اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مقصود فراستخواه أن هجرة النخب ليست هجرة أدمغة، بل عامل من عوامل التنمية السياسية والاجتماعية في إيران، ويعدد نماذج التداول والاكتساب والشتات. ويشدد على توفير إمكانية الهجرة لتدويل المواطنين.

بامداد لاجوردي: لم تعد هجرة النخب قضية إيرانية فحسب، بل تحولت إلى موضوع عالمي؛ فقد صمم الخبراء اليوم في مجالات التخطيط الاجتماعي وعلم الاجتماع نماذج مختلفة لتفسير هجرة النخب، حتى نشأ فيما بينهم إجماع على أن تعبير هجرة الأدمغة قد أصبح بالياً إلى حد كبير، ولم يعد يمتلك القدرة على تفسير هجرة النخب من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة.
ولهذا السبب، يستعرض مقصود فراستخواه في هذا الحوار النماذج المتأخرة لهجرة النخب، ويشرح كل واحد منها بالنظر إلى الوضع الراهن لهجرة النخب في إيران. وقد أشار في حواره إلى نموذج تداول النخب، ونموذج اكتساب النخب، وأخيراً الشتات، وقام بتقييم قدرة كل من هذه النماذج على شرح الظروف الإيرانية الراهنة.
كما قام في حواره، من خلال تقديم أمثلة من تاريخ إيران المعاصر ونماذج تفسيرية في العالم، بتقييم مسألة هجرة النخب عبر التاريخ، وفي النهاية يذكر هجرة النخب بوصفها أحد العوامل الجادة في تنمية إيران.
وذكّر في خلاصة حواره: «لقد أدت الهجرة قطعاً إلى التنمية السياسية والاجتماعية في إيران عبر التاريخ. وينبغي لنا الآن أيضاً أن تكون لدينا تنمية في الهجرة. علينا أن نوفر إمكانية هجرة الإيرانيين إلى البلدان المتقدمة، وأن نهيئ هذه الفرصة لمواطني البلاد كي يصبحوا دوليين ويتواصلوا مع عالم متعدد.»
إذا ما راجعنا نماذج الهجرات المعاصرة البارزة، يمكن طرح فرضية أن هجرة النخب تسببت في التنمية السياسية-الاجتماعية، وأن البلد لم يتضرر من هذه الهجرات بنظرة كلية، إلى أي مدى تتفقون مع هذه الفرضية؟
يمكننا إعداد قائمة طويلة من النخب التي هاجرت في العصر المعاصر، ثم نستنتج أن حضورهم ونشاطهم في البلدان المتقدمة لم يلحق الضرر بإيران فحسب، بل تسبب في الابتكار والتغيير والتنمية. إذا أخذنا بنظر الاعتبار نموذج الهجرة الاعتيادية للدراسة أو المهمة الوظيفية، فإن نخبنا البارزة من ميرزا صالح، وكمال الملك وحكمت، وغلام حسين رهنما، وصديق، وسياسي، وداور، وصولاً إلى مصدق وبازركان، قد هاجروا (فقط في القرن الثالث عشر، ذهب حوالي ألف نخبوي إيراني إلى الخارج للدراسة)، كانوا هم والنخب التي هاجرت بدافع الإكراه السياسي من أهم صانعي التحول في تاريخنا المعاصر.
بيانات الهجرة في تاريخ البلاد المعاصر هي بيانات قيّمة، لكن الأمر يعتمد على كيفية تفسيرنا وتأويلنا واستنتاجنا لهذه البيانات، وما النتيجة التي نستخلصها منها. بعبارة أخرى، البيانات متعطشة للمعنى. ليس من اللائق ولا المنطقي أن نقدم تفسيرات خاطئة ومضللة لهذه البيانات القيّمة. لذا، يجب أن نتحلى بحساسية عالية في تأويلها؛ لأنه من الممكن أن نستخلص نتائج خاطئة من مقدمات صحيحة، تماماً كما يمكن أن نستخلص نتائج صحيحة من مقدمات خاطئة.
على سبيل المثال، كانوا يتنبؤون أحياناً بالخسوف والكسوف باستخدام هيئة بطليموس، وعندما كان التنبؤ يأتي صحيحاً، كانوا يتصورون أن الأسس البطليموسية صحيحة، لكن اليوم يوجد إجماع على أن نظرية بطليموس كانت تعاني من مشكلة من الناحية النظرية. إذن، ليس صحيحاً أن ندّعي صحة مقدمات ما لمجرد أنها أسفرت عن نتائج تطبيقية مفيدة، كما أنه ليس الحال دائماً أننا نستخلص استنتاجات صحيحة من مقدمات صحيحة.
تُظهر تجربة إيران والبلدان الأخرى أن الإزالة الكاملة للنخب وهم مفرط. إذا ما فُرضت قيود في طريق النخب، فإنهم، بسبب قدراتهم العالية على الحراك (mobility) من النواحي الفكرية والمعرفية والتحفيزية والفنية والاجتماعية والعالمية، سيجدون، عاجلاً أم آجلاً، طريقاً بديلاً، ويُظهرون طاقاتهم ومواهبهم في مسار آخر.
حكاية النخب هي حكاية ذلك الوجه الجميل الذي «لا يطيق الاختفاء، وإن حُبس أطل برأسه من الكوّة»، أي أن النخبوي، بحكم طبيعته النخبوية، يأبى الخضوع للقيود، ويسعى وراء منفذ وثغرة للتعبير عن ذاته (self expression) وإظهار موهبته.
لكن لا ينبغي أن نستنتج من هذه المقدمات أنه لا توجد في إيران مشكلة تُدعى هجرة النخب. أليس من حق المجتمع وحاجته أن يستفيد الاستفادة المُثلى والقصوى من النخب التي رعاها في أحضانه؟ إذن فمن المنطق المختل أن نقول إنه بما أن النخب حتى لو غادرت هذه الأرض فإنها تصبح في النهاية مصدراً للتحول، فلنجلس إذن ونتفاءل بها خيراً حتى تتكفل أنواع التضييقات والتنفير بتوفير أسباب هجرتهم، وألا نقلق بشأن هجرتهم.
تعيش مجتمعات العالم اليوم في ظل منافسة حادة فيما بينها على مقدار الانتفاع برأس المال البشري. إن رأس المال الفكري والتواصلي للنخب هو ثروة المجتمع، ويزيد من شروط إمكانية ذلك المجتمع للتنمية. واليوم، يناقش المنتقدون حتى في البلدان الأوروبية لماذا يرتفع رقم هجرة أدمغتهم إلى أستراليا وأمريكا وكندا.
تشير الشواهد إلى أن تواصل النخب الإيرانية مع البلدان المتقدمة أدى إلى زيادة رأس المال البشري على المستوى الفردي والكلي للبلاد.
جرت العادة على استخدام نموذج هجرة الأدمغة (Brain Drain) لتفسير هجرة النخب. وكان هذا النموذج يصف هجرة النخب بأنها هروب للأدمغة. ولم يكن هروب الأدمغة يفسر سوى جزء من مسألة هجرة النخب، في حين أن تعبير هروب الأدمغة لم يكن قادراً على التعبير عن أبعاد من قضية هجرة النخب. لذلك احتاج نموذج هروب الأدمغة إلى تحسين وتطوير.
وفي هذا الصدد، وفي إطار تطوير نموذج هروب الأدمغة، ظهر نموذج تداول الأدمغة (Brain Circulation). وكان هذا النموذج يرى أنه لا ينبغي استخدام تعبير الهروب للأدمغة. ففي هذا النموذج، تدور الأدمغة في العالم. ويُشرح في هذا النموذج أنه بتداول الأدمغة، تتاح الفرصة لحيز إقليمي ما ليتمكن من استقدام الأدمغة التي غادرت إقليمه على نحو متناوب ذهاباً وإياباً والاستفادة من طاقاتها.
لكن نموذج تداول الأدمغة لم يستطع هو الآخر أن يفسر بشكل جيد عملية تنقل النخب في العالم. وبناءً على ذلك، طُرح نموذج (Brain Gain) أي اكتساب الأدمغة. وقد سعى هذا النموذج إلى فهم كيف يمكن للنخب أن تصبح مصدراً للقيمة المضافة الوطنية. وأظهر هذا النموذج أن النخب حتى لو لم تعد إلى حيزها الإقليمي الأول، فإنها ستكون قادرة على المساهمة في القيمة المضافة الوطنية.
في هذا النموذج، بدلاً من التأكيد على مكان إقامة النخبة وحضورها، يجري التأكيد على تأثير إنتاجاتها ومعرفتها وفكرها وفنها ومعانيها في القيمة المضافة الوطنية لبلدها، شريطة أن يبقى فيها ذلك الشعور بالانتماء الوطني. لذلك، يقيم القائلون بهذا النموذج البلدان على أساس مدى استطاعة النخب المساهمة في القيمة المضافة الوطنية، فبغض النظر عن النقطة الجغرافية أو البلد الذي تعيش فيه، يمكنها أن تصبح عاملاً لكسب منافع القيمة المضافة الوطنية لبلدها.
لكن الدراسات التجريبية أوضحت أن حتى نموذج اكتساب الأدمغة عاجز عن تفسير أبعاد من القصة. ولهذا السبب، طُرح شكل أكثر تطوراً من هذا النموذج، وبناءً عليه عُنون مفهوم آخر تحت مسمى الدياسبورا (Diasporas) أي الهوية الوطنية المتفرقة.
يشير هذا المفهوم إلى النخب التي تنتمي إلى إقليم ما ولكنها منتشرة في أنحاء أخرى من العالم، وتُعد الصين واحدة من أكبر حالات تشتت النخب، حتى أن الصين أو الهند واليهود اليوم يمتلكون هوية متفرقة في العالم، ويكتسبون من خلالها الاعتبار والنفوذ السياسي والاقتصادي في العالم.
يتركز هذا النموذج على كيفية إدارة المواهب والنخب، بحيث أنه إذا وجدت إدارة للمواهب في البلد، فإن وجود نخب ذلك البلد في مناطق أكثر تقدماً يمكن أن يحمل معه إنجازات.
إذا أردتم شرح نموذج الدياسبورا بشأن المهاجرين الإيرانيين، فكيف سيكون الأمر؟
يقول لنا نموذج الدياسبورا إن الإيرانيين حتى لو لم يكونوا حاضرين في جغرافية إيران، فإنهم يظلون يُعتبرون رؤوس أموال فكرية وبشرية واجتماعية لإيران، ويمكنهم أن يزيدوا من قدرة إيران وقابليتها التنافسية، وأن يكونوا مؤثرين في فترات مختلفة، بل وأن يقوموا بأدوار سياسية.
على سبيل المثال، قبل بضع سنوات عندما نشأت تحديات حول اسم الخليج الفارسي وأضرت بالهوية الوطنية الإيرانية، كان الإيرانيون في الخارج أسرع بكثير في رد الفعل من الإيرانيين داخل البلاد. يمكن فهم هذا الفعل من الإيرانيين في الخارج من خلال نموذج الشتات. يقول نموذج الشتات: أينما وُجدت العقول كانت مؤثرة.
لكن المهم هو «شعور النخب بالانتماء» إلى أوطانهم. إذا وُجد شعور الانتماء إلى الوطن بين النخب، وكانت لديهم المراودة والمشاركة والتواصل البنّاء اللازم مع أنظمة الحوكمة والإدارة والفنية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية في بلدهم، فإن تشتت النخب في نقاط جغرافية مختلفة لن يكون تهديدًا فحسب، بل سيصبح ميزة.
لكن النقطة الحاسمة هي أن يوفر صانعو السياسات الأرضيات ويزيلوا العقبات حتى يتمكن البلد من تحقيق أقصى استفادة من تشتت النخب في العالم، ويبقى شعور الانتماء حيًا فيهم أينما كانوا. إذن المهم ليس أن نخبويًا ما يهاجر، بل المهم هو: هل تتوفر إمكانية مشاركته الحرة والنزيهة والقانونية والسلمية والمحترمة في التنمية الاقتصادية والعلمية والفنية والاجتماعية والسياسية والثقافية لإيران أم لا؟
للنخب إبداعاتهم أينما كانوا. عندما نحلل على المستوى الفردي، نقول إن النخب لديهم إبداع أينما كانوا ولا يمكن تقييدهم. لكن هذا التحليل على المستوى الجزئي، أما إذا نظرنا إلى الأمر على المستوى الكلي، تصبح حصة الحوكمة الرشيدة في استخدام قدرات النخب حاسمة. في هذا المستوى من التحليل، المتغير الحاسم هو الأنظمة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة. يقول البعض إن كل شر في العالم، تعقبه خيرات، لكن هذا لا يمكن أن يكون أساسًا لعدم قلقنا.
ليست لدي نظرة خير وشر إلى الأمر، لكن سؤالي هو: أين يكمن وجه القلق؟ من الطبيعي أن ينتقل المرء من بلد نامٍ إلى بلد متقدم ويزيد رأسماله البشري.
نعم، كل شخص حر في أن يزدهر حيث يشاء (رغم أنه حتى نخبنا النسائية يُحرمن أحيانًا من حق التنقل والسفر الدولي بسبب منع أزواجهن، وهذا نقص في نظامنا القانوني) لكن مسؤولية المديرين والحكام هي أن يرفعوا شعور انتماء النخب إلى هذه الأرض والتراب ودورهم ومشاركتهم وحضورهم وتدخلهم وإسهامهم في تنمية البلاد إلى أقصى حد، لا أن يضايقوهم وينفروهم.
إذن القلق يتعلق بالإنتاجية. مجموع ما نملكه وطنيًا هو الذي يحدد قدرة البلد التنافسية، وأي ملكية أثمن من رأس المال الفكري والنخبوي؟ النقاش يدور حول مدى قدرتنا على الاستفادة من ممتلكاتنا وإمكانياتنا وتحقيق إنتاجية أكبر.
بتعبير آخر، كيف نريد استخدام الموارد المحدودة بأقصى شكل ممكن. لماذا لا نجعل من هذه الأرض، بكل طاقاتها الحضارية والتاريخية، بلدًا جاذبًا للمهاجرين (وليس فقط من دول مثل أفغانستان والعراق و... بل) من الدول الأوروبية والآسيوية والأمريكية، من خلال الاستفادة من نخبنا. إذا كانت الهجرة عاملًا في بناء الحضارات، فلماذا نكون فقط مُصَدِّرين للعقول ولسنا مُضيفين لها!
النقاش يدور حول أنه في إحدى المقاربات، سقف قدرة التعليم العالي في إيران هو هذا الوضع الحالي الذي نعيشه، هل ترى أن الحل المحتمل للخروج من الركود ليس هو تداول النخب والهجرة؟
سقف قدرة التعليم العالي في إيران سيزداد بالتأكيد مع زيادة استقلال الجامعات ودعم تعاوناتها الدولية الخلاقة، ومع الحرية الأكاديمية واللامركزية وسياسات استقطاب ودعم النخب. إذن إذا كان سقفنا منخفضًا، فهو ناتج عن قصر نظر سياساتي وعن ضعف سياساتنا وأنظمتنا.
الهجرة في شكل تداول النخب صانعة للفرص؛ بحيث تذهب إلى بلد متقدم لفرصة دراسية وتعود مجددًا إلى البلاد. لكن إذا ذهبت النخب ولم تعد، ولم تستطع التنقل الدولي، ولم يستطع البلد استخدام إنتاجاتهم ومشاركتهم وفكرهم وابتكارهم، فعندها لم يحدث تداول النخب عمليًا.
مثلاً، كان الدكتور سميعي منشأ أعمال مفيدة؛ فهو يلقي المحاضرات ويقدم العلاج هنا، وقد أوجدت هذه الإمكانيات والتبادلات فرصاً متعددة الثقافات ودولية. إنها إمكانيات على نطاق عالمي نشأت لوطننا بفضل وجوده خارج البلاد. عندما نفقد جزءاً من رأسمالنا من النخب، ستتآكل تربتنا بنفس القدر، وسيضعف معامل الذكاء لدى الإيرانيين، وستنخفض الذخيرة الجينية للمجتمع.
صدر مؤخراً تقرير أشير فيه إلى أن معدل هجرة النخب في إيران منخفض مقارنة بالأفراد المتعلمين داخل البلاد. وهذا يعني أن الادعاء بضعف معامل ذكاء الإيرانيين أمر مشكوك فيه.
لنفترض أننا لم ندخل في جدالات إحصائية، وسأماشيكم. والآن، لنفترض إقليمين هاجر منهما أفراد ونخب بنفس المقدار، ولكن تبعاً لنوع أنظمتهم الاجتماعية ومقدار حس الانتماء لدى هؤلاء الفاعلين لهويتهم الوطنية، ستختلف إنتاجيتهم من هؤلاء الفاعلين. فمثلاً، في بلد ذي حوكمة رشيدة، تذهب النخب وتجيء عادة، وحتى إن لم يجيئوا، فلهم تواصل افتراضي إيجابي، وتستفيد بلدانهم الأصلية بدورها من القيمة المضافة لأنشطتهم الاقتصادية والفكرية والعلمية والفنية.
هل للجغرافيا أهمية في عصر تعاظمت فيه قوة الفضاء الافتراضي؟ يمكن لأي شخص أن يتلقى نص المحاضرة وصورتها عبر الإنترنت أو بعد فترة وجيزة من إلقائها، بل ويمكنه المشاركة افتراضياً في الدروس التي يلقيها أساتذة خارج البلاد.
طُرحت اليوم نقاشات حول موت المسافة (Distance Death)؛ لكن ينبغي أن تكون لنا نظرة قائمة على حقوق الإنسان، فلكل شخص الحق في السفر من بلده والعودة إليه، وله الحق في حرية الفكر والتعبير والتواصل. ينبغي أن يتمكن العديد من المثقفين الإيرانيين من التردد على البلاد. كل واحد من هذه القيود يضر بالإمكانيات الوطنية ويسلب المجتمع الوطني فرصة التواصل مع هذه الثروات.
لكن، سواء كانوا في البلاد أم لم يكونوا، سيكون تأثيرهم على الفضاء الفكري للبلاد قائماً. ومن ناحية أخرى، فإن العديد من المثقفين الذين هاجروا، اتسعت آفاق رؤاهم هناك وتغيرت نظرتهم إلى القضايا بشكل عام.
وفقاً للأبحاث التي أُجريت، تُعد الهجرة أحد عوامل بناء الحضارة. ومع ذلك، فإن البشر الذين أُجبروا على الهجرة القسرية، في ظروف البعد عن أسرهم ووطنهم، قد تعرضوا للأذى الجسدي والنفسي والاجتماعي، وتكبدوا تكاليف غير مرغوب فيها، وهذا أمر مذموم من الناحية الأخلاقية والإنسانية.
حتى لو كنا نعتقد أن الهجرة كالشر الذي قد تكون له خيرات في أعقابه؛ إلا أن هذه الهجرة نفسها يمكن أن تكون قانونية، أي بدلاً من أن تتخذ شكل الفرار، تكون بناءً على الرغبة والإرادة وفي ظروف نفسية مناسبة للمهاجرين، ويكون الدافع للهجرة هو استخدام الإمكانيات الحديثة في العالم، لا الهروب من وضع غير مرغوب فيه. في مثل هذه الظروف، تؤدي ثمرة الهجرة إلى زيادة القيمة المضافة الوطنية وستكون ذات إنتاجية أكبر.
لكن حتى الهجرات من نوع الفرار والإكراه ساعدت في التنمية الوطنية، لدرجة أنه لو بقي بعض دعاة الدستور في إيران لما حدثت الدستورية، أو لو بقي بازركان وتشمران طيلة عمرهما في إيران، لكانت نظرتهما إلى القضايا السياسية مثل الديمقراطية وبناء المؤسسات الاجتماعية مختلفة.
إن دعاة الدستور الذين غادروا البلاد، رحلوا بسبب الاستبداد؛ أي أنه في ذلك الوقت انطلقت مطالب على المستوى الوطني، وظهرت طليعة تقدمية، وطُرحت فكرة تغيير النظام السياسي-الاجتماعي، لكن النظام قاوم هذه المطالب وردود الأفعال.
لذلك، واجهت القوى التي كانت تسعى للتغيير مقاومة وقيوداً، وفقدت، بتعبير ما، فاعليتها داخل الحدود واضطرت إلى مغادرة الوطن -ينبغي تفصيل طرحكم للنقاش بشكل صحيح- في تجربة الدستورية، لم يكن هذا القبول موجوداً في النظام لكي تتغير إيران وتتطور بتكلفة أقل.
لو لم نشهد منذ أواخر العهد القاجاري وحتى اليوم هذا القدر من المحافظة والقمع وهضم حقوق المطالبين بالتغيير في هذه الأرض، أو لو كان ذلك أقل، لكنّا اليوم بلا شك في مصاف الدول الناجحة في العالم، على الأقل في مستوى كوريا الجنوبية والبرازيل والهند. وبصرف النظر عن هذا، لا يمكننا أخلاقياً أن نخلص من كون أي شر قد تترتب عليه نتائج خيرة إلى عدم المبالاة بإيجاد الشر؛ بل ينبغي لنا أن نساهم، قدر استطاعتنا، في تقليل الشر وزيادة الخير في هذا العالم.
زاوية نظرنا في هذا النقاش ليست أخلاقية. إنها نظرة كلية تبحث عن المكاسب الكلية للهجرة في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. نريد أن نرى هل أدت الهجرة (بأي شكل من الأشكال) إلى تقليص نطاق الشر (مثل التخلف والفقر والاستبداد...) أم لا!؟
ثلاثة بلدان، هي إيران وتركيا واليابان، بدأت مسار التنمية في مرحلة زمنية واحدة. تزامنت إصلاحات الفترة الناصرية في إيران مع فترة ميجي في اليابان ومع الإصلاحات العثمانية في تركيا. لكن درجة الاستفادة من التغييرات والإمكانات الوطنية تختلف، فإيران متأخرة عن كل من اليابان وتركيا من حيث معدل المؤشرات العالمية.
كانت نخب تفر من البلاد بسبب اللامساواة والقمع، وتتحول إلى بشر مبدعين، لكن لماذا لم نسمح بالاستفادة من إبداعهم في هذه الأرض ذاتها؟ جزء كبير من المواهب تضرر بفعل القمع في حقبة المشروطة، ومن الواضح أننا لو كنا قد أزهرناها هنا لكنا جنينا ثمار إزهارها.
لقد درست نماذج مختلفة من الإصلاحات. كان عباس ميرزا يطرح إرسال الطلاب إلى البلدان المتقدمة كفعلٍ سياسي. نظرة عباس ميرزا لإرسال النخب إلى خارج البلاد ليست قمعية، وهو لا يجبر النخب على مغادرة الوطن لقمعهم. في الحقيقة، كان عباس ميرزا يوفر إمكانات لنخب البلاد تتيح لهم مواصلة الدراسة في الخارج. لكننا بعد عباس ميرزا جربنا نموذجاً آخر.
لقد جُرب هذا النموذج في فترة صدارة أمير كبير. فبعد تأسيس دار الفنون، كان أمير كبير يدعو المدرسين والأساتذة إلى إيران للتدريس فيها، وهو قرار أدى إلى تخريج مجموعة من الطلاب استطاع كل منهم أن يكون شخصية مؤثرة في زمانه. وبشكل عام، كان لكلا النموذجين المجربين في فترتي عباس ميرزا وأمير كبير نتائج إيجابية لتنمية البلاد.
إن الإنتاجية الإيجابية والعالية لهذين النموذجين تظهر أنه لا ينبغي لنا أن نتجاهل مسؤولية الحكومات وتدبيرها في هذا الشأن. الحوكمة الرشيدة، وتدبير الدولة وتحملها للمسؤولية في اكتشاف المواهب وإدارتها، أمور مؤثرة قطعاً. تظهر التجارب أن عدم وجود علاقة ثنائية مرضية بين النخب الإيرانية المقيمة في الخارج والحكومة الإيرانية هو خسارة وطنية. ينبغي أن نقلص الفجوة بين الدولة والأمة حتى يستفيد الإقليم القطري أكثر من نخبه، حتى لو كانوا في حالة تردد أو إقامة في الخارج.
برأيكم، لماذا لا تمتلك إيران القدرة على الاستفادة من رأسمالها البشري ونخبها المهاجرة في الفترة الراهنة؟
أحد الأسباب يكمن في مشكلة رأس المال الاجتماعي. إيران مجتمع ذو رأس مال اجتماعي تائه. لا شك أنكم سمعتم أن رأس المال الاجتماعي في إيران في حالة تدهور، وأن هناك مشكلات في رأس المال الاجتماعي الإيراني. لقد قارنت عدة مصادر دولية ورأيت أن معدل رأس المال الاجتماعي لدينا يختلف من مصدر لآخر.
فعلى سبيل المثال، هناك مؤشر يسمى «إنجاز رأس المال الاجتماعي» (social capital achievement) تحتل إيران فيه المرتبة ١١٠ من بين ١١٧ دولة، بينما في مصدر آخر، كمؤشر ليجاتوم الذي يضم ٩ مكونات أحدها رأس المال الاجتماعي، فإن ترتيب رأس المال الاجتماعي في إيران هو ٧٤ من بين ١٤٩ دولة. وإذا حولنا هذه المراتب إلى مقياس من مئة، نحصل على المرتبة ٩٤ في المؤشر الأول، و٤٩ في المؤشر الآخر.
لقد أدركت أن هذا الاختلاف في المراتب يعود إلى أن المؤشر الأول قد أخذ في الحسبان معايير مثل الحكم الرشيد، وجودة القوانين، والمساءلة، والحقوق والحريات، وتكافؤ القوة الشرائية ضمن رأس المال الاجتماعي، مما أدى إلى تدهور مرتبتنا، أما في مؤشر ليغاتوم فلأن رأس المال الاجتماعي قد قيس بشكل منفصل، وكذلك جودة الحكم والحريات وسائر المكونات حسبت بشكل منفصل أيضاً، فقد جاءت مرتبتنا في مؤشر رأس المال الاجتماعي في ليغاتوم أفضل نسبياً من المؤشر السابق. إذن فنحن نملك رأس مال اجتماعي كامن لكن رأس المال هذا لا يصبح مؤسسياً. بعبارة أخرى، نحن لا نحقق نجاحاً في رأس مالنا الاجتماعي.
لقد استخلصت من هذا الوضع مفهومي رأس المال الاجتماعي التائه ورأس المال الاجتماعي المؤسس. مشكلتنا هي مأسسة رأس المال الاجتماعي والإنتاجية منه، فنحن لا نعاني من قلة في رأس المال الاجتماعي الكامن، لكن قسماً كبيراً من هذا الرأس المال تائه. وبالمثل، لدينا رأس مال بشري وفكري جيد لكننا لا نحسن استخدامه.
من منظور كلي وإنساني، تزداد طاقات الإبداع لدى الإنسان بالهجرة والحراك الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، شخص فرّ ويصارع مخاطر ترك الوطن لكنه في النهاية واجه في قسم ما إمكانيات جديدة أدت إلى ارتفاع مردوده. من هذه الحقيقة والأمثلة التجريبية، لا يمكننا أن نستنتج أن علينا تقييد طاقاتنا بهدف خلق الإبداع.
بالمقابل، يمكننا توفير إمكانيات الإبداع للنخب في أرض الوطن نفسها أو في التردد السلمي بين الوطن والخارج؛ وبشكل واضح، نوفر لهم إمكانية التردد، ونستخدم إبداع الأفراد دون أن تضيع حقوق أحد.
5 بالمئة من سكان إيران طلاب جامعيون و16.5 بالمئة تلاميذ مدارس، أي أن حوالي 22 بالمئة من مجتمعنا هم مواهب، إذا كانت أنظمتنا راعية للنخب وتحترم النخب وتحمي حقوقهم، فسنستفيد من مواهبهم في عالم يتسم بالتنافسية الشديدة. إذا امتلكنا أنظمة لإدارة المواهب والإنتاجية من المواهب البشرية والطاقات النخبوية، يمكننا تطوير رؤوس الأموال البشرية للبلاد، وسنحقق إنجازات أكبر.
في العصر القاجاري، اتجهت البلاد نحو رعاية النخب وإيفاد الطلاب إلى خارج البلاد، وتظهر نتيجة تلك السياسات أن إيفاد الطلاب إلى الخارج وهجرة النخب كانا في مسار التنمية.
في العصر القاجاري، تسببت بعض السياسات الجيدة من قبل إصلاحيي الدولة في حدوث ازدهارات ثقافية وعلمية. مشروع دار المعلمين وجامعة طهران تابعتهما شخصيات أتيحت لها من قبل الدولة فرصة التردد إلى بلد متقدم، فاستطاعوا أن يلمسوا عن كثب تطور البلدان الأخرى ويسعوا إلى الاقتداء بها.
وهكذا، عندما عاد هؤلاء الأشخاص إلى إيران، حاولوا تأسيس مشروع الجامعة في إيران. بالنسبة لشخص مثل كمال الملك، فقد توفرت هذه الإمكانيات. حتى أن كمال الملك عندما بنى مدرسة الصنائع المستظرفة، هجرها بسبب بعض القيود، وحُرمت تلك المدرسة من إمكانيات وقدرات كمال الملك.
حلل دار الفنون، كان بوسع دار الفنون أن يكون عاملاً لنهضة إيرانية. كان يمكننا في أواخر العصر القاجاري أن نختبر شيئاً شبيهاً بالنهضة، ولو حدث ذلك لكنا نواجه اليوم طاقات أكبر.
في المجمل، لا أستطيع أن أوافق على أن القمع عامل أساسي للنمو. القمع والتقييد يقللان الإنتاجية ويزيدان من مخاطر المجتمع. أي نوع من عدم الكفاءة في الأنظمة الداعمة والتيسيرية مضر. يجب أن تكون أنظمتنا داعمة وميسرة وحافظة لكرامة النخب.
أما في العصر البهلوي، فقد أوفدت نماذج إلى الخارج لكن النتيجة المرجوة لم تتحقق.
في فترة بهلوي الثانية دخلت أموال النفط البلاد فجأة دون أن تتطور بنانا الإنتاجية والمهنية الكافية ودون أن يحدث تطور سياسي مرضٍ في الوقت المناسب، ونتيجة لذلك اضمحل إبداع النخب وتراخى. رائحة الريوع النفطية خدّرت الجميع. جزء من الإمكانيات قد يقضي على إبداعنا.
القدرة على الاستفادة من الإمكانيات أهم من الإمكانيات نفسها. أعتقد أن الثروة لا يمكن أن تصبح منبعاً للإبداع إلا في ظروفها الإنتاجية. بحيث أنه في الظروف الراهنة ومع وضع الإدارة الحالي، إذا تضاعفت مداخيلنا الوطنية عدة مرات، فمن المرجح أن يقل إبداع النخب. الحديث يدور عن العواقب غير المقصودة للهجرة، وأنه لا ينبغي الظن بأن هجرة النخب ستؤدي بالضرورة إلى نتائج ضارة.
من المؤكد أن الهجرة أدت إلى تطور سياسي واجتماعي في إيران على مر التاريخ. والآن أيضاً يجب أن يكون لدينا تطور في الهجرة. علينا أن نؤمن إمكانية هجرة الإيرانيين إلى البلدان المتطورة وأن نهيئ هذه الفرصة لمواطني البلاد كي يصبحوا دوليين ويتواصلوا مع عالم متعدد.
عالم متعدد الثقافات يجري أعضاؤه حواراً ثقافياً فيما بينهم، وما يتطلبه ذلك هو أنظمة تعليم وتربية فعالة. الأشخاص الذين تقول إن هجرتهم تصبح منبعاً لتطور إيران، قد تلقوا في طفولتهم ومراهقتهم نوعاً من التعليم والتربية يجعلهم منظمين ذاتياً وموجهين ذاتياً ويفكرون في تحقيق الذات.
لكن نظام التعليم والتربية الحالي لدينا يسلب الإبداع وعزة النفس من التلاميذ ولا يتيح لهم فرصة التساؤل والثقة بالنفس. علينا أن نخرج إيران من العزلة ومن المعارف الزائفة التي سيطرت على أذهان البعض ممن يعتبرون المجتمع فناءً خلفياً لهم. الفرد العادي لا يضر إلا أسرته.
أما أولئك الذين هم في موقع صانع القرار ويتأثر المجال العام بقراراتهم وإجراءاتهم، وتعتمد كيفية تخصيص الموارد العامة وتوزيعها على سياساتهم، فإن أقل غفلة أو خطأ منهم سيحدث أكبر الخسائر الوطنية. من المؤكد أن التفاعل والتواصل مع العالم سيجعلنا نتبنى نظرة عالمية بدلاً من النظرة المحدودة والمحلية، ونصل إلى قناعة بأن الإيراني يمكنه أن يفكر عالمياً ويتنقل في العالم أيضاً، لكنه يتصرف بما ينسجم مع مصالحه الوطنية.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.