اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
القرآن ليس مجرد «كتاب خوف»، وقد امتلك النبي منذ البداية جناحي القوة والمحبة معًا؛ نقدٌ لدعوى الدكتور سروش الأخيرة التي وقعت في مغالطة النصف المكتمل وأغفلت محبة الله؛ بقلم محمد نصر أصفهاني.

يذكر الدكتور سروش في آخر محاضرة له في عام 2020 أنه قد تنبه مؤخراً إلى أمرين كان غافلاً عنهما: الأول أنه كان يعتقد حتى الآن أن المعرفة الدينية تنقبض وتنبسط على هامش المعارف الأخرى، لكنه لاحظ مؤخراً أن المعرفة، بما فيها المعرفة الدينية، بل الدين نفسه، قد تكوّنت ونمت في ظل السلطة. فالسلطة، ولا سيما السلطة السياسية، تجعل المعرفة الدينية تعاني من القبض والبسط. هذه النقطة صحيحة، وعلماء النفس وعلماء اجتماع المعرفة لا يحصرون قبض وبسط المعرفة بالسلطة فحسب، بل يرون أن عوامل مثل المناخ والإقليم والجغرافيا والتقليد والتاريخ واقتصاد المجتمع هي أيضاً من عوامل قبض وبسط وصعود وهبوط المعرفة، بما فيها المعرفة الدينية.
أما الموضوع الثاني الذي كان السيد سروش، حسب قوله، غافلاً عنه وتنبه له مؤخراً فهو أن الإسلام، وبالتالي القرآن، لم يكن له سوى جناح واحد. يقول: «كان الإسلام يفتقر إلى شيء واحد أضافه إليه التصوف». لقد أدخل التصوف شيئاً مذموماً إلى المعرفة الدينية، وهو ظاهرة العشق والمحبة. هذا الإدخال منح الإسلام جناحاً آخر. برأي الدكتور سروش، كان الصوفية «كاشفي حسن الله»، بينما كان القرآن «كتاب خوف وخشية». برأي الدكتور سروش، كان القرآن تجربة النبي الخوفية، والنبي الذي هو مؤلف القرآن كان يعكس تجربة محمد. مع أنه برأيه كان مؤلف محمد هو الله. وبطبيعة الحال، وكما يصرح السيد سروش بذلك، فإن إله محمد كان مخيفاً ومرعباً ومفزعاً ومعذباً، وهو الذي ألّف محمداً على هذا النحو. ويصل سروش في النهاية إلى أن القرآن «كتاب خوف» والمثنوي وديوان شمس «كتاب عشق».
السؤال الذي ينبغي الانتباه إليه هو: ما هي العلاقة بين النقطة الأولى والنقطة الثانية من تنبهات السيد سروش؟ الجواب واضح. النقطة أو النظرية الثانية تعوض نقض النقطة والنظرية الأولى. كانت النظرية الأولى أن إله محمد مخيف ومعذب، ونتيجة لذلك فإن محمداً المؤلَّف من هذا الإله هو سلطوي لا يرحم ولا يتردد في أي نوع من التعذيب والإرهاب وقتل مخالفيه. على ما يبدو، فإن السيد سروش، تبعاً لنيتشه الذي يذكر اسمه مراراً، لا يستطيع أن يصدق أن بإمكان الإنسان أن يمتلك إرادة موجهة نحو القوة وإرادة موجهة نحو الأخلاق في آن واحد. كان نيتشه أيضاً يعتقد أن قانون الإنسان الأعلى هو قانون البشر عديمي الشفقة. ويبدو أنه يعتقد أن القوة والسلطة تسيران بالتوازي مع المحبة والعشق كطريقين متوازيين لا يلتقيان أبداً. يعرب السيد سروش في النهاية عن رضاه بأن نتيجة التجربة الباطنية للعرفاء كانت أن الإسلام الذي كبلته السلطة وجد أيضاً جناح العشق والمحبة ليستطيع النمو والتحليق.
ينبغي أن نعلم أن الأمر ليس كما قيل، بأن النبي لأنه امتلك إرادة موجهة نحو القوة وكانت له حكومة وسار أتباعه على دربه نفسه، لم تكن لديه إرادة موجهة نحو الشفقة ولم يكن يملك أكثر من جناح واحد قائم على السيف. لقد امتلك النبي كلا الجناحين منذ البداية ولم يكن بحاجة إلى الصوفية ليصمموا له جناحاً ثانياً. فهو لو أراد ذلك لما سمح له مؤلفه الحكيم بإجبار الناس، لأن الإيمان والتدين بالإكراه لا قيمة له: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس، 99). لقد تناول كاتب هذه السطور، قبل سنوات، في مقالة «حكومة الأخلاق» هذين الجناحين لمحمد بتفاصيل تاريخية مستفيضة.
للأسف، يعاني الكثير من باحثينا من مشكلة النظرة الجانبية، بل يقعون في مغالطة «الكُنه والوجه»، وكأنهم ينظرون إلى النصوص الدينية بعين واحدة فقط ويغمضون العين الأخرى عن بقية النصوص. فتارة لا يرون إلا الرحمة والمحبة وكأن لا خوف ولا خشية، وتارة لا يرون إلا الخوف والخشية ولا ترى عيونهم العشق والمحبة. من العجيب أن السيد سروش يصر كثيراً على أن التصوف العشقي لا علاقة له بمحمد وإله محمد والقرآن. وكأن إله محمد، وهو كائن مخيف، قد خلق محمداً مخيفاً ليؤلّف قرآناً مخيفاً. إذن، ينبغي أن نكون شاكرين جداً لعرفاء المسلمين لأنهم صبغوا المعرفة الدينية بصبغة العشق وزينوها بالمحبة؛ لأن القرآن لم يكن كتاب عشق ومحبة. لعل هؤلاء الصوفية العشقيين هم الذين جعلوا محمداً صاحب الخلق العظيم «خُلُقٍ عَظِيمٍ» (القلم، 4) ورحمة للعالمين: «رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء، 107)، وجعلوا الله رحماناً رحيماً.
ذلك الوجه الجانبي الذي رآه الدكتور سروش لا يمكن إنكاره، لكن القرآن ليس هذا الوجه فحسب. فمحمد صاحب الخلق العظيم، مبعوث لتشمل رحمةُ الله «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» الجميعَ. لم يأتِ القرآن للعبيد الصفة فحسب، أولئك الذين لا يستسلمون حتى يخشوا من أمرٍ مشقةً أو ضررًا أو ما يسمونه عذابًا محسوسًا ملموسًا، ليكون مجرد «كتاب تخويف». القرآن في الآن ذاته «كتاب بشارة» أيضًا. ثمة أناس كثيرون أهل معاملة، لا يقدمون على فعل حتى يروا فيه ربحًا محسوسًا ملموسًا. هؤلاء هم مخاطب القرآن في بعض الآيات. يقول لهم القرآن: «فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ، سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ.» (يس، 54-58)[1]
لكن بالإضافة إلى هذا، القرآن «كتاب عشق» أيضًا. إذا كان عرفاؤنا قد كتبوا «كتب العشق»، فلأنهم رأوا صفحات القرآن هذه بعينها. في القرآن تُطرح أمنية الله على هذا النحو: أن ينشأ مجتمع يعشقهم الله ويعشقونه هم، متحررين من الخوف والطمع، لا يعشقون إلا الله: «يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» (المائدة، 54). أسلوب كلام القرآن عن هؤلاء البشر هو كأسلوب كلام معشوق يطرح رغباته على عاشقه كي يلبيها له، كأن يقول الله: إن قومًا يحبون أندادًا غيري أكثر من حبهم لي. وآخرون يحبون غيري بقدر حبهم لي، أما المؤمنون فيحبونني أكثر من أي شيء آخر: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.» (البقرة، 165). إذن أنا أحب الفئة الأخيرة. أنا أحب المطهرين لأنهم طاهرون مثلي: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (التوبة، 108). أنا القائم بالقسط، أحب من هو قائم بالقسط: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الممتحنة، 8). أنا أحب المحسنين لأنهم محسنون مثلي: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (البقرة، 195). أنا أهل العدالة، أحب صرخة استغاثة المستغيثين: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» (النساء، 148). أنا أحب المتوكلين عليّ لا على أي محبوب أو مطلوب آخر: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (آل عمران، 159). أنا أحب الصابرين: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» (آل عمران، 146). أنا أحب المتقين الذين يحفظون أنفسهم ولا تجذبهم كل نزوة إلى صوبها: «فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» (آل عمران، 76). «كتاب العشق» هذا يحوي أيضًا قائمة طويلة من الأمور التي لا يحب الله لعشاقه أن يتجهوا إليها، وقد عُبِّر عنها بقوله: «وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ».[2] علاوة على الآيات، فالروايات والأدعية أيضًا مفعمة بالأدب العاشق والعرفاني، ونحجم عن ذكرها إطالةً للكلام.
ويأمل الكاتب في الختام أن يمتنع جميع الأعزاء المهتمين بالدين - وأنا على يقين أن الدكتور سروش منهم - عن إطلاق الأحكام المتسرعة والأحادية الجانب في هذا الزمن العصيب الذي يشهد نفورًا من الدين بسبب سوء سلوك مدعي الدين، لكي يتم تمييز الدين عن شبه الدين.
.
.
[1] 24- سوره 50, آیه 34 ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ 25- سوره 19, آیه 62 لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
30- سوره 6, آیه 127 لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 37- سوره 10, آیه 25 وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 38- سوره 5, آیه 16 يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[2] وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ .(بقره،276)
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (بقره،205) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (قصص،77)
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (قصص،76)
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (بقره،190)
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (6،141)
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (آلعمران،140)
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (نساء،107)
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (حدید،23)
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (انفال،58)
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (نحل،23)
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (آلعمران،32)
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (اعراف،31)
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
واقعا چطور ممکن است از توی این همه اشاره و توصیه به گذشت و رحمت و رحمانیت چنین دیدگاه بیماری و نگاه paranoidبیرون بیاید از عجیب ترین رفتارهای عاشقان و شدایان خارج ، فرنگستان، عالم برتر است!!! از رنجی که می بریم
نقد جامع و کاملی بود.بهتر است دکترسروش قدری از برج عاج خود پایین بیاید.