اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يميّز مقصود فراستخواه في الدين بين وجهين متمايزين: الدين بوصفه أمراً واقعياً يمثل ساحةً من حياة الإنسان، والدين بوصفه أمراً مثالياً يختص بالخواص والأنبياء؛ حوار سوسيولوجي حول التحولات الدينية في إيران.

ما تقرؤونه في ما يلي هو حوار تفصيلي أجرته «صفير حيات» مع الدكتور مقصود فراستخواه، عالم الاجتماع وعضو الهيئة العلمية في معهد أبحاث وتخطيط التعليم العالي. تركزت دراساته الجامعية في تخصصات الفلسفة وعلم الكلام وتخطيط تطوير التعليم العالي.
بدايةً، هلا قدمتم تعريفاً موجزاً لمصطلحي «الدين والنفور من الدين».
أعتقد أن للدين وجهين متميزين: وجه للدين بوصفه أمراً واقعياً، ووجه آخر للدين بوصفه أمراً مثالياً. أي [Religion as a real affair or religion as an ideal affair.] سأتحدث بعد قليل عن هذا الأمر الواقعي والأمر المثالي وارتباطهما ببعض، لكن دعوني الآن أقول إن الدين بوصفه أمراً واقعياً هو ساحة من ساحات حياة البشر، وساحة من ساحات ذهن البشر، وساحة من ساحات لغة البشر.
يقول فيتغنشتاين: توجد أنواع من المفردات والكلمات (Vocabulary) وأنواع من القواعد النحوية، لدينا قواعد العلم أو قواعد الفن، وهناك أيضاً لغة هي لغة الدين. للدين نفسه لغة؛ لهذه اللغة رموزها، ومفرداتها، وهي في الأصل دستور للحياة. إذن، بهذا المعنى، تصوري هو أن الإنسان كائن متعدد الساحات، وساحة من ذهن البشر، وساحة من لغة البشر، وساحة من حياة البشر يمكن أن تكون هي الدين. ما معنى هذا؟ إنه نمط من الشعور، إن كنتم أنتم وأنا والأصدقاء نحمل هذا الشعور، فسيصبح الدين ذا موضوعية بالنسبة لنا. لكن قد لا نحمل هذا الشعور، فكثير من أصدقائنا، وهم أصدقاء طيبون جداً، لا يحملون شعوراً دينياً؛ لأسباب ودواعٍ مختلفة. وبوسعنا أن نعيش معهم أيضاً حياة حرة وفق قواعد العرف والأخلاق والقانون. ونتيجة لذلك، أتصور أن الدين ساحة من ساحات ذهن الإنسان ولغة الإنسان وحياته، وهو نمط من الشعور والإدراك. له رموزه (Symbols) الخاصة، وتنشأ للإنسان من خلال الدين رموز ونزعات. وتتشكل معتقدات تخلق نظاماً طقسياً، كالطقس البوذي، والمسيحي، واليهودي، والإسلامي، والزرادشتي، وطقوس مختلفة، والشنتو والشامانات وغيرها. في كل دين توجد روايات، وتوجد نصوص مقدسة (Text)، ويتشكل أولياء الدين وسننه الدينية. وتنشأ أشياء وأماكن مباركة في نظر المتدينين، وتتشكل الشريعة: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَهً وَ مِنْهاجاً».[۱]
ثمة أشخاص مثل غلاك وستارك عملوا من منظور سوسيولوجي. لقد عملنا كثيراً مع الطلاب، وفي العقود الماضية أُجريت استبيانات واستطلاعات وطنية. وهناك تراكم لهذه الاستطلاعات. قبل سنوات، قمتُ بتحليل بعدي (Meta-analysis) على الدراسات الوطنية، وحللت بعدياً ما لا يقل عن تسعين بحثاً وبضع بحثات. أي أنني أعدت ترتيب نتائج الاستطلاعات والدراسات وفحصتها، ونشرتها في مدونتي [۲]، وناقشتها وعرضتها مرات عدة في الجمعية السوسيولوجية. ومن مجموع الأبحاث التي أُنجزت عن الدين في السنوات الماضية، لخصت شيئاً مفاده: ما هي نتائج الاتجاهات الدينية في إيران؟
طرح غلاك وستارك خمسة أبعاد للاعتقاد الديني أو التدين أو الممارسة الدينية من أجل التدين: أحدها أن الدين تجربة (Experience)، تجربة حياة. لكل شخص تجربة حياة، كأن ينذر نذراً فيُستجاب له، أو تكون لديه تجربة في التوكل على الله، أو تجارب في أمور دينية أخرى. قبل أيام، عاد أحد طلابي في الدكتوراه من فترة دراسية له في تورنتو، ونقل لي أن إيرانياً أحضر شلة زرد نذرية في بهو مجمعه السكني، فجاء سكان من جنسيات وأديان مختلفة وشاركوا في المراسم. إذن، أحد أبعاد الدين هو البعد التجريبي.
البعد الثاني للدين هو المعتقدات (Beliefs)، الإيمان بالله، الإيمان بما إذا كان الله شخصياً أم غير شخصي؟ إله الأديان الشرقية الآسيوية ليس إلهاً شخصياً، بل إن الله بذلك المعنى الشخصي غير موجود أصلاً لديهم. بينما في الأديان السامية يوجد إله شخصي عادةً. وفي نظر كثير من عرفائنا، الله المتعالي غير إله المتشرعين، وكذلك الأمر في نظر حكمائنا. لذلك، لكل دين من هذه الأديان أنظمة معتقدات مختلفة. فالمعاد الجسماني، أو المعاد الروحاني، أو المعاد غير موجود في بعض الأديان الشرقية ويحل محله التناسخ. ترون أن أنواعاً من المعتقدات موجودة.
البُعد الثالث هو الطقوس (Ritual). لكل دين طقوسه الخاصة. للإسلام طقوس مثل الحج والصلاة والصوم... إلخ. ولليهود طقوسهم، وللمسيحيين طقوسهم كالعشاء الرباني... إلخ.
أما البُعد الرابع فهو المعرفة، أي ما هي أشكال الوعي التي يتضمنها الدين، وما هي المعرفة التي يحوزها المتدين عادةً؟ نحن عادةً لا نقيس هذا الأمر كثيراً في إيران، لأنه يُحدث انحيازاً وخطأً في نتيجة البحث، إذ تُمارس أنواع وأشكال من الضغوط (Impose) على أدمغة الناس. وللأسف، فإن التعليمات الدينية الإجبارية في المدارس ووسائل الإعلام، بصفتها تعليمات دينية، لا تُظهر حقيقة التدين. لو أردتم قياس المجتمع قبل الثورة، لربما كان بوسع المعرفة الدينية أن تمثل جزءاً من التدين.
والبُعد الأخير هو النتيجة. فعندما نكون متدينين، نشعر بماذا ستكون نتيجة ذلك لحياتنا في الدنيا والآخرة؟
إذاً، ما ذكرته حتى الآن هو الدين بوصفه أمراً واقعياً (رئال)، أي أمراً واقعياً اجتماعياً وإنسانياً موجوداً بين الناس؛ سواء على المستوى الجزئي أو المستوى الكلي.
وهناك نظرة أخرى إلى الدين، لا بوصفه أمراً واقعياً، بل بوصفه أمراً مثالياً (إيديال). ما أعنيه بالمثالي هو أن هذا النوع من التدين يوجد على مستوى الخواص. أي أن هناك أشخاصاً يؤمنون بالدين بوصفه أمراً مثالياً، ويكون الدين بالنسبة لهم تجارب نافذة جداً. عادةً ما يكون هذا النوع من التدين مقترناً بالأحداث والوقائع. فعلى سبيل المثال، كان محمد (ص) إنساناً كان له مثل هذا الدين، ودين إبراهيم الذي يوصف في القرآن بـ "ملة إبراهيم". إن تدين إبراهيم ومحمد والمسيح... إلخ، ينطوي على تجارب عميقة جداً ومقترنة بالأحداث. فمثلاً موسى؛ وفقاً للروايات، كانت زوجته تعاني من آلام الحمل، والظروف الجوية غير مناسبة، وهما تائهان في الصحراء. ثم يرى نوراً من بعيد: «فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّی آنَسْتُ ناراً».[٣] أي إنها حادثة. ثم يصل إلى هناك فيُقال له: «إِنِّی أَنَا رَبُّکَ فَاخْلَعْ نَعْلَیْکَ».[٤] أي إنها حالة تسبب فيها حدث ببدء الوحي إلى موسى. أو مثلاً ما يُذكر عن تأملات رسول الله في غار حراء، وما حدث فيه من أمور، والآثار التي تركتها في نفسه، ثم قصة: «اقْرَأْ».[٥] هذه أحداث ووقائع، شيء يعتري إنساناً فيبعثه وينهضه كلياً، ويدفعه إلى الزمان والتاريخ. إنه أمر خارق للعادة، تقترن به معجزات وكرامات. هذا الأمر المثالي ينتقل عادةً في عملية ما إلى المجتمع، ثم يتحول مجدداً في سيرورة ما إلى أمر واقعي. هذا الجدل عجيب جداً، أي بمجرد أن يتحول النبي، ويجد مخاطبين، ويدعو، يخرج من بينهم أنواع البشر، ثم يتحول هذا الأمر المثالي مجدداً إلى طقس ويصبح واقعياً من جديد. ثم تأتي الجمل التي سمعناها جميعاً.
هل "رئال" بمعنى الواقع أم وفقاً لما هو موجود؟
لا، الواقع؛ الأمر الرئال، أي الأمر الموجود في الواقع، وليس الحقيقة (Truth).
من حيث التقدم والتأخر، ألا توجد علاقة بينهما؟
لا يمكن تفسيرها بشكل خطي، لكن يبدو عموماً أنه كانت بينهما دائماً علاقة جدلية، أي على المستوى الأوسع للعامة، وعلى مستوى الخواص أيضاً.
ألا يمكن أن نسميها فطرة؟
يمكن ذلك بمعنى من المعاني. لا أريد أن أضع عليها كثيراً من الطوابع الكلامية الخاصة، فلننظر إليها على نحو أوسع قليلاً. في رأيي أن كلاً من الأمر الواقعي والأمر المثالي توأمان للإنسان، وكانا دائماً معه على نحو ما. عندما ندرس تاريخ الإنسان نرى أن هذين الأمرين كانا حاضرين بين الناس بشكل ما، حتى في النقوش والكتابات التي نراها على جدران الكهوف. وفي الماضي أيضاً، ومنذ زمن بعيد، كان هناك بشر امتلكوا هذه الأمور على الأقل بلغتهم الخاصة. وكان الأمر الواقعي موجوداً على المستوى الكبير، وكذلك على المستوى الصغير.
تروي رواياتنا أن مئة وأربعة وعشرين ألف نبي قد ظهروا. وكان لكل واحد من هؤلاء الأنبياء، على نحو ما، أمر مثالي. وقد وجد كل منهم أمة، أو جماعة، أو مخاطبين، ثم نشأ في حياتهم، أو خصوصاً بعد حياتهم، أمر واقعي تخلقت فيه شتى أنواع القصص والحكايات. أنا شخصياً أتصور أن الأمر لم يكن بحيث بدأ الدين من الأنبياء، بل هو موجود في الإنسان نفسه، وهو ما يُعبّر عنه بالفطرة. وعادة ما يصاب بالخرافة والانحطاط، ثم يأتي الأنبياء لتحسينه والارتقاء به، وإصلاحه، والسمو به، وليقولوا إن الأفضل أن يكون الإيمان والتدين على هذا النحو. أردت أن أوضح التمايز بين الدين بوصفه أمراً واقعياً والأمر المثالي. وبأمثلة سأذكرها لاحقاً في العالم الإسلامي، سيتضح هذا الأمر أكثر. وأود أن أقول أيضاً إنه قيل إن الدين توأم الإنسان ورفيق دربه، لكن الحقيقة أن المحققين، وعلماء الاجتماع، والأنثروبولوجيين، وفلاسفة الدين، ومؤرخي الدين، وشتى أصناف المنظرين، قد تناولوا السيرورات التاريخية والحقب التاريخية بالبحث. فعلى سبيل المثال، يقول أوغست كونت: في العصر الأسطوري كان ذهن الإنسان يلهث كثيراً وراء الأساطير في التدين. ثم جاء العصر الفلسفي الذي شاع فيه نقاش الميتافيزيقا الفلسفية، ثم بعده جاء العصر التجريبي وعصر النزعة التجريبية. ثمة حقبة في تاريخ الفكر دخل فيها العلم التجريبي. في هذه الحقبة، لم يعد الناس يريدون تفسير هطول المطر بالله، فبدلاً من أن يقولوا إن الله أرسل المطر، يقولون إن الماء تبخر وتقطر، وهناك علاقة بين الظواهر فيسقط المطر.
يقول أوغست كونت: إن ذهن البشر، وبشكل عام التاريخ الإنساني، قد مر بحقب، كانت منها حقب للدين. هذه الأقوال قديمة بعض الشيء، أي تعود إلى القرن التاسع عشر. وهي خطية بعض الشيء، وقد رفضها الكثير من المحققين لاحقاً، ورأوا فيها نزعة وضعية، وشعروا أن تاريخ البشر لم يكن بهذه الخطية، بل كانت فيه شتى أنواع الرؤى. ففي الوقت الذي كان ينظر فيه نظرة علمية، كان بإمكانه في الوقت نفسه أن ينظر نظرة إيمانية، نظرة تدينية.
أريد أن أشير إلى الفضاء الفكري في إيران، فهناك مثلاً من أمثال فيورباخ من يقول: إننا نغترب عن أنفسنا أصلاً بالله، فنقوم بإسقاط الكمالات التي ينبغي أن نبحث عنها في أنفسنا على السماء فنغترب عن ذواتنا. ثمة نقاش مشهور في فكره، وهو: هل الله خلق الإنسان؟ أم الإنسان خلق الله؟ لقد خلص إلى أن الإنسان هو الذي يخلق الله، أي عكس ما لدينا: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»،[٦] لقد قال العكس تماماً. تعلمون أنه شخص اقتبس منه ماركس، وكان له تأثير كبير جداً في ماركس. ما ورد في تراثنا من أن الله خلق الإنسان على صورته، وهو ليس في التراث الإسلامي فحسب، يقوله هو بالعكس تماماً. يقول: إن البشر هم الذين يخلقون على صورتهم إلهاً في السماء. وهو يقول طبعاً: إن الكمالات التي يريدها الإنسان في نفسه يبحث عنها في السماء، في حين ينبغي أن يبحث عنها في ذاته. وكما يقول حافظ:
أنت نفسك حجابك يا حافظ فقم من الوسط.
أو بتعبير مولوي:
أيها القوم الذين ذهبتم إلى الحج أين أنتم أين أنتم؟
المعشوق ههنا فتعالوا تعالوا
هكذا قال فيورباخ إننا نغترب في الواقع عن أنفسنا، وينبغي أن نعود إلى ذواتنا، ونبحث عن الوعي، والحرية، والقدرة، والإبداع، والعدالة، والرحمة، والعلم في أنفسنا. لكننا نسقط هذا، ونبحث عنه في السماء. ثم يقول: إن الدين منشأ اغتراب البشر. وهو ما قاله ماركس: إنه أفيون الجماهير، وتنهد المظلومين، وروح عالم بلا روح، فماركس واقع تحت تأثير هذه المطالب والتعاليم.
ثم نصل إلى فيبر، وهو الأكثر شهرة وأحد أركان علم اجتماع الدين. يطرح ماكس فيبر فكرة أن التيار العاطفي يتراجع يومًا بعد يوم لصالح التيار العقلاني. وهو يعتقد أن العالم يشهد، يومًا بعد يوم، بفعل العقل والعلم، إزالة للأساطير ونزعًا للسحر عنه. ونتيجة لذلك، يقول: إن العالم الجديد يصبح عالمًا منزوع السحر. إنه عالم اجتماع دين بارز يتحدث في القرن التاسع عشر ويقول إن الناس في العالم الجديد أصبحوا أقل تتبعًا للأساطير، إنهم يريدون اتباع النظريات والنقد والتمحيص. يتم نزع الغموض عن كثير من الأسحار والأسرار. وفيبر نفسه لا يقدم الكثير من الاستدلال، بل هو شخصيًا يعاني من مشكلة مع هذا العالم الجديد ويناقش قضية القفص الحديدي للبيروقراطية، وفي الوقت نفسه، فإن هذا القول نفسه تعرض لاحقًا لنقد علماء اجتماع الدين بأن التاريخ ليس خطيًا بهذا الشكل، وأن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا بالكامل، فالإنسان يريد أن يكون غير عقلاني بعض الشيء. ونحن نرى حقًا أن الإنسان لا يريد أن يكون عقلانيًا (Rational) بالكامل، بل يريد أن يكون غير عقلاني (Irrational) بعض الشيء.
اسمحوا لي أن أختصر هذا الجزء من النقاش وأجمله، فهناك شخص مثل إنغلهارت وهو أحدث بكثير، يطرح أيضًا فكرة أن الدين في الواقع هو نتيجة لانعدام الأمن الوجودي لدى الإنسان، فحيثما يعجز الإنسان عن الشعور بالأمن الوجودي يلجأ إلى الدين. ويقول: عندما تحدث التنمية، يقل هذا القلق على الأمن الوجودي، ونتيجة لذلك، ومع عملية التنمية هذه، يزداد شعور البشر بالأمن بعض الشيء ويتضاءل دور الدين. لكنه يعود ليقول لاحقًا: من ناحية أخرى، تؤدي التنمية إلى زيادة السكان، ويزداد معدل المواليد بين الجماعات الدينية، ونتيجة لذلك ينشأ هنا تناقض.
برأي إنغلهارت، هل يتضاءل دور الدين مع التنمية، أم تتضاءل المعتقدات الدينية؟
لا فرق، لأن البشر يشعرون بالأمن. نرى أن الانخراط في النقاشات النظرية لا يزال قائمًا، وأولئك الذين يبسطون الأمور ويقولون إن الدين قد انتهى، ليس الأمر كذلك حقًا، إنه معقد للغاية، رغم أننا لا نستطيع تجاهل هذه النقاشات. لكن الأمر صعب، نحن نريد تبسيط الكلمات باستمرار، بينما هي في الحقيقة صعبة.
ألا تتطابق وجهة النظر هذه مع وجهة نظر ماركس القائلة بأن الدين أفيون؟
هناك صلة بينهما. لكن هذا أعمق بكثير من طرح ماركس، إنه يطرح مبحثًا أوسع بكثير. لقد رأى ماركس المسألة فقط من منظور الصراعات الطبقية، يقول ماركس: إن الطبقات العليا هي من اختلقت هذا لتقول للطبقات الدنيا إنكم سترون النتيجة في الآخرة. لكن إنغلهارت يرى المسألة على مستوى أوسع بكثير، فهو يقول مثلاً: إن الأمم المنهزمة، والدول الفاشلة، والكوارث الطبيعية والاجتماعية هي ما يزيد الميل نحو الدين. وأنتم تعلمون بالطبع أن المسوحات الدولية قد أُجريت، وهناك أدلة كثيرة جدًا تظهر ذلك. وبالمناسبة، يمكن رؤية أحد هذه المباحث في إيران، حيث فشلت عملية التحديث الحكومية البهلوية. فشلت بمعنى أنها شهدت فسادًا ولامساواة، ونشأت فيها ظروف حالت دون تقدمها. ونحن نذكر بإنصاف، (كنا طلابًا آنذاك)، أن نمو الدخول ووضع التحولات التي كانت تحدث في المجتمع، كان على نحو جعل بعض الباحثين يقولون إن ثورة صناعية صغيرة تحدث في إيران، بأبعادها المختلفة والكبيرة؛ لكنها في الوقت نفسه فشلت ولم تستطع أن تبلغ غايتها، بسبب كونها غير متوازنة؛ فمثلاً، لم يتم الاهتمام بالأرياف وسكانها، ولهذا السبب زادت اللامساواة وجاء القرويون إلى المدينة. في الواقع، زاد الشعور باللامساواة. ومن ناحية أخرى، تسلل الفساد بين رجال الدولة، - ومع الحجم الكبير لفساد اليوم، لا يخطر ببالنا ذاك الفساد! - لكن على أي حال، كان الفساد موجودًا آنذاك، وكنا نشعر بذلك. المسألة الأخرى كانت التبعية. شعر الناس أن القرارات على المستوى الكلي لم تكن وطنية جدًا، بل كانت مرتبطة بمراكز أجنبية. الاستبداد الذي نشأ في الشاه بفعل غرور عائدات النفط، جعله يقمع الوطنيين، ويقمع المثقفين، كل هذا تضافرت أسبابه وفشل المشروع الحكومي.
عندما فشل التحديث الحكومي في إيران، اتجه الناس إلى الدين. وهكذا أصبح الدين بديلاً عن هذا التحديث. وتمكن زعماء دينيون معينون تحولوا إلى السياسة من مصادرة هذا التطلع للتغيير لدى الناس لصالحهم. إجمالاً، أود أن أقول إن هذه المباحث مهمة جداً. بالطبع، لا يزال علماء اجتماع الدين الجدد الذين نتعامل مع أبحاثهم الآن في فصولنا الدراسية ودراساتنا، مثل هيرفيه ليجيه، يطرحون أن الإنسان قد أصيب بنوع من النسيان الجمعي (Collective Amnesia) في عصر العالم اليوم. لم يعد الناس يريدون تذكر الله، أي أن حياتهم أصبحت على نحو لا وجود لله فيها، حياتهم منشغلة بأشياء أخرى، ونتيجة لذلك، يقول: إن نوعاً من النسيان الجمعي حول مفاهيم مثل الله والآخرة آخذ في الحدوث.
أثارني الفضول ذات مرة وبحثت في مجتمعنا، فرأيت أن هذا الأمر موجود. يركب الناس المترو صباحاً، ويذهبون إلى أعمالهم و...، هناك انشغالات كثيرة في الحياة الجديدة لدرجة أن الله بينها إما غائب أو حضوره باهت. أصبح الناس محاصرين في التكنولوجيا، ولم يعودوا يرون البرق والرعد، أو يرون السماء، أو ينتبهوا إلى حقائق ما، أو يخافوا، أو حتى يشاهدوا إبداعات في الطبيعة نفسها التي يواجهونها. لقد قلّ هذا الآن.
هل هذا التضاؤل في الانتباه لحضور الله هو نفور من الدين؟ أم هو أمر لا مفر منه لإنسان اليوم؟
إنه أمر لا مفر منه. لقد تسببت عمليات التغيير في هذا الوضع، ولدى مارتن بوبر رأي مشابه لهذا؛ فقد ألف بوبر كتاباً باسم «كسوف الله» (Eclipse of God)، يقول فيه: لقد كسف الله تماماً من سمائنا، لقد صار علمنا، وعقلانيتنا، كالقمر. لقد جاء نور قمر إنسانيتنا وعقلانيتنا وحجب نور الشمس الإلهية. ولهذا يقول: أنت نفسك حجاب نفسك يا حافظ فانهض من الوسط...، أي إنها حالة صرنا فيها، في الواقع، حائلين بيننا وبين الله، أي أن عقلانيتنا وعلمنا وتقنيتنا وحضارتنا قد تطورت لدرجة أنها أصبحت حجاباً للإحساس بالأمر الإلهي.
لا ينفي مارتن بوبر وجود الله، لكنه يقول: إنه قد كسف من سماء الحياة اليوم. هذه المطالب موجودة حتى في بعض مباحث مفكرينا، فمثلاً يقول إقبال لاهوري: كانت هناك فترة فترة صِغَر، فترة طفولة للبشر، فكان يأتيه النبي من الخارج باستمرار ويدعوه، لكن البشر يبلغ رشداً ـ وهذا تعبير إقبال في كتاب «تحديث الفكر الديني في الإسلام» ـ ، في هذه الفترة يصبح البشر نفسه هو من يختبر الله، ولا حاجة لأن يأتي نبي من الخارج. يصبح هذا منشأ لأن تكون التجربة الدينية أمراً شخصياً، وتدريجياً يحل الإيمان محل الدين، فلم يعد الدين مهماً بقدر ما هو الإيمان الشخصي. حتى إن البعض يواصلون هذا المسار نفسه، فيقولون إن الروحانية تأتي محل الدين. على أية حال، هذه المباحث موجودة. أتذكر أن السيد مطهري كان له نقاش مع إقبال قبل الثورة، كان مطهري يقول: إن ما شرحه إقبال لختم النبوة حول لماذا لم يعد يأتي نبي؟! شرحه وتبيينه هو ختم للديانة لا ختم للنبوة. وإنصافاً، هذا النقاش لا يخلو من وجاهة، على أي حال، هذه المباحث ثقيلة جداً.
أنا شخصياً، إجمالاً، كدارس، ذكرت هذه الأمور على سبيل المثال فقط، أعتقد أن أمر الدين ليس خطياً بحيث كان في زمان ثم لا يكون في زمان آخر، ليس بهذه البساطة. ففي عالم اليوم أيضاً، يوجد الدين والإيمان بأشكال مختلفة، وحتى إن لم يكن بقدر ما كان في العالم الماضي، فإن الدين موجود بشكل ما في هذا العالم. أي:
پری رو تاب مستوری ندارد ببندی در ز روزن سر برآرد
الدين ليس شيئًا يمكن التنظير حوله بهذه البساطة وبشكل خطّي. لأنه يمتزج بجزء من وجود الإنسان وينبثق منه. حتى أن هناك أشخاصًا مثل بيتر بيرغر، وهو عالم اجتماع الدين في بوسطن بأمريكا، الذي عمل لعقود في علم اجتماع الدين، من ستينيات القرن الماضي حتى الفترة الحالية. إنه فيبري؛ بيتر بيرغر من حيث التقاليد السوسيولوجية ينتمي إلى المدرسة الفيبرية، ومع ذلك فإن آخر نظرية لبيرغر تقول إنه لا يمكن القول إن الدين يزول مع هذا التحرر من الوهم ونزع السحر، بل يتم إنتاج أسرار جديدة من جديد، وسحر جديد كان السيد شايغان في إيران قد كتب عنه منذ زمن طويل. وهذا أيضًا كان يقول بطريقة ما إن السحر قد ذهب، لكن سحرًا جديدًا ينشأ من جديد. على سبيل المثال، الآن في أمريكا سوق الدين قائم بقوة، وقد شرح بيرغر نفسه كيف يوجد في أمريكا سوق يُدعى الدين. على عكس إيران حيث أصبحت السلعة الدينية حكرًا على الحكام، فإن السوق التنافسية للدين مزدهرة في أمريكا. الآن توجد طوائف دينية في أمريكا ميزانياتها أكبر من ميزانية بلدنا. هناك تعددية وهناك حرية، إنه سوق، الدين ذائقة (Taste). هناك أناس لديهم ذائقة يذهبون إلى الكنيسة أيام الآحاد، أو في يوم آخر مع طائفة أخرى. تصوروا، لو كنتم قد سافرتم لرأيتم أناسًا أمور حياتهم مؤمنة من طرق أخرى، لديهم دخل، متوسط دخل الفرد 40-50 ألف دولار، هناك أناس حُلَّت لهم مسائل الحياة المادية، وكذلك هموم الحياة الاجتماعية بما فيها مسائل الحرية والديمقراطية والعلم. إلى حد ما هناك رفاه اجتماعي، وهناك تعددية آراء، ولكن في نفس المكان يُطبع مثنوي مولانا بملايين النسخ، وتكتسب البوذية أهمية بالنسبة لهم وفي أوقات فراغهم يتجهون إلى هذه الأشياء. المجموعات الهامشية مثل النساء والسود ومجموعات أخرى تسعى من خلال الطوائف الدينية إلى مطالبها المدنية واهتماماتها الثقافية والاجتماعية، تبحث عن فضاء للتعبير عن الذات.
ألا تُعتبر هذه ضمن الاعتقادات؟
إنه الأمر الواقعي نفسه. بالطبع قد تنشأ ضمن هذه أيضًا ظروف تحدث للأفراد فيها بعض الجذبات وبعض التجارب من جنس الأمر المثالي الديني، لكن في المجمل هو الأمر الواقعي أكثر. ما أريد التأكيد عليه هو أن الدين ليس متغيرًا مستقلاً بالكامل، الدين وإن كان يؤثر في أشياء أخرى إلا أنه من وجهة نظر ما متغير تابع، تابع لأشياء أخرى، هذا مهم جدًا. أي أن الأمر الديني تابع للوضع الذهني للبشر، تابع للوضع الروحي للبشر، تابع للوضع الأخلاقي للبشر، تابع للوضع الاجتماعي والثقافي للبشر. ما قاله هيوم - الفيلسوف الديني الشهير -: ليس المهم أي دين يدين به البشر، أو هل لديهم دين أصلاً أم لا، المهم هو في أي وضع هم أنفسهم. ثم يشرح قائلاً: تدين البشر ذوي النزاهة، عادة ما يكون تدينًا مهذبًا ومتحررًا، وتدين البشر اللئام يكون لئيمًا ومتعصبًا ومؤذيًا للناس، وتدين البشر البلهاء يكون أبلهًا، وتدين البشر العقلاء يكون حكيمًا ومعقولاً. وبالصدفة لدينا هذا في تقاليدنا أيضًا.
أضف المكان أيضًا، ريفيًا كان أم مدنيًا.
صحيح، الجغرافيا لها تأثير أيضًا. الفتوى الريفية تفوح منها رائحة الريف، والفتوى المدنية تفوح منها رائحة المدينة. في ظروف مليئة بالتعارض والصراع، يصبح التدين مقرونًا بالعنف، وفي ظروف متطورة يتطور التدين أيضًا. وبالصدفة لدينا في تقاليدنا أيضًا: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّهِ خِیَارُهُمْ فِی الْجَاهِلِیَّهِ خِیَارُهُمْ فِی الْإِسْلَامِ»،[۷] هذا الحديث يقول صراحة: الناس كمعادن الذهب والفضة، البشر السيئون قبل الإسلام، في فترة الإسلام أيضًا بشر سيئون. ونحن بالصدفة نرى في تاريخ الإسلام أن هناك مسلمين مشهورين جدًا كانوا عنيفين وعندما أسلموا كانوا عنيفين. والبشر الذين كانوا مثقفين عندما أسلموا كانوا مثقفين أيضًا. هذا مهم جدًا.
قبل عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة، في ليالي القدر، حين كان لي صبر، كنتُ أُشرك الناس في هذه المباحث، بأن التدين نفسه نتيجة لأشياء أخرى. كان اعتراضي على مجتمعنا اليوم أننا نريد أن نحل كل شيء عبر الدين، في حين أنه قبل الدين ينبغي أن نفكر في أشياء أخرى. مجتمع تعليمه فاسد، مجتمع ثقافته الأخلاقية فاسدة، حتماً سيكون التدين فيه معيباً.
«ذلِکَ الْکِتابُ لا رَیْبَ فیهِ هُدىً لِلْمُتَّقینَ»،[۸] القرآن نفسه يقول في البداية إنه لا ريب في هذا الكتاب، لكنه هدى للمتقين وأصحاب ضبط النفس فقط، من لا يمتلك إدارة لنفسه وزماماً لشهواته وعواطفه وعلاقاته، لا يستطيع القرآن هدايته. «شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ لِلْمُؤْمِنینَ وَ لا یَزیدُ الظَّالِمینَ إِلاَّ خَساراً».[۹] من هو شرير، الدين أيضاً يسهل له الشر.
أنا مؤمن حقاً بأن هناك أشخاصاً لو لم يكونوا متدينين لما قتلوا هذا القدر من الناس، ولما ارتكبوا هذا القدر من الجرائم، ولما ظلموا هذا القدر، ولما داسوا حقوق الآخرين بهذا الشكل، ولما استطاعوا قمع مخالفيهم بهذه الصورة. لو كان هؤلاء قد تربوا وفهموا الدين فهماً صحيحاً، لاستنتجوا أن الدين جاء للتعالي، الدين جاء لحقوق الإنسان، الدين جاء للأدب، الدين جاء لمساعدة الأخلاق وتسهيل الأدب «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ».[۱۰]
النقطة المهمة هي أنه لم تُختبر بعدُ حالةُ ألا يكون الدين تابعاً على مر التاريخ. لا يمكنك أن تجد في أي مكان عبر التاريخ ديناً أصيلاً تقول عنه إنه ليس تابعاً وإنه مستقل.
نعم. قلتُ إن الدين شيء متغير ومرتبط بأشياء أخرى.
إذن، من أين لي أن أعرف أن الدين يمكنه تجريبياً أن يوصلني إلى الهداية؟ مثل هذا الدين لم يُختبر عبر التاريخ!
هذا هو بالضبط. أي أن الحسن والقبح العقليين هما لهذا، علينا أن نتقدم بالعقل والضمير والأخلاق ونمتحن الدين، نعلم أن ثمة أشياء حسنة أو صحيحة، أو أشياء سيئة وخاطئة. والدين أيضاً يجب أن يُفهم على أساس الحسن والقبح العقليين.
قد يصيب الحسن والقبح العقليين الضرر نفسه.
نعم. لا أريد أن أطلقها. فقط لأن حديثنا عن الدين، أردت أن أقول إننا اعتدنا في مجتمعنا أن ننظر إلى الدين كمتغير مستقل. نعتقد أن الدين يحل المشكلة، أو من الجهة الأخرى يقول البعض إن الدين يفسد. برأيي كلا الفريقين مخطئ. يقول البعض: المسلمون وحدهم متخلفون في العالم، وكل الدول غير المسلمة تقدمت. هذا الرأي الذي يقوله البعض خاطئ، لأنه يمكن النظر من الجهة المقابلة أيضاً، فالوضع الديني المنحط هو أيضاً نتيجة تخلفهم. القصة هنا ليست خطية بحيث يكون الدين منشأ كل تخلف؛ والبعض من الجهة الأخرى يقول إن كل خلاصنا في العمل بأحكام الدين، وهذا الرأي خاطئ أيضاً، الخلاص في العقل والأخلاق والحوار والتفاهم المشترك والمنطق والحرية والتعليم والتربية الصحيحة، حينها يتحسن التدين أيضاً. علينا أن نحسن البشر نفسه، ما لم يتغير وضعنا، لا شيء يتغير.
هذه الذاتية بأي قالب تريد تعريفها؟ عقل البشر أم عواطفه؟
على المستوى الفردي: العقل والعاطفة والأخلاق، وعلى المستوى الاجتماعي: التنشئة الاجتماعية والمؤسسات المدنية. ففي المجتمع الذي توجد فيه مؤسسات مدنية، توجد الحرية والديمقراطية، ويوجد الحوار، وبطبيعة الحال يتحسن التدين أيضًا. على سبيل المثال، السيد بازركان متدين، وكان آية الله طالقاني يقول: إن المهندس بازركان كان متدينًا وملتزمًا بالشريعة، لماذا؟ لأن والديه ربّياه تربية صحيحة، ثم سار على خطى أشخاص مثل أبي الحسن فروغي، وتتلمذ على أساتذة جيدين، وتأثر بأفراد مثقفين، وكان له رفقاء ومرافقون مثل يد الله سحابي. ثم ذهب إلى فرنسا، وهناك تأثر بتعليم رفيع جدًا، وتأثر بمدرسة باريس التي تُربي البشر، وتجلب للبشر احترام الذات، وتجلب لهم الفهم الأخلاقي. لا أريد أن أجعلهما مثاليين أكثر من اللازم، لكنها حقيقة درسناها، هذه هي دراساتنا، هذه هي أبحاثنا حول ما يحدث في الأنظمة التعليمية، وما هي الإمكانات الموجودة؟ ثم سجل بازركان في العيش الاجتماعي السليم، وطريقة عيشه وعلاقاته الحسنة، علاقاته المالية، وعلاقاته الاجتماعية، وعلاقاته الاقتصادية، وعلاقاته الثقافية ودراساته؛ كل ذلك تضافر معًا ليصنع منه مهندسًا هو مهدي بازركان الذي يريد الآن أن يكون له تدين نبيل ومتحرر ومهذب، يريد أن يكون له تدين عقلاني وحر، وحاول حتى النهاية أن يثبت على هذا. وهكذا أمثلة أخرى.
مؤيدًا للنقطة التي تفضلتم بها وهي أن الدين تابع وليس متغيرًا مستقلاً، يمكننا أن نضيف هذا أيضًا ويكون مؤيدًا لكون المعايير الأخلاقية التي تأتي في الدين ليست تأسيسية، بل إمضائية.
نعم. وهذا ما نراه في أن الكثير من الأحكام الدينية إمضائية وإرشادية. أي أنها أيدت النظم العرفية والاجتماعية الجيدة. لقد ناقشت في موضع ما بالتفصيل أنه لو بُعث محمد (ص) الآن لدعا إلى الديمقراطية والأخلاق المدنية والحرية والعدالة والتمدن المعقول والتنمية المستدامة والعرف الجديد والعقل السليم المعاصر، ولانتقد العنف والظلم والابتذال واللامساواة والفقر وتدمير البيئة وهيمنة الدول القوية والتعصب والرياء والطقوسية القالبية [۱۱]. وبالعودة إلى الأمر المثالي، توصلنا إلى أن النبي لم يأتِ بدين بل أراد تصحيح وتعديل الدين الموجود في مكة. في مكة كانت هناك عبادة، وكان هناك حج، وكان الدين في مكة قضية مهمة، وكانت هناك ثقافة دينية، وكانت هناك مناسك وآداب. كان لأناس مناصب ومقامات، كلها كانت مقامات دينية، سدانة الكعبة، سقاية الحاج. كان نبي الإسلام متهمًا بأنه يقضي على الدين. كما كان الحال بالنسبة لموسى.
كما كان فرعون يقول: «إِنِّی أَخافُ أَنْ یُبَدِّلَ دینَکُمْ».[۱۲]
هذا بخصوص موسى (ع). وبخصوص النبي كانت هذه القضية موجودة أيضًا. يقولون إنك أتيت لتثير الفرقة، ولتمزق وحدتنا الدينية. بينما النبي يدعو إلى الحنيفية الإبراهيمية، ذلك الدين الحنيف، تلك الفطرة. يقول: تبًا لدينكم وتدينكم، ويل لمصليكم وطقوسيتكم ومناسكيتكم: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ * الَّذینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ * الَّذینَ هُمْ یُراؤُنَ * وَ یَمْنَعُونَ الْماعُونَ».[۱۳] أي دين هذا الذي نملكه ولا يردع عن التعدي على حقوق الآخرين. دينكم هذا: «تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَرِ»[۱۴] ليس كذلك. إله: «إِنَّ اللهَ لَا یَأمُرُ بِالفَحشاءِ»،[۱۵] هو الإله الذي تعبدونه يأمركم بالتعدي وارتكاب القبائح؟! الآن نرى في مجتمعنا؛ بالدين نمارس العنف، وندوس حقوق الآخرين، ونؤذي، وندوس العرف والعقل والقانون والأخلاق، وندمر البلاد! الدين الحقيقي يعمل على إصلاح هذا، ويعيده إلى أمر مثالي، يقول إن الله هو ذروة البشر، الله حضور، الله هو تحمل المسؤولية، الله هو التقوى.
لنعد ونوضح قليلاً الأمر المثالي والأمر الواقعي في الإسلام.
انظر! لقد قام النبي بكشفٍ وحياني، وهذا في رأيي كان الأمر المثالي. وبالصدفة، فقد تم هذا الكشف في نفس الديانة الإبراهيمية. لو كان النبي في الصين لكشف بشكل آخر، ولو كان محمد بن عبد الله في اليابان، أو في وضعية تاريخية أخرى أو وضعية جغرافية أخرى، لتصوّر الله بشكل آخر قطعاً: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ».[١٦] لقد فهم بلغة قومه، وكانت رؤية مكة للعالم حاضرة في هذا التصور.
حتى في أركان رؤية الإسلام للعالم؟!
كل شيء، لقد قلتم إن بعض أحكام الشريعة إمضائية، وهذا موجود في الأركان أيضاً؛ الله كلمة عربية، بل إن عبد الله كان اسم والد النبي. إذن، كان هذا (الله) موجوداً بينهم، وكان هناك مَلَك وجنّ، وبالصدفة، فقد فهم النبي العالم بناءً على معرفة العرب وعلمهم بالكون. لكن حقيقة المعرفة تلك، وحقيقة الوحي، وحقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد، هي أمر متعالٍ جداً، لكنها جاءت في إطار ذهن النبي، أي أنها تنزّلت.
وحتى أنه كان يمكن أن يكون لدينا قرآن آخر؟
حتى بخصوص القرآن، لو كان الناس يسألون النبي أسئلة أخرى لكان لدينا قرآن آخر، لقد صار القرآن هكذا بالصدفة، القرآن هو جواب على سؤال. لقد بحثنا في القرآن، فرأيناه يقول باستمرار: «يَسْئَلُونَکَ»،[١٧] أي أيها النبي يسألونك. لقد حدث أمر ما، ونشأ خلاف، فجاءوا وسألوا النبي فأُوحي إليه في الرد عليهم. لو أنهم جاؤوا بشيء آخر بدل هذا الخلاف، وطرحوا أسئلة أخرى، وكانوا قوماً أكثر تحضراً، لنزلت أجوبة أخرى من عند الله. إذن، فالقرآن أيضاً كان وفق ظروف ذلك اليوم.
في هذه الحال، ماذا نفعل بنظرية عالمية الإسلام والقرآن؟
كانت هناك وحدة ما؛ سواء أكان بوذا، أم محمد، أم المسيح، فبين هؤلاء، وعلى الرغم من كل الاختلافات تبعاً للظروف، توجد حقيقة خلف هذه الكثرة، تلك الحقيقة وذلك الأوج هو العالمي، وهو المهم.
العالمية لا علاقة لها بالأحكام والأوامر والفرائض الدينية!
ما هو عالمي، هو نفسه: «سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا یُشْرِکُونَ»،[١٨] «سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا یَصِفُونَ».[١٩] «سُبْحانَهُ»، منزّه ومتعالٍ، أسمى من وصفنا، وأسمى من خلافاتنا. لا أريد الدخول في هذه المباحث الكلامية. انظر! الإسلام التاريخي هو الأمر الواقعي (الرئال) نفسه، أي الإسلام الذي لدينا منذ عصر صدر الإسلام، وعصر الصحابة ثم التابعين ومن بعدهم، عندما تقول «ارْتَدَّ النَّاسُ»،[٢٠] - لا أريد تأييد هذه الرواية - لكن مجرد قولك «ارْتَدَّ النَّاسُ» يعني أن الدين دين تاريخي، وأنت لا تصادق على هذا التدين. على الأقل، يوجد شيء من هذا في الفهم الشيعي، حيث يفهم الشيعي كيف أعرض الناس عن دعوة النبي في زمانه. لا أريد أن أحكم، لأنني لا أريد تقديم وجهة نظر شيعية هنا، أحاول أن أناقش في كُلية الدين.
ماذا كان يقول المعتزلة؟ كان المعتزلة يقتربون من الدين بوصفه أمراً مثالياً، أي أنهم يريدون فهمه عقلياً. أما الحكماء مثل الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، فيتّبعون الله بوصفه أمراً معقولاً. أي أنهم يقولون إن الموجودات إما واجبة وإما ممكنة، وبما أن العالم عالم ممكنات، فلا بد من وجود واجب. ونتيجة لذلك، فالله أمر معقول. لكن هل يعيش العوام مع إله الفلاسفة هذا؟ كلا، فعوام الناس وعموم المجتمع يدركون الله وفق تصورهم الخاص؛ «کلمات باوهامکم فی ادقّ معانیه فهو مخلوق مصنوع مثلکم، مردود إلیکم، و لعلّ النمل الصغار تتوهّم ان لله زبانیتین».[٢١] كل ما تتصوره عن الله هو مخلوق ذهنك أصلاً، فالنملة أيضاً تظن أن لله قرني استشعار كبيرين.
في المجمل، أعتقد أن العرفاء يسعون وراء الدين بوصفه أمرًا مثاليًا، ولهذا يقولون: الحقيقة، والشريعة، والطريقة. أحدهم، مثل منصور، يحلّق عاليًا ويكشف حقائق فيُؤخذ ويُقتل، ويصير أحدهم حلّاجًا، وآخر بايزيد بسطاميًا. ترى أن هذه المسألة قائمة دائمًا، ففي عصرنا المعاصر، كانوا يمنعون الكثير من المفسرين من دخول الحوزة، وكانوا يمنعون الكثير من الحكماء والكثير ممن أرادوا تدريس الحكمة المتعالية في الحوزة، لم يكونوا يسمحون لهم.
أنت تحكم وتعتبر جميع هذه الاتجاهات من أهل النجاة؟
أنا لا أحكم إطلاقًا. أريد أن أقول إن للدين مستويين؛ أحدهما الأمر الواقعي، والآخر الأمر المثالي. وليس بالضرورة بمعنى الصحيح.
الدين بالنسبة لشخص ما هو تجربة خاصة، وبالنسبة لآخر هو حصيلة حادثة، وبالنسبة لآخر هو أمر مثالي، وبالنسبة لآخر هو أمر واقعي. بالنسبة لشخص هو أمر جادّ. وبالنسبة لآخر هو ثقافة عامة، وبالنسبة لآخر هو ميراث الأسلاف وهو محترم في هذا الحد، وبالنسبة لآخر هو ظاهر الشريعة، وبالنسبة لآخر هو باطنها وطريقتها وحقيقتها. قد يجمع شخص ما بعض هذه الأبعاد في نفسه، أو يميل إلى جانب أكثر. ينبغي أن تكون هناك حرية التدين وحرية اللاتدين أيضًا، وأن يُعترف بتعدد الآراء والعقائد، وألا يكون الدين منشأ للتعصب وإيذاء الآخر والإكراه والاستبداد والغلبة والأحادية. الناس لديهم حياة يومية، يذهبون إلى المتنزه والجامعة والمختبر والخارج والنزهة، ويذهبون إلى المسجد والزيارة أيضًا، يصلون أحيانًا ولا يصلون أحيانًا أخرى. لقد لاحظت، من خلال دراسات أجريتها على التدين في المجتمع، أن تغييرات قد طرأت على تدين الناس، فالناس يسعون وراء دين اقتضائي، بقدر ما لديهم من فهم خاص عن الله، فإلههم شخصي جدًا وليس إلهًا محددًا رسميًا.
ما دور الأنبياء في هذا المجال؟
اسمح لي أن أذكر هنا مقولة لبوذا؛ يقول بوذا: أشار الأنبياء بأصابعهم إلى القمر، فانبهرنا بالإصبع وعجزنا عن رؤية القمر. إنها مقولة بليغة جدًا؛ يقول: إن الأنبياء يشيرون بأصابعهم إلى القمر ليرونا إياه، ونحن ننظر مبهورين إلى أصابعهم ولا نرى القمر. لدينا: «إِنَّ لِدینِکُم غَایَهً فَابتَغوا غَایَتَهَا وَ إِنَّ لِدینَکُم نَهَایهً وَ انتَهوا نَهَایَتَها»؛ أي أن لدينكم غاية، فاطلبوا غايته، أنتم تمسكتم بالوسائل والظواهر وتقاعستم عن الغايات الأصلية والأخلاقية والروحية والمعقولة والمدنية في جوهر الدين. هذا مطلب.
يقول علي (ع) في نهج البلاغة عن هدف الأنبياء: «وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ».[۲۲]
هذا صحيح. ترى أن هناك أنواعًا وأصنافًا من الكلمات والأحاديث، حتى في الروايات التي نعرفها جميعًا، إذا أكل أحد مالًا حرامًا لا تُقبل عبادته سبعين سنة، ماذا يعني هذا؟ الأمر واضح جدًا.
أطرح دعوى أخرى بصفتي طالبًا، بصفتي تلميذًا. لقد درست وتوصلت إلى نتيجة تكاد تبلغ حد التواتر المعنوي، فهذا النوع من الروايات يقول إن من فعل كذا وكذا لا تُقبل عبادته سبعين سنة، ولحظة تفكر خير من عبادة عمر كامل. هذه الأنواع من الروايات، في رأيي بعد الاستفسار، خلصت في النهاية إلى أن هناك تواترًا معنويًا، يقول إن تدينك إن لم يجعلك تبلغ العمق ولم يساعدك على تحسين أفعالك الأخلاقية، فلا قيمة تذكر له. أو ذاك الحديث حين أثنوا على دين رجل عند الإمام الصادق (ع)، فسألهم في النهاية: «كَيْفَ عَقْلُهُ»،[٢٣] قال: الآن أخبروني كيف عقله؟ فإن لم يكن لديه عقل، صار تدينه جاهلًا. وكتاب العقل والجهل الذي جاء في مطلع كتاب الكافي، يعبر عن أهمية هذه المسألة. ولدينا أيضًا: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى طُولِ رُكُوعِ الرَّجُلِ وَ سُجُودِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ اعْتَادَهُ فَلَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ لِذَلِكَ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِهِ وَ أَدَاءِ أَمَانَتِهِ».[٢٤] لا تنظروا إلى كثرة صلاته، فهذا أمر ربما اعتاده، إنه لا يصلي أصلًا بناءً على إدراك للحقيقة المتعالية، بل يصلي وفق تقاليد تقليدية. ما نراه، وقد رأيته حقًا بصفتي دارسًا للعلوم الاجتماعية، هو أن المهم هو روح الأخلاق والمدنية والإنسانية والمعنوية والتعالي والأدب والشرف والتطلع السامي. إن كان الأمر كذلك، يصير التدين ساحة من ساحات الإنسان ويسهم في سعادته.
بهذا التعريف للدين بوصفه أمرًا واقعيًا أو مثالًا أعلى، هل يكون للنفور من الدين معنى أصلًا؟ كيف دخل مصطلح النفور من الدين بهذه التعريفات إلى علم اجتماع الدين؟ يبدو أنه لا مكان له أصلًا، لا سيما وأنك قلت: إن الدين توأم الإنسان، وبالتالي فلا معنى للنفور منه.
أولًا، كل شخص لديه معيار للتدين في ذهنه، وعندما لا يجد ذاك المعيار، يقول إن الناس قد أعرضوا عن الدين. ينبغي أن يقال: يا سيدي! لقد أعرضوا عن فهمك السطحي والخاطئ، لا عن حقيقة الدين وغايته. لقد أعرضوا عن دينك الرسمي والإجباري والعنيف الذي تحول إلى طقس من الرياء والتقديس المزيف وإيذاء الناس، وقد أحسنوا في ذلك برأيي. أي أن لدينا قراءة، فهمًا، غالبًا ما يكون متحجرًا ومتعصبًا وأحادي الجانب للدين، ونحاكم الناس به. وبالمناسبة، لدينا في الروايات أنهم جاءوا إلى الإمام الصادق وقالوا: فلان كذا وكذا، دينه منحرف مثلًا! فقال لهم: لديكم شاقول، تضعون ذاك الشاقول، وكل من لا يتطابق معه تقولون إنه لا دين له. ثم قال: الفهم الذي لديكم لا أقبله، فهل أقول لكم إنكم لا دين لكم؟ ثم قال: الفهم الذي لديّ... وأخذ يشرحها واحدًا تلو الآخر، مبينًا كم تختلف الأفهام.
وبناءً على ذلك، فهذه النقطة مهمة، فعادةً ما يكون لدينا مقياس، ومقياسنا هو أيديولوجياتنا، ومصالحنا، وموقعنا ورئاستنا وقوتنا وريوعنا. وفي أحسن الأحوال، على أقل تقدير، هو قراءتنا الخاصة. نجعله المعيار، ثم ننخل الناس واحدًا تلو الآخر. إن استمر غربالنا هذا، فلن يبقى في هذا العالم أحد سوانا، وسيكون الباقون نافرين من الدين.
انظروا! لقد جاء السيد مطهري قبل الثورة وشرح أسباب الاتجاه نحو المادية. لقد قدم شرحاً ما زال مضمونه صحيحاً في نظري. ولأنه كان رجلاً يخالط المتأنقين بالبدلات، وكان هو نفسه رجل دين ذكياً، يطالع، ونتيجة لذلك صار ملاًّ فهيماً في حدود إمكانياته، واستطاع أن يقوم ببعض التنويرات. إنه يقول: عندما تضعون الدين في مواجهة حاجات الإنسان الأخرى، يخلص الناس إلى أن الأمر دائر بين التدين أو تلك الحاجات، إما التدين وإما الحياة! الآن في مجتمعنا، تريد الحكومة بصفتها ديناً أن تحضر في حياة الناس وتتدخل وتفرض الوصاية إلى درجة أن حياة الناس تحولت عملياً إلى نوع من "اللاعيش". ونتيجة لذلك يرى الناس إما أن يرضخوا لهذا "اللاعيش"، وإما أن ينفضوا أيديهم من هذا الدين الحكومي. يُتوقع عادة أن يسعى البشر وراء حاجاتهم، لأن الدين حتى في أفضل الأحوال هو أحد الحاجات، وهو ذاته حاجة نهائية، وليس حاجة أولية. عندما تصادمون الحاجات الأولية للناس بالدين، أي لكي يصبح الناس متدينين عليهم أن يديروا ظهورهم لحاجاتهم الأولية، فإنكم تكونون قد أغلقتم الطريق تماماً. يقول: بمجرد أن يأتي الدين يقولون: لا تستعمل عقلك، لا تسأل، لا تشك، لا تفكر، لا تلعب، لا تلتذ، لا تمتلك حرية... إلخ، ونحن بدورنا أكملنا المسيرة. كان السيد مطهري يقول هذا الكلام آنذاك، فلو أراد أن ينقده مرة أخرى فماذا عساه أن يقول؟ لقد جئنا من بعده وقلنا باسم الدين: إننا لا نقبل حقوق الإنسان، ولا نقبل حرية البشر، ولا نجري أي حوار مع العالم، ثم لا نسمح للمجموعات الأخرى أصلاً بأن تمارس نشاطها وتشارك في تدبير شؤون البلاد وفقاً للعقل والتخصص. حتى إننا شيئاً فشيئاً صرنا عملياً وكأننا نقول إن الله هو الآخر ممثلنا في الأكوان! من الطبيعي أن يتصادم دينكم هذا مع كامل الحاجات المعرفية، والحاجات العاطفية، والحاجات الاجتماعية، وعليه فإن ديناً كهذا يقف في مواجهة الحقائق والواقع، وفي مواجهة حرية الوجدان والعقل والعرف. لقد سمعتم جميعاً باسم أبراهام ماسلو، الحاجات الفسيولوجية هي الأولوية لدى الجميع. الجميع يسعون أولاً وراء حاجاتهم البيولوجية، ثم بعد أن تُلبَّى قليلاً يسعون وراء حاجات الصداقة، وراء الحاجات الاجتماعية، وراء حاجات الأمان. لقد شرح أبراهام ماسلو هذا التسلسل الهرمي للحاجات، وقال: الإنسان كائن دائم الرغبة، ذو حاجات قابلة للاستبدال ولا نهائية. عندما تُكبت الحاجات الدنيا، لا تبقى فرصة تذكر للحاجات الإيمانية والروحية المتعالية. دعوني أضيف أن الوضع اليوم يختلف عن زمن السيد مطهري. لقد كان ينقد آنذاك وضع التبليغ الديني في الحوزة، وكان يقول إن هذا النوع من التبليغ لا يوصل إلى نتيجة. وكان محقاً في ذلك. لكن في العقود الأربعة الأخيرة بعد السيد مطهري، صارت أبعاد المشكلة أكثر تعقيداً. نحن باسم الدين والحوزة، لا نكتفي بالتبليغ، بل نستولي على الأموال والأنفس. نحكم ونجعل كل الحاجات، والعقل، والعرف، والقانون، والدبلوماسية، وحقوق الإنسان، والتخصص، والحوكمة في مواجهة الدين. في وقت ما، كان شخص كآية الله خامنئي، بصفته عالماً وكاتباً ومبلغاً وباحثاً دينياً وحوزوياً، يؤلف كتاباً ويلقي محاضرة. كما كان يترجم كتب سيد قطب. لو كان هناك إشكال في الأمر لما أصبح مشكلة كبيرة، لأنه كان هناك أيضاً شريعتي، وبازركان، وطالقاني، وجعفري، وشبستري، وكان الناس يختارون. أما الآن فأبعاد المسألة تتجاوز التبليغ، إنه يستولي، ويملك صلاحيات حكومية واسعة لا يمكن معها السؤال ولا المساءلة! المسألة ليست مجرد بيان، المسألة هي السيطرة الاجتماعية، المسألة هي الحكم، المسألة هي الاستيلاء على الأموال والأنفس، وهذا ما جعل وضع بلدنا ومستقبل الدين في هذه الأرض معقداً. لقد جعلنا الدين في مجتمعنا في مواجهة مع ساحات حياة الناس الأخرى.
وبعبارة أخرى، الدين في تقابل مع حياة البشر، وبدلاً من أن يكون له دور أفقي، صار له دور عمودي.
صحيح. الدين بدلاً من أن يأتي ليتعامل ويتبادل ويتفاعل بشكل أفقي مع الساحات الأخرى: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»[٢٥]، أي أن هذا الدين أفقي؛ لديه تعامل عمودي ونظر إلى الأعلى. هذا أنه يقول للنبي لا تحرص، يقول في القرآن إنك تحرص كثيراً، لو كنت أريد لخلقت الجميع مؤمنين. التصميم الإلهي هو أن يوجد مؤمن وكافر، أنت بلّغ وامضِ، ليس من المفترض أن تريد أنت بإفراط أن يصبح الجميع مسلمين. حتى إنه يقول في القرآن: هل تريد أن يؤمن الجميع؟ لو أراد الله، لفعل ذلك بنفسه بسهولة، لخلق البشر بشكل يؤمنون فيه جميعاً.
إذن في الواقع، التصميم الإلهي في هذا العالم هو ألا يفكر الجميع بشكل متطابق، هناك اختلاف دائماً. «وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ».[٢٦] إذا كانت هناك حالة كهذه، فسيكون لدينا دين متحرر وعقلائي يُقبل عليه، وهو للأسف ليس موجوداً بيننا ولم يتمأسس، لقد أصبحت هناك حالة أصبح فيها الدين عمودياً، كما تفضلتم. أي تقابل وهيمنة معاً. بدلاً من أن يكون مؤسسة إلى جانب المؤسسات الأخرى، أصبح مؤسسة فوق المؤسسات المدنية والإدارية والأكاديمية والثقافية في المجتمع. برأيي، كلما أصبح الدين أفقياً، ينتشر بشكل كبير جداً، ويتحول، ويرافق المجتمع ويسمو به. لأن لديه شيئاً خاصاً به، في الدين أيضاً طاقات لا توجد في المعارف الأخرى. هذا النقاش القائم الذي يقولون فيه إن المجتمعات الجديدة قد وجدت تفككاً. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها أصبحت متخصصة. في المجتمعات توجد مؤسسات مختلفة متفككة. على الدين أيضاً أن يتفكك؛ فصل الدين عن الدولة. حضرتكم وأنا لدينا دين ونستلهم منه العدالة. لا إشكال في أن أستلهم العدالة من ديني وأسعى وراء العدالة، حتى أن أدعو إلى العدالة، لكن ليس بمعنى أن أحكم الناس باسم هذا الدين. بل أنا أستخدم ديني من أجل الحرية، من أجل العدالة، من أجل الأخلاق، من أجل الشؤون المدنية والاجتماعية والثقافية والبيئية وكل شيء آخر، وأبلّغ رسالة الدين أيضاً ولكن بشكل متحرر مع احترام الآخرين وغير المتدينين والمخالفين وحتى أولئك الذين يقدمون فهماً آخر للدين. … كما قلت في عروضي السابقة، على أية حال، جزء من الجماعات الاجتماعية يرجع بشكل ما إلى المباحث الدينية، لأن هناك حاجات عجيبة في البشر لا يريد أن يشرح كل شيء بشكل عقلاني. يبحث عن أشياء، عن حقائق ماورائية، لديه حاجات خاصة، يريد الطمأنينة، يريد أن تكون لديه شجاعة، يريد أن يقوى قلبه، يريد المعنى. يريد أن يتجاوز إحساس العبث الذي يكتسح العالم اليوم. يريد البحث عن المعنى. إذا كانت لدينا علاقات أفقية متحررة، فبطبيعة الحال يمكن أن يمنحه الاعتبار الذي يليق بالدين، بالمعنى الصحيح للكلمة.
أشرتم إلى رأي مفاده أن البشر ينظر إلى الدين ومن جهة أخرى يفحص حاجاته أيضاً، يرى هل يمكن لهذا الدين أن يلبي حاجاته أم لا؟ حينها يميل إلى ذلك الدين؛ لكننا رأينا عبر التاريخ، والآن أيضاً البشر الذي هو في القرن العشرين لديه سلسلة من الحاجات ويريد إشباع هذه الحاجات بأي نحو. مثال بسيط جداً هو المثلية الجنسية، حيث يريد تفريغ شهوته من هذا الطريق. يصطدم بأوامر الدين ونواهيه في هذا الشأن. إذا جئنا هنا وقلنا إنه في تقابل ـ وهو كذلك حقاً ـ ماذا تفعلون بهذا التقابل؟
لا إشكال. التقابل الذي تفضلتم به يجب ألا يكون تقابلاً قمعياً.
هذا الطريق لتلبية الحاجة مضطر إلى قمعه.
لا، ليس بالضرورة أن يقمع. انظر، يوجد الآن عدد كبير جداً من القساوسة والمربين والمعلمين والمبشرين الدينيين في شتى الطوائف في الغرب، وفي أمريكا نفسها، ممن يعارضون الإجهاض، ويعارضون بعض هذه المسائل التي ضربتها مثلاً. يعبرون عن ذلك عبر قنواتهم، وعبر كنائسهم، وعبر المؤسسات المدنية التي شكلوها، ولديهم جمهور، دون كي بالنار أو مسمار أو شرطة. في الديمقراطية مثلاً يُجيزون الإجهاض، لكن الإجازة القانونية لا تعني الإقرار. ذلك القس لا يُقر به، لكنه لا يثور على القانون الاجتماعي بالعنف واللجوء إلى القهر والغلبة. للديمقراطية لطافة، وفيها أمر أدق من الشعرة ينبغي الانتباه إليه كثيراً. الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تقول إن شيئاً ما جائز، فهي لا تقول إنه صحيح. انظر، للديمقراطية بنية تتيح فيها إمكانيات كثيرة للعمل، لكن ليس بمعنى أن الديمقراطية تقرها بالضرورة. دعوني أضرب مثلاً، هل الغيبة الآن جائزة في إيران أم لا؟ في هذه الجمهورية الإسلامية نفسها، هل هي جائزة من الناحية القانونية أم لا؟ هل يستطيع الأفراد في الشارع والسوق أن يغتابوا من الناحية القانونية؟
في قانون العقوبات الإسلامي، تم النظر في عقوبة للمغتاب.
قبل سنوات، طرح السيد حجتي كرماني بحثاً كان في نظري، في حد ذاته، بحثاً بالغ الأهمية. قال: لماذا حولنا الحجاب إلى قانون واعتبرنا عدم ارتدائه جريمة؟ دعوه يكون ذنباً، لدينا ذنوب كثيرة لا نملك لها قوانين. بمجرد أن تعتقلوا امرأة غير محجبة، فإنكم تحولون هذا الذنب إلى أمر سياسي! هل تعتقلون أيضاً من يغتاب ويكذب ولا يصلي؟ هل الغيبة ذنب أكبر أم عدم ارتداء الحجاب مثلاً؟ (بصرف النظر عن كل المباحث الاجتهادية العميقة في أصل مسألة الستر واللباس، لن أخوض فيها) بطبيعة الحال، الغيبة أهم بكثير ولا تقارن أصلاً. لماذا لا تعتقلون أحداً بسبب الغيبة؟ اسمحوا بأن يكون حساب من يذنب مع الله، ليتابع إحساسه بالذنب ويفحصه، وأنتم قوموا بالتبليغ. الفكرة هي أن الجواز غير الصحة. ونتيجة لذلك، ما تفضلتم به أفهمه على هذا النحو: عندما تقولون، بصفتكم معلماً دينياً، ومربياً دينياً، ومبلغاً دينياً، وداعية دينياً، وواعظاً وعالماً دينياً، وفرداً يشعر بالمسؤولية الدينية: إن هذا الإجهاض، وهذه المثلية الجنسية قبيحة، وتترك آثاراً سيئة على روحكم ونفسكم، وهو كذلك حقاً، فلا بأس إذا طرحتم هذا بشكل أفقي وبمنهجية حرة، أن تطرحوا الدعوة والإرشاد والتبليغ وبيان الحقائق.
باعتباركم قوة قاهرة دون رضا اجتماعي، دون عقد اجتماعي، دون توافق جمعي، دون أن يصوت الناس جميعاً على قانون ما. أي أنكم تقومون بتبليغكم، والقانون الاجتماعي يُسن بناءً على الآراء والأغلبية. فإن كانت لديكم القدرة ـ وهذا ما يحدث في الغرب أيضاً ـ تعالوا وقولوا شرحكم واستدلوا واجذبوا أفكار الناس وآراءهم بشكل حر وديمقراطي إلى هذا، وفي النهاية استطيعوا الحصول على أغلبية برلمانية قانونية وعادلة.
يقول القرآن: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها»،[۲۷] ليس علينا تكليف غير هذا، فإن تجاوزنا هذا فلم يعد ذلك تكليفاً، بل أنانيتنا، وغضبنا، وكثير من تديننا المتعصب، ليس هو الدين الحق بل هو غضبنا الاجتماعي. تكليفنا هو أن نقوم بهذا بقدر ما يلزم من البلاغ. إذا كانت ظروف الحياة العصرية تقتضي أساليب ديمقراطية مرضية، فإننا نستطيع فقط أن نفتح قنوات ونؤلف كتباً ونصدر مجلات ونمتلك وسائل إعلام ونقوم بالتبليغ والإشاعة، لا بالإجبار والتحكم والتصرف. التكليف الإلهي في هذا الحد فحسب، وما تبقى هو أنانية وتعدٍ على حقوق الآخرين.
إذن، هل هناك فرق بين ساحة الدين والديمقراطية؟
للدين ساحته الخاصة، وللديمقراطية ساحتها كذلك. الديمقراطية تقول لنا إنكم أحرار في الكلام، لكنها لا تقول لا تكذبوا وإن الكذب قبيح. هذا ما يقوله الدين. ليس للديمقراطية هذا النفوذ لتقول للناس لا تكذبوا، وهنا يأتي دور الأخلاق والدين والروحانية والثقافة والتعليم والتربية ليأتوا ويقولوا: أيها الناس الذين أنتم أحرار في قول أي كلام، ابقوا أحراراً واستفيدوا من الديمقراطية، ولكن وجدانياً وإيمانياً وأخلاقياً ومن أجل كرامتكم الإنسانية، قوموا بمراقبة داخلية وتكلموا بكلام صحيح واصدقوا وقولوا الكلام الصحيح على الوجه الصحيح وسائر الفضائل.
لا، فمهمة الديمقراطية تصل إلى حد القول بأن لكل شخص حقوقاً. الأخلاق هي التي تعتبر الكذب قبيحاً، والدين هو الذي يعتبر الكذب قبيحاً. طبعاً، ديننا الرائج والرسمي واقعياً الآن، للأسف، يبرر الكذب أيضاً! لكن الدين الحق ـ الذي ندركه نحن أن الإسلام هو كذلك أيضاً ـ يعتبر الكذب أعظم إثم. الديمقراطية تقول إن كل شخص حر في أن يتكلم، أما أن يتربى الناس على ألا يكذبوا فهذا يتعلق بالدين والأخلاق والتعليم والتربية. لكن ليس بالقوة، فبالقوة لا نتيجة له إطلاقاً.
باختصار، توصلت إلى هذه النتيجة وهي أن الأمر ليس أن الدين في طريقه إلى الزوال في المجتمع. في الواقع، نحن من صنع هذا الخطاب لنخيف الناس ونسيطر عليهم. بل إن تغييرات في شكل التدين تحدث، في كم وكيف التدين تحدث. مثلاً، التدين أصبح شخصياً أكثر قليلاً بالنسبة للناس، وأقل طقوسية وأكثر أحوالاً داخلية. التجربة الدينية اكتسبت أهمية أكبر مقارنة بالطقوس. الظاهر قل، والباطن ازداد أهمية.
بصرف النظر عن التدين الطقسي، مجتمعنا سقط أخلاقياً أيضاً!
هذه مسألة أخرى.
إذن ماذا تبقى من الدين؟ الطقوس لا شيء، والأخلاق لم تبقَ أيضاً.
هذا صحيح. انظر! الأخلاق مستقلة عن الدين، الأخلاق قد زالت تماماً. للأسف نعم. وسببها هو تدخلاتنا التعسفية غير اللائقة في المجتمع باسم الدين. نتيجة ما تظهره الدراسات الخاصة حول الدين ليست أن الدين بمعنى الأمر الواقعي يزول من المجتمع. بل إن كيفية التدينات، وكمها وكيفها، وشكلها، وفهم التدين يصبح مختلفاً. مثلاً، كم كان الناس يراجعون المرجعيات التقليدية في الماضي، وكم يراجعونها اليوم؟ هذه المراجعة قلت ونحن نعتبر هذا من الدين گریزی. يجب أن نفصل بين هذه الأمور ونرى بأي معنى هو. الناس لديهم وصول إلى أنواع الجماعات المرجعية الجديدة، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني والمعلومات، ولا يريدون تديناً تقليدياً.
نحن لا ننتبه لهذه الأمور، أنت على حق. لكن رئيس السلطة القضائية قال: إن السرقة تضاعفت من عام 96 إلى 97. نحن نسمي هذا نفوراً من الدين.
نعم. هذا الفهم الأخلاقي الذي تحمله عن الدين، لأنك تعتبر أصل الدين بشكل صحيح هو الإنصاف والأمانة ومراعاة حقوق الناس، بهذا المعنى نعم. لكن ذلك الشيء الذي ...
إذن تقبل أن المجتمع ابتعد عن الدين؟
قبل أن يذكر هذا السيد الإحصائية، كانت لدينا إحصائيات اجتماعية أدق بكثير من هذه كُتبت منذ سنوات لكن السادة لم ينتبهوا. للأسف، الانحرافات والأوضاع الموجودة في المجتمع لا يعرضها السادة وربما لا يعرفونها أيضاً. وضع مجتمعنا أسوأ بكثير من هذه القضايا. لكن مجدداً، هذا لا يعني أن المشكلة في المجتمع، بل المشكلة بالضبط في الحوكمة، المشكلة في العرض الذي قدمناه للدين. المشكلة في إدارة المجتمع والتحكم باسم الدين الذي هو، بالإضافة إلى التعدي على حقوق الناس، تشويه لسمعة التراث الديني للمجتمع أيضاً، وللأسف سيكون أسوأ من هذا أيضاً.
حضرت عالی می گویید حقیقت دین، اخلاق است، و می گویید: این همان دین گریزی است. اینها (مسئولان) به این دین گریزی نمی گویند، می گویند: مثلاً اگر یک مقداری از موهای شخص پیدا است می گویند دین گریز است، یا اگر درک دینی او متفاوت است می گویند دین گریز است. این به این معنا محلّ تأمّل است و مطالعات نشان می دهد که این گونه نیست. روندهای جامعه نشان می دهد که اشکال دینداری متحول و متنوع شده است و طبعاً جامعه جدید حسب اقتضای طبیعت امروزی دنیا متکثر شده است هم دین هست هم لادین، هر دو همه به شکل های مختلف و در طیفی وسیع. مثلاً مردمانی زیاد می بینی که روزه ی ماه رمضان را، به شکل خاصّی رعایت می کنند، روزه می گیرند، آب هم مقداری به خاطر رعایت اصول سلامت یا مقتضیات بدن یا توصیه های پزشکی می خورند ولی افطار و آن فضای رمضانی و آن مناسک رمضانی، آن دید و بازدیدها و احترام و این مسائل کم و بیش وجود دارد. سفره افطار و میهمانی های ماه رمضان و این قبیل فرهنگ دینی وجود دارد. به هر حال با دین در این دنیای پیچیده نمی توان ساده سازانه برخورد کرد. مشکل در جامعه چیز دیگری است. جامعه ی ما Anomic شده است، جامعه ی ما بی هنجار شده است و دین داری آن هم بی هنجار است. بی دینی آن هم بی هنجار خواهد شد. یعنی یک جامعه ای که دچار وضعیّت Anomic، بی هنجاری شود، همه ی رفتارهای آن جامعه نامنظّم و بی هنجار می شود. چه از این سو، چه از آن سو.
احساس نمی کنید گریز از دین که نتیجه ی برخورد هزار سال کلیسا بود، مثل دادگاه های انگیزاسیون و… همان مدل این جا و در جامعه ما هم ایجاد شود؟
بله، ممکن است با یک نسخه ی دیگر، با یک ویژگی های دیگر ایجاد شود.
این حالت، تغیّر پیدا نمی کند که دوباره بازگشت پیدا کند؟ یعنی به آینده خوش بین نیستید؟
هر جامعه ای یک مسیر تاریخی خاصّ خود را دارد. این مباحث یک مقدار نیاز به گفتگوی گسترده تری دارد. نمی شود یکی را نسخه جهانشمول قرار داد و فکر کرد که تاریخ همیشه به یک منوال تکرار می شود. این بحثها نیازمند فرصت دیگر و بیشتری است.
.
.
[۱]. سورهی مائده، آیه ۴۸٫
[۲]. //farasatkhah.blogsky.com/1389/11/27/post-33/
[۳]. سورهی طه، آیه ۱۰٫
[۴]. همان، آیه ۱۲٫
[۵]. سورهی علق، آیه ۱٫
[۶]. کافی، ج ۱، ص ۱۳۴٫
[۷]. بحار الأنوار (ط – بیروت)، ج ۶۴، ص ۱۲۱٫
[۸]. سورهی بقره، آیه ۲٫
[۹]. سورهی اسراء، آیه ۸۲٫
[۱۰]. بحار الأنوار ، ج ۶۷، ص ۳۷۲٫
[۱۱]. //farasatkhah.blogsky.com/1391/03/29/post-129/
[۱۲]. سورهی غافر، آیه ۲۶٫
[۱۳]. سورهی ماعون، آیات ۴ تا ۷٫
[۱۴]. سورهی عنکبوت، آیه ۴۵٫
[۱۵]. سورهی اعراف، آیه ۲۸٫
[۱۶]. سورهی ابراهیم، آیه ۴٫
[۱۷]. سورهی بقره، آیات ۱۸۹، ۲۱۵، ۲۱۷، ۲۱۹، ۲۲۰، ۲۲۲ و…
[۱۸]. سورهی یونس، آیه ۱۸٫
[۱۹]. سورهی انعام، آیه ۱۰۰٫
[۲۰]. بحار الأنوار (ط – بیروت)، ج ۲۲، ص ۳۵۲٫
[۲۱]. شرح أصول الکافی (صدرا)، ج ۳، ص ۱۳۳٫
[۲۲]. نهج البلاغه (للصبحی صالح)، ص ۴۳٫
[۲۳]. الکافی (ط – الإسلامیه)، ج ۱، ص ۱۲٫
[۲۴]. همان، ج ۲، ص ۱۰۵٫
[۲۵]. سورهی غاشیه، آیه ۲۱٫
[۲۶]. سورهی نور، آیه ۵۴، سورهی عنکبوت، آیه ۱۸٫
[۲۷]. سورهی بقره، آیه ۲۸۶٫
.
.
.
.
.
.
الدين
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
سه گانه تفرج در طبیعت /صحبت با همنوعان/نیایش با خداوند در زمانه ما جای خود را به سه گانه موسیقی/عکس /سینما داده است و به تدریج در روح و خلق ما تغییرات بنیادین بوجود آورده است. در سه گانه اول کم و بیش انسان حالت اکتیو و بازیگرانه دارد و بی واسطه با جهان و هستی ارتباط برقرار می کند و در سه گانه دومی حالت پسیو و تماشاگرانه غالب است و عشق ورزی و درگیری فعالانه کمرنگ می شود. در روزگاری زندگی می کنیم که سینما جای نماز را گرفته است و تصویر ها روح هایمان را اشباع کرده اند. البته این بیان، نه صرفا ارزش گذارانه بلکه بیشتر پدیدارشناسانه است اگر چه اذعان دارد پدیدار و ارزش تفکیک صد درصدی میانشان نیست.
این قسمت هاش خیلی درس آموز بود: مارتین بوبِر هم نظری مشابه این دارد؛ بوبر کتابی به نام «کسوف خدا» (Eclipse of God) نوشته است، ایشان می گوید: اصلاً خدا از آسمان ما کسوف کرده، علم ما، عقلانیّت ما، مثل ماه شده است. نور ماه انسانیت و عقلانیت ما آمده است و جلوی نور خورشید الوهی را گرفته است. این است که می گوید: تو خود حجاب خودی حافظ از میان برخیز…، یعنی یک حالتی است که در واقع بین ما و خدا، خود ما حائل شده ایم، یعنی عقلانیّت ما، علم ما، تکنیک و تمدن ما آن قدر توسعه پیدا کرده که حجابی برای حس امر الوهی شده است. مارتین وبر وجود خدا را نفی نمی کند، ولی می گوید: از آسمان زندگی امروزی کسوف کرده است. این مطالب حتّی در بعضی مباحث متفکّران ما هم وجود دارد، مثلاً اقبال لاهوری می گوید: یک دوره ای دوره ی صغارت دوره ی کودکی بشر بوده، در نتیجه مرتّب از بیرون برای او پیامبر می آمده و دعوت می کرده، ولی بشر به یک بلوغی می رسد ـ این تعبیر اقبال در کتاب «بازسازی اندیشه ی دینی در اسلام» است ـ ، در این دوره دیگر خود بشر خدا را تجربه می کند، نیازی به این که از بیرون پیامبری بیاید نیست. این منشأ می شود که تجربه ی دینی یک امر شخصی بشود و به تدریج به جای دین، ایمان می نشیند...
و از دل آن جورج بوش پدر و پسر و دانالد ترامپ بیرون می آید. و از دل تعصب و تبختر متوهمانه بنام مدرنیته و فلسفه فاشیسم و جنگ جهانی و آ»ریکا و اروپای سفاک ظاهر می شود که لبخند می زند و به دانشجوی ایرانی از ژان پل سارتر و ژان ژاک روسو می گوید اما biological warfare و chemical warfareرا در دانشگاهش تدارک می بیند. ابراهیم کورشی عزیز تاریخ را نه از توی کتابهای رایج نه از سخنرانی های اساتید دانشگاه متظاهر و شهرت طلب متفرعن بلکه از همه منابع جستجو بفرمایید . . دانشگاه زاییده مدرنیته نابود کننده تمامی سنن فکری پیش از خود بوده است. اندیشه ، تجربه، مشاهده ، و تعمق و نگاه انتقادی توشه خوبی برای فارغ اتحصیلان زیراکسی و فتوکپی کم رنگ ایرانی دانشگاه غربی رفته بدنبال مطرح شدن به هر قیمتی ( حتی زیر پا گذاشتن وجدان خود و تحقیر فرهنگ خود)است.
مطالعه در تاریخ، علم، فلسفه علم، دین نشان می دهد که توضیحی که شما ارائه کرده اید دارای اشکال بزرگی است. توصیف ایشان از دین مانند داوری یک داور هندبال در یک مسابقه فوتبال است.انگار بخواهم زبان اسکیمو ها را مطالعه کنم و دستورزبان چینی را مبنا مطالعه قرار دهم. آقای فراستخواه دانشگاهی که از مدارس مذهبی قرون وسطی بیرون آمد و با پذیرش فلسفه ارسطو و سپس seven liberal arts شکل گرفت و دچار متامورفوسیس کامل شد وفادار به متن دین نیست. دانشگاهی که از دل رنسانس و رفورمیسم درآمده و آن مقابله ها و نفی دین ها و تنفر از دین و دین داری را در سبقه خود دارد همدلانه دین را مطالعه نمی کند و به دلیل سبقه دین ستیزانه خود نمی تواند به دین گوش فرا دهد. نسخه زیراکسی شما نیز از معجون آثار غرب خود نه وفادار به غرب و نه همدل با دین است. نه با نگاه غرب می خواند و نه با اصل دین. شما می خواهید برای دین از عینک مسیحیت ستیز اخلاف انقلابیون فرانسه بنگرید! برای شناخت ابزار مناسب برگزینید. انتلکتوالیسم قادر به شناخت همدلانه دین نیست. دین را شما افیون توده ها، خرافات، مکانیسم دفاعی فرویدی در برابر طبیعت، القائات طبقه حاکم و یا هر چیز بدتری و یا بهتری که باشد برای شناختش بایست با ذهنی پذیرا و همدلی مطالعه و مشاهده نمود. کار شما مانند این است که برای شناخت قزیستانس فرانسوی توصیف هیتلر و گوبلز را ارائه کنیم!
آیا آن چه فراستخواه ارائه نموده خود تقلید نیست حال تقلید از مرجعی دیگر؟ تقلید تقلید است چه از غرب چه از هر نوعی دیگر. که این هم قابل بحث است.
با وجود این که هر تحقیق و مباحثه ای ارزشمند و قابل تأمل است برای شناخت پولیتیکال ساینس بهتر است جورج واشینگتن یونیورسیتی را برگزینیم. آیا شناخت دین نیز از مراجع آن در کنار مباحث دانشگاهی قابل توجه نیست؟ چرا بایست آثار ما با ویتگنشتاین شروع و با یکی دانستن وضع ایران با اروپای قرون وسطی خاتمه یابد؟ چگونه است که در رساله های دکتری ذره ای لغزش از نقل قول و یا سخت گیری های شکلی و اعتبار تا حد افراط و غیر معقول جدی گرفته می شود اما در امر یک سنت فکری آلترنتیو سر تا ته متن ما اندیشه های دیگرا ن است که در جای خود و در مقیاس مناسب خود در صورت معقول بودن و تجربی بودن به گونه ای قلم می زنیم که گویی دین مرجعی جز یک فیلسوف غیر اخلاقی مانند ویتکنشتاین وراهی برای تفقه جز در چارچوب آکادمیک و نگاه مد روز ندارد؟