اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التنوير اليوم فضاء نقدي ثلاثي الأبعاد: كانطي للتحرر من الوصاية، وماركسي في الاقتصاد السياسي، وفوكوي في الجينيالوجيا. هذا الفهم يمنع القلق المفهومي حول التنوير أو تعميمه المبتذل على جميع الأصناف.

الحوار العام بين الأستاذ عبد الكريم سروش والأستاذ مصطفى ملكيان[1] الذي أُقيم بتاريخ 24 أبريل 2021 باستضافة من «حلقة المنظور الجديد»[2] في الفضاء الافتراضي، هو مثال نادر وقوي على المباحثات والمناقشات التي لو اندلعت وتكررت واستمرت، حتى وإن كانت في الفضاء الافتراضي، فإنها حقاً يمكن أن تمنح ثقافتنا وسياستنا المتجمدتين حياةً وقوة؛ «حتى متى يصير مجازنا قرين الحقيقة.»
تتضمن الملاحظة أدناه شرحاً موجزاً لإحدى النقطتين اللتين طرحتهما في وقت الأسئلة والأجوبة، عقب نقاش الأستاذين المحترمين. إنني ممتن وشاكر للتفات كلا الأستاذين الجليلين الكريمين في الردود التي أضافاها على هذه النقطة.
بالنظر إلى تاريخ ونسب التنوير في العصر الحديث، يتضح أن هذا العنوان قد أشار ولا يزال يشير إلى تيار فكري سياسي متعدد الألوان، يحمل ويُنتج مستويات مختلفة من النقد (Critique) بوصفه القلب النابض لتيار الأنوار (Enlightenment). يستمد هذا النقد روحه ومادته من تعليم طرحه كانط لأول مرة في العصر الحديث. النقد كما اقترحه كانط، هو مسعى مفتوح وشامل وتأملي (Reflexive) لاكتشاف الخطأ وإزالته، مسعى يبقى الإنسان بدونه في حالة «القصور والوصاية» (Immaturity-Minority / Unmündigkeit) ولا يرتقي إلى مستوى الاستقلال الذاتي (Autonomy) ولا يبلغ عتبة الحكم الذاتي. عند كانط، التقليد والدوغمائية والجمود والتشدد والتعصب والسذاجة وسفك الدماء، كلها نسيج مترابط من القصور والوصاية، يوقع إنسانيتنا في غياب النقد في شرانق العرف والعادة ويخنقها. هذا النقد هو مؤشر المجال الكانطي للتنوير. هذا المجال من التنوير هو ميدان تشكل تقليد تحرري تشكل تدريجياً حول هذا الفهم للأنوار واتسع أكثر مع مثال الحرية السياسية في فكر الليبرالية.
هذا التقليد الكانطي تلقفه ماركس لاحقاً وصقله، وبجهوده النظرية انفتح المجال الثاني للتنوير. سعى ماركس ليس فقط إلى كشف ووصف شروط إمكانية النقد بوصفه فعلاً تحررياً وحدود تحققه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل إلى التوصية بها ووصفها. البذرة التي زرعها كانت مثمرة، وساعدت في إحداث ثورة كوبرنيكية في فهم آلية النقد التحرري. قبل ماركس، كنا قد أدركنا مع هيغل أن التحرر يستلزم ولادة الفرد المدني وقبول مسؤولية الأخلاق المدنية-السياسية (Sittlichkeit)، وخلافاً لتصور الأقدمين، فهو لا ينبثق من أخلاقيات الفرد المناهضة للمجتمع (Anti-Social) القائمة على الزهد والنجاة (الأخلاق المسيحية والأخلاق الرواقية)، ولا من الأخلاق الكانطية المنعزلة عن المجتمع (Asocial) الموجهة نحو الناظر المثالي (Moralität). علمنا ماركس أن النقد التحرري، بوصفه فعلاً تابعاً لتحمل المسؤولية المجتمعية (Social)، وبوصفه نتاج الالتزام بأخلاق المسؤولية السياسية-المدنية (Sittlichkeit)، فهو رهين بنقد الاقتصاد السياسي للسلطة. بتعبير آخر، تعلمنا من ماركس أن النقد التحرري، وهو القلب النابض للحرية، له شروط من جنس العدالة السياسية-الاقتصادية. هكذا، لم يتخل التيار التنويري بعد ماركس عن مثال الأنوار الكانطي، لكنه في هذا المسار، خطا في مرحلة جديدة وفتح مجالاً جديداً في عالم التنوير وأظهر أنه ليس كل ترتيب سياسي وتنظيم اقتصادي يسمح بانطلاق أعمال النقد التحرري.
في العصر الحديث المتأخر وما بعد الحداثي، دخل النقد مرحلة جديدة، وهكذا أُضيف مجال آخر إلى مجالي التنوير الكانطي والماركسي. فوكو في مجموع أعماله، ومنها في إعادة قراءته لمقالة كانط «ما الأنوار؟»، يقترح أن للنقد ليس فقط مجالاً معرفياً ومجالاً اقتصادياً-سياسياً، بل أيضاً مجالاً جينيالوجياً وأركيولوجياً يضيف بعداً جديداً إلى كلا المجالين السابقين للنقد.
وهكذا، فإن التنوير اليوم هو فضاء ثلاثي الساحات من النقود المتشابكة التي تستدعي إحداها الأخرى وتستلزمها. إن باشرنا شأن النقد التحرري من أيٍّ من هذه الساحات الثلاث، فإن استمرار الطريق ينساق حتماً إلى الساحتين الأخريين.
النقد التحرري هو المحور القوَّام الذي يصل ساحات التقليد التنويري ومراحله المختلفة بعضها ببعض. وبهذا الفهم للتنوير، لا يتشابك تقليل المرارة وتقرير الحقيقة فحسب، ولا يصيب مفهوم التنويرَ القلقُ من تعقّد الحقيقة وازدياد خفائها في الحقبة ما بعد الحداثية. وبفهم المسار ثلاثي الساحات للتنوير، لا نقع في أسر تعريفات تحكّمية وقبلية وغير مكترثة بتاريخ التنوير، ولا نوسّع نطاق هذا العنوان وذيله بحيث ينطبق على معظم أصحاب الحرف والصنائع والمهن، فيصبح عملياً مفهوماً زائداً وفائضاً وتافهاً، قابلاً للحمل على كل أولئك الذين لا يسمّون أنفسهم ولا يسمّيهم غيرهم بالمتنورين، ولا يسمّون شأنهم، من الطب والتمريض والاستشارة الصحية والنفسية والهندسة إلى النشاط السياسي والمدني والأستاذية الجامعية وممارسة السياسة والإدارة والصحافة، تنويراً. هذا الفهم ثلاثي الساحات للتنوير لا يقع أيضاً في فخ التمييز المبهم والمضلّل بين الثقافة واللا-ثقافة، فيعتبر التنوير معادلاً لتقرير الحقيقة وتقليل الملالة في فضاء الثقافة، ويُقعد تقرير الحقيقة وتقليل الملالة في ساحة البدن والطبيعة خارج دائرة التنوير. وبهذا الفهم ثلاثي الساحات للتنوير، لن نجد المتنورين بعد اليوم متقاعدين متحجرين في حجرات كليات العلوم الإنسانية.
.
.
[1] التنوير والحقيقة، حوار عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان، 24 أبريل 2021، حلقة دیدگاه نو (مشاهدة على يوتيوب، الاستماع على أنكور، كاست بوكس، تحميل الصوت على تلغرام)
[2] حلقة دیدگاه نو على تلغرام، وعلى يوتيوب
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.