اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عبارة «فِرّوا إلى الله مِنَ الله» في نهج البلاغة تنطوي على مفارقة. ذهب الشرّاح إلى أنها تعني الفرار من غضب الله إلى رحمته، لكن محمد تقي جعفري يطرح احتمالاً بديعاً: الفرار من الغموض المعرفي عن الله إلى الله نفسه.

«فِرّوا اِلی الله مِنَ الله»: اهربوا من الله إلى الله (نهج البلاغة، جزء من الخطبة ٢٤). «الهروب إلى الله» معنى مألوف. ففي المنظور التوحيدي، الملاذ الحقيقي الوحيد في الوجود إزاء المصاعب هو الله، والتوصية بالهروب إلى الله تأتي من هذا المنطلق.
لكن التوصية بـ«الهروب من الله» وفي الوقت نفسه التوصية بـ«الهروب إلى الله» تبدو غريبة بل «متناقضة» (مفارقة). فإذا هربنا من شخص فمن الطبيعي ألا نهرب إلى ذاته، وذلك تحديداً لأننا في حالة هروب منه. إذن فالتوصية بـ«الهروب من الله» وفي الوقت نفسه التوصية بـ«الهروب إلى الله» تبدو، على الأقل للوهلة الأولى، غريبة بل «متناقضة». في هذا المقال، أتأمل في هذه «المفارقة» (البارادوكس) وسأقدم سرداً موجزاً لأنماط الحلول لرفع هذه المفارقة.
التوصية بـ«الهروب إلى الله» لها بالطبع جذر قرآني: «فَفِرُّوا إِلَى الله» فاهربوا إلى الله (الذاريات: جزء من ٥١). علاوة على ذلك، فإن تعبير «الالتجاء من الله إلى الله» ورد في القرآن أيضاً: «لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّـهِ إِلَّا إِلَيْهِ» (التوبة: جزء من ١١٨) لا ملجأ من الله إلا إليه. «الالتجاء من الله إلى الله» ورد أيضاً في دعاء السجدة المنسوب إلى النبي، لكن في قالب وصفي لا توصية: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» أعوذ بك منك (سأعود إلى هذا الدعاء لاحقاً). «الهروب من الله إلى الله» ورد أيضاً في دعاء أبي حمزة الثمالي، المنسوب إلى علي بن الحسين: «انا هارِبٌ مِنکَ الیکَ» أنا هارب منك إليك.
بالنظر إلى الخلفية القرآنية-الدعائية للفقرة العلوية، يمكن حل غرابة أو مفارقة «الهروب من الله في عين الهروب إلى الله» على هذا النحو: هذه الفقرة من نهج البلاغة تسعى إلى بيان ـــ المتناقض ظاهرياً ـــ أن «لا ملاذ ولا مهرب إلا الله في أي حال». وبتعبير سعدي: «بعد از تو ملاذ و ملجائی نیست / هم در تو گریزم ار گریزم» (كلستان، الباب الخامس في العشق والشباب).
في دعاء كميل، المنسوب إلى علي بن أبي طالب، وردت هذه النقطة بهذه الصيغة: «لا یُمکِنُ الفِرار مِن حُکومتِک» لا يمكن الفرار من حكومتك. وهذا المضمون نفسه ورد في الدعاء الخمسين من الصحيفة السجادية، المنسوب إلى علي بن الحسين، بهذه الصيغة ـــ وبتعبير غريب بالطبع ـــ: «وَلَوْ أَنَّ أَحَداً اسْتَطاعَ الْهَرَبَ مِنْ رَبِّهِ لَكُنْتُ أَنَا أَحَقُّ بِالهَرَبِ» لو أن أحداً استطاع الهرب من ربه لكنت أنا أحق بالهرب» (الإضافة بين المعقوفتين منا).
يمكن التعبير عن هذه النقطة بتمثيل على هذا النحو: تصوروا أماً أو أباً بلغ بهما الضيق من طفلهما حداً قد يدفعهما إلى معاقبته. الطفل من جهة هارب من العقاب، ومن جهة أخرى يعلم أنه لا مهرب من حكومة الوالدين. لذلك يلتجئ الطفل، هرباً من العقاب، إلى الوالدين أنفسهم ويعتذر إليهما. بهذه الطريقة، يهرب الطفل من يدي الوالدين إلى أحضانهما.
لنعد إلى الفقرة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب في نهج البلاغة: «فِرّوا اِلی الله مِنَ الله» اهربوا من الله إلى الله. لا يزال السؤال مفتوحاً: إذا لم يكن ثمة ملاذ سوى الله، فلماذا أوصي بـ«الهروب من الله»؟ والسؤال الأكثر جوهرية هو: هل ثمة توصية أصلاً في هذه الفقرة بـ«الهروب من الله»، أم أن الفقرة تريد فقط أن تقول إذا هربتم من الله فاهربوا إلى ذاته، وليس أن تهربوا من الله. للإجابة عن هذه الأسئلة نحتاج إلى مراجعة شروح نهج البلاغة.
هذه العبارة لم تثر تأمل بعض شرّاح نهج البلاغة، كمحمد عبده، حتى إنه لم يتطرق لشرح هذه الفقرة من الخطبة إطلاقاً (شرح نهج البلاغه، محمد عبده، بيروت: دار المعرفه، [د.ت]، المجلد الأول، ص ٦٣). كما أن بعض الشرّاح اكتفوا بشرحها في جملة واحدة. فمثلاً، اعتبر ابن أبي الحديد هذه العبارة بمعنى الفرار من عذاب الله إلى رحمته، ولم يناقشها أكثر من ذلك (شرح نهج البلاغه، ابن أبي الحديد، تحقيق محمد إبراهيم، بغداد: دار الكتب العربي، ٢٠٠٧، المجلد الأول، ص ٢١٠).
كما اعتبر حبيب الله الخوئي هذه العبارة بمعنى الفرار من غضب الله إلى رحمته، ولم يقدم توضيحاً إضافياً (منهاج البَراعه فی شرح نهج البلاغه، ميرزا حبيب الله هاشمي خوئي، طهران: المكتبه الاسلاميه، المجلد الثالث، ص ٣٤٥). واكتفى فيض الإسلام في شرحه الفارسي بالقدر نفسه: «فروا من الله إلى الله، من غضبه إلى كنف رحمته، ومن عذابه إلى كنف غفرانه، ومن عدله إلى كنف فضله» (ترجمه و شرح نهج البلاغه، سيد علي نقي فيض الإسلام، طهران: [د.ن.]، ١٣٦٥ قمري، ص ٨٨).
أما محمد تقي جعفري، فرغم تناوله هذه العبارة، كالعديد من الشروح الأخرى، بشكل موجز وعابر، إلا أن ثمة نكتة بديعة في شرحه. يورد جعفري احتمالين لـ«الفرار من الله». الاحتمال الأول هو نفسه ما ورد في شروح أخرى كثيرة: لوذوا بعفو الله ورحمته من ذنوبكم. أما الاحتمال الثاني الذي يورده لـ«من الله»، فينطوي على نكتة بديعة: إذا كان لديكم غموض بشأن الإرادة الإلهية، فلوذوا بالله نفسه لإزالة هذا الغموض: «كل ما يتعلق بمشيئة الله وإرادته، وكنتم في غموض [...] بشأنه، فلوذوا بالله لحل [...] هذا الغموض» (شرح نهج البلاغه، محمد تقي جعفري، طهران: مؤسسه تدوين ونشر آثار علامه جعفري، ١٣٨٨، ج. ٥، ص ٩٢).
النكتة البديعية هنا هي أن المفسرين عادةً ما يفسرون «من الله» إما تفسيراً موضوعياً (كأن يعيدوها إلى الصفات أو الأفعال الإلهية، وهو تفسير سأتحدث عنه أكثر لاحقاً)، وإذا فسروها تفسيراً ذهنياً (داخلياً) فإنهم يعيدونها إلى ذنوب الفرد (أي الساحة غير المعرفية للفرد) وليس إلى ساحته المعرفية. أما جعفري، فإلى جانب هذه الاحتمالات، يطرح بشكل عابر احتمال أن «الفرار من الله» يمكن أن يُفهم بمعنى الغموض المعرفي بشأن الله.
يُطلق على الغموض المعرفي بشأن الله اليوم في أدبيات فلسفة الدين «كسوف الله» (eclipse of God) أو «غياب الله» (divine absence) أو «اختفاء الله» (divine hiddenness). من وجهة نظر بعض الفلاسفة، وأشهرهم فيلسوف كندي يدعى جون شلنبرغ (مواليد ١٩٥٩ ميلادية)، فإن الغموض بشأن الله واسع وعميق وعصي على الحل لدرجة أنه من الأكثر معقولية القول بعدم وجود إله. لكن العبارة العلوية، وفقاً لتفسير جعفري، تقول إنه إذا كان لديك غموض بشأن الله، فلا تترك الإيمان بالله فحسب، بل ارجع إليه هو ليُزال غموضك. ووفقاً لهذا التفسير، تقول العبارة العلوية إن الغموض المعرفي بشأن الله ليس دليلاً على ترك الإيمان بالله، بل هو دافع للتوجه نحو الله نفسه بشكل أكبر.
هذا التفسير للعبارة العلوية ينسجم مع فقرات من دعاء أبي حمزة: «بِكَ عَرَفْتُكَ وَ أَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَ دَعَوْتَنِي إِلَيْكَ وَ لَوْ لاَ أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ». بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولاك لما دريت ما أنت. ومع ذلك، لا يشرح جعفري هذا الفهم البديع ولا يجيب عن غموضه المحتمل. أحد أوجه الغموض هو أن تفسير جعفري للعبارة العلوية يحمل دلالة أن هذه العبارة لم تعد توصي بالفرار من الله، أي أنها لا تقول اذهب وكن في غموض بشأن الله، بل تقول إذا ما أصابك فرار من الله نتيجة غموض معرفي، ففر إلى الله نفسه.
من بين الشروح القديمة والحديثة العديدة لنهج البلاغة التي بحثت فيها، آملاً في العثور على شرح كاشف لهذه الفقرة من نهج البلاغة، كان أحد الشروح الفلسفية-العرفانية الشيعية المتقدمة هو ما فتح لي الطريق: شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني (المتوفى سنة 679 هـ). وقد نُقلت حكاية طريفة عن شخصية هذا الفقيه والمتكلم الشيعي المتقدم. يُقال إن علاقة تلمذة متبادلة كانت قائمة بينه وبين الخواجه نصير الدين الطوسي، إذ يبدو أن ابن ميثم كان أستاذ الفقه للخواجه، وكان يتعلم في الوقت نفسه علم الكلام منه.
يأخذ ابن ميثم هذه الفقرة العلوية على محمل الجد، ويكتب لها شرحاً عرفانياً-فلسفياً مفصلاً نسبياً وجديراً بالتأمل. يرى ابن ميثم أن «الفرار من الله إلى الله» هو السير إلى الله في ثلاث مراحل، كل مرحلة منها أرفع من سابقتها. المرحلة الأولى هي مرحلة السير الأفعال. في هذه المرحلة، ينظر السالك إلى الأفعال الإلهية، فيهرب من بعض أفعال الله ويلتجئ إلى بعضها الآخر. فهو مثلاً يهرب من الغضب الإلهي ويلتجئ إلى الرحمة الإلهية الواسعة. في هذه المرحلة، يبدو أن السالك لا يرى شيئاً سوى الأفعال الإلهية، ولذلك فهو يلتجئ من فعل إلى فعل آخر.
في المرحلة الثانية، يرتقي السالك فوق الأفعال الإلهية ويتوجه إلى منبع هذه الأفعال، أي الصفات الإلهية. وفي هذه المرحلة أيضاً، يهرب السالك من بعض الصفات الإلهية ويلتجئ إلى بعضها الآخر. فهو مثلاً يلتجئ من صفة السخط الإلهي إلى صفة الرضا الإلهي. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الفرار من الصفات والهروب إلى الذات الإلهية. ويرى ابن ميثم أن الدعاء المنسوب إلى النبي في السجدة يجمع كل مراحل السير إلى الله الثلاث.
ذكر الدعاء النبوي في السجدة كاملاً مع توضيح خريطة الفرار في كل مرحلة هو على هذا النحو: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ [فرار صفاتي] وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ [فرار أفعال] وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ [فرار في الذات]» اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك [فرار صفاتي]، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك [فرار أفعال]. أعوذ بك منك. لا أحصي ثناءً عليك. أنت كما أثنيت على نفسك [فرار في الذات].
في مرحلة الفرار في الذات، يعبر السالك عن عجزه عن إدراك الحق بهذه الصورة: لا طاقة لي على الثناء عليك، والثناء عليك هو من فعلك أنت أيضاً (شرح نهج البلاغه، كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، قم: دار الحبيب، 1430 هـ. ق.، المجلد الثاني، صص. 8-207).
بناءً على هذا التفسير، فإن الفقرة العلوية «فِرُّوا مِنَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ» توصي حقاً بالفرار من الله، بمعنى أنها تطلب من السالك أن يرتقي خطوة فخطوة من اللاهوت الإيجابي (لاهوت التشبيه) ليصل إلى اللاهوت السلبي (لاهوت التنزيه)؛ إلى مقام، بتعبير مولوي، ينبت فيه الكلام بلا حرف: «يا إلهي، أَرِ الروحَ ذاك المقام / حيث ينبت فيه الكلام بلا كلام» (المثنوي، الدفتر الأول، البيت 3105).
إن التلقي السلبي لكلام الإمام علي في التوصية بالفرار من الله إلى الله، يذكرنا بقول مايستر إيكهارت (1260-1327 ميلادية) الحكيم والعارف الألماني، حيث يقول: «أسمى درجات التجرد أن يترك المرء اللهَ، من أجل الله».
(Meister Eckhart, Complete Mystical Works of Meister Eckhart, ed. Bernar McGinn, trans. M. O’C Walshe, New York: Crossroad, 2009, p. 296) .
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
این فراز به تنهایی بشر اشاره دارد... کسی را نداریم که بخواهیم از خدا به سویش پناه بریم... ناگزیر باید به خودش پناه بریم. مانند طفلی در منزل ... که ناگزیر از پدرمادرش به پدرمادرش پناه می برد!