اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يواجه التنوير الديني التزامات ثلاثة: البحث عن الحقيقة، والديمقراطية، والحفاظ على التدين، وهي التزامات قد تتعارض أحياناً. ومن منظور ما وراء التنوير، يصوغ المقال التعارضات الباطنية لهذه الالتزامات وينقد حلول التوفيق بين القيم.

هذا المقال هو الجزء الأول من ثنائية. بدأ البحث وكتابة هذين المقالين قبل حوالي ست سنوات، ونُشرت النسخة الإلكترونية من الجزء الأول قبل حوالي خمس سنوات ونصف، بتاريخ ۱۲ شهریورماه ۱۳۹۰ في الفضاء الافتراضي. وبعد حوالي شهر، نُشر الجزء الثاني بعنوان «رهاییبخشیِ روشنفکری دینی».
السعي لتغيير أي نسق أخلاقي وأي نظام حقوقي دون تحوّل في الدين، ليس سوى حماقة حداثية – [أي] القيام بثورة دون أن يكون قد سبقها إصلاح [ديني]؛ [أي تبنّي] هذا الظن بأن بنية سياسية لا تتوافق مع الدين القديم يمكنها أن تعيش في سلام ووئام مع ذلك الدين نفسه ومقدساته؛ و[تبنّي] هذا [الظن] بأن إرساء القوانين واستقرارها يمكن تأمينه بضمانات خارجية.
فريدريش هيغل[3]
مقدمة
السؤال الذي يدفع هذا المقال هو كيف يمكن إحداث توازن بين قيم وأهداف التنوير الديني في حال تعارضها مع بعضها البعض.[4] إن البحث في «أخلاقيات» التنوير الديني هو بحث من سنخ مباحث «الميتا» (meta) وموضوعه هو شغل التنوير الديني. ومن هنا، يمكن تسمية المجال العام لهذا البحث بـ «ميتا-التنوير الديني». وعليه، فإن هذا المقال لا يتناول مباشرة الموضوعات والمباحث التي يطرحها عادةً المتنورون دينياً، بل ومن منظور خارجي (من حيث نطاق الموضوعات المطروحة) ومع الالتفات إلى وجه خاص من شغل التنوير الديني، يقوم بصياغة وتحليل تعارض ناشئ عن الالتزامات الثلاثة للتنوير الديني. الالتزامان الأولان هما الالتزام بالبحث عن الحقيقة وتحرّي الحقيقة من جهة، ومن جهة أخرى التزام سياسي. هذا الالتزام السياسي يتمثل في تمهيد الطريق للديمقراطية وقبول حقوق الإنسان في مجتمع معين يمر بحالة انتقالية. هذان الالتزامان هما الفصل المشترك بين برنامج التنوير الديني وبرنامج التنوير العلماني. أما الفصل المفارق بين هذين البرنامجين التنويريين فهو الالتزام الثالث للتنوير الديني: التنوير الديني مقيد بهذا المعيار الأدنى القائل بأن إحدى نتائج برنامج التنوير الديني يجب ألا تكون تدهوراً كيفياً و/أو كمياً للتدين في المجتمع المستهدف (إن لم يكن ملتزماً بالمعيار الأقصى القائل بأن إحدى نتائجه يجب أن تكون حتماً الارتقاء الكمي والكيفي للتدين في ذلك المجتمع).
إن نوعي التعارض اللذين هما موضوع بحث هذا المقال ليسا، من جهة، تعارض برنامج التنوير الديني مع معايير أو أمور خارجة عن هذا البرنامج من جهة أخرى. خصوصية هذين النوعين من التعارض هي أنهما داخليان، أي أنهما يبرزان تحديداً حينما نفترض الالتزام بهذا المعيار الأدنى إلى جانب ذينك القسمين من الالتزامات المعرّفة والمقوّمة للتنوير الديني، كمرشد لفعل المتنورين دينياً في آن واحد. القسمان الأولان من التزامات التنوير الديني يستلزمان أفعالاً تتعارض أحياناً فيما بينها، أو تتنافر مع الالتزام بذلك المعيار. ما أعنيه بـ «أخلاقيات التنوير الديني» هو مستوى من المباحث، على النحو الذي مرّ، يتعلق من جملة ما يتعلق بموازنة وتراجيح قيم وأهداف التنوير الديني عند تعارضها مع بعضها البعض.
هنا ينبغي أن نضيف أن جميع البرامج الفكرية-السياسية، حتى تلك التي قُدِّمت في قالب فلسفات نسقية، هي برامج ناقصة وتنطوي على تعارضات داخلية. هذه الملاحظة، إلى جانب أدلة أخرى، أقنعت بعض الفلاسفة السياسيين، مثل إزايا برلين والعقلانيين النقاد، بأن المطلوبات والقيم الإنسانية لا يمكن أساساً جمعها معاً داخل نمط معيشي معين و/أو داخل نسق فكري معين دون تناقض داخلي.[5] وبالتالي، فإن إظهار التناقضات الداخلية لبرنامج فكري-سياسي، مثل التنوير الديني، ليس قدحاً في ذلك البرنامج في حد ذاته. ولكن بسبب وجود هذه التناقضات التي لا مناص منها أو التي يمكن تجنبها، لا يمكن لأي برنامج فكري-سياسي أن يأمل في استمراريته ما لم يفكر في سبل لموازنة قيمه وأهدافه وترجيحها، وما لم يكن قلقاً على الدوام إزاء رفع هذه التعارضات. ومن منظور آخر، فإن سر استمرارية أي برنامج فكري أو فكري-سياسي وارتقائه ليس سوى الحل الناجح لهذه التعارضات المتجددة. إن التفكير في هذه التعارضات وموازنة وترجيح القيم والأهداف التي تحرك برنامج التنوير الديني يستلزم الارتقاء بمستوى النقاش المعرفي. بعبارة أخرى، إن طبيعة هذا النقاش من الناحية المعرفية هي درجة أعلى من طبيعة النقاشات الرائجة في التنوير الديني؛ أي إنها تستلزم الابتعاد عن مستوى نقاشات التنوير الديني والقيام بتأمل ارتدادي من منظور من الدرجة الثانية في منطق هذا البرنامج الفكري-السياسي. ومن هنا، ينبغي متابعة هذا النقاش في مجال «ميتا-التنوير الديني».
لتوضيح هذا النقاش، أحدد في الجزء الأول من هذه المقالة ما أعنيه بالتنوير الديني. وفي الجزء الثاني من المقالة، أصوغ نوعين من النزاع الداخلي في برنامج التنوير الديني. وفي الجزء الثالث من المقالة، سأحاول أولاً أن أبين أن الحلول التي طُرحت حتى الآن لحل هذا التعارض تفتقر إلى الكفاية اللازمة، أي أنها إما تؤدي إلى انتفاء برنامج التنوير الديني وتمحو صورة المسألة بدلاً من حلها، أو تنتهي إلى إيراد مواعظ أخلاقية أو تعليمية (pedagogic) وتقف عاجزة عملياً عن تقديم طريق أو معيار لحل هذا التعارض، أو أنها تحيل إلى شبه معايير تجعل التعارض غامضاً بدلاً من إيضاحه وحله، وبالتالي تعجز عن التفكير فيه. ثانياً، أطرح اقتراحين لمزيد من التأمل في شأن موازنة أخلاق التنوير الديني وترجيحها.
۱. ماهية التنوير الديني:
من منظور بعدي وبنظرة اجتماعية-تاريخية، التنوير الديني هو اسم لبرنامج فكري له أهداف سياسية على نحو واعٍ بذاته.[6] هذا البرنامج ليس برنامجاً أكاديمياً محضاً، أي ليس فلسفياً أو علمياً أو دينياً معرفياً مثلاً، كما أنه ليس برنامجاً دفاعياً أو ترويجياً أو تبليغياً. وليس برنامجاً بالمعنى المتعارف عليه في الحوزات العلمية أو في الدراسات الدينية. هذا البرنامج هو مشروع فكري-سياسي يَعِد ويسعى، من خلال النقد المتزامن والمتبادل للحداثة والتقليد (خصوصاً التقليد الديني)، وبالاستفادة من كليهما (تارة كمصدر لنقد الآخر وتارة كمصادر معرفية يُعتد بها)، إلى متابعة أهداف في مجتمع معين يمر بمرحلة انتقالية. هذه الأهداف سياسية بالمعنى الخاص للكلمة، من قبيل بسط القيم الديمقراطية و/أو تقييد الاستبداد و/أو قطع دابر الاستعمار و/أو فتح القدرة على قبول حقوق الإنسان، وغير ذلك من الأهداف المشابهة. لا ينبغي هنا اختزال «الأهداف السياسية» إلى أكثر معانيها سطحية. فليس المقصود أن هؤلاء يسعون إلى عمل سياسي أو إلى شغل مقاعد السلطة في البنية السياسية الرسمية والمتعارف عليها. بل المقصود بكون هذا البرنامج سياسياً هو أنه يتوجه إلى أهداف ترتبط بمجال السياسة، مثل زيادة القدرات الديمقراطية لقبول معايير حقوق الإنسان في المناسبات الاجتماعية والسياسية. هذه الأهداف السياسية نفسها تستند إلى قيم أخلاقية وتستمد منها روحها ومادتها.[7]
إنَّ متابعة هذه الأهداف هي ما يفصل التنوير الديني عن انشغال التقليديين المنتقدين للحداثة (مثل مصباح يزدي)، وعن رجال الدين المجددين المنتقدين لبعض التقاليد الدينية (مثل مطهري)، وكذلك عن التقليديين (traditionalists) المنتقدين للحداثة (مثل سيد حسين نصر). فالتقليديون ورجال الدين المجددون والتقليديون (traditionalists)، لكي يجدوا هويتهم الخاصة، لا يحتاج أي منهم، ليس فقط إلى متابعة أهداف سياسية مماثلة لأهداف التنويريين الدينيين، بل إن بعضهم يعارض من الأساس مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الداعمة لهما (مثل مصباح يزدي).[8]
ولكن من ناحية أخرى، فإن حصيلة مشروع التنويري الديني ينبغي ألا تؤدي إلى انحطاط كيفي و/أو كمي في التدين لدى المتدينين في المجتمع المستهدف. وهذا هو الوجه الفارق بين التنوير الديني والتنوير العلماني. في زماننا، يمثل التنوير العلماني أشخاص مثل آرامش دوستدار ومحمد رضا نيكفر. فالتنوير العلماني، إن لم يكن راغباً في الانحطاط الكيفي و/أو الكمي للتدين ودوره في المجتمع المستهدف (وهو كذلك في أغلب الحالات)، فهو على الأقل ونادراً ما يكون غير مبالٍ به.
وهذا الوجه الفارق نفسه بين التنويريين الدينيين والتنويريين العلمانيين هو بالضبط القاسم المشترك بين التنويريين الدينيين والتقليديين أيضاً. أي أن التنويريين الدينيين، مثل رجال الدين التقليديين، يأخذون على محمل الجد همَّ المعنى والخير والسعادة والخلاص من خلال التدين، ولا يمكنهم أن يكونوا غير مبالين به.
إن استراتيجية التنوير الديني لبلوغ أهدافه السياسية هي استراتيجية معرفية. وهذا هو الوجه الباحث عن الحقيقة في برنامج التنوير الديني. يسعى التنويري الديني، من خلال الاستفادة من مختلف أساليب النقد التاريخي للدين والتدين ومؤسسات التدين، وكذلك باستخدام أساليب نقد فهم المتدينين، إلى إزالة العقبات التي يراها ناشئة عن سوء فهم الدين من طريق المجتمع الذي يمر بمرحلة انتقالية نحو سياسة أكثر حداثة ومدنية. الإصلاح الديني والإحياء الديني هما النوعان الرئيسيان للتنوير الديني. الأول نتاج نقد تنقيحي، والثاني نتاج قراءة إبداعية جديدة للنصوص الدينية وميراث التدين. إن البحث عن الحقيقة في برنامج التنوير الديني موجه نحو «حقيقة الدين» وناظر إلى الأهداف والقيم الأخرى لهذا البرنامج الفكري-السياسي.
ومن ناحية أخرى، فإن التنويري، سواء أكان دينياً أم علمانياً، ليس «متنوراً» بالمعنى الذي وُصف به بعض الفلاسفة البارزين في عصر التنوير بأنهم «متنورون». أي أن التنويري ليس فيلسوفاً، وإن كان قد يعرف الكثير عن الفلسفة صدفةً، أو قد يستفيد عن قصد وبشكل رئيسي من نظريات الفكر الفلسفي وأدواته بكثرة، أو حتى قد يكون مدرساً للفلسفة صدفةً. فالانشغال الفلسفي بحد ذاته ينبغي ألا يكون مقيداً عن وعي بأي نتيجة أو برنامج سياسي-اجتماعي خاص، لكن التنوير بلا تقيد ببرنامج سياسي-اجتماعي خاص لا معنى له ولا يتقوم. وبتعبير آخر، إن التفلسف ليس قائماً على النتيجة،[9] ولكن القيام على النتيجة هو المقوم المعرف والمقوم للتنوير، سواء أكان علمانياً أم دينياً. فعلى سبيل المثال، عبد الكريم سروش لو لم يكن له منصب الأستاذية في الفلسفة، لظل يُعرف بوصفه تنويرياً دينياً.
وبهذا المعنى بالضبط، فإن عمل التنويري الديني ليس بحثاً علمياً بالمعنى الخاص الذي نفهمه من البحث في العلوم الأساسية والفلسفة والإلهيات والعلوم التجريبية الإنسانية والطبيعية. وإن كان قد يكون خريجاً أو حتى عضواً في هيئة التدريس بالجامعة ومدرساً لأي من هذه التخصصات العلمية، وقد يستعين بقليل أو كثير من كل منها لدفع مشروعه التنويري إلى الأمام. وبازركان مثال على التنويريين الدينيين الذين كانوا خريجين ومدرسين للعلوم التقنية والهندسية، وكان يستعين بهذه المعارف حسب مقتضى الحال أحياناً خلال برنامجه التنويري، لكن علمه في مجال الديناميكا الحرارية لم يكن له صلة ببرنامجه التنويري.
لكن المنتجات الفكرية للمتنورين الدينيين ليست بالمعنى الأكاديمي أو الحوزوي المتعارف عليه، علميةً كانت أم فلسفية أم دراسات دينية، ولا تُقدَّم في الغالب بحيث تصلح للنشر في المجلات العلمية المحكّمة، ولا يمكن أساسًا قياسها بالمعايير المهنية الأكاديمية. قد ينتج المتنورون الدينيون، بحكم تخصصاتهم التي قد تكون لديهم عرضًا في مجالات معرفية مختلفة، أعمالًا علمية أو فلسفية، وقد تُنشر بعض مقالاتهم في دوريات علمية محكّمة. لكنهم لا يُعَدّون متنورين دينيين بهذا النوع من الأعمال. فعلى سبيل المثال، نحن لا نعتبر عبد الكريم سروش متنورًا دينيًا لأنه ترجم كتاب مباني ما بعدالطبيعي علوم نوين أو كتاب فلسفهي علوم اجتماعي. فحتى لو لم يترجم أيًا من هذين الكتابين، لظل واحدًا من أعظم المتنورين الدينيين في إيران، لأنه كتب أعمالًا مثل قبض و بسط تئوريك شريعت. ولو لم يكتب أعمالًا من قبيل قبض و بسط، لكنه نشر عشرات المقالات في دوريات علمية، لربما عُدَّ عالمًا أو فيلسوفًا، لكنه لم يكن ليُعدَّ متنورًا دينيًا. والآن، حتى لو لم يدرس الصيدلة والكيمياء، ولا الفلسفة التحليلية، ولم يترجم كتبًا من قبيل فلسفهي علوم اجتماعي، لظل يُعَدُّ متنورًا دينيًا لأنه كتب أعمالًا مثل قبض و بسط. والأمثلة ليست قليلة. فشريعتي أيضًا، رغم أنه درس علم الاجتماع وتأثر ببعض الفلسفات الاجتماعية اليسارية وبعض النظريات السوسيولوجية في ستينيات القرن العشرين، فإن أعماله ليست ذات قيمة سوسيولوجية بالمعنى المتعارف والأكاديمي للكلمة، ولا يمكن مقارنتها أكاديميًا، كأعمال فلسفية اجتماعية، بأعمال الفلاسفة الاجتماعيين الذين تأثر بهم. لكن من ذا الذي ينكر عظمة شريعتي بوصفه واحدًا من أكثر المتنورين الدينيين تأثيرًا في إيران؟
بناءً على هذا التعريف، يُعدّ مهدي بازركان، وعبد الكريم سروش، وعلي شريعتي، ومحسن كديور، ومحمد مجتهد شبستري أبرز المتنورين الدينيين وأكثرهم تأثيرًا في العقود الأخيرة في إيران. ويمكن إضافة أسماء أخرى إلى هذه القائمة مثل عبد العلي بازركان، وعلي بايا، وأحمد صدري، ومحمود صدري، وآرش نراقي، وحسن يوسفي أشكوري.[10] ورغم كل الاختلافات القائمة بينهم، من حيث الأسس المنهجية والإبستمولوجية، ومن حيث طريقة نقد التراث والحداثة، ومن حيث سعة وعمق التأثير الاجتماعي والسياسي، فإن برامجهم الفكرية تستوفي المعايير الثلاثة للتعريف المذكور آنفًا للتنوير الديني. ومن ثم، فإن برنامج التنوير الديني هو برنامج كلي يتألف من برامج جزئية، ورغم ما بينها من تمایزات واختلافات، فإنها تشترك من القيم والأهداف بالقدر الذي يجعل من الممكن اعتبارها جميعًا أعضاء في البرنامج الكلي للتنوير الديني، وفق التعريف الذي مضى.
۲. تعارض ارزشها و اهداف روشنفکری دینی: به شرحی که در قسمت اول این مقاله گذشت، علاوه بر دغدغهی ارتقای تدین در جامعه که بر برنامهی روشنفکری دینی حاکم است، دو دسته ارزشها و اهداف دیگر مقوم برنامهی روشنفکری دینی اند: اهداف و ارزشهای معطوف به حقیقتطلبی از یک سو، و اهداف و ارزشهای ناظر بر وجه سیاسی این برنامه از سوی دیگر. این دوگونهگی یا دوگانهگی ارزشها و اهداف، به ترتیب، مستلزم دو گونه تعهد است: تعهد به معیارهای «عقلانیت فردی» (individual rationality) و تعهد به «استدلال سیاسی» (political reasoning). در مقام نقد حقیقتجویانهی سنت و تجدد، دستگاه معرفتشناسی مختار هر متفکری (مثلاً عقلانیت انتقادی یا واقعگرایی غیرانتقادی یا امثال اینها) او را به تبعیت از معیارهای خاصی ناظر بر عقلانیت در مقام برگرفتن یک فرضیه یا وانهادن فرضیهای دیگر فرا میخواند. کار روشنفکران دینی در نقد همزمان و متقابل سنت و مدرنیته با این معیارها سنجیده میشود. اما از سوی دیگر، در مقام یک روشنفکر دینی، نقد همزمان سنت و مدرنیته، هرچند به خاطر معرفتبخشیِ نقد، مشغلهای است که نمیتواناش فرونهاد، امری هم نیست که بتوان برنامهی روشن فکری دینی را صرفاً با آن توضیح داد. روشنفکری دینی در عین حال، این نقد را مَعبَر و وسیلهای برای رسیدن به اهداف عینی خاصی در یک جامعهی معیّن و در حال گذار میداند. بنا بر این، برنامهی روشنفکری دینی برنامهای است که فینفسه نمیتواند نسبت به پیامدهای سیاسی خود بیتفاوت باشد. همین وجه پیامدگرایانهی روشنفکری دینی است که آن را، علاوه بر معیارهای عقلانیت فردی، به معیارهای استدلال سیاسی هم محتاج و ملتزم میکند.
یکی از پیامدهایی که روشنفکران دینی نسبت به عدم وقوع آن حساسیت دارند این است که برنامهی فکری-سیاسی ایشان نباید به کاستی گرفتن کمّی و کیفی تدیّن در جامعهی هدفشان بینجامد. اگر این حساسیت را از برنامهی فکری-سیاسی روشنفکری دینی حذف کنیم، این برنامه با برنامهی فکری-سیاسی روشنفکری غیر-دینی تفاوت معتنابهی نخواهد داشت. لذا تضمین این حساسیت پیامدگرایانه از مؤلفههای معرِّف روشنفکری دینی است. برخی از آرای روشنفکران دینی و آثار برخی از موزعان آرای ایشان این نقد را نزد همراهان و مخالفان برنامهی روشنفکری دینی برانگیخته است که اهداف و ارزشهای این برنامهی فکری-سیاسی با هم در تعارض افتاده اند.
همینجا لازم است مراد خود را از پیامدگرا بودن برنامهی سیاسی-فکری روشنفکری دینی توضیح دهم. مراد از پیامدگرایی در اینجا معنای عام و غیراصطلاحی آن نیست. پیامدگرایی به معنای عام، وصفی است که توسّعاً هر کاوش نظری و هر کوشش عملی برای آن که عبث نباشد، لاجرم باید به آن متّصف باشد. به تعبیر دیگر، هر تلاشی معطوف به غرضی است، وگرنه عبث است، و به این معنا همهی کنشهای نظری و عملیِ عُقلا به معنای عام کلمه پیامدگرایانه اند، یعنی به هر حال هدفی دارند. این معنای دقیق و اصطلاحی پیامدگرایی نیست. پیامدگرایی به معنای خاص و اصطلاحیاش، که اینجا مراد است، همان است که مثلاً تفاوت پژوهشهای اکتشافی و بنیادین را با پژوهشهای کاربردی توضیح میدهد. این مثل تفاوت یک برنامهی سیاسی با یک برنامهی فلسفی محض یا کاوشی در زمینهی علوم پایه است. یک برنامهی فکری-سیاسی، مانند روشنفکری دینی، اگر نتواند نشان دهد که به اهداف سیاسی معینی که از ابتدا در نظر داشته و اعلام کرده، رسیده است یا به نحو محسوسی به سوی آنها روان است، فلسفهی وجودی و امتیاز سیاسی خود را از دست میدهد، ولو دستآوردهای مهمی، مثلاً در حوزهی فلسفهی محض یا نقد ادبی یا نقد تاریخی سنت، هم داشته باشد. اما یک کاوش فلسفی محض هم این که بتواند نشان دهد که به نحو مستدل و معقولی خطایی فلسفی را مثلاً در فهم یکی از دیالوگهای افلاتون آشکار کردهاست به هدف خود رسیده است، گو این که هیچ پیامد عینی خاص و از-پیش-اندیشیدهای هم بر این دستآورد فلسفی مترتب نشود. حداکثر دستآورد محتمل یک کاوش اکتشافی محض پس از صَرفِ هزینههای مالی و زمانی و انسانی فراوان ممکن است بیش از کشف سیارکی هزاران سال نوری آن سو تر نباشد. این قبیل برنامههای علمی به این خاطر که پیامد ملموس و روشنی را دنبال نمیکنند، نه کنار گذاشته میشوند و نه بیارزش قلمداد میشوند.
بطبيعة الحال، الفيلسوف الذي يكون ناشطاً سياسياً أيضاً، بينما يمضي قدماً في برنامج سياسي، قد تؤدي الإنجازات النظرية لعمله كفيلسوف إلى نتائج غير مقصودة، سواء لصالح برنامجه السياسي أو ضده. ومع ذلك، فإن هذا لا يمس القيمة الفلسفية لعمله، فلا يزيدها ولا ينقصها، حتى لو كانت إحدى النتائج غير المقصودة لتفلسفه هي أن يكون قد عمّر برنامجه السياسي أو دمّره. لأنه بصفته متفلسفاً لم يكن ملتزماً بنتيجة أو تبعية سياسية معينة، حتى يُقال الآن مثلاً إن برنامجه الفلسفي قد باء بالفشل أو انتقض غرضه بسبب مجيء خلافها، أو بالعكس، إن برنامجه الفلسفي قد آتى ثماره بضمان ذلك البرنامج السياسي وتأمينه.
لكن مقام وموقف المثقف الديني، كما مرّ، ليس كمقام الفيلسوف الذي لا حساسية لديه أو التزام تجاه نتائج أبحاثه النظرية. وهذا لا ينافي أن يتخذ المثقف الديني شأناً فلسفياً أيضاً، لكنه في شأنه كمثقف ديني يمضي قدماً في الواقع في برنامج فكري-سياسي، يحمل معه شاء أم أبى، بالإضافة إلى مقتضيات العمل الفكري البحت، مقتضيات العمل السياسي أيضاً، والتي من جملتها أنه مشروط بمعيار ناظر إلى الارتقاء بوضع التدين في مجتمع المخاطبين. الآن، إذا لم تدفع المساعي الفكرية لمثقف ما، في وضع افتراضي، برنامجه السياسي إلى الأمام، أو حتى عرّضت بعض قيم وأهداف ذلك البرنامج السياسي للخطر، فلا يمكن اعتبار القيمة النظرية لهذه المساعي الفكرية معذرةً عن إخفاقه السياسي هذا في مجال التنوير. أو بالعكس، لا يمكن اعتبار النجاح السياسي لمثقف ديني دليلاً أو شاهداً على نجاح الوجه الفكري لبرنامجه. وكما مرّ وسيأتي مجدداً في القسم الثالث من هذه المقالة، فإن هذا لا يعني اختزال برنامج التنوير الديني إلى برنامج براغماتي محض.
إن فهم التنوير الديني بوصفه برنامجاً فكرياً-سياسياً ملتزماً بنوعين من المقتضيات النظرية والعملية، وهذا الالتزام المزدوج مشروط أيضاً بمعيار ناظر إلى تدين المجتمع المستهدف، يستلزم أخذ هذا السؤال على محمل الجد: عندما تتعارض هذه المقتضيات مع بعضها، كيف يمكن تحقيق التوازن بينها، بحيث لا يؤدي، قدر الإمكان، من جهة، ترجيح أحدها على الآخر أو التردد والتأرجح الدائم بينها إلى انحلال برنامج التنوير الديني، أو من جهة أخرى، ألا يطغى الوجه السياسي لهذا البرنامج على وجهه المعرفي لدرجة تسد الطريق أمام نقده الباحث عن الحقيقة للتراث والحداثة، أو ألا يتجاوز الوجه الفكري لهذا البرنامج اعتباراته الدينية.
٣. جرح وتعديل قيم وأهداف التنوير الديني في مقام التعارض:
في الجزء الأول من هذا القسم، سأقوم بدراسة ونقد الاستراتيجيات التي طُرحت حتى الآن لحل هذه المسألة، وفي الجزء الثاني، سأطرح اقتراحين بديلين.
٣-١. حتى الآن، طُرحت ثلاث استراتيجيات على الأقل لصياغة وحل هذه المسألة. هذه الاستراتيجيات الثلاث، على الرغم من كل الاختلافات فيما بينها، لها مدلولات مشتركة أيضاً، ومن جملة هذه المدلولات المشتركة، أحدها هو هذا التحليل للمسألة: إما أن التعارض موضوع البحث في هذه المقالة لا يتشكل أساساً، أو إذا تشكل نادراً، فإن حله أسهل وأقل كلفة من أن يستدعي الحاجة إلى تأملات من هذا القبيل. في رأيي أن هذه الاستراتيجيات الثلاث، بالتوضيح الذي سأورده تحت كل واحدة منها، هي استراتيجيات فاشلة.
أ. الاستراتيجية الأولى، هي إحالة المسألة إلى ثنائية «التدين الهوياتي في مقابل التدين الحقائقي».[11] هذه الثنائية ليست وصفية فحسب، بل ينطوي فيها وجه معياري أيضاً. الدلالة المعيارية لهذه الثنائية ناظرة إلى تفضيل كشف الحقيقة وبيانها على المراعاة الهوياتية، ومن جملتها الاعتبارات السياسية أو الدينية-الهوياتية أو الثقافية. حل التعارض بناءً على اتخاذ هذا التوجه هو ترتيب سلسلة مراتب من الاعتبارات، تتصدرها في قمة نظام المراتب ذاك الاعتبارات الناظرة إلى التفكير الحقائقي، وتليها الاعتبارات الهوياتية، وبهذا الشكل، تُحل وتُفصل حالات التعارض بالرجوع إلى نظام المراتب هذا، لأن الهوياتي يُزاح دوماً في ظل الحقائقي.
أحد الافتراضات المعرفية لهذه الثنائية هو أن ما يدركه كل منا، بوصفنا فاعلين معرفيين، من الواقع ويصوغه، هو، في الجملة، مستقل عن البنى الاجتماعية التي تشكل موقع كل منا كفاعلين معرفيين؛ أو إن لم يكن مستقلاً بالكلية، فعلى الأقل في مقام التحليل والنقد المعرفي، يمكن فصل بنى الهوية، كما يُفصل الإطار الذي يحيط بصورة الحقيقة، عن صورة الحقيقة ذاتها، ومشاهدة الصورة عارية من ذلك الإطار وعرضها مجردة.
فضلاً عن أن هذا الافتراض المسبق المعرفي هو افتراض كثير المؤونة قليل المعونة، فإن الأخذ به لا ينسجم مع المقاربة الهرمنيوطيقية لفهم ونقد التراث والحداثة، ولا يتوافق مع مقاربة النقد التاريخي للتراث والحداثة. وبعبارة أخرى، فإن المقاربتين اللتين يدين لهما الجهاز المنهجي لجزء كبير من مشروع التنوير الديني في إيران خلال الثلاثين عاماً الماضية، هما مقاربتان برساختانغاريتان (بنائيتان) تماماً وعميقاً،[12] في حين أن تقسيم التدين إلى حقيقتانديشانه وهويتانديشانه يعترف بحد فاصل بين الحقيقة والهوية، وهو حد تبدأ البرساختانغارية بنفيه ونقضه، ثم تتخذ هويات هرمنيوطيقية وتاريخانية وتحليلية خطابية متنوعة. وبهذا، فإن هذه الاستراتيجية المضادة للبرساختانغارية (أي ثننة التدين الهويتانديشانه في مقابل التدين الحقيقتانديشانه)، حتى لو افترضنا أنها تنجح في حل مشكلاتها وإشكالاتها المعرفية، فإنها لا تستطيع في نهاية المطاف أن تقدم عوناً لحل مسألة التنوير الديني هذه، وإن استطاعت أن تقدم عوناً، فسيكون ثمنه باهظاً يتمثل في فرض تناقض منهجي صعب على برنامج التنوير الديني، يكون علاجه أعقد بكثير من حل المسألة ذاتها.
ب. الاستراتيجية الثانية هي استراتيجية إحالة المسألة إلى ثنائية «مقام البحث عن الحقيقة في مقابل مقام بيان الحقيقة». ووفقاً لهذه الاستراتيجية، فإن مقام البحث عن الحقيقة هو مقام الابتكار والإبداع والخلق. وفي هذا المقام، يكون صيد الحدسيات والفروض الذكية متحرراً من كل حد وحدود وقاعدة وقانون. كما أن مقام التحكيم والنقد، بحكم التعريف، منزه عن أي اعتبار غير معرفي. وفي هذا المقام، وبناءً على هذه الاستراتيجية، لا يعرف المثقف التنويري الديني اعتباراً أو قيداً غير معرفي، ولا يمكنه أن يعرفه، ولو استطاع لما كان ينبغي له أن يعرفه. أما بيان حصيلة مقام البحث عن الحقيقة فهو مقام آخر له قواعده وآدابه. وبناءً على هذه الاستراتيجية، فليس كل حقيقة ينبغي أن تقال، أو على الأقل ليس كل حقيقة يجوز أن تقال لكل أحد. فالمباحث التخصصية ينبغي أن تطرح عند المتخصصين، لا عند عامة الناس. وبعض الحقائق يجب أن تُكتم حتى تقوى قواهم الإدراكية وبنيتهم المعرفية وقابليتهم النقدية إلى حد يستطيعون معه فهم وهضم وتمثل ونقد بعض الأقوال المخالفة لعرف وعادة مجتمع المتدينين. وهذه الأقوال ينبغي أن تهمس في آذان الناس رويداً رويداً، بحيث لا يتكدر نوم ولا ينزعج خاطر، خشية أن يؤدي ذلك إلى سوء الاعتقاد وسوء الظن وسوء التدين، فينصرف مجتمع المتدينين عن الانصياع للدين أو عن صرح التدين. وقد يذهب البعض، اقتفاءً لهذه الاستراتيجية، إلى أبعد من هذا فيجعلون نشر الآراء النقدية في مجال التدين مشروطاً بالحصول على ترخيص وموافقة المتخصصين؛ وهو طموح خام قد مضى عليه أوان طرحه، ناهيك عن تنميته.
إشكالات هذه الاستراتيجية أوضح من أن تحتاج إلى شرح وبيان مفصل. أول وأقل إشكال في هذه المقاربة هو أنها تقترح لحل المسألة طريقاً السير في امتداده هو عينه إلغاء برنامج التنوير الديني من أساسه. وبعبارة أخرى، إذا أخذنا هذه المقاربة على محمل الجد، فإن مسألتنا الراهنة تتحول إلى مسألة أخرى. أي أننا إذا أردنا قبول هذا الحل، فسيكون لازمه أنه مع مراعاة هذه الاعتبارات، لما كان ينبغي للتنوير الديني أن ينشأ من اليوم الأول أصلاً. إن اتخاذ هذه المقاربة لحل هذه المسألة وبحثها هو مثال على مغالطة المنحدر الزلق (Slippery Slope Fallacy).
هذه الاستراتيجية طرحها منتقدو برنامج التنوير الديني من خارج هذا التيار. أشخاص مثل مكارم وجوادي آملي وسبحاني، من الخارج وفي مواجهة برنامج التنوير الديني، يصطفون ضمن مؤيدي هذه الاستراتيجية. لكن هذه الاستراتيجية تفضي في نهاية المطاف إلى تحفظات كانت تمنع حتى مرجعًا ذا نفوذ مثل آية الله البروجردي من إعلان رأي مخالف للتيار حتى في مسألة هامشية مثل حكم صلاة المسافر[13]، أو كانت تثير مخاوف مرجع كبير مثل آية الله الخوئي من إعلان جواز استبدال مُهر الصلاة بطبقة من الخشب تُثبَّت في سجادات الصلاة، وهو ابتكار كان القائمون على المركز الإسلامي في هامبورغ قد لجأوا إليه قبل الثورة الإسلامية لتبرئة الشيعة من تهمة السجود على أصنام من حجر وطين.[14]
هذه الاستراتيجية، في أفضل صورها، تؤدي إلى نوع من النصح والإرشاد حول ضرورة مراعاة سياسة التعبير (politics of expression). نصيحة، وإن كانت لها قيمة تعليمية وتربوية (pedagogic)، إلا أنها تفتقر إلى قيمة مضمونية، وتترك أمر ضبط سياسة التعبير في النهاية لكل متلقٍّ من متلقي هذه النصيحة. إن مجرد ضرورة أخذ الجانب التعليمي لسياسة التعبير على محمل الجد لا يحمل دلالة مضمونية واضحة بشأن ما ينبغي للمنورين الدينيين قوله أو عدم قوله. فعلى سبيل المثال، أدت ضرورة مراعاة سياسة التعبير في تدريس المسائل الجنسية، سواء في إيران أو في بعض البلدان الأخرى، إلى نمطين مختلفين تمامًا من تدريس هذه المسائل. ففي إيران يتأجل هذا التدريس إلى المرحلة الجامعية، بينما يبدأ في بعض البلدان الأخرى منذ سنوات الدراسة الابتدائية.
من جهة أخرى، يمكن للمنورين الدينيين أن يحتجوا بأنه إذا كان المنتقدون قلقين على القابلية المعرفية لمتلقيهم، فعليهم أن يعلموا أن هذه القابلية لا تقوى إلا من خلال طرح هذه المباحث المثيرة للتحدي. فكلما أبعدنا ذهن وضمير المتلقين عن هذا النوع من المباحث، قلت الفرص المتاحة لهم للاستعداد لهضم المباحث الفكرية والدينية المعقدة.
ج. الاستراتيجية الثالثة تختزل المسألة إلى ثنائية أخرى: «الإصلاح الديني الطهوري في مقابل الإصلاح الديني البراغماتي.»[15] هذه الاستراتيجية، في أكثر صورها المعاد بناؤها رسوخًا، تحكم بترجيح تبنّي مقاربة براغماتية معتدلة على المقاربة الطهورية المتطرفة في الإصلاح الديني. في هذه الاستراتيجية، تُعَد أهم مشكلة للإصلاح الديني الطهوري هي أن هذا النوع من الإصلاح الديني راديكالي إلى حد أنه يجتث التدين التاريخي المؤسساتي، ذلك التدين الذي يمكن، بوصفه مؤسسة اجتماعية وثقافية، أن يخضع للإصلاح والتنقية بحيث يؤدي أدوارًا مهمة يحتاج إليها الناس. بعبارة أخرى، إن الإصلاح الطهوري لا يبقي من الدين شيئًا على الإطلاق.[16] القلق الرئيسي هنا هو أننا إذا شرّحنا جسد الدين بمشرط العقل الناقد والنقد التاريخي، فلن يتبقى من جسد الدين شيء في نهاية المطاف، لأنه لا بد، من جهة، أنه قلما يوجد تعليم ديني رئيسي أو فرعي يخرج سالمًا معافًى من تحت مشرط العقل الناقد والنقد ذي النزعة التاريخية، ومن جهة أخرى، فبالنقد التاريخي للدين، يصبح التدين، كأي ظاهرة تاريخية أخرى، معروضًا لأحكام لا تبقي شيئًا من قدسية الدين وتعاليه؛ وفي غياب المتانة العقلانية للدين وأيضًا القداسة الدينية، ماذا يتبقى من الدين سوى موضوع بالٍ للدراسات الأركيولوجية؟
الإشكال في تبنّي هذه الاستراتيجية هو أنها يمكن أن تؤدي إلى نوع من التدين غير النقدي الذي يقع، من حيث المبدأ، خارج تعريف التنوير الديني، وإذا أراد المنورون الدينيون الإذعان له فعليهم أن يغسلوا أيديهم تمامًا من التنوير الديني. هذه المقاربة أيضًا تقع في مغالطة المنحدر الزلق نفسها، وتضحي بجانب البحث عن الحقيقة الدينية، الذي يُعد من أهم المقومات المكوّنة لبرنامج التنوير الديني، لصالح فهم براغماتي (وإن كان براغماتية غير متطرفة) للدين، ومن هذا المنفذ تجعل برنامج التنوير الديني بلا موضوع من الأساس.
علاوة على ذلك، قد يتمكن البعض، في معارضتهم لمقدمات هذه الاستراتيجية، من أن يجادلوا بقوة بأن هذا الفهم للعقلانية والنقد التاريخي الكامن في مقدمات هذه الاستراتيجية،[17] هو فهم وضعاني للعقلانية، ويدّعوا أن القلق من اندثار الدين تحت مِبضع العقلانية لم يكن ليكون في محله ومبرراً إلا لو كانت العقلانية التي يستند إليها التنوير الديني عقلانية وضعانية بالضرورة في جميع الأحوال، في حين أنه يصعب اليوم العثور على تنويري، إن وُجد أصلاً، يشرع في نقد الدين من موقع العقلانية الوضعانية.
من جهة أخرى، فإن منهج مصطفى ملكيان المتأخر في النقد الراديكالي للدين والتدين (كما ينعكس في بعض كتابات أكبر كنجي أيضاً) لم يلقَ قبولاً ورواجاً يُذكر بين المتنورين الدينيين. وحكم مصطفى ملكيان هذا في محله تماماً، وهو أن المتنورين الدينيين لا يُسرون نقد الدين والتدين إلى مساءلة الوثاقة التاريخية للنصوص الدينية وحجيتها المعرفية.[18]
وفضلاً عن ذلك، ومن منظور مقارن بين الأديان، ثمة ملاحظة قيّمة مفادها أن اللاهوت المسيحي الحديث قد شكّل تنوعاً من اللاهوت العقلاني، بما في ذلك ما يستند إلى نظرية المعرفة المُصلَحة (Reformed Epistemology). ومثال آخر هو التعددية الدينية عند جون هيك، التي هي ثمرة مشروع عقلي-نقدي في مجال فلسفة الدين واللاهوت المسيحي الجديد. ويمكن قول الشيء نفسه بالطبع، مع شيء من الحذر، بخصوص النقد التاريخي للدين. صحيح أنه يوجد بين كتّاب وموزعي آراء التنوير الديني من يصنعون من النقد الثقافي-التاريخي للدين و/أو التدين ضرباً من التاريخانية الراديكالية التي تفضي في نهاية المطاف إلى الاختزال التاريخاني (historicism)[19]، وهو اختزال مغالطي، لكن يصعب القول إن النقد التاريخي للدين في برنامج التنوير الديني في إيران قد استند إلى مثل هذا الاختزال. وبناءً على هذه الحجة المزدوجة، فإن ذلك القلق القائم كحجة لصالح الاستراتيجية الثالثة يفقد لونه.
۲-۳. اقتراحان لمزيد من التأمل في شأن توازن وترجيحات أخلاقيات التنوير الديني: في المقدمة وكذلك في الجزء الثاني من هذه المقالة، تم تقديم تعارضين في صميم برنامج التنوير الديني: أحدهما، التنافر بين مقتضيات الالتزام المتزامن بمعايير البحث عن الحقيقة ومعايير الاستدلال السياسي؛ والآخر، التعارض الذي قد ينشأ بين التقيد بمعايير العقلانية في نقد التدين من جهة، والحرص على عدم التقليل من شأن التدين من جهة أخرى، في المجتمع المستهدف من قبل المتنورين الدينيين. الاقتراحان المترابطان أدناه يتناولان على التوالي هذين النوعين من التنافر والتعارض.
أ. الاقتراح الأول يتجه نحو رفع أو تعديل اللامتماثل المعرفي (epistemological asymmetry) عن برنامج التنوير الديني. يحدث اللامتماثل المعرفي، وفقاً لأحد تعريفاته، عندما تكون المعايير التي نطبقها لفحص ورفض فرضية منسجمة مع معتقداتنا أكثر تشدداً من المعايير التي نستخدمها لفحص ورفض فرضية مناقضة لمعتقداتنا الأخرى.[20] أي أننا نرفض بسهولة الفرضيات غير المتلائمة مع معتقداتنا الأخرى، لكننا نقاوم رفض الفرضيات المتلائمة مع معتقداتنا الأخرى. وكما قال مولانا جلال الدين محمد الرومي في ديوان شمس،
أُحَرِّمُ على نفسي الكلامَ مع الخلقِ
فإذا ما جاء حديثُك، أَطَلْتُ الكلاما
أَتَعَرَّجُ ألفَ لونٍ في كلِّ طريقٍ يَسْلُكونَ بي
أما الطريقُ التي إليك، فأَعْدُو فيها عَدْواً
مِنْ حَكِّ هَمِّكَ أَغْدُو كَجامِعِ الشَّوْكِ
وَأَتَجَنَّبُ النَّرْجِسَ وَالوَرْدَ المِئِيَّ الوَرَقِ
أَرَى السَّعَادَةَ كُلَّها حِينَ أَمْضِي نَحْوَ النَّحْسِ
وَيَصِيرُ الكُلُّ حَقِيقَةً إِنْ أَجَزْتُ المَجَازَ[21]
يمكن أن يتخذ عدم التناظر هذا شكل أننا عندما يحين وقت الديمقراطية أو السياسة الحديثة، إما أن نرفض نقدها رأساً أو ننقدها بتساهل وتسامح، ولكن عندما يحين وقت نقد التدين التقليدي، فإننا نأتي بأشد النقود صرامة. وقياساً على هذا التعريف نفسه، يمكن تحديد نوع من عدم التناظر المعرفي في برنامج التنويريين الدينيين. وقد يكون عدم التناظر هذا أحد المصادر الرئيسية للتناقض بين الوجه السياسي والوجه الباحث عن الحقيقة لهذا البرنامج. ويظهر عدم التناظر هذا في حالات عديدة، فمثلاً بمقارنة القراءة النقدية للدين من جهة، ونقد الحداثة من الجهة المقابلة لدى التنويريين الدينيين، يتجلى هذا التعارض. فهذان النوعان من النقد يقعان في صميم تعريف التنوير الديني، لكن حصيلة التنوير الديني تظهر أن النقد المعتدل الذي قد نشهده أحياناً للديمقراطية وحقوق الإنسان، خصوصاً في أعمال مروّجي آراء تنويريينا الدينيين، هو نقد هامشي تماماً، في حين أن نقد التدين ليس محورياً فحسب، بل هو بالمقارنة نقد راديكالي وصارم وجاد للغاية. لقد كرّس التنوير الديني معظم همّه لنقد الدين والتدين التاريخي لفتح ممر نحو سياسة أكثر حداثة ومدنية، سياسة ديمقراطية ذات سعة أوسع لقبول حقوق الإنسان في إيران. أما نقد السياسة والحكم في الغرب ونقد الديمقراطية وحقوق الإنسان الشائع جداً في الساحات الأكاديمية والتنويرية الغربية، فيمكن القول إنه إن لم يكن غائباً بالكامل عن خطاب التنوير الديني، فإنه لم يبلغ قط، لا من حيث الكم ولا من حيث الكيف والمتانة، مستوى نقده للتقاليد الدينية.
يمكن اعتبار سبب عدم التناظر هذا مقتضيات الفضاء غير المتناظر الذي ازدهر فيه التنوير بعد الثورة. ولكن إذا قبلنا هذا، فإنه يصبح جزءاً آخر من صياغة المسألة، لا جواباً عليها. فالتنوير الديني ليس رداً نقدياً على الوضع الاستاتيكي والجامد للمجتمع حتى يمكن تقييم حصيلته بمجرد إحالة جامدة إلى مقطع عرضي معين من تقاطع السياسة والتدين في إيران. التنوير الديني، وفقاً للتعريف، هو رد نقدي وتمهيدي على مقتضيات الوضع الانتقالي في مجتمع معين، انتقال نحو سياسة أكثر حداثة ومدنية، ديمقراطية ومتوافقة مع معايير حقوق الإنسان. وهذا يستلزم نقداً ديناميكياً وحركياً من التنوير الديني. لذلك، لا يمكن للتنوير الديني، بينما يبذل الجد والجهد والاجتهاد في النقد الراديكالي لتدين فقد هيئته، أن يترك نقد السياسة الحديثة، لأنه إذا كان التنوير الديني قد قدّم السياسة المدنية الحديثة باعتبارها المستقبل المنشود لمجتمع يمر بمرحلة انتقالية، وهو ما فعله مراراً، فإن نقد هذه السياسة المدنية الحديثة يجب أن يجد هو الآخر مكانة محورية في برنامجهم الفكري-السياسي، وهو مكان لا يزال خالياً بوضوح حتى الآن.
إحدى نتائج ترك النقد المباشر للسياسة الحديثة وخطاب حقوق الإنسان، فيما يتعلق بموضوع هذه المقالة، هي ذلك التوتر الذي نشأ بين الوجه السياسي لبرنامج التنوير الديني والوجه المعرفي لهذا البرنامج، لكنه بقي دون تفكير. ففي كثير من أعمال التنوير الديني، بينما يُعتبر التدين أمراً تاريخياً وسياقياً، يُترك الوجه التاريخي لتشكل الديمقراطية و"اختراع حقوق الإنسان"[22] دونما قول أو يُتجاهل. ولهذا السبب، مثلاً، تم تجاهل أو إغفال التنوع الثقافي للمجتمعات التي أنتجت من داخلها الديمقراطيات النموذجية والمثالية، والألوان المختلفة التي أضفتها هذه الثقافات الوطنية والمحلية المتنوعة على نماذج الديمقراطية المتنوعة، وتم الخلط بين الديمقراطيات المتحققة في الخارج وتعريف مثالي للديمقراطية. علاوة على ذلك، بقي الوجه السياسي وتاريخانية حقوق الإنسان دون تفكير في هذا السياق. وفي غياب فكر سياسي حول (ونقد تاريخي لـ) حقوق الإنسان لدى التنويريين الدينيين، تم اختزال حقوق الإنسان لديهم إلى وجهها الأخلاقي أو القانوني. إن برنامج التنوير الديني، إذا أراد أن يوفق بين الحجة السياسية والحجة المعرفية بقدر أقل من التناقض، بحاجة إلى أخذ الأمر السياسي على محمل الجد والتفكير في السلطة والسياسة. التفكير في السلطة والسياسة، لا بشكل عابر وبوساطة التفكير في موضوعات أخرى، هو ما تسفر عنه المقترح الأول. السلطة والأمر السياسي، حتى وإن وجدا طريقهما نادراً إلى خطاب التنوير الديني، فقد كانا غالباً موضوع إنكارات أخلاقية.
إنَّ تحديد السلطة والأمر السياسي (بوصفهما مقولتين ينبغي أن تكونا في بؤرة مباحث التنوير الديني وأن تخضعا مباشرةً للتفكر النقدي والتأسيسي) هو الشرط الأول لإمكان التفكير في التعارض القائم بين الوجه المعرفي والوجه السياسي لهذا البرنامج الفكري-السياسي. ويمكن للمقارنة بين التنوير الديني في إيران وتركيا أن تكشف هذه النقطة بوضوح.
ب. الاقتراح الثاني يتعلق بالتعارض بين الاهتمامات الدينية من جهة ونقد التدين من جهة أخرى. في إيران، يركّز التنوير الديني، شأنه شأن العديد من برامجه المنافسة والبديلة، برنامجه السياسي على نقد الفهم الديني. إنَّ اعتقاداً عاماً وراسخاً بعمق حول التحول السياسي والاجتماعي يوجّه هذه الاستراتيجية. ووفقاً لهذا الاعتقاد المركّب، فإن التحول السياسي تابع للتحول الثقافي أولاً (اختزالية ثقافوية، تُنسب أحياناً إلى ماكس فيبر بسبب سوء قراءته)؛ وثانياً، التحول الثقافي تابع لأهم مكونات الثقافة أي التدين (اختزال الثقافة إلى الدين)؛ وثالثاً، أهم أوجه التدين هو الفهم الديني (اختزال الدين إلى المعرفة الدينية). وهكذا، وبسير عكسي، يتضح لماذا يُعدّ الانشغال بنقد المعتقدات والمعرفة الدينية عموماً نقطة انطلاق مشاريع التحول السياسي والاجتماعي المختلفة. لأن ذلك الاعتقاد العام نفسه يحكم بأنه بتغير معتقدات المتدينين ومعرفتهم الدينية، سيتغير وضع التدين، وبتغير وضع التدين (أي تغير علاقة الناس بالدين)، ستتغير الثقافة، ومتى تغيرت الثقافة، فستتحول السياسة والمجتمع والاقتصاد أيضاً.
لقد كان النزاع والتنافس بين التنوير الديني وبرامجه المنافسة والبديلة يدور بالطبع دوماً حول ماهية التغيير المنشود، ومن ثمَّ، فإن أي وجه من المعرفة الدينية لدى المتدينين ينبغي أن يتغير في البداية، وما الذي يجب أن يحل محله كي يتحقق ذلك التغيير السياسي المنشود في النهاية، قد اختلف من برنامج تحول سياسي إلى آخر. إن شرح ونقد هذه الاستراتيجية المشتركة بين التنوير الديني والبرامج البديلة والمنافسة له يتطلب مجالاً مستقلاً. وفي نقد هذه الاستراتيجية، يمكن الإشارة بإيجاز إلى أن هذا الاعتقاد العام يقوم على الأقل على ثلاث مغالطات اختزالية: الاختزال إلى الثقافة (culturalism)، والاختزال إلى الدين (religionism)، والاختزال إلى الإبستمولوجيا (epistemologism).[23]
إن أهم خطأ تسلل إلى برنامج التنوير الديني مع هذه الاستراتيجية هو الاعتقاد بأن أهم عائق أمام تحول السياسة والحكم والمجتمع نحو المدنية والحداثة يتمثل في المعتقدات الدينية غير المدعومة بدليل و/أو الخرافات الدينية لدى المتدينين في ذلك المجتمع. إن عقلنة التدين، وإزالة الخرافة من الثقافة الدينية، وإصلاح الفكر الديني، واستبدال قراءة معينة للنص بقراءة أخرى، وما شابه ذلك مما يشكل الكتلة والحجم الرئيسيين للإنتاج الفكري لمنوري دينيينا، جميعها تستند إلى ذلك التشخيص المركب، وتتطلع بأمل إلى أنها إذا ترسخت فسوف تمهد الطريق للديمقراطية وحقوق الإنسان والسياسة المدنية. لقد فتح هذا التشخيص الطريق من جهة أمام نوع من الآلية الأوتوماتيكية، بمعنى أن أهم ما ينبغي فعله هو استبدال (دفعة واحدة أو تدريجياً) المعتقدات الدينية غير المدللة/غير المدروسة بمعتقدات دينية مدللة/مدروسة، وأن باقي مسار التغييرات حتى بلوغ الأهداف السياسية للتنوير الديني سيجري تلقائياً وبشكل متسلسل كأحجار الدومينو. ونتيجة لذلك، ومن جهة أخرى، خيّم على فضاء التنوير الديني لدينا نوع من الاستغناء الأقصى عن الاهتمام بالنماذج والنظريات والتاريخ وتجارب التحول السياسي المؤدي إلى الديمقراطية. ونتيجة لذلك، بلغ الاهتمام بنظريات علم الكلام الفلسفي، واللاهوت الحديث، والنقد التاريخي للتدين، والقراءة النقدية لبعض النصوص الدينية الكلاسيكية للوصول إلى التغييرات السياسية المنشودة حد التضخم لدى منورينا الدينيين، في حين أن مراجعة الأدبيات الغنية للعلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع في مجال النماذج المتنوعة للتحول السياسي والاجتماعي في مجتمعات مشابهة لمجتمعنا قد أُهملت بالكلية.
من نتائج هذا الإهمال، بقدر ما يتعلق الأمر بموضوع هذه المقالة، أن ثمّة عدم تلازم حسّاساً، وهو مفتاحي لمشروع التنوير الديني، قد بقي مغفولاً عنه، أعني عدم التلازم بين رواج التدين النقي والدين المدروس بعلم وعقلانية والمُنزَّه عن الخرافات من جهة، والديمقراطية وقبول حقوق الإنسان والسياسة الحديثة-المدنية من جهة أخرى. فهذا التلازم ليس غير مثبت فحسب، بل ثمّة شواهد كثيرة في الديمقراطيات المستقرة وكذلك الديمقراطيات الناشئة تشهد على انتفائه. من اليابان وماليزيا إلى الهند وأستراليا وأمريكا وإنجلترا. ليس فقط أن كثيراً من هذه المجتمعات الديمقراطية تُعدّ من أكثر المجتمعات المعاصرة خرافية، بل إنها في بعض الحالات من أكثر المجتمعات تديناً أيضاً، مثل أمريكا وماليزيا، ومن قبيل الصدفة لا يسود فيها تدين متحرر من الخرافات.
نقد التشيع في إيران هو الاستراتيجية الرئيسية والمشتركة للتنوير الديني وغير الديني لبلوغ أهداف سياسية متشابهة إلى حد ما كالديمقراطية. إلى حدّ لا يُنظر فيه إلى السلطة الدينية لرجال الدين كعائق أمام التحول الديمقراطي فحسب، بل تُعتبر المهدوية والزيارة والتوسل والعزاء والغلو في القول بعلم وعصمة أئمة الشيعة وسائر المعتقدات والمراسم والبنى الثقافية والاجتماعية للتشيع من جملة موانع الديمقراطية. بصرف النظر عن كون هذه المعتقدات والمراسم والمؤسسات والبنى ذات أساس سليم في المصادر التاريخية الأولى والمؤسِّسة للتشيع أم لا، يمكن استناداً إلى التيار الغالب لنظريات علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية والأنثروبولوجيا الناظرة إلى عمليات التحول الديمقراطي، الاستدلال على أن الديمقراطية تكاد تكون مستقلة تماماً عن كل هذه المكونات الثقافية. أي أن كل هذه المكونات للتشيع الثقافي و«غير المُعَقْلَن» يمكن أن تزداد في إيران ويصبح المجتمع والسياسة أكثر ديمقراطية في الوقت نفسه، والعكس بالعكس، أي أن كل هذه المكونات قد تتضاءل ويحل محلها تشيع مُعَقْلَن، لكن الديمقراطية لا تلقى إقبالاً.[24]
الاقتراح الثاني ليس أن يترك التنوير الديني البحث عن الحقيقة الدينية، بل أن يُعدَّل التركيز غير المتوازن وغير المتناظر لهذا الوجه من برنامج التنوير الديني لصالح التركيز على نظريات التحول السياسي والاجتماعي في مجتمعات مشابهة لمجتمعنا. في هذه الحال، سيواصل التنوير الديني جهده في مسار النقد الباحث عن الحقيقة للدين من أجل شريحة من المتدينين لم يعد التدين الثقافي يلبي حاجاتهم المعنوية، لكنه لا يُجلس مخاطبيه على مفترق طريق خيار عقيم: إما أن يتخلوا عن التدين الثقافي ليبلغوا الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو يأخذوا بتدينهم الثقافي ويدعوا الديمقراطية وحقوق الإنسان. الشق الأول سيكون غالباً خيار من تكون المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان أولى لديهم من التدين. بينما هم بهذا الخيار يفقدون ذلك الرصيد من التدين الثقافي غير المدروس أيضاً، لكنهم لا يبلغون الديمقراطية ولا بالضرورة تجربة أرقى من التدين، وهذه خسارة مضاعفة. أما الخيار الثاني فهو خيار من يرضون بالحفاظ على تدينهم التقليدي غير المدروس والعوامي و«غير المُصلَح» وغير المُعَقْلَن، بثمن التخلي عن حلم المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. إن أكثر أعداء المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان تصميماً يمكن أن ينهضوا من بين هذه الفئة الأخيرة.
.
.
[1] بدأ البحث في هذه المقالة وكتابتها قبل نحو ست سنوات، ونُشرت نسختها الإلكترونية قبل نحو خمس سنوات ونصف من الآن، بتاريخ 12 شهريور 1390 (3 سبتمبر 2011) في الفضاء الافتراضي.
ورغم أن زمناً طويلاً نسبياً قد مضى على نشر النسخة الأولى من هذه المقالة، فإنني لا أجد إعادة نشرها الآن دون أدنى تغيير أمراً بلا مناسبة، لا سيما أنها إلى جانب بحوث مشابهة في الاسم والمحتوى نُشرت في هذه المدة وخصوصاً مؤخراً، قد تساهم بدورها في توفير أرضية لحوارات مفيدة ومؤجلة حول حاضر ومستقبل التنوير الديني.
ما كانت لفكرة هذه المقالة أن تتشكل لولا حوارات الكاتب مع العديد من الأصدقاء والزملاء والطلاب خلال السنوات الأخيرة حول التنوير الديني والعلماني. غير أن الشكل الحالي لهذه المقالة يدين بالفضل للمقترحات المفيدة والانتقادات المهمة التي تفضل بها بعض أصدقائي وزملائي بعد قراءة المسودات الأولى لهذه المقالة كتابةً وشفاهةً. أود أن أشكرهم مرة أخرى هنا. علي بايا، على هامش المسودتين الأولى والثانية لهذه المقالة، وبدقة وصبر يُحتذى بهما، شاركني انتقادات ومقترحات قيّمة. قبلتُ بعضها واستخدمتها في صياغة المسودات اللاحقة للمقالة التي بين أيديكم الآن، لكن حوارنا حول بعض أهمها لا يزال مستمراً، حتى خارج إطار هذه المقالة. محسن كديور شاركني نقوده حول المسودة الأولى لهذه المقالة، وقد أفدت من بعضها في تطوير الشكل الحالي للمقالة. وفي ضوء الانتقادات التي أبداها محمود صدري وآرش نراقي، أضفت توضيحات إلى فقرتين من المقالة كي يتضح مقصدي بشكل أفضل. كما أن الملاحظات القيّمة لسيد صادق حقيقت وسيد علي مير موسوي دفعتني إلى إزالة الغموض عن بعض النقاط. ياسر ميردامادي ذكّرني بعدة نقاط على هامش المسودة الثانية للمقالة، وقد انعكس بعضها في المسودة الحالية. سروش دباغ وداريوش محمد بور قرآ المقالة باهتمام وتحاورا معي بشأنها. أشكرهم جميعاً جزيل الشكر. مسؤولية الشكل والمحتوى الحاليين لهذه المقالة تقع على عاتق الكاتب وحده.
[2] باحث في مركز الأبحاث في الفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية (CRASSH)، جامعة كامبريدج (۱۳۹۰).
[3] G.W.F. Hegel, The Philosophy of Mind, A.V. Miller (tr.), Oxford, Clarendon Press, 1973, § 551, pp. 287-88.
[4] ذهب البعض، مثل مصطفى ملكيان، إلى أن «التنوير الديني» هو، من الناحية المفهومية، تركيب متناقض الأجزاء. مباحث هذه المقالة مستقلة عن نفي هذا الموقف أو إثباته، لأن «التنوير الديني» في هذه المقالة، وفقاً للشرح الذي سيرد مفصلاً في الفقرة رقم واحد من هذه المقالة، هو عنوان مشير وبعدي (a posteriori) يشير إلى برنامج فكري-سياسي بوصفه كياناً اجتماعياً-تاريخياً (socio-historical entity)، ولا يستند إلى تعريف قبلي (a priori) و/أو تحليل مفهومي أو لغوي لمصطلح «التنوير الديني».
[5] وجهة النظر هذه لإزايا برلين هي إحدى الأفكار المتفرعة عن نظريته حول التعددية. لطالما كانت تعددية برلين وعلاقتها بالنسبوية موضع خلاف. لمراجعة عميقة ونقدية لما جرى حول هذه النظرية في تاريخ الفكر السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصاً الفرق الدقيق والحساس بين هذه النظرية والنسبوية، انظر إلى هذه المقالة الرائعة لستيفن لوكس:
Steven Lukes, "Isaiah Berlin's Dilemma: Must Pluralists be Relativists?" Times Literary Supplement, March 1998.
وانظر أيضاً إلى هذه المقالة له:
"An Unfasionable Fox," The Legacy of Isaiah Berlin, R. Dworkin, M. Lilla and R. B. Silvers (eds), New York, New York Review Books, 2001.
[6] على سبيل المثال، التعددية الدينية هي مبحث في فلسفة الدين واللاهوت الجديد. لكنها، مثلاً لدى عبد الكريم سروش، ليست مجرد بحث في فلسفة الدين واللاهوت الحديث. وكما أوضحت في مقالة أخرى في نقد تعدديتهم السياسية، فإنهم يستعرضون، في إحدى محاضراتهم، سجلهم المعرفي-السياسي ويبينون كيف تترابط مجالات تنظيرهم الأربعة، أي العرفان الكلاسيكي، ونظرية القبض والبسط النظري للشريعة، ونظرية بسط التجربة النبوية، وأخيراً فكرة الديمقراطية. وهم يقدمون المجالات الثلاثة الأولى بوصفها منابع التعددية الدينية، والتعددية الدينية بوصفها أرضية لنفي الاستبداد السياسي وإثبات التعددية السياسية، وأخيراً إرساء الديمقراطية في المجتمع الإيراني.
مقالتي بعنوان «التعددية غير المنفتحة: وقفة نقدية في الفكر السياسي لعبد الكريم سروش،» المنشورة في كتاب تذكاري بمناسبة عيد ميلاده الخامس والستين، هي نقد لتعددية برنامجه الفكري-السياسي. يمكنكم الاطلاع على تلك المقالة هنا:
کثرتگرایی-ناگشوده-درنگی-انتقادیhttp://www.soroushmilad.com/
يمكنكم الاستماع إلى محاضرته حول التعددية الدينية وأهميتها السياسية عبر هذا الرابط
[7] قيم مثل تخفيف آلام ومعاناة البشر، وفتح القدرات الروحية والأخلاقية والمتعالية والمحرِّرة.
[8] هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يتنبه للوجه السياسي لبرامجه الفكرية. الفرق بينه وبين التنوير الديني، كما سيرد في الفقرة الأخيرة من الجزء الثالث من هذه المقالة، هو أنه سعى إلى برامج سياسية مختلفة للوصول إلى مطالب تختلف عن مطالب التنوير الديني.
[9] من الواضح أن كون بحث علمي أو فلسفي معرفياً هو مقولة أخرى، مستقلة عن كونه موجهاً نحو نتيجة أو غير موجه نحو نتيجة.
[10] لقد ذكرت هذه الأسماء فقط حسب الترتيب الأبجدي لأسماء عوائل هؤلاء الأشخاص.
[11] أهم مصدر لهذه الاستراتيجية هو التمييز الذي أقامه عبد الكريم سروش بين هذين النمطين من التدين في أعماله (على سبيل المثال، راجع محاضرته المسماة «إسلام الحقيقة، إسلام الهوية» بتاريخ 1 آبان 1376). كان هذا التمييز لديه حتى وقت قريب يحمل دلالة واضحة على تفضيل الحقيقة الدينية على الهوية الدينية، ويضع التنوير الديني في مصاف أنصار الحقيقة الدينية، ويعتبر هذا مقوماً للتنوير. وبعد حوالي 9 سنوات من تلك المحاضرة، يؤكد في مقابلة بتاريخ 25 مرداد 1385: «المثقف الديني يهتم بالحقيقة الدينية أكثر مما يهتم بالهوية الدينية. الهوية لرجال الدين. إسلام المثقفين الدينيين هو إسلام الحقيقة. والهوية فرع عليها. على المثقف الديني قبل كل شيء أن يهتم بالإيمان، والتجربة الدينية، والتفسيرات الدينية المختلفة، وتهيئة الإمكان العملي لها.» لكن في هذه المقابلة نفسها، تظهر بوادر تردد في هذا الفصل والحكم: «برأيي، يمكن افتراض طريق ثالث وتحقيقه عملياً، وهو التوازن بين الوجهين الحقيقي والهوياتي للدين. إذا اختل هذا التوازن، نصل إما إلى الأصولية أو إلى التصوف الذي هو نوع من تغلب الحقيقة على الهوية» (التأكيد ليس من النص). (http://www.drsoroush.com/Persian/Interviews/P-INT-13850525-Mosahebeh.html) وقد أصبحت بوادر التردد هذه أكثر وضوحاً وبروزاً منذ ذلك التاريخ حتى الآن، حتى أنه في إحدى آخر محاضراته بتاريخ 8 تيرماه 1390، مع تأكيده البليغ على أهمية الهوية الدينية والأوجه الهوياتية للديانة، اعتبر الاهتمام بالهوية الدينية حتى أحد المقومات المعرّفة للتنوير الديني، و«عرّف المثقفين الدينيين بأنهم مفكرون لديهم انتماء ديني، أي قلوبهم معلقة بالحقيقة والهوية الدينيتين لكنهم في الوقت نفسه ليسوا رجال دين» (التأكيد ليس من النص). (http://www.drsoroush.com/Persian/By_DrSoroush/P-NWS-13900418-GoftemaneHoghoogheBasharDarAndisheDini.html). هذا المسار التطوري في آرائه، يمكن أن يكون علامة على أنه حتى عنده، فإن كلاً من ذلك التمييز ودلالته المعيارية قد أخذ في التلاشي تدريجياً.
[12] من الواضح أن البنائية لدى الفلاسفة العقلانيين النقديين وفلاسفة ما بعد الحداثة وبعض المثاليين تشير إلى معانٍ مختلفة.
[13] سمعت هذه الحكاية في أحد دروس الفقه، من محمد باقر باقري كني، وهو من التلاميذ المباشرين لدروس الفقه لآية الله البروجردي، في جامعة الإمام الصادق (ع) سنة 1373.
[14] سمعت هذه الحكاية مع جمع من الأصدقاء، من جملة من سمعناها منهم، من محمد مجتهد شبستري سنة 2003 في معهد الدراسات المتقدمة في برلين (Wissenschaftskolleg zu Berlin). وهو الراوي المباشر لهذه الحكاية.
[15] أحدث الصياغات وأكثرها مباشرة لهذا التوجه تجدونها في هذه المقالات الثلاث لمحمود صدري: «التسارع في منحدر التقوى الخالصة،» هنا: http://www.rahesabz.net/story/39142/ ، «غرور التقوى الخالصة» هنا: http://www.rahesabz.net/story/40284/ و«التقوى الخالصة: الزجاج الأزرق؛ من "السخرية من الإمام الزمان" إلى نقد "عبدة البقر"» هنا: http://www.rahesabz.net/story/40362/ على الرغم من أن نقد محمود صدري في هذه المقالات الثلاث، ينصب في معظمه (إن لم نقل كلياً)، على كتابات أكبر كنجي الأخيرة، ولهذا لا يمكن نسبة هذه الاستراتيجية إلى محمود صدري بناءً على هذه المقالات الثلاث فحسب، إلا أن منطق حجاجه النقدي فيها لا يقتصر على سهولة تعميمه على مشروع بعض المثقفين الدينيين المنتجين، بل إنه هو نفسه قد نشر من قبل مادة في الواقع بهذا المنطق نفسه في نقد أحد أبرز مشاريع التنوير الديني. رسالة محمود صدري المؤرخة في 29 مرداد 1384 إلى عبد الكريم سروش شاهد على قابلية التعميم هذه بل وشمولية هذا النقد البراغماتي. تلك الرسالة كتبت في نقد محاضرة عبد الكريم سروش بعنوان «التشيع وتحدي الديمقراطية» المؤرخة في 3 مرداد 1384 في جامعة السوربون. في تلك المحاضرة طُرحت مطالب لصالح فرضية «عدم توافق الولاية والمهدوية مع الديمقراطية». رسالة محمود صدري النقدية، التي نُشرت بعد حوالي ست سنوات، بتاريخ 26 فروردين 1390 بعنوان «تأمل في شأن عدم توافق الديمقراطية الحديثة مع الولاية والمهدوية في التشيع» ضمن مجموعة «طرق مسلوكة» الصادرة عن نشر عام، كُتبت من المنطلق النظري نفسه الذي يدعم أيضاً مقالات محمود صدري الثلاث الأخيرة في نقد كتابات أكبر كنجي. تجدون رسالة محمود صدري إلى عبد الكريم سروش على هذا العنوان: http://www.rahesabz.net/story/35572/ تقرير عن محاضرة عبد الكريم سروش، التي كُتبت هذه الرسالة في نقدها، تجدونه هنا: http://www.drsoroush.com/Persian/News_Archive/P-NWS-1384-05-10-LectureInParis.html
بعض كتابات أكبر كنجي الأخيرة في هذا المجال تجدونها عبر الروابط الأربعة التالية:
«نائب الإمام الزمان والسخرية من الإمام الزمان،» راديو زمانه، الأحد، 29 خرداد 1390، http://www.radiozamaneh.com/politics/2011/06/19/4845
«اختراع التشيع،» النشرة الإخبارية غويا، الثلاثاء، 7 تير 1390، http://news.gooya.com/politics/archives/2011/06/123988.php
«اختراع ضروريات التشيع،» راديو زمانه، الخميس، 16 تير 1390، http://www.radiozamaneh.com/reflections/2011/07/07/5255
«نهاية الأيديولوجيا، التاريخ، الاعتقاد،» روز أونلاين، الأربعاء، 12 مرداد 1390، http://www.roozonline.com/persian/opinion/opinion-article/archive/2011/august/03/article/-945f693ce0.html
[16] يكتب محمود صدري في «التسارع في منحدر التطهر العقائدي»: «التطهر العقائدي متناقض في ذاته، لأنه إذا أُريد تطبيق محك العقل المحض والواقع التاريخي بشكل متجانس وموحد، فبحسب مقولة ’إن حُكم أن يُؤخذ السكارى / أُخذ في المدينة كل من فيها‘، لن يمر من تيغ النقد العقلي ما يعتبره المتطهرون باطلاً فحسب، بل ما يجيزونه أيضاً، وسيُجر التطهر العقائدي إلى ساحة اللادينية. (مثلاً، إذا كانت الإمامة غير عقلانية، فلماذا لا نطرح اللاعقلانية ذاتها بشأن النبوة أو المعاد؟ وقس على ذلك). وبما أن المتطهرين لا يتحملون مثل هذه النتيجة، فإنهم مضطرون عند نقطة ما، وبشكل اعتباطي، أن يرتقوا شق النقد وإلا فلن يبقى دين» (التأكيد ليس من النص).
[17] انظر إلى الاقتباس الذي أوردته في الهامش رقم 16.
[18] أشار إلى هذا المطلب، من جملة ما أشار، في هذه المحاضرة: «باثولوجيا التنوير الديني،» بتاريخ 5 سبتمبر 2007 في ندوة الدين والحداثة. نص هذه المحاضرة متاح للدراسة في جزأين عبر هذين الرابطين: http://www.bashgah.net/fa/content/show/23362 و http://www.bashgah.net/fa/content/show/23378
[19] المغالطة التاريخانية بمعناها العام، أي أن نحيل، في فهم مضمون فكرة ما أو تعليل حدث ما أو تعليل فعل ما والبحث عن معناه، إلى خصائص سياقات تشكلها، خصائص مثل الحقبة التاريخية، و/أو الخصائص الجغرافية و/أو الثقافية-المحلية لبيئة تشكل تلك الفكرة أو الحدث أو الفعل. قصدت هنا هذا المعنى العام نفسه من المغالطة التاريخانية. للتفصيل في هذا البحث وكذلك للاطلاع على التطورات النظرية للتاريخانية، راجع المصدرين التاليين:
Jeffrey Kahan, "Historicism" Renaissance Quarterly, vol. 50, No. 4, 1997.
John Brannigan, New Historicism and Cultural Materialism, USA, Palgrave, 2003.
[20] Philip Kitcher, Science, Truth, and Democracy, New York: Oxford UP, pp. 93-108.
[21] ديوان شمس، الغزل رقم 1724.
[22] لنموذج من المباحث الجادة في هذا المجال، انظر إلى هذا الكتاب:
Lynn Hunt, Inventing Human Rights, W. W. Norton, 2007.
[23] لقد قررت شرح المغالطات الثلاث المذكورة أعلاه في نقد برنامج التنوير الديني خلال محاضرة في ندوة استضافتها الجمعية الإسلامية في جامعة أصفهان الصناعية بتاريخ 18 ديسمبر 2007، ولم تُنشر بعد. آمل أن تسنح الفرصة لتحرير ذلك المطلب ونشره في تتمة هذه المقالة.
[24] أورد محمود صدري في هذا المطلب إشارات مفيدة في هذا المجال: «تأمل في شأن عدم توافق الديمقراطية الحديثة مع الولاية والمهدوية في التشيع،»
http://www.drsoroush.com/Persian/On_DrSoroush/P-CMO-13840529-MahmoudSadri.html
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.