية. وكان كانط يجادل، في مقابل هذا القول، بأن السبب في عدم نفع بعض أحكام الفلاسفة هو إما أن الفلاسفة لم يصوغوا أحكاماً صحيحة، أو أن أحكامهم لم تكن كافية ويتوجب عليهم إيجاد أحكام ميتافيزيقية أكثر. على أية حال، ما لم يشك فيه كانط قط هو أن كل معرفة تساوي ما يمكن التعبير عنه بقواعد وصيغ كلية.
في مقابل المعرفة التقنية، يتحدث أوكشوت عن المعرفة العملية التي لا يمكن اختزالها إلى صيغ كلية وعالمية. المعرفة العملية هي معرفة يكتسبها الفرد بممارسة عمل ما لمدة طويلة أو بالتلمذة على يد معلم حرفي. ورغم أن أجزاء من هذا النوع من المعرفة قد تكون قابلة للتعبير عنها في صورة قواعد كلية، إلا أنه لا يمكن صياغتها كلها في شكل معادلات، بل ينبغي للفرد أن يكتسب هذا النوع من المعرفة عملياً. مثال أوكشوت المفضل في هذا الشأن هو الطبخ (Oakeshott, 1947/1991: 12-14; Oakeshott, 1948/2004: 187; Oakeshott, 2014: 155, 416; Oakeshott, 1958/1991: 159; Oakeshott, 1956/1991: 419; Oakeshott, 1950/1991: 118-120; Oakeshott, 1951/1991: 52-53). للراغبين في الطبخ كتب متنوعة عنه يمكنهم مطالعتها. ومع ذلك، لو أن شخصاً قرأ جميع كتب الطبخ دون أن يباشر عملية الطهي قط، فلا يمكن أن نطلق على ذلك الشخص لقب طباخ. وحتى يصير المرء طباخاً جيداً، لا تقتصر الفائدة على مطالعة كتب الطبخ فحسب، بل ينبغي أن يكون قد شارك عملياً في عملية طهي الطعام (Wells, 1994: 135; Costelloe, 1998: 325; Minogue, 2004: 230). يعتقد أوكشوت أن مثال الطبخ يُظهر بوضوح مستويين مختلفين من المعرفة وعلاقتهما ببعضهما البعض: من جهة، المعرفة النظرية حول المبادئ العامة للطبخ، ومن جهة أخرى، المعرفة العملية وتنمية الذوق والمَلَكة في الطبخ من خلال المشاركة في عملية الطهي.
ينبغي الانتباه إلى أن أوكشوت لم يكن يعتقد بوجود تمایز مطلق في الواقع بين مجال المعرفة الفنية والمعرفة العملية. فهاتان المعرفتان متشابكتان، والسلوك البشري ناتج عن الاستخدام المتزامن لكليهما. غير أنه في بعض المجالات، قد تطغى إحدى المعرفتين على الأخرى. فعلى سبيل المثال، في التخصصات العلمية والهندسية، عادة ما تكون للمعرفة الفنية اليد العليا على المعرفة العملية، بينما في التخصصات الفنية، على العكس، تكتسب المعرفة العملية أهمية أكبر من المعرفة الفنية. إن التمييز بين مستويي المعرفة ليس أمراً بديعاً في الفلسفة، ولم يدّعِ أوكشوت قط أنه أول من تنبه إلى هذا الأمر. فقبل أوكشوت، تحدث بعض الكتّاب والمفكرين أمثال أرسطو وإدموند بيرك وجلبرت رايل ومايكل بولاني وفريدريش هايك جميعاً عن الفرق بين المعرفة النظرية والمعرفة العملية (Ebadi, 2020: 44-47). ومع ذلك، فإن ما يميز أوكشوت عن سائر المفكرين هو تأكيده على الأولوية الإبستمولوجية للمعرفة العملية على المعرفة الفنية (Smith, 2012: 136). فمن وجهة نظره، كل نظرية ما هي إلا صورة مبسطة وعامة لواقع معقد ومتعدد، لا تكون مفهومة للفرد إلا إذا كانت لديه أولاً معرفة عملية بالموضوع. فعلى سبيل المثال، لا يبدأ الطفل تعلم لغته الأم بدراسة قواعد اللغة، بل يتعلم اللغة أولاً بشكل عملي، ثم يتعلم لاحقاً بشكل نظري ما هي القواعد وكيف تعمل (Oakeshott, 1975/2003: 91). ما يرد في القواعد والنظريات ليس سوى الأجزاء المجردة والقابلة للتعميم، وبالتالي فهو كاريكاتير للواقع وليس صورة بانورامية كاملة له.
من وجهة نظر أوكشوت، وإن كانت أولوية المعرفة العملية على المعرفة الفنية في مجال السياسة تبدو جلية أكثر من أي مجال آخر، إلا أن السياسة اليوم باتت بأيدي أناس لا يستمدون معرفتهم بالسياسة إلا من بطون الكتب. بالنسبة لهؤلاء، السياسة هي ذاتها الإيديولوجيا، أي أن فهمهم للسياسة مقصور على ما يمكن التعبير عنه في صورة قواعد وصيغ مجردة (Franco, 2004: 85). الإيديولوجيا عند أوكشوت هي تعميمات مجردة كلية حول السلوك الإنساني، مجردة من أية تجربة ملموسة، إنها هيكل عظمي عار من لحم ودم التجربة السياسية، أي ما يمكن صياغته في شكل قضايا واضحة في البيانات وإطعامه لأتباع عقيدة ما (Corey, 2014: 266-267). ومن هنا، فإن ما يكتسب أهمية هو «حقيقة» رأي ما أو الأساس «العقلاني» لمؤسسة ما، لا كيفية تشكلها واستمرارها وفائدتها (Oakeshott, 1947/1991: 8). ولكن كما قيل، فإن المعرفة الفنية تقدم صورة مبسطة للواقع، ولا يتسنى ذلك إلا عندما نكون قد حصلنا، في المقام الأول، على معرفة عملية بالموضوع قيد النقاش. وعليه، فإن الإيديولوجيا السياسية، بدلاً من أن تكون «الأب والأم شبه الإلهيين للفعل السياسي، هي ربيبته الأرضية». تكشف شجرة أنساب الإيديولوجيات السياسية أنها كانت في البداية تأملات في الأساليب المألوفة لممارسة السياسة، وليست قواعد محددة سلفاً للسلوك السياسي. بعبارة أخرى، الفعل السياسي يتشكل أولاً، ثم تأتي الإيديولوجيا السياسية في أعقابه (Oakeshott, 1951/1991: 51). ومن هنا، فإن أوكشوت ينظر بعين الريبة إلى حضور المنظرين السياسيين في توجيه السلوك السياسي. فالغرض من التنظير في السياسة هو تحديد الظاهرة وتمييزها وشرحها وفهمها في نهاية المطاف، لا المشاركة في الظاهرة موضع الدراسة. وبالطبع، يمكن للتنظير السياسي نفسه أن يكون موضوعاً للدراسة، ولكن هذا يحدث عندما يتحول الموضوع العملي على مستوى ما إلى موضوع نظري على مستوى آخر (Nardin, 2015: 312).
لا تقتصر شكوكية أوكشوت فيما يخص التنظير السياسي على مجال وصف الظواهر السياسية أو تفسيرها، بل إنه يعتقد أن ما يطرحه "العقلانيون" بشأن الغايات السياسية هو أيضاً إشكالي. ولتوضيح المسألة، يستعين أوكشوت بمفهومي "المشاركة المسعوية" (enterprise association) و"المشاركة المدنية" (civil association). والمقصود بـ"المشاركة المسعوية" هو المجتمع أو الحكومة التي تضع هدفاً محدداً نصب عينيها. في هذا النمط من الحكم، تتشكل جميع الآليات والقوانين وشروط الحياة بناءً على الهدف الغائي ولا تكتسب معناها إلا في ظله. والمقصود بالهدف الغائي هنا ليس بالضرورة هدفاً "أخروياً" أو دينياً أو ميتافيزيقياً، بل يمكن أن يكون أمراً دنيوياً تماماً. في الواقع، يعتقد أوكشوت أننا نشهد اليوم في معظم المجتمعات الغربية تحول الأهداف الدنيوية إلى غايات سياسية واجتماعية. وعلى سبيل المثال، يذكر أوكشوت مفهوم "النمو الاقتصادي" ويشرح كيف تحول "النمو الاقتصادي" اليوم إلى نوع من العقيدة والطقس لدى السياسيين، بحيث تتسخر طاقة المجتمع بأكملها لخدمة هدف "نمو اقتصادي بنسبة 4%" (Oakeshott, 1960/2004: 303). ولهذا السبب، يعترض أوكشوت على النظام الاشتراكي للاتحاد السوفيتي أو حكومة ألمانيا النازية بقدر اعتراضه على حكومة حزب العمال في إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية. ففي كل هذه الحكومات نشهد نوعاً من "المشاركة المسعوية"، أي تخطيط المجتمع وتوجيهه للوصول إلى هدف محدد. ورغم أن أوكشوت يتفق في آرائه من عدة وجوه مع مفكر مثل فريدريش هايك، إلا أنه يدّعي أن هايك أيضاً لم يستطع في كتابه "طريق العبودية" (Hayek, 1944/2007) أن يفلت من فخ "العقلانية". من وجهة نظر أوكشوت، فإن الجانب السلبي في فكر هايك، أي انتقاداته للنظام الاشتراكي والتخطيط المركزي، هي في محلها ومبررة تماماً، لكن حينما يتخذ هايك الجانب الإيجابي ويشرع في رسم مجتمعه المنشود، فإنه يستخدم المنطق نفسه الذي استخدمه الاشتراكيون، أي نوعاً من التخطيط ولكن هذه المرة لمناهضة التخطيط. ومن هنا، يكتب أوكشوت في وصفه لكتاب هايك: "قد يكون برنامج لمنع أي تخطيط أفضل من نقيضه، لكنه لا يزال ينتمي إلى نمط مماثل من السياسة" (Oakeshott, 1947/1991: 26). بعبارة أخرى، يعتقد أوكشوت أن هايك في الكتاب المذكور لم يستطع أن يتحرر كلياً من قيد "العقلانية"، وأن ما يروّج له لا يزال شكلاً (ولو شكلاً محسّناً) من استخدام "العقلانية" في السياسة.

علاوة على ذلك، يعتقد أوكشوت أن الغايات السياسية ليست في انسجام تام مع بعضها البعض، وأنه قد لا يكون من الممكن تقديم صورة كاملة ومتكاملة عن المجتمع المثالي. وقد أورد أوكشوت هذه الفكرة في أكثر أشكالها إيجازًا خلال مراسلات جرت في أواخر أربعينيات القرن العشرين بينه من جهة، وبوبر وهايك من جهة أخرى (Oakeshott, 1948; Oakeshott, 1949). في تلك الفترة، ميّز بوبر في عملين له، هما «المجتمع المفتوح وأعداؤه» (Popper, 1945/2013) وكذلك مقال بعنوان «المدينة الفاضلة والعنف» (Popper, 1948/1989)، بين «الهندسة الاجتماعية اليوتوبية» و«الهندسة الاجتماعية التدريجية». كان بوبر يعتقد أنه في «الهندسة الاجتماعية اليوتوبية»، يتصور الفلاسفة السياسيون مثالًا أعلى ثم يسعون جاهدين لتوجيه المجتمع نحو هذا المثال الخيالي. وبما أن «المدينة الفاضلة» المنشودة ليست نتاج فكر جمعي، بل هي نموذج من آراء فرد أو شريحة صغيرة من الأفراد، فإن الأفراد والجماعات لا يستطيعون حل خلافاتهم بشأن «مدن فاضلة» بديلة أو طرق بلوغها بشكل «عقلاني» و«علمي» وبصورة سلمية. ومن هذا المنطلق، فإن جميع الأفكار القائمة على «الهندسة الاجتماعية اليوتوبية» محكوم عليها بالانزلاق في مسار العنف والقتل. البديل الذي قدمه بوبر هو «الهندسة الاجتماعية التدريجية». في هذا الأسلوب، بدلًا من التفكير بطريقة تجريدية، يسعى السياسي إلى حل المشكلات السياسية والاجتماعية الملموسة التي يواجهها بشكل جزئي وتدريجي. ميزة هذا الأسلوب على «الهندسة الاجتماعية اليوتوبية» تكمن أولًا في أن المشكلة المطروحة لها وجود موضوعي، ويمكن للأفراد أن يحددوا بشكل «عقلاني» أي القضايا لها الأولوية، وثانيًا، يتم السعي لحل المشكلات بشكل تدريجي وعبر إصلاحات في الإجراءات، وليس بطريقة ثورية وبقلب المجتمع رأسًا على عقب. وثالثًا، باستخدام أسلوب «الهندسة الاجتماعية التدريجية»، يكون تصحيح الخطأ وتسوية الخلافات أقل كلفة، ذلك أن كل حل يتعلق بحالة محددة فقط، ولا حاجة لأن ينهار البناء الكلي للمجتمع.
غير أن أوكشوت يعارض وجهة النظر هذه. من وجهة نظر أوكشوت، افترض بوبر أنه «يمكن للمرء أن يختار مشكلة واحدة فقط من مشكلات المجتمع في وقت محدد، ويوظف كل طاقة المجتمع لحل تلك القضية المحددة (مثل البطالة)، بل وحل تلك القضية المحددة إلى الأبد» (Jacobs and Tregenza, 2014: 21-22). يعتقد أوكشوت أن هذا الافتراض خاطئ من أساسه. في السياسة (وحتى في الحياة) لا يمكن حل مشكلة ما إلى الأبد. كل إجابة هي حل مشروط يمكنه في أفضل الأحوال أن يحل مشكلة، لكنه سيخلق مشكلة جديدة. علاوة على ذلك، فإن عناصر المجتمع متشابكة، وقد لا يكون من الممكن حل مشكلة ما دون أن نضطر إلى الالتفات إلى القضايا والحالات المرتبطة بها. نظرة بوبر إلى المجتمع، كما يوحي عنوان نظريته، هي نظرة «هندسية» تظن أنه يمكن تغيير تروس آلة ما دون أن يتأثر الجهاز بأكمله. نظرة بوبر إلى المجتمع، شأنه شأن مواطنه هايك، هي نظرة أيديولوجية قائمة على «العقلانية». كما يؤكد أوكشوت أن غايات المجتمع وأهدافه لا تخضع للنقاش «العقلاني» أو «العلمي». تعاون الأفراد في المجتمع لا ينبع من اتفاقهم «العقلاني» أو «العلمي» على غايات الحياة، لأن مثل هذه العوامل لا تمتلك القدرة الكافية لخلق التماسك بين أعضاء المجتمع. الأفراد يجتمعون على أساس «الحضارة المشتركة (حيثما وجدت) أو عادات السلوك المشتركة (حيثما وجدت)، وهي أمور ليست عقلانية ولا مرهونة بالاستدلال» (Oakeshott, 1948). والسؤال الذي يُطرح الآن هو: إذا لم يكن «العقل والاستدلال» أساسًا لاتخاذ القرار، فما هو البديل له؟
يؤكد أوكشوت في مراسلاته مع بوبر وكذلك في كتاباته الأخرى أنه ليس معارضًا «للعقل» بل إن معارضته تنصب على النظرة التي تجعل من «العقل» وحده معيارًا لكل شيء. يكتب أوكشوت: «هناك فرق كبير بين البحث العقلاني و«العقلانية» تمامًا كما يجب التمييز بين البحث العلمي و«العلموية»». يدرك أوكشوت تمامًا ألا يقع في فخ التناقض، إذ لو كان المرء معارضًا للعقل بشكل كلي، لما استطاع إثبات ذلك بالاستدلال، لأن غاية الاستدلال هي إظهار الأسباب العقلانية لموضوع ما (Oakeshott, 1947/1993: 99). للعقل نصيب في المجتمع والسلوك الإنساني، لكن ينبغي ألا يؤدي ذلك إلى تجاهل الأمور الأخرى أو التقليل من شأنها. من وجهة نظر أوكشوت، فإن التقاليد، أو ما يسميه في أعماله المتأخرة «الممارسات»، تحظى بأهمية أكبر في توجيه السلوك الإنساني في المجتمع. إن مفهوم «المشاركة المدنية» في فكر أوكشوت هو محاولة لإظهار الصلة بين «الممارسات» الاجتماعية وممارسة السياسة. من وجهة نظر أوكشوت، فإن الشكل المثالي «للمشاركة المدنية» ممكن عندما لا ترغب الدولة في توجيه المجتمع نحو هدف محدد أو السيطرة على أفراد المجتمع. ومن ثم، ففي «المشاركة المدنية» لا يقتصر الأمر على أن الحكام لا يضعون غاية محددة للمجتمع، بل إن الأفراد ليسوا بحاجة حتى إلى بيان الأسس «العقلانية» لمعتقداتهم أو السعي للاقتراب من «الحقيقة» عبر «العقلانية النقدية». إن أوكشوت شديد الشك إزاء مثل هذه المساعي ولا يقبل بأن من واجب الدولة أو جماعة من الأفراد توجيه الآخرين نحو وجهة معينة. ما يهم أوكشوت هو أن توفر الدولة الظروف التي تمكن الأفراد من السعي وراء حاجاتهم ورغباتهم المتضاربة وغير المتضاربة، العقلانية وغير العقلانية، والمنطقية وغير المنطقية قدر الإمكان. بالنسبة لأوكشوت، ولاحقًا لهايك، فإن غاية التشريع هي تدوين (وليس وضع) القواعد العامة للمجتمع وضمان إنفاذها. هذه القوانين تحدد القواعد العامة للسلوك الإنساني في المجتمع دون أن تسعى لتحصيل غاية محددة. ولهذا السبب، فإن الشكوكية تجاه تحصيل الغايات السياسية هي إحدى أهم مميزات فكر أوكشوت السياسي. إنه بدلًا من السعي لتحقيق «المجتمع المثالي» أو بلوغ «الحقيقة»، يصب اهتمامه على إظهار قيمة وأهمية التعايش السلمي لأفراد المجتمع جنبًا إلى جنب. في النموذج المثالي «للمشاركة المدنية»، فإن الأفراد هم من يحدد كل منهم هدفه في الحياة وسبل بلوغه، دون حاجة إلى تبرير «عقلاني» أو «علمي» أو «منطقي» لذلك الهدف. إن الغرض من «المشاركة المدنية» هو حرية أفراد المجتمع وفردانيتهم ورفاههم معًا، وليس الإثبات المنطقي للقضايا السياسية. ومن هنا، فعندما يُطرح موضوع الحرية، لا يلجأ أوكشوت إلى فلاسفة ومفكرين سياسيين مثل ملتون ومِل، بل يستند لتبرير أهميتها إلى شكوكيين مثل مونتين وهيوم، الذين كان دفاعهم عن الحرية مرهونًا بفائدتها العملية (Oakeshott, 1955/1993: 117).
على الرغم من أهمية أوكشوت في النظرية السياسية في القرن العشرين، إلا أنه أقل شهرة مقارنة بمعاصريه. يمكن إرجاع سبب ذلك إلى عدة عوامل. العامل الأول يتعلق بشخصية أوكشوت. لقد كان إنسانًا متواضعًا غير متكلف، لم يكن يرغب كثيرًا في الظهور أمام العامة ورفض مرارًا عرض تلقي أوسمة الشرف (Minogue, 1991). ثانيًا، إن شكوكية أوكشوت العميقة تجاه استخدام النظرية والفلسفة السياسية في المجال العملي، لم تكن متوافقة كثيرًا مع روح عصره. لقد تحدث أوكشوت عن ضعف النظرية السياسية في توجيه الفعل السياسي في زمن كان فيه «التخطيط الاجتماعي» بأشكاله المختلفة يحظى بأنصار متحمسين بين الناس والمثقفين والسياسيين. وأخيرًا، فإن فكر أوكشوت يتمتع بدرجة من التماسك والتعقيد تجعل التعبير عنه في صورة معادلة أو شعار أمرًا بالغ الصعوبة. وهذا الأمر لا ينبع من لغة غامضة أو إبهام في بيان المفاهيم، بل على العكس يجب الإقرار بأن نثر أوكشوت هو من أجمل وأوضح ما يمكن قراءته في مجال النظرية السياسية. في اعتقادي أن صعوبة الأمر تكمن في أن ما يقوله أوكشوت يكون أحيانًا بديعًا وغير حدسي إلى درجة يصعب معها تصنيفه وإدراجه تحت مفاهيم أخرى (Grant, 1998: 218-219).
مع ذلك، لا ينبغي أن نتصور أن فكر أوكشوت بناء خالٍ من الثغرات. يرى بعض النقاد أن أوكشوت لم يتمكن من تقديم تعريف دقيق لبعض المفاهيم الأساسية في نظريته. فعلى سبيل المثال، يُقال إن تعريف «التقليد» أو «الممارسة» الاجتماعية في فكر أوكشوت لم يُصغ بوضوح. وبما أن أوكشوت يعتقد أنه من الأفضل، في عملية اتخاذ القرار السياسي، الاستعانة بـ«الممارسة» أو «التقليد» الاجتماعي بدلاً من العقل المجرد أو «المعرفة التقنية»، فمن المتوقع أن يُقدم تعريفاً محدداً لهذه المفاهيم (Raphael, 1964). ثمة نقد آخر يتعلق بالشكل الفريد للمحافظة عند أوكشوت. فعلى سبيل المثال، يعتقد إرفينغ كريستول - أحد مؤسسي فكر المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة - أن محافظة أوكشوت تعاني من عيبين أساسيين (Kristol, 1996). أولهما، أن ما يقدمه أوكشوت كمحافظة هو علماني أكثر مما ينبغي، وبالتالي فإن قبوله مستحيل على المتدينين. فمن وجهة نظر كريستول، يجب اعتبار الدين أهم عامل يربط الإنسان بالماضي والمستقبل. وفي غياب الدين كعنصر ثابت وراسخ، سيكون من الصعب إيجاد بديل مناسب لاستمرارية التقاليد في المجتمعات البشرية. علاوة على ذلك، فإن الدين، من خلال رسمه لما سيحدث في المستقبل، يكشف عن المسار الصحيح لهداية الفرد والمجتمع. وفي غياب الدين، يفقد البشر صلتهم بالماضي والمستقبل دون أن يكون لديهم ما يستعيضون به عنه. يقول كريستول: «قد يكون الطبع المحافظ ممكناً، لكن بدون الدين، لا سند له». وثانيهما، يدعي كريستول أن قراءة أوكشوت للمحافظة لا تشبه كثيراً نسختها الأمريكية. فنظرة أوكشوت إلى «التقاليد» أو «الممارسات» الاجتماعية تعتمد كلياً على التجربة السياسية الإنجليزية. بعبارة أخرى، إن ما يقوله أوكشوت عن «التقليد» و«الممارسة» نابع من التجربة السياسية والاجتماعية لأبناء إنجلترا، ولكن ينبغي اعتبار هذه التجربة استثناءً لا قاعدة. يجادل كريستول بأن المحافظين في أمريكا، على عكس محافظة إنجلترا، تقدميون ويطالبون بمشاركة سياسية متزايدة. فمن وجهة نظر كريستول، على الرغم من أن الأمريكيين أمة محافظة حافظت دوماً على صلتها بالماضي، إلا أن هذا لم يدفعهم للعيش في الماضي. فالأفراد، منذ طفولتهم وسنوات نموهم، يتعرفون على الطقوس الوطنية والنشيد والعلم ويستعرضونها في جميع المراسم الرسمية. فالوطنية في أمريكا هي نوع من العقيدة والطريقة، تجمع الأفراد ذوي الخلفيات الدينية والعرقية والعنصرية والأيديولوجية المختلفة وتدفعهم في اتجاه معين - هو نمو وتوسع القيم الأمريكية. وهذا يقف في مقابل قراءة أوكشوت للمحافظة التي تؤكد أكثر على الحفاظ على الوضع القائم.
على الرغم من كل الانتقادات الموجهة لنظرية أوكشوت، أعتقد أن أجزاءً من فكره تتمتع بقوة كبيرة. تُظهر شكوكية أوكشوت أن التفكير «اليوطوبي»، أي التعرف على غاية للحياة الاجتماعية وتوجيه المجتمع نحوها، ما هو إلا وهم باطل وضار. فالهدف من السياسة هو حفظ السلام والاستقرار كي يتمكن الأفراد من الانصراف بحرية إلى اهتماماتهم والسعي وراء ما هو ذو معنى بالنسبة لهم. وكما ورد في إحدى أشهر عباراته: «في النشاط السياسي، يبحر البشر على بحر لا حدود له وعميق جداً؛ لا ميناء فيه، ولا ملاذ، ولا مرسى، ولا نقطة انطلاق، ولا وجهة. الغاية هي البقاء طافياً والحفاظ على التوازن. البحر صديق وعدو في آنٍ واحد. والملاحة تعني استخدام كل إمكانيات الأساليب التقليدية للسلوك لتحويل كل موقف عدائي إلى موقف ودي» (Oakeshott, 1951/1991: 60). في فكر أوكشوت، لا تقودنا السياسة نحو أي غاية، بل تسعى إلى حفظ الهدوء وخلق فضاء مفتوح كي تتاح للمواطنين فرصة السعي وراء غايات حياتهم. لذلك، في نظر أوكشوت، يجب انتهاج مشي المحافظة في السياسة حتى يمكن للمرء أن يكون راديكالياً في مجالات الحياة الأخرى.
.
.
Corey D (2014) Oakeshott's Concept of Ideology. Journal of Political Ideologies 19(3): 261-282.
Costelloe T (1998) Oakeshott, Wittgenstein, and the Practice of Social Science. Journal for the Theory of Social Behaviour 28(4): 323-347.
Ebadi A (2020) The Quiet American: A Conservative Reading. In: Muir R and Colombo E (eds) The Politics of Culture: An Interdisciplinary Interrogation of Popular Culture. Cambridge: Cambridge Scholars, pp.41-60.
Franco P (2004) Michael Oakeshott: An Introduction. New Haven: Yale University Press.
Grant R (1998) Michael Oakeshott. In: Mason R (ed) Cambridge Minds. Cambridge: Cambridge University Press, pp.218-237.
Hayek FA (1944/2007) The Road to Serfdom. Chicago: Chicago University Press.
Jacobs S and Tregenza I (2014) Rationalism and tradition: The Popper–Oakeshott Conversation. European Journal of Political Theory 13(1): 3-24.
Kant I (1793/1999) On The Common Saying: That May Be Correct In Theory, But It Is Of No Use In Practice. In: Gregor M (ed) Practical Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press, pp.277-310.
Kristol I (1996) The Right Stuff. Prospect Magazine.
Minogue K (1991) A Memoir: Michael Oakeshott (1901–1990). Political Studies 39(2): 369-377.
Minogue K (2004) Oakeshott and Political Science. Annual Review of Political Science 7(1): 227-246.
Nardin T (2015) Oakeshott on Theory and Practice. Global Discourse 5(2): 310-322.
Oakeshott M (1947/1991) Rationalism in Politics. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolis: Liberty Fund, pp.5-42.
Oakeshott M (1947/1993) Scentific Politics. In: Fuller T (ed) Religion, Politics and the Moral Life. New Haven: Yale University Press, pp.97-110.
Oakeshott M (1948) Oakeshott to Popper. Corresp and Papers (NRA 43323). London School of Economics and Political Science: Michael J. Oakeshott Archive (Box. 32).
Oakeshott M (1948/2004) The Voice of Conversation in the Education of Mankind. In: O'Sullivan L (ed) What Is History and Other Essays. Exeter: Imprint-Academic, pp.187-199.
Oakeshott M (1949) Oakeshott to Friedrich Hayek (18 April). F. A. Hayek Archieve at Hoover Institution (Box. BLPES 81): Stanford.
Oakeshott M (1950/1991) Rational Conduct. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolis: Liberty Fund, pp.99-131.
Oakeshott M (1951/1991) Political Education. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolis: Liberty Fund, pp.43-69.
Oakeshott M (1955/1993) The Customer is Never Wrong. In: Fuller T (ed) Religion, Politics and the Moral Life. New Haven: Yale University Press, pp.111-118.
Oakeshott M (1956/1991) On Being Conservative. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolise: Liberty Fund, pp.407-437.
Oakeshott M (1958/1991) The Activity of Being an Historian. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolise: Liberty Fund, pp.151-183.
Oakeshott M (1960/2004) Work and Play. In: O'Sullivan L (ed) What Is History and Other Essays. Exeter: Imprint Academic, pp.303-314.
Oakeshott M (1975/2003) On Human Conduct. Oxford: Oxford University Press.
Oakeshott M (2014) Notebooks, 1922-86. Exeter: Imprint Academic.
Popper K (1945/2013) The Open Society and Its Enemies. New Jersey: Princeton University Press.
Popper K (1948/1989) Utopia and Violence. In: Popper K (ed) Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge. London: Routledge, pp.355-363.
Raphael DD (1964) Professor Oakeshott's Rationalism in Politics. Political Studies 12: 202-215.
Smith S (2012) Practical Life and the Critique of Rationalism. In: Podoksik E (ed) The Cambridge Companion to Oakeshott. Cambridge: Cambridge University Press, pp.131-152.
Tseng R (2003) Sceptical Idealist: Michael Oakeshott as a Critic of the Enlightenment. Exeter: Imprint Academic.
Wells H (1994) The Philosophical Michael Oakeshott. Journal of the History of Ideas 55(1): 129-145.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام لطفا pdf متون رو هم قرار دهید،سپاس گذارم.