اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مراد فرهاد بور أن هيغل يمثل أفقاً للتفكير، لكنه يثير إشكالية علاقة «نحن» الإيرانيين به. وهو ينتقد توظيف هيغل لبناء تاريخ موحد، ويعتبره شرعنة للمُلك وتجاهلاً للانقطاعات.

هذا المقال هو حصيلة حوار أجرته المجلة العلمية المتخصصة "معلومات الحكمة والمعرفة" مع مراد فرهادبور.
يمكن اعتبار مراد فرهادبور أحد أبرز رموز تيار التنوير لليسار الجديد. بدأ نشر أعماله منذ ثمانينيات القرن الماضي، واسمه الذي ارتبط تدريجياً في النصف الثاني من تسعينيات القرن ذاته بمدرسة فرانكفورت وبخاصة أدورنو، ذاع صيته مع كتاب "العقل الكئيب"، وتحول إلى واحد من أكثر مثقفي اليسار الإيراني تأثيراً ونشاطاً. لاحقاً، ومع أفول الأجواء السياسية وانتشار العزوف عن السياسة في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتجه فرهادبور - الذي لم يعد اسماً لشخص، بل صار عنواناً لمجموعة من المترجمين والكتّاب (حلقة رخداد) - برفقة أصدقائه نحو الإمكانات الجديدة في تقليد اليسار الجديد المعاصر، ويمكن القول بجرأة إنه أدى دوراً مهماً في التعريف بثلاثة وجوه بارزة في هذا التيار وترجمتهم وشرحهم: سلافوي جيجك، وجورجو أغامبين، ومؤخراً آلان بديو. لكن بصرف النظر عن توجهات فرهادبور السياسية أو الاجتماعية، فإن الوجه الفلسفي الذي ظل مقترناً باسم فرهادبور على الدوام وطيلة هذه السنوات هو هيغل. لم يترجم فرهادبور أو يؤلف أي كتاب لهيغل أو عنه، غير أن الأفكار الهيغلية مثل جدل الكل والجزء، وارتباط الفلسفة بالسياسة، والنقد المزدوج للوضعية والعرفان، والأهم من ذلك كله الصلة الجوهرية بين الحقيقة والتاريخ، تظهر بوضوح في مجمل كتاباته. هيغل، وفقاً لقول فرهادبور نفسه، هو أفق التفكير. ولهذا السبب أجرينا معه هذا الحوار بوصفه الوجه الرئيسي للتيار الهيغلي لليسار الجديد، ليتحدث عن "نسبتنا مع هيغل". وهي صلة يثير فرهادبور إشكالياتها منذ البداية، سواء فيما يتعلق بـ"نحن" أو علاقتها بـ"هيغل". كما أتاح هذا الحوار فرصة لفرهادبور ليتحدث عن نفسه، وأفكاره، وتجاربه، وارتباطه الفكري بهيغل.
محمد مهدي أردبيلي
***
سيدي الأستاذ فرهادبور، يدور النقاش حول نسبتنا مع هيغل، إذن سؤالنا يتألف من ثلاثة مفاهيم، وبالتالي فإن الإجابة عنه، أو على الأقل تقديم تحليل للسؤال نفسه، تستلزم توضيح هذه المفاهيم الثلاثة: أي "هيغل"، و"نحن"، ومعنى "النسبة".
بشكل عام، ينبغي أن نرى ما المقصود بـ"نحن" هذه؟ هل يتجه السؤال نحو وضعنا الراهن والبنية القائمة، أم أن المقصود بـ"نحن" هو نحن الإيرانيين، أم الشرق عموماً؟ في رأيي، لفهم هذه الـ"نحن" يجب أن ننظر إلى الطرف الآخر من المعادلة، ألا وهو هيغل. يبدو أن هيغل يتصل بنا بحكم موقعه في الحداثة، وبالتالي فإن طبيعة علاقتنا بهيغل تعود إلى كيفية اندماجنا في العالم الحديث ودخولنا العصر التاريخي للحداثة. لذلك، إذا أردنا أن نرى ما هو الدور الذي يؤديه هيغل نفسه في هذا السياق، ربما يمكننا النظر إليه بصفته فيلسوفاً غربياً مشهوراً، ومن ثم إعادة قراءته في سياق مواجهتنا لمسألة العقلانية والعقل الحديث. وهنا أيضاً يأخذ النقاش اتجاهات مختلفة، فمثلاً إذا كان مرادنا هو الجانب الاجتماعي للمسألة، فإن نقاش عملية العقلنة الفيبرية يُطرح ويأخذنا في مسار معين، أو مثلاً يجد البعد الفلسفي للقضية اتجاهاً آخر.
لكنني أرى أن نعيد النقاش إلى ما يمكن قوله تحديدًا عن شخص هيغل نفسه ونوع العلاقة المحتملة الغريبة والعجيبة التي يُفترض أن يقيمها مع هوية تُدعى «نحن». وبما أنني أشك في هوية «النحن» هذه بوصفها كلاً متكاملاً متعينًا، ولا أرى في الواقع أي كلية على الإطلاق، فإنني أعتقد أن النقاش يعود إلى نوع من الاندماج والانحلال والمواجهة مع الحضارة الحديثة. وإن كان بالإمكان قول شيء، فهو يعود بالأحرى إلى تقاليد محددة، وخطابات محددة، بل وحتى تجارب شخصية محددة، تتعلق بكيفية اشتباك كل فرد أو تيار مع هيغل، وكيف تجلى هذا الاشتباك في الساحة الموضوعية. لذلك، أرى أنكم إذا كنتم تبحثون عن إجابة لسؤالكم من أجل «نحن» كلية، فكلما ازدادت «النحن» كليةً، كلما تفتت أكثر، وفي النهاية إذا أردنا أن نقول شيئًا إيجابيًا، فلعلنا يجب أن نحطم هذه «النحن» إلى أجزاء مختلفة حتى نتمكن من الحديث عن كل واحدة من هذه «النحنات» المتكثرة. وبالتالي، فأنا أيضًا لا أستطيع إلا أن أحصر هذه النحن في المجالات والخطابات التي كنت منخرطًا فيها إلى حد ما، وأن أختزل «النحن» إلى مستوى التجربة السطحية لـ «الأنا». وبالطبع، بما أنني حاولت في فترات ما، هربًا من الوقوع في شرك نوع من السيكولوجية الشخصية التي هي آفة المشاريع التنويرية الإيرانية، أن أُخرج هذه الحياة الشخصية من حالتها الفردية وأن أضفي عليها بعدًا جمعيًا وأُشرك فيها أفرادًا آخرين، فربما أستطيع بالتالي أن أتحدث عن نوع من «النحن» يحمل معه على أية حال هوية نسبية وشكلاً من التاريخ. لكن ما علاقة هذا النقاش بـ «النحن» الإيرانية كهوية مستقلة شاملة، فلست قادرًا على طرحه، بل إنه لمن المثير للاهتمام بالنسبة لي شخصيًا أن أرى إن كنتَ أنت، بما أنك مارست أنشطة في هذه المجالات، تستطيع أصلًا أن تقيم صلة بين هذين، هيغل والنحن، وعلى هذا المستوى من التجريد أيضًا. من المؤكد أنك لا تقصد نشر بضعة كتب أو ترجمات لأعمال هيغل إلى الفارسية أو تدريس فلسفة هيغل في إيران، بل تريد الخوض في الأسس الأعمق والأكثر جذرية للعلاقة بين هذين.
على أية حال، في هذه المشاريع الشخصية جزئيًا والسياسية جزئيًا التي تُرى في إيران، يُرمى اسم هيغل أحيانًا. لكن بقدر ما أفهم هذه النقاشات، فإن استخدامهم لهيغل محافظ وتقليدي للغاية. على أية حال، أعتقد أننا هنا أيضًا نواجه غالبًا نوعًا من إساءة استخدام هيغل، سواء بوصفه اسمًا كبيرًا يضفي الشرعية على نظرية ما، أو بوصفه مفكرًا اختُزل إلى فيلسوف تاريخ بمعناه البدائي، وبالتالي يمكن استخدامه، مثلًا، في التحليل التاريخي. وهدف هكذا مقاربات هو غالبًا إساءة استخدام هيغل كطريقة لاختلاق تاريخ مصطنع لإيران. وكأنه كان هناك، ومنذ الأزمنة الأخمينية وحتى الآن، إيراني على الدوام، وكأن هذه الهوية التي تبدو متكاملة في التاريخ ليست على العكس ممزقة أشد التمزق. تضطر هذه القراءات إلى اختزال تاريخ إيران برمته إلى تاريخ الحكومات، وبالتالي تفرض علينا الحكومات المغولية أو التركية باسم تاريخ إيران، لئلا تتشوه هذه الهوية المتكاملة المزيفة. إذن، يمكن بمساعدة هذا المثال ذاته أن نجد نموذجًا لمواجهتنا مع هيغل خلف محاولة استخدام أو إساءة استخدام مغلوطة لبعض نظريات هيغل حول التاريخ بهدف تزوير عملية تاريخية كلية لإيران، ينتج عنها سياسيًا أيضًا، وبسبب احتكار الملوك للتاريخ، نوع من اليمينية الملكية. بعبارة أخرى، إن أي محاولة لكلنة هذا التاريخ أو إضفاء الانسجام عليه أو جعله جوهرًا لا تؤدي إلى نتيجة سوى جعل الملكية وتحولاتها في إيران جوهرًا. ذلك أن القصة العمياء والمليئة بالوحشية والتكرار العبثي لتاريخنا تربطنا في النهاية بمقولات لا علاقة لها بهذه النقطة من العالم، ولم تُطرح بعض مفاهيمها الأساسية مثل الدولة/الأمة إلا منذ قرن تقريبًا مع دخول الرأسمالية إلى إيران، وقبل ذلك كنا نتعامل مع استبداد آسيوي لم يتم حتى الآن تبيين محتواه بشكل صحيح. وهذا النموذج أيضًا غيض من فيض استخداماتنا لهيغل.
لنعد إلى ذاك النقاش حول «نحن» الذي يثير اهتمامي. من جهة، حين يُطرح الحديث عن «نحن»، يمكن تأويل هذه الـ«نحن» على أنها «نحن» الإيرانية، أو «نحن» الفارسية، أو «نحن» الإسلامية، أو حتى «نحن» الشرقية. وأنا أُسلّم بأن هذه الـ«نحن» لا تمتلك هنا كُليةً واحدةً ومتماسكة، بل هي «نحن» متشظية وتنطوي على نوع من الكُلية المتخيلة والافتراضية. لكن هل يمكن أساساً الحديث عن «نحن» تشمل، رغم هذا التعدد، كل هذه الكثرات بطريقة ما؟ على أية حال، بصرف النظر عن الـ«نحن» الشخصية أو الهوياتية التي أُشير إليها، هل توجد «نحن» يمكن أن نضع في قلبها، بشكل ما، كل هذه الجماعات والتيارات الموجودة؟ مثلاً «نحن» المنبثقة من وضعيتنا، أو لنقل نوعاً من الـ«نحن» الثقافية؟
نعم، حسناً، يمكن على أية حال الحديث عن التنوير في إيران والتكلم عن نوع من «نحن» الكلية لتيار التنوير أو عن العالم بأسره واختلافاته. وقد تحدثتُ سابقاً عن تيارات التنوير هذه، وبخاصة التنوير الديني، تحت عنوان «باثولوجيا التنوير في إيران» أو عناوين مشابهة، وناقشتُ في الغالب علاقتها بالسلطة التي تشبه ثقباً أسود بقوة جاذبيته العجيبة يسحق الجميع ويجذبهم إلى داخله. لكن هذا النقاش سيكون نقاشاً مستقلاً ومفصلاً يعود بنا مرة أخرى إلى تجربة تحديث إيران منذ العصر الصفوي مثلاً أو حتى منذ العصر القاجاري والمباحث المطروحة حول الثورة الدستورية، والتي يصادف أننا نلمح في تحليلاتها أيضاً فهماً مثالياً هيغلياً فجاً يختزل التاريخ في الأفراد، فمثلاً لو أن فلاناً من الرجال السياسيين أو الدينيين كان قد فهم ذاك النقاش جيداً في ذاك التاريخ المعين، أو لو كان قد قرأ جون لوك مثلاً، لكان وضعنا الآن سليماً، أو أن البعض من الجهة الأخرى يُضخمون المسألة قائلين إن المثقفين هم الذين أساؤوا فهم القضية، وكل ما نعانيه هو بسبب هؤلاء المثقفين. وفي كل هذه الادعاءات، يُطرح هيغل مجدداً كسند لنوع من المثالية البدائية، ويُستغل كمبرر لنوع من القراءة السياسية-الحقوقية للدستور. وبالطبع، فإن هذه المثالية بعيدة كل البعد عن المثالية ومعناها لدى هيغل. وهكذا يمكن في النهاية تتبع أثر هيغل في مثل هذه القراءات الخاطئة، وسوء التأويلات، أو التلفيقات التاريخية، الناشئة بدورها عن الصورة النمطية المرسومة لهيغل في قراءات واقعية مثل «سير الحكمة في أوروبا» وأمثالها، والتي تُقدم هيغل كفيلسوف للتاريخ، ويصادف أن الإيرانيين حسّاسون جداً لمعرفة ماذا قال هيغل عن إيران مثلاً في فلسفته للتاريخ. حتى في الفترات اللاحقة حين ازدادت النصوص قليلاً وصدرت نصوص ملموسة مثل ترجمة الأستاذ عنايت لكتاب «العقل في التاريخ»، وزالت بعض حالات سوء الفهم، لكن مع ذلك، لم يستطع حتى أمثال عنايت تقديم فهم أعمق وأحدث لهيغل النمطي والسطحي الذي يتحول روحه المطلق في النهاية إلى إله، وتصير قصة تاريخ الروح عنده أسطورة، وحسب علمي، لا يزال هذا الفهم لهيغل هو السائد في مجتمعنا. رغم أنكم ربما، أو أشخاصاً آخرين، قد كسرتم هذه القراءة مؤخراً في الأكاديميا أو قدمتم قراءة جديدة، لكن حسب علمي، وبالنظر إلى التجلي العيني للقصة، ما زلنا نعاني من نفس الأساطير والقراءات البدائية والنمطية لهيغل، القائمة غالباً على مصالح أفراد أو جماعات يبحثون في هيغل عن شرعية لنظرياتهم.
أنت تؤكد باستمرار على نفي جوهرانية تُدعى إيران. وأنا شخصياً، بما أنني أتعاطف معك نظرياً، أفهم كلامك ولا أعتقد بكُلية متماسكة لجوهرانية اسمها إيران، لكن، ألن تكون نتيجة كلامك هي أنه لا وجود لإيراني أصلاً، وكأنه لم يعد هناك أي فرق بين إيران وغير إيران؟
لا، أنا أيضاً لا أواجه هذه المسألة من زاوية نفي كامل. من الواضح تماماً بالنسبة لي أيضاً أن إيران تختلف كلياً عن بلد مثل الكويت، أو الإمارات، أو حتى العراق، التي خرجت جميعاً من رحم الحرب العالمية الأولى. لكن المسألة هي أن هذا الاختلاف لا يمكن البتة تفسيره بمساعدة كلمات مثل الأمة أو حركة الروح في التاريخ، التي تلجأ، دون أي قلق إزاء التعدد والتشظي الداخلي والتقطع، وبخيال وادع، إلى هذه الـ«نحن» المعطاة سلفاً والشاملة والجامعة، التي يُفترض بها مثلاً أن تصير واعية بذاتها وتكتسب قيمة.
دعونا نبتعد قليلاً عن تحليل هذه الـ«نحن» ونلقي نظرة على هيغل. ففي هذه القراءات للتاريخ الإيراني التي أشرتم إليها، ثمّة في الواقع تذبذب دائم بين الوقوع في ضرب من الحتمية وإضفاء الضرورة على كل شيء في إطار عملية تكوينية للتاريخ، وبين الانزلاق إلى ضرب من القول بالحدوث واختزال كل شيء في شخص واحد، أو كتاب واحد، أو قانون واحد، أو حادثة تاريخية واحدة. والحال أن جدل هيغل نفسه هو محاولة للتجاوز الجدلي لهذه الثنائية القائمة بين الضرورة والحدوث؛ غير أننا نشهد في النماذج المحلّية إخفاقاً في تحقيق هذا التجاوز الجدلي وسقوطاً في أحد طرفي النقاش. ومن جهة أخرى، ثمة على امتداد تاريخنا مقاطع وتيارات مختلفة، بعضها لم يكن ذا صلة ببعضه في بعض الأحيان، وقد شهدنا في جميعها ظهور هيغل. بدءاً من توجّه الماركسيين نحو هيغل وسوء التأويلات والنظرات السطحية التي مارستها التيارات اليسارية إزاءه، وصولاً إلى اقتران بعض تيارات الفلسفة الإسلامية بهيغل، مثل التيارات الصدرائية الجديدة. بل من الطريف أنه مثلما كان الماركسيون يقدّمون هيغل كمقدّمة وعامل لإثبات ماركس وطرحه، نجد شخصاً كالسيد مطهري في كتابه «دروس حول الماركسية» يستخدم هيغل مراراً كسلاح ضد ماركس ويقيم صلة بينه وبين هيغل. وترتبط هذه المقاربات أيضاً بضرب من القراءة العرفانية لهيغل، وهذا في الوقت الذي شنّ فيه هيغل، في أثناء حياته تحديداً، أشدّ الهجمات على العرفان الرومانسي، وكانت إحدى نقاط افتراقه عن شلنغ هي هذه الانتقادات عينها. لكن ثمّة سؤالاً قد يبدو للوهلة الأولى شخصياً، غير أنه في الواقع قابل للطرح في صلته بمجمل النقاش وبتعيين هذه الـ«نحن» وعلاقتها بهيغل، ألا وهو علاقتكم أنتم بهيغل، وهي علاقة تختلف عن جميع العلاقات التي أشرت إليها، بل إن دافعي أنا شخصياً للمجيء إليكم كان هذا الأمر تحديداً. أولاً، ليس لكم أي كتاب أو ترجمة محدّدة ومستقلة لهيغل أو عنه. صحيح أنكم في بعض الكتابات، مثل «العقل المكتئب» و«رياح غربية» أو خصوصاً الفصل المتعلق بجدل الكل والجزء في «شذرات من الفكر»، قدّمتم إشارات عديدة إلى هيغل. لكن ما يجعلكم هيغلياً، وربما يحوّلكم بتعبيري إلى ممثّل لأحد التيارات الهيغلية الجديدة المعاصرة لدينا، هو الحضور الطاغي للروح الهيغلية أو ضرب من أسلوب التحليل الهيغلي في جميع أعمالكم. ومن ناحية أخرى، صحيح أن ثمّة جذوراً يسارية في أعمالكم وأفكاركم، لكن يبدو أن التقليد الهيغلي الذي نراه في كتاباتكم لم يُستخرج من صلب تقليد الماركسية الإيرانية. ما المعنى الذي يمثّله هيغل بالنسبة لكم، وكيف تنظرون إلى هذه الإحالات المتكرّرة إليه في أعمالكم؟
لقد قلتُ أيضاً إننا إذا دخلنا في النقاش، فسننتهي في النهاية إلى تجربة شخصية أو تجربة حلقية-جماعية. لقد انتقدتُ بالطبع قراءات الملكيّين لهيغل، لكن على أي حال، حتى في تلك التيارات الماركسية، سواء بعد الثورة أو قبلها، نصطدم بنوع من الطفولية أو كاريكاتور مضحك لهيغل، وهو بالطبع لا يختلف ماهيةً عن الكاريكاتورات الأخرى الحاضرة مثلاً في هذه الخطابات الملكية. إن حقيقة أن الكتب الرئيسية نفسها لم تُترجم إلى الفارسية لعقود، وحتى تلك الترجمات لم تُقرأ، هي بذاتها شهادة على ضعف التنظير الفلسفي في إيران، وجزء من اللوم في ذلك يقع على عاتق مختلف أطياف الهيغليين الإيرانيين، وجزء آخر يتعلق بالضعف في الأكاديميا. في اعتقادي، إذا أردنا مقارنة هذه المستويات مع بعضها البعض، فلا يمكننا أن نستخلص من المؤشرات التي ذكرتموها تياراً هيغلياً ما. ليس لدينا أي نص جاد يشتمل على نوع من المواجهة والاشتباك المفهومي مع هيغل. هناك بالطبع أعمال أُنجزت في هذه المجالات، على سبيل المثال ذلك العمل الذي قمتم به أنتم حول فينومينولوجيا الروح، والذي هو في الواقع خطوات أولى لعلها تبني لغةً لترجمة هيغل وحتى شرحه بالفارسية. لذا فأنا لا أعتبر هذه التيارات بمثابة اشتباك فلسفي عميق جداً مع هيغل. نحن فقط أمام بعض المؤشرات والمفاهيم وتأثيراتها المحتملة على بعض البشر، كما في هذه الحالة الخاصة بالنسبة لي شخصياً. أعتقد إذن أنه يجب هنا فصل حضور هيغل عن حضور تيارات الهيغلية، وهذا الأخير بالطبع لا نملكه ليس فقط بخصوص هيغل، بل حتى بخصوص كانط وسبينوزا وسائر المفكرين. لكن في هذا الحد الذي يمكن القول فيه إنه في سياق مواجهة الحداثة والخطابات الغربية، يتعرف الأفراد على وجوه مختلفة، وإلى جانب ذلك قد تنشأ أحياناً موضات مقطعية. أما بخصوص هيغل، فيمكن الادعاء بأن هيغل مؤثر على مستوى أعلى وأعم، وربما لهذا السبب يمكنه، بشكل مستقل عن حضور أعماله، حتى حين لم تكن أعماله مترجمة، أن يكون له حضور غامض في الغالب ومحدد في بعض الأحيان، بواسطة أنواع مختلفة من الخطابات. هذا الحضور، كما أشرتم أنتم أيضاً، يتجلى بالنسبة لي مثلاً في شكل تلميحاتي وإحالاتي إلى هيغل هنا وهناك، أو يظهر في النهاية بوصفه إشكالية شخصية مثل مسألة الكل والجزء التي كانت مهمة جداً بالنسبة لي أيضاً. لقد عالجتُ في البداية هذه المسألة (ديالكتيك الكل والجزء) بواسطة هيغل، ثم اتسع نطاقها كثيراً بعد ذلك وارتبطت بمصطلحات أخرى، ورغم أنني قد أشرتُ إلى هذا النقاش هنا وهناك أو خططتُ خطوطه العامة (مثل تركيب هيغل مع التحليل النفسي اللاكاني)، إلا أنني حتى الآن، في رأيي، لم أستطع المضي به قدماً كمشروع، وأكثر ما قمت به في هذا المجال هو خلق حماسة وتشجيع لأفراد ينبغي عليهم لاحقاً، بتجهيز أنفسهم، أن يواصلوا هذا المشروع.
إذا أردتُ الآن التعبير عن هذا الحضور المبهم لهيغل في أعمالي على المستوى الأكثر عمومية، وربما الأكثر تجريداً إلى حد ما، فيمكنني الحديث عن «الصلة بين الحقيقة والتاريخ» لدى هيغل. في رأيي أن فكرة هيغل الأساسية من جهة ما هي الربط بين هذين المجالين، سواء في قالب نسقه الفلسفي أو في سائر تدخلاته التي تتناول التاريخ مباشرة، وأهمها فكرة فينومينولوجيا الروح التي هي عملياً نوع من تاريخ الوعي، أو على الأقل تاريخ نوع من الوعي الفلسفي الغربي، أو بكلمة واحدة، «تاريخ الحقيقة في الغرب». وعلى هذا الأساس يكتسب هيغل أيضاً بُعداً كونياً. وهنا نشهد مجدداً ذاك النقاش الثنائي الذي يتجلى مثلاً في جدل الكل والجزء. أي من جهة، بلوغ ضرب من التصور التاريخاني للحقيقة، ومن جهة أخرى، التأكيد على الأفق الكلي والضروري للحقيقة الذي ينبغي أن يتجاوز هذه المحدوديات الخاصة للحقيقة أو حتى الذات التي أنتجت الحقيقة. وفي النهاية، أعتقد أن الخطاب الهيغلي يمتلك القابلية لأن ينتشل نفسه من محدوديات المركزية الأوروبية أو حتى النزعة الدولتية والقومية الألمانية. في رأيي أن هيغل هو أول من يُغرق هذين الحقلين المذكورين، أي الحقيقة والتاريخ، أحدهما في الآخر بشكل محايث. صحيح أنه كان لدينا قبله تاريخ الفلسفة، والتاريخ الفلسفي، وفلسفة التاريخ، وضروب مشابهة من التقاطعات بين التأريخ والجوانب المختلفة للفلسفة أو اللاهوت. لكننا لا نرى قبله في أي مكان أن هذين الاثنين يتداخلان بشكل محايث. وهذا التداخل بين التاريخ والفلسفة على هذا النحو هو الذي يُشكّل نوعاً من الفضاء أو الأفق، إذا أردتُ التحدث بأسلوب سارتر الذي قال ذات مرة «الماركسية هي أفق التفكير»، فبمعنى أكثر عمومية وتجريداً، وبواسطة الصلة المحايثة بين الحقيقة والتاريخ، فإن هيغل بالنسبة لي هو أفق التفكير.
ونتيجة لذلك، يمكن البرهنة على أن فلسفة هيغل، من حيث المفهوم والمحتوى والشكل والتأثيرات المتنوعة الواعية وغير الواعية، تشكل الدعامة لتيارين رئيسيين من تيارات الفكر الحديث. أحدهما التيارات الماركسية التي تطرح هيغل في قالب النقد الشامل للمجتمع الرأسمالي، والآخر يمكن ملاحظته في المباحث التي تشكلت حول العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية. في الواقع، يمكن الادعاء بأن شرط إمكان كليّة ما يُطرح اليوم تحت عنوان العلوم الاجتماعية هو بالأساس فلسفة هيغل. من التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة الهويات الإثنية بالقوانين الصورية الدولية، والديمقراطية، والليبرالية... إلخ. في رأيي أن فلسفة هيغل إزاء كل هذه الأمور، أولاً، تُتيح إمكانية النقاش والتحليل، وثانياً، في مواضع كثيرة، تكون نظريات هيغل نفسها، بشكل مضموني، مؤسِّسة أو مؤثرة في هذه الخطابات. وفي هذا السياق، ربما يكون التيار الوحيد الذي يمكن القول إنه يقف بشكل ما خارج هذا الفضاء، أو بتعبير أدق، أضاف إليه إمكانيات، هو التحليل النفسي. في رأيي، من بين جميع العلوم الإنسانية القائمة، التحليل النفسي وحده هو الذي أوجد حقاً إمكانية أخرى للصلة بين التاريخ والحقيقة، وهذه الإمكانية، وإن كانت تاريخياً تعتمد على هيغل، إلا أنها على الأقل الحالة الوحيدة التي أضافت شيئاً إلى هذه البنية ووضعت قدماً خارج هذا الأفق في بعض المواضع، ونتيجة لذلك غيّرت الأفق نفسه أحياناً. وحسناً، الشخص الذي كان يُعتبر في هذا السياق هيغلياً ومنخرطاً في الخطاب اليساري، ومن جهة أخرى ناقداً للخطابات اليسارية السائدة، وسعى أيضاً إلى إدخال التحليل النفسي الفرويدي إلى فضاء الخطاب الماركسي، هو أدورنو.
إن مسألة العلاقة بين الحقيقة والتاريخ هذه هي، في نظري، تحديداً ذلك الصدع المفتاحي في تاريخ الميتافيزيقا الغربية، وبإمكانها أن تصل هيغل بأدورنو. هذا الصدع يظهر نفسه تارةً في هيئة التمييز بين المثال الحقيقي الأفلاطوني و"الدوكسا" التاريخية عديمة القيمة غالباً لدى أفلاطون، وحتى في العالم الحديث يظهر نفسه في صورة ثنائية الجوهرين: الفكر والامتداد. وهذه الثنائية نشهدها بأعلى درجاتها، وربما بأكثر أشكالها راديكالية، لدى كانط نفسه، حيث تبلغ نوعاً من ثنائية العوالم، فتربط العقل العملي بالحقيقة اللامُؤرَّخة للقانون المطلق، وتربط عالم العقل النظري بالزمان بوصفه الصورة القبلية الضرورية لحدس هذا العالم. لكننا لدى هيغل، ومع تغلغل التاريخانية في صميم الجوهر، وبالتالي في صميم الحقيقة، نشهد ربما للمرة الأولى الأساس الميتافيزيقي لهذا الارتباط بطريقة محايثة. والآن، بهذا المعنى تحديداً، أريد أن أقول إن أدورنو يضع يده هنا بالضبط على هذا الارتباط عينه بين التاريخ والحقيقة، وحيثما يتراجع هيغل عن جدليته الخاصة، يبدو أدورنو أكثر هيغلية من هيغل، ويقاوم أي تصلُّب زائف أو طوباوي. ومن المفارقات أن إحدى مشكلاتنا الرئيسية، والعامل في ظهور قراءات غريبة وعجيبة لهيغل، هو هيغل نفسه، الذي قال شيئاً ما عن الملكية في موضع ما، أو اتخذ موقفاً دفاعاً عن الأخلاق البرجوازية في موضع آخر، أو ناقش دفاعاً عن العرق الجرماني، أو سلك سبيل الروح المطلق الإيجابي المحض بشكل ما، أو دفع إتاوات مماثلة في مواضع شتى. إذن، فالجدل السلبي الأدورنوي هو، بتعبير ما، هيغليٌّ مجدداً. سنعود إلى أدورنو لاحقاً، لكن مهمتي هنا هي جرُّكم من جديد إلى هذا السؤال الرئيسي للنقاش: ما هي إذن علاقة هيغل هذا بـ"نحن"؟ أي ما هي علاقة الارتباط بين التاريخ والحقيقة بوضعيتنا؟
في هذه الثنائيات التي أشرتَ إليها والتي يبدو فيها دوماً نوع من التمايز الجوهري غير القابل للإزالة، يتجلى التمايز بين التاريخ والحقيقة، في نهاية المطاف وبالنظر إلى الجذور اليونانية والسكولاستية للنقاش، في التمايز الجوهري بين السماء والأرض. في الواقع، إن الربط الهيغلي بين الحقيقة والتاريخ يعني، بتعبير ما، أن نسمح بنقد السماء كما نسمح بنقد الأرض. وهنا تحديداً يعود جانب آخر من «علاقة هيغل بنا» إلى علاقتنا بالعرفان وانتقادات هيغل الجادة للنزعة العرفانية. لا سيما أن العرفان، بوصفه خطاباً أو تقليداً كان حاضراً هنا دوماً، لم يُقدَّم في رأيي تحليلٌ كافٍ لعلاقته وتأثيراته في تشكُّل هذا الاستبداد الشرقي عينه. نحن هنا أيضاً نواجه نوعاً من الثنائية التي تفضي من جهة إلى نوع من الوضعانية المتطرفة المعادية للفلسفة، وتنزلق من جهة أخرى صوب نوع من العرفان المعادي للعقل. وفي تجربتنا الراهنة أيضاً يمكن أن نلاحظ بوضوح أننا استسلمنا لهذه الثنائية، بل إن جانبيها المتعارضين ظاهرياً يعيشان معاً في نوع من الانسجام الخفي، وانفصالهما الزائف ليس سوى تمثيلية للتصديق المتبادل بينهما. لكن العقلانية النقدية عند هيغل، وبالتحديد عبر نقل مفهوم الحقيقة إلى قالب تعيُّنها المفهومي وتحويلها إلى استدلال مفهومي، هي التي تستطيع ربط مفاهيمها الداخلية بدينامية الأمر السلبي. من الواضح طبعاً أن ما أعنيه ليس إرجاع الحقيقة إلى مجال يُدعى التاريخ، أو النزعة التاريخية التي انبثقت هي الأخرى من العلوم الاجتماعية وهي اختزالية في نهاية المطاف. إذن، فالربط بين التاريخ والحقيقة لا يعني اختزال الحقيقة إلى أمر تاريخي، ولا التضحية بها أمام حتمية خارجية. تقاوم فلسفة هيغل في هذا السياق، وبشدة، فهي من جهة تتابع الحركة الداخلية للمفهوم، ومن جهة أخرى تربط هذه الحركة الداخلية نفسها، وبصورة جوهرية، بحركة التاريخ. هاتان الحركتان متشابكتان معاً بطبيعة الحال. وبتعبير أدق، فإن تجاوز الحدود المصطنعة والتجريدية لفلسفة كانط هو شرط الانخراط النقدي مع التاريخ بكل أبعاده. يمكن طبعاً اعتبار هذا، على حد تعبير جيجك، نوعاً من جعل كانط راديكالياً، أو ربما حتى تجاوزه. في الواقع، إن هيغل، مع وفائه للنظام المفهومي وعدم تقديمه تنازلات لأي شكل من أشكال معاداة العقل (من القراءات العرفانية وصولاً إلى نومينون كانط اللامعروف)، ينخرط مع المحتوى التاريخي. وهنا، أنت محق إلى حد ما في أن انخراط هيغل هذا يكون مصحوباً في بعض المواضع بأحكامه المسبقة ومحدودياته هو أيضاً. لكن بصرف النظر عن أن هيغل قال في موضع ما بشيء دفاعاً عن الملكية أو رفض حق النساء في التصويت، فإن ما لدينا في هيغل هو ذاك الدافع للانخراط مع التاريخ، وهو أهم بكثير من تلك التصريحات الجزئية هنا وهناك. هذا هو العنصر المؤثر الأساسي لدى الهيغليين الشباب، الذي برز لاحقاً عند فيورباخ وحتى ماركس نفسه، وفي رأيي أن تجاوز ماركس لفيورباخ يمكن اعتباره عودة مجددة إلى هيغل. في النهاية، يلزمني أن ألخص النقاش بالقول إن هذا التواشج بين التاريخ والحقيقة ينبغي فهمه في قالب تنمية المفهوم وارتباطاً بالانضباط العقلاني وعلاقات المفاهيم، وهي علاقات ليست بالضرورة علاقات منطقية بمعناها الكلاسيكي، بل إنها تخرج عند هيغل إلى حد كبير عن «منطق الهوية» وتستند إلى نوع من التناقض، مع أنني لا أعتبر التناقض نفسه مبدأً كونياً حاضراً في كل مكان. لكن المسألة، على أية حال، هي أن هذه المفاهيم تتحقق خارج السرد الأسطوري وخارج الفضاء العرفاني المعادي للعقل، أو ما يسميه هيغل في مقدمة فينومينولوجيا الروح، ذاك الليل الأسود الذي تكون فيه كل الأبقار سوداء. وهذا هو ما يصنع الحد القاطع للديالكتيك السلبي ويربط التفكير بنوع من التحرر، وهو تفكير وإن بدا ظاهرياً أنه لا يقترب من هيغل، أو حتى يبتعد عنه في شخصية مثل بنيامين أو أدورنو، إلا أنه يعمل مع ذلك كله داخل الأفق نفسه الذي خلقه هيغل. بالنسبة لي شخصياً، كانت إحدى فوائد هيغل في الفضاء الإيراني هي أنه يمكن بالاستناد إليه جعلُ العقل ديالكتيكياً وانتزاعُ الذات من ثنائية العلموية/التعرفن التي هي أبرز تجاربنا في مواجهة الحداثة. في الواقع، إن النقطة البارزة في العقلانية الهيغلية هي أنها تقف بالضبط في منتصف هذه الثنائية وتنقدهما معاً.
بالنظر إلى هذه المباحث، أميل إلى العودة إلى أدورنو الذي كانوا يقدمونك، على سبيل الدعابة، بصفتك ممثله الحصري في إيران. يمكن أن نبين أن التيار الهيغلي الخاص الذي تمثله قد طُرح بوساطة شخص أدورنو والانتقادات المختلفة الموجهة ضد القراءة الماركسية الكلاسيكية لهيغل. فأدورنو شخصية مثيرة للاهتمام، فهو من جهة مفكر هيغلي للغاية، ومن جهة أخرى يوجه نقداً قوياً لهيغل، وبخاصة للإيجابية والتفاؤل الرومانسي إزاء النقد الهيغلي. طبعاً، ناهيك عن أنه هو نفسه يتناول هيغل بنوع من التشاؤم الرومانسي. على أية حال، قبل مواصلة النقاش، أرغب في أن تحدثنا قليلاً عن كيف اتجهت أصلاً إلى أدورنو، وأن تتحدث ولو باقتضاب عن بعض تجاربك الشخصية في تلك السنوات، لكي يتضح هذا الارتباط نظرياً وعملياً.
حسنًا، إذا أردتُ أن أبدأ فيمكنني العودة إلى زمنٍ توجّهتُ فيه، شأني شأن الكثيرين في الفضاء التنويري، إلى المقاربات اليسارية والماركسية أولًا. ثم قامت الثورة، وكنتُ بالطبع في تيارات الكونفدرالية ذاتها على صلةٍ بأكثرها تقدمًا أي التروتسكيين، الذين كان مستواهم من حيث الإنتاج النظري أعلى بكثيرٍ من التودهئيِّين وسائر التيارات اليسارية. بعد ذلك اقتربتُ من حلقةٍ أخرى كانت، من قبيل المصادفة، على القدر نفسه من البُعد عن التروتسكيين أنفسهم، ومنذ ذلك الحين، وبسبب الظروف السياسية، لم يعد هناك أي نشاطٍ جماعي، واقتصر كل ما كان قائمًا على الأنشطة والدراسات والتنظيرات الفردية. كنا قد بلغنا، على نحوٍ ما، عودةً إلى ماركس وقد تحرر من جميع التيارات الماركسية. لقد زادنا إغلاق الجامعات ونزع التسييس عنّا عزلة. على أية حال، كان أبرز ما في تجربتي الشخصية، وكنتُ أتقاسمه مع صديقي يوسف أباذري، هو أننا كنا نتحرك بفارق بضع سنواتٍ متقدمين على بقية التجارب، ومن حيث الدراسات كان ثمة فجوةٌ دائمةٌ بيننا وبين التيارات اليسارية آنذاك. بعد هزيمة التيارات اليسارية، كان المسار الذي سلكه الكثيرون، بتقدمٍ أو تأخر، هو هذا الذهاب إلى الداخل والتحول الجمالي والفني نحو الباطن. وبينما كان الآخرون جميعًا أسرى الشواغل اليومية وسلكوا هذا المسار نفسه بعد بضع سنوات، كنا نحن الاثنان قد اجتزنا هذه المرحلة قبل غيرنا، ويمكن تسميتها بالعبور من السياسة إلى الشعر. وهنا بالتحديد أصبحت شخصية مثل بودلير جادة بالنسبة لنا، بوصفنا مثقفين منعزلين ومهزومين متسكعين في الشارع، وهو من كان يقيم صلةً بين السأم والمثال الأعلى. أما المصادفة التي تتصل هنا بمناقشتنا فهي أنني لم أكن حتى ذلك الحين على معرفةٍ بمدرسة فرانكفورت وأدورنو. كان يوسف أباذري يدرس الماجستير في علم الاجتماع، وكان له صديقٌ اسمه مسعود يزدي سبق له أن عمل في إنجلترا على أطروحةٍ حول ماركوزه والنظرية النقدية، وبالطبع لم يُتمّها قط. على أية حال، تعرّفنا من خلال هذه العلاقات على مدرسة فرانكفورت، ويمكن القول إن ما أخرجنا من هذه الشعرانية الانطوائية والانفعالية، وكذلك من العرفان التنويري والهروب إلى الداخل، هو، بتعبيرٍ ما، نقد أدورنو للفن. لقد ساعدنا أدورنو على أن نقرأ الشعر من خلال نقده الفلسفي الباطني ذاته بوصفه جزءًا من تجربة انحطاطنا، وأن نتمكن من صياغته مفهوميًا بشكلٍ جدلي، وأن نخرج من رد الفعل العاطفي الأعمى والآهات والأنين. لقد عدنا من جديدٍ، عبر النقود الجمالية والأدبية لمدرسة فرانكفورت، إلى ميدان الفلسفة والسياسة، وبلغنا مجددًا ذلك الأفق الهيغلي نفسه. وعمليًا، كان أساس مشروعٍ مثل فصلية «أرغنون» هو هذا المسعى من جانبنا للمواجهة النظرية مع الوضع والمحيط. وهنا أيضًا، ظل أدورنو ومدرسة فرانكفورت هما من يقدمان لنا موقعًا لإمكانية التفكير النقدي. ومنذ ذلك الحين مضيتُ قدمًا في توسيع قراءة أدورنو لهيغل، وكان من أبرز نتائجها ترجمة كتاب «جدل التنوير» أو ترجمة ونشر مقالات كتاب «ضد المثالية» الذي يُعد من أعمال أدورنو البالغة الصعوبة. لقد ارتبطت هذه المسائل لاحقًا بحقبة النيوليبرالية ودخول ما بعد الحداثة إلى إيران، وفي خضم ذلك كان أدورنو بمثابة صخرةٍ راسخةٍ يمكن، بالاستناد إليها ودون الوقوع في الدوغمائية والارتباط بالتجربة السوفييتية الفاشلة، الصمودُ في وجه هذه التيارات المعادية للعقل، العرفانية أو النسبوية. حتى أننا حاولنا هنا وهناك جرّ فكرة «جدل التنوير» ذاتها إلى الفضاء الإيراني وطرح مباحث حول هذه النسب. وفي هذا الوقت، ومن خلال ترجمة أعمالٍ أخرى تتعلق بمدرسة فرانكفورت مثل هوركهايمر وبنيامين وماركوزه، طُرحنا، كما تقول أنت، بوصفنا فرانكفورتيِّي إيران والممثل الحصري لشركة أدورنو وشركاه. لقد تزامن استمرار هذا المشروع من الناحية التاريخية مع نهاية حقبة الإصلاحات، حيث اتضحت توجهاتنا أكثر في ذلك الزمن، وهو نقاشٌ بالطبع أوسع بكثير من مجال وحود هذا الحوار.
حسنًا، من الأفضل أن نشير في هذا الفضاء إلى جيجك. يبدو أنك من هذه النقطة فصاعدًا، وبخاصة في بداية الحكومة التاسعة وتيار نزع التسييس عن المجتمع، تحركتَ من أدورنو صوب الصلة بالتحليل النفسي اللاكاني المتأخر، وهذه المرة أيضًا اقتربتَ مجددًا من هيغل نفسه، وهي صلة يمكن تتبعها بوضوحٍ في أعمال جيجك. ما الذي جعلك تتجه إلى جيجك؟ على أية حال، لطالما قدّم جيجك نفسه بوصفه هيغليًا-لاكانيًا، وكان في الظاهر أكثر هيغليةً من أدورنو. ما الإمكانات التي أتاحها لك جيجك ولم تكن موجودةً لدى أدورنو؟
نعم، أثناء مضيّي قُدُماً في مشروع جدل التنوير من الداخل، واجهتُ في مراحل معينة فراغات وطرقاً مسدودة كانت، من قبيل الصدفة، متصلة تحديداً بمسألة العلاقة بين التاريخ والحقيقة ومسألة الحقيقة ذاتها. وكان السؤال المطروح هو: هل نحتاج، رغم كل انتقادات أدورنو للدغمائية والكلية والشمولية، إلى نوع من نظرية الحقيقة في نهاية المطاف أم لا؟ في الواقع، ألا تدفعنا فكرة أدورنو التي تقول، على عكس هيغل، إن «الكل زائف» وليس هو الحقيقة، نحو امتناع الحقيقة أو ضياعها بشكل عام؟ يهاجم أدورنو الوضعيين في بعض المواضع لأنهم يفتقرون أصلاً إلى «الكل» ويلجأون إلى المعطيات المجردة والمفردة، لكنه في موضع آخر يهاجم فينومينولوجيا الروح لهيغل لأنه يبدأ بـ«الكل»؟ وبالنظر إلى تعلقنا الخاص بأدورنو، ورغم أننا أضفنا كل الجوانب والتفسيرات المساعدة إلى مشروعنا، إلا أنه في النهاية لم يكن مُرضياً وترك الطريق مفتوحاً أمام نوع من الحتمية الاختزالية التي كان من الممكن تتبعها لدى أدورنو نفسه أحياناً من خلال تركيزه على المكانة التحتية للاقتصاد. باختصار، بدا لي أن مشروع جدل التنوير يصل إلى طريق مسدود، وأننا هنا أمام افتقاد لنوع من نظرية الحقيقة، وسؤال: من أي موقع يمكن للذات أن تعبّر عن الحقيقة؟ وهنا، وفي خضم صراعي مع هذه المسألة، توجّهتُ لفترة نحو الجماعاتيين وحتى القراءة المحافظة لتايلور وماكنتاير لهيغل، وهو ما كان يُعتبر تراجعاً بشكل عام. وفي هذه الفترة بالذات، وكما أشرتَ تماماً، تعرّفتُ على جيجك بمحض الصدفة، والتقيتُ به أيضاً في رحلة إلى إنجلترا. وكانت المسألة هي بالضبط ما طرحتُه في مقدمتي على لسان جيجك، وهو ما كان يشرح مسيرتي الفكرية على الأقل بشكل كامل: إن مشروع جدل التنوير لأدورنو له في الواقع جوابان. أي يمكن تطويره وحل تناقضاته من طريقين. أحدهما هابرماس بالعودة إلى علم الاجتماع وفصل العقل الأداتي عن الأخلاق ولاحقاً عن السياسة؛ والطريق الآخر هو جاك لاكان الذي نشهد من خلاله، بواسطة الساحات الثلاث الرئيسية في نظريته، أي «الأمر الخيالي» و«الأمر الرمزي» و«الأمر الواقعي»، إعادة صياغة للصلة بين التاريخ والحقيقة. في ذلك الوقت قمنا بمشاريع في هذا الشأن، وجعلنا المنطق الحلولي الهيغلي نفسه نعيد قراءة الصلة بين التحليل النفسي والفلسفة، التي كانت تظهر مع الصلة بين هيغل وفرويد لدى أدورنو، من خلال الصلة بين هيغل ولاكان لدى جيجك، وأدركنا في النهاية أن مفكرين بارزين جداً قد اتبعوا هذا الطريق نفسه.
ما قلتَه، والذي قد يبدو ظاهرياً نوعاً من السيرة الذاتية، هو في الواقع، إلى حد ما، سيرة ذاتية للتيار الجمعي للهيغليين اليساريين الجدد في إيران. بالنظر إلى نقدك لثنائية العلموية/التصوف، أود العودة إلى نقاش العقل الهيغلي. أعتقد أن جذور هذا النقاش يجب البحث عنها أيضاً لدى كانط نفسه. فوظيفة نقد ملكة الحكم لدى كانط هي أيضاً مد جسر بين النقدين الأولين. لكن هذا النقاش الجمالي يتخذ شكلاً أكثر كارثية بكثير في مجتمعنا، حيث تسقط الذات العاجزة عن مواجهة ثنائية العرفان/العلم في نوع من الجمالية. من ناحية أخرى، يمكن الإشارة إلى زيف هذه الثنائية. فرغم أن المقاربات العرفانية التي ترتبط بشكل ما بالدين أو بالفضاء الجمالي والحسي والشخصي، والعلموية التي استطاعت في العقدين الأخيرين أن تؤسس لنفسها بنياناً نظرياً بمساعدة حلقة فيينا والفلسفة التحليلية، تبدوان متعارضتين ظاهرياً، إلا أننا نشهد تحالفهما معاً في كرههما للعقل الميتافيزيقي، وتحديداً هيغل، حتى إنه يمكن أحياناً إيجاد طرفي النزاع في شخص واحد. على سبيل المثال، يمكن تقسيم أعمال الدكتور سروش إلى قسمين غير قابلين للجمع. أحدهما الأعمال العرفانية حول مولوي وحافظ وعلم الجمال ومباحث مشابهة، والآخر النظرة البوبرية المرتبطة بالتقاليد التحليلية للقرن العشرين. والمثير للاهتمام هنا أن سروش، مثل بوبر نفسه، أظهر أينما استطاع رد فعل حاداً وجدلياً في بعض الأحيان ضد هيغل والعقل الجدلي الحديث، حتى أنه نُشر له نص في أوائل الثورة بعنوان «المنافقون، بني صدر والفكر الهيغلي». يمكن تتبع نماذج أخرى من التقاليد التحليلية المحلية وصولاً إلى جذورها العرفانية والمعادية للعقل، والتي كانت دائماً، صراحة أو ضمناً، تُعرّف هيغل بأنه عدوها الأعظم.
أما الآن، فالسؤال الذي ينبغي أن نعود إليه هنا هو معنى هذا العقل الهيغلي ذاته وعلاقته بنا. بالنسبة لهيغل، كل شيء عقلي، وجملته الشهيرة في مقدمة «فلسفة الحق»: «كل ما هو واقعي عقلي، وكل ما هو عقلي واقعي»، ترتبط في رأيي بالفكرة ذاتها التي أشرتَ إليها، أي أنه ينبغي نقد السماء كما تُنقد الأرض. لكن من جهة أخرى، نعلم أن فلسفة هيغل غربية (أوكسيدنتالية)، ولهذا السبب عندما نتحدث عن العقل، تبرز مسألة التمييز بين العقل الغربي وعقلنا، ثم يُطرح السؤال: هل يمتلك هيغل قابلية أن يصبح كونياً؟ والأهم من ذلك، هل يمكننا أساساً أن نفهم هيغل بعقلنا نحن؟
أعتقد أن علينا أن نعيد النقاش إلى اللغة. هل تستطيع اللغة الفارسية أساساً أن تستبطن هذا المستوى من التجريد وأن تقوم بمَفهمته؟ صحيح أن اللغة ليست أمراً ثابتاً ومعطىً سلفاً، ويمكن على أية حال إحداث أعمال في صلبها، ولا تنسَ بالطبع أن معظم ما نكتبه نحن هو بالفارسية، لكن ما إذا كان بالإمكان انطلاقاً من صلب هذه اللغة إيجاد إمكانية لاشتباك فلسفي جاد مع هيغل، فهو سؤال ربما ينبغي إحالة جوابه إلى المستقبل. ما نراه الآن، من الناحية السياسية، هو فضاء تحت سيطرة السلطة. إذا ما أمكن إحداث انفراجة والخروج من تحت ضغط هذا الفضاء وسيطرته، ربما أمكن في المستقبل امتلاك لغة يُقرأ فيها هيغل ويُفهم. على أية حال، لدينا في تاريخنا أدوات أيضاً، ودفعنا تكاليف في العصر القاجاري وفي العهدين البهلويين الأول والثاني، تعيدنا مرة أخرى إلى نقاش اختلافنا عن العراق والكويت وحتى مصر. نحن الآن على الأرجح المجتمع الأكثر تقدماً في الشرق الأوسط، وأعتقد أننا إذا ما تخلصنا من هذه الدورة المتكررة من المركزية والتشتت، وإذا ما انتُزع هذا العنصر المانع للحادث الخارجي وحصل انفراج، يمكن تفعيل بعض القوى. لكن في الظروف الحالية المتكررة، التي ربما قدم الخيام أفضل وصف لها: «في چنبر چرخ جان چندین پاکان، میسوزد و خاک میشود دودی کو»، يكون استهلاك الوضع عالياً جداً، ونواجه من الهموم والمسائل الكاذبة ما يجعل الأمل ضئيلاً في استبطان هذه المفاهيم وإيجاد أرضية لغوية لطرحها. نحن، بوساطة تاريخ مكبوت، نكرر في الواقع، مثل العصابيين، أنفسنا وماضينا غير المحلول. لكن هذا يعود بنا إلى التاريخ والسياسة، ففي حال حُلَّ هذا الماضي، هل نمتلك القدرة على انتزاع التفكير من أنفسنا أم لا؟
على أية حال، ارتبط اسمك بنقاش الترجمة، وبشكل خاص بفكرة «الترجمة بوصفها السبيل الوحيد للتفكير»، التي أعرف أنها طُرحت هنا بشكل أكثر حدة وراديكالية مما كنت تقصده، وأثارت نقاشات، وتحولت فكرتك فجأة إلى رافعة لنفي وقمع وسخرية أي تأليف، ومن جهة أخرى، انشغل منتقدوك، بدلاً من نقدك، بنقد هذا الفهم المحرَّف، وتشكلت حوله قصص لا أريد الخوض فيها الآن. لكن للتلخيص، أود أن أعيد النقاش إلى اللغة الفارسية وترجمة أعمال هيغل إليها. على أية حال، كما تعلم، بعد سنوات من غياب أو ندرة ترجمة أعمال هيغل، نشهد فجأة في السنوات الأخيرة قيام أشخاص، دون أن يكون لديهم سابقة في إنتاج نصوص بالفارسية، بالبدء بترجمة، أو بتعبير أدق، بتدمير أعظم أعمال هيغل. وفي غضون ذلك، لم يتمكن مترجمون مخضرمون مثل باقر برهام، رغم كل ما بذلوه من دقة وطرافة، من إخراج الترجمة بشكل صحيح، ويمكن الادعاء بجرأة أن «فينومينولوجيا الروح» لم تجد بعد ترجمة تليق بها بالفارسية. طبعاً، بصرف النظر عن ترجمة حسن مرتضوي لـ«منطق الموسوعة» التي أعتقد أنها كانت خطوة إلى الأمام، لماذا يستحق هيغل في رأيك هذا العقاب؟ والسؤال التالي: ألا تقودنا هذه الأحداث في النهاية إلى نتيجة مفادها أن نضرب صفحاً عن الترجمة إلى الفارسية وندفع الطلاب نحو دراسة النصوص بلغتها الأصلية، وبشكل عام نحو التدريس باللغة الأصلية؟
إن مسألة الترجمة بالغة التعقيد ومتشعبة، والحل الذي أراه، وهو ما أشرتم إليه أنتم أيضاً وكنت قد ذكرته سابقاً، هو أن تصبح لغة واحدة، كالإنجليزية، هي اللغة الأساسية لتخصص الفلسفة في مرحلة ما بعد الليسانس. فإن تعلم أحدهم الألمانية إلى جانبها فذلك أفضل بالطبع. وفيما يخص هيغل، فأنا شخصياً أشك في جدوى مثل هذه الترجمات، لكن لا تنسوا أن كتاب نقد العقل المحض لكانط نفسه قد ضاع، بتعبير ما، في إيران، ونحن في الواقع لا نملك ترجمة لنقد العقل المحض لكانط. أما الترجمات الأخرى فنادراً ما تكون مقبولة ومفيدة، وبشكل عشوائي جداً، كترجمة كتاب الأخلاق لسبينوزا. لذا، فأنا أفهم هدف هذه الموجة الجديدة من الترجمة التي راجت الآن بين الشباب بوصفها فعلَ الترجمة ذاته، ونقدها هو أقرب إلى باثولوجيا مقاربة الشباب، وغالبيتهم دون سن الخامسة والعشرين، ممن دخلوا حديثاً إلى فضاء التنوير. هذه الترجمات هي في الغالب تجربة لقراءة النص قد عمت وانتشرت. وفيما يتعلق بهيغل تحديداً، يمكنني أن أعزو الأمر إلى نوع من الصدفة، وبالطبع فإن مكانة هيغل الخاصة تجعله بدوره طُعماً للمطامح. لكني في النهاية لا أجد سبباً جوهرياً وباطنياً في هيغل نفسه يربطه بالمصير المأساوي لنسخه الفارسية.
على أية حال، وبالنظر إلى كثرة الأسئلة المطروحة وضيق المجال لمواصلة النقاش، ومع تأكيدي على أملي في أن تتاح لنا فرصة، تحت أي ذريعة كانت، لمواصلة هذا الحوار لاحقاً، إلا أنني أود في الختام أن أشير إلى تناقض أراه يبدو في كلامكم. فأنتم من جهة تدّعون أنه لا سبيل في النهاية سوى المضي قدماً والاستمرار، وعلينا أن نعمل ونبذل الجهد في خضم هذا الوضع المشوش وهذه اللغة القاصرة، وحتى لفهم هيغل ينبغي لنا أن نصوغ مفاهيم هيغل الحديثة في لغتنا، لكنكم من جهة أخرى تقترحون، نظراً لكثرة الترجمات الرديئة (رديئة بمعنى الترجمات المغلوطة كترجمة زيبا جبلي، وبمعنى نوع من التقديس الخيالي للغة الفارسية النقية التي تقترب في النهاية من لغة خاصة، كالترجمة الفارسية لنقد كانط الأول)، أن نتجه في الجامعة نحو دراسة النصوص باللغة الإنجليزية أو بلغتها الأصلية، وأن تُقرأ نصوص الفلسفة الكبرى كالكينونة والزمان أو فينومينولوجيا الروح بلغتها الأصلية. ألا ترون أننا في النهاية سنعيش باللغة الفارسية؟ أليس علينا أن نفكر بالفارسية؟ ألا يدفعنا التزامنا الاجتماعي-السياسي ومُثُلنا العينية إلى إنزال الفلسفة إلى الشارع، وإيصال المفاهيم إلى صميم حياة الناس؟ ألا ترون أن اقتراح دراسة الفلسفة وتدريسها باللغة الأصلية هو، بشكل ما، محو للمسألة وهروب من مواجهة التوترات والنواقص الكامنة داخل اللغة الفارسية؟
يعود جزء من النقاش بالطبع إلى فضاء الأكاديميا. إذا أردت أن أستخدم تعابير هيغل، فعلى الرغم من كل التوترات والاضطرابات، ينبغي للذات هنا أن تنخرط في مواجهة وضعها وحتى سوء فهمها. لا يمكن القول إنه لا توجد أية حركة. إن مجرد انشغالي وانشغالكم هنا بالحديث عن هيغل هو بحد ذاته دليل على وجود حركة وجهد. لكن اقتراحي كان منصباً أكثر على ذلك الجزء الذي يمكن التخطيط له بوعي، وهو قابل للحساب بعض الشيء وتنطوي عليه نوع من البيروقراطية، أعني الأكاديميا. فإلى أن تتوفر ترجمة قابلة للاستخدام للنصوص الأصلية، أرى أن التدريس والدراسة والمراسلة باللغة الإنجليزية في الأكاديميا هو سبيل لكسر هذه العزلة. لكن لا ينبغي أن ننسى أن عملية الترجمة بحد ذاتها تتجاوز الأكاديميا بكثير، ولم يكن قصدي بأي حال كبحها أو تقييدها. من الواضح أننا نحن أنفسنا، خارج الأكاديميا، منهمكون في الترجمة ومكابدة اللغة الفارسية وصياغة المفاهيم ووضع المصطلحات. صحيح أن هناك آفات ونماذج عجيبة وغريبة كزيبا جبلي أو شباب في العشرين من العمر يشتغلون بالترجمة دون امتلاك المعرفة اللازمة أو حتى إجادة اللغة، منصاعين بذلك للتأرجح بين التسرع والتخلف السائد في فضائنا التنويري، لكننا في الوقت نفسه ندافع عن الاستمرار في هذا الطريق بشكل متواصل. وإن لم نتبنَّ فهماً قومياً ممتزجاً بأساطير إيران القديمة والعِرقية، فيمكنني حتى أن أدعي أن الوضع هنا يختلف عن المجتمعات الأخرى في المنطقة، ويكمن اختلافه في أنه على الرغم من كل الآفات، لا يزال هناك على الأقل فضاء نجلس فيه أنا وأنتم ونتحدث عن «نسبتنا مع هيغل» وإشكاليات مماثلة.
في النهاية، أعتقد أنه يمكن تلخيص النقاش على النحو التالي: على الرغم من كل هذه المشاكل، وعلى الرغم من وجود تلك "النحن" المتعددة والمبعثرة والمتآكلة، والتآكل والاستهلاك الذاتي لوضعنا، إلا أن كل هذا جزء من حركة توعية الذات لعملية حداثة هذه "النحن"، وهو ما يميزها عن الحداثة المصطنعة في "دبي" بكل بهارجها ومعارضها ومهرجاناتها. أعتقد أن هناك "شيئاً ما" في حالتنا، وإن كان لا ينبغي لنا أن نجعله جوهراً أو نختلق له تاريخاً. في هذه اللحظة الراهنة، وعلى الرغم من كل عمليات التدمير الذاتي القائمة، فإننا نواجه نوعاً من "المجتمع" لديه مشاكل حديثة في بعض الأحيان، بل وربما يمكن القول إنه لا يختلف جوهرياً عن العديد من المجتمعات الحديثة، وهو جزء من هذا التاريخ الممتد لأربعمئة عام بعد عصر النهضة. لكن إلى أي مدى سيمضي هذا النقاش هنا وما الذي سيخرج منه، فهذا يعود إلينا جزئياً، إلى سلوكنا القائم على الفعل ومساعينا الخاصة. ربما أكون، كما تقولون، قد اتخذت مواقف أكثر تشاؤماً في مواضع أخرى، وهو ما يعود إلى حد كبير إلى تجربتي التاريخية أنا وهذا التيار، لكن هذا التيار نفسه أكبر مني ومنكم ومن البقية، وهو يواصل حركته في الوقت الحالي.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.