حوار صحيفة إيران مع كورش صفوي
مزاجنا نحن الإيرانيين بعين لغوي
صرنا عدوانيين ومتسرعين
كيف يمكن من خلال «اللغة» استكشاف السمات «النفسية» لمجتمع ما؟
المراسلة: مهسا رمضاني
قبل فترة، في حوار أجريناه مع مقصود فراستخواه، عالم الاجتماع، حول «مكانة الحب في العالم المعيش الإيراني»، تحدث عن تشوه البنية العاطفية للمجتمع، ويرى أن «اللغة» هي إحدى تجليات هذا التشوه. أحال فراستخواه إلى بحث استند إلى ثلاثة معاجم هي «عميد» و«معين» و«معاصر»، كشف أن عدد الكلمات ذات الشحنة «العاطفية» في اللغة الفارسية يفوق بكثير عدد الكلمات ذات الشحنة «المعرفية»، بل إن عدد الكلمات ذات الشحنة العاطفية «السلبية» يفوق عدد الكلمات ذات الشحنة العاطفية «الإيجابية». وبناءً على ذلك، استنتج فراستخواه بصفته عالم اجتماع أننا «مجتمع عاطفي، وهذه العواطف تحمل في الغالب شحنات سلبية». كان طرح هذه النقطة من قبل فراستخواه، والتساؤل حول «كيف يمكن من خلال اللغة استكشاف السمات النفسية لمجتمع ما؟» هو الدافع لحوارنا مع كورش صفوي. هو من أبرز اللسانيين وأستاذ في جامعة العلامة الطباطبائي، وإلى جانب علم اللغة، يولي اهتماماً خاصاً بالفلسفة، وسعى من خلال تخصصه في مجال دراسته إلى الولوج إلى مجالات أخرى بنظرة متعددة التخصصات. لصفوي سجل حافل في التأليف والترجمة؛ من بين مؤلفاته يمكن الإشارة إلى كتب «السرد»، و«الاستعارة من منظور آخر»، و«تائه في فلسفة الأدب»، و«مدخل إلى علم الدلالة»، و«لغات العالم»، و«مدخل إلى أنظمة الكتابة»، ومن بين الكتب التي ارتدت الثوب الفارسي بجهده يمكن ذكر «البويطيقا البنيوية»، و«اللغة والفكر»، و«نادي الفلاسفة الصامتين».
سيد صفوي، هل يمكن من خلال دراسة لغة مجتمع ما استكشاف سماته النفسية؟
عندما ندرس اللغة في إطار «بنية اللغة»، فهذا يعني أن لدينا نظاماً لغوياً بمجموعة من الوحدات، من كلمات ومقاطع وفونيمات وغيرها، نختار من بينها ثم نركبها، وبهذا نوجد «البنية اللغوية». إذن، فالبنية التي تتشكل أمامنا ترينا ماذا كانت اختياراتنا وكيف قمنا بتركيبها.
على سبيل المثال، عندما نتحدث معاً، ألاحظ أنك في 20 جملة استخدمتها، ترددت كلمة «المال» بوتيرة عالية؛ لذا أستنتج أنك تولي قيمة كبيرة للمال. أو أنك في 15 جملة استخدمتها، تحيل باستمرار إلى نيتشه؛ وبناءً على ذلك، أصل إلى استنتاج أن فيلسوفك المفضل هو نيتشه. أو أنك تستخدم باستمرار أمثالاً مثل «حتى يأتي الغد، لنفكر في الغد»، و«من عمود إلى عمود الفرج»، وبناءً على ذلك، أكون رأياً عنك أنك لست منشغلاً كثيراً بالتخطيط لمستقبلك.
بهذا الاعتبار، يمكن القول إننا قادرون من خلال «اللغة» على دراسة مجموعة من سلوكيات مجتمع ما؛ فإذا كانت لغة مجتمع ما جيدة، يمكننا تقييم سلوك المجتمع بأنه مرضٍ، وإذا ما شخصنا السلوك اللغوي لمجتمع ما بأنه غير سليم، ندق ناقوس الخطر ونقول مثلاً إن الناس قد أصبحوا كاذبين وعدوانيين أو يائسين. هكذا يمكن من خلال تحليل لغة مجتمع ما استكشاف سماته النفسية.
ما الفائدة التي نجنيها من الوصول إلى مثل هذا التحليل اللغوي والسلوكي في مجتمع ما؟ هل يمكن برمجة لغة أو سلوك مجتمع ما، بحيث نتمكن بعد تشخيص عيوبه من توجيه لغة وسلوك المجتمع مجدداً في المسار الصحيح؟
ينبغي للمجتمع أن يخطط للمستقبل، ولا ينبغي الاكتفاء بمجرد معطى أن الناس قد أصبحوا كاذبين وعدوانيين أو يائسين.
عندما يُعلن أن السيدات لا يمكنهن الذهاب إلى الملعب، لأن الرجال يتلفظون بكلمات بذيئة في الملعب، هنا يجب أن ندرس لماذا يصدر مثل هذا السلوك العنيف من رجال مجتمعنا حتى نتمكن من القيام بالتخطيط اللازم له. سأوضح ما أعنيه وأبينه بمثال:
في الفترة التي تلت الحروب الأهلية في أمريكا، كانت الولايات الجنوبية تحارب الولايات الشمالية. بعد انتهاء الحرب الأهلية وانتصار أبراهام لنكولن، انتصر الشماليون على الجنوبيين، وكان سكان المناطق الجنوبية، بما فيها تكساس والمناطق الممتدة نحو المكسيك، "بذيئي اللسان" للغاية. وكان سبب بذاءتهم يعود إلى تعاملهم مع العبيد، وكانت إحدى طرق فرض أنفسهم على العبيد هي تحدثهم بخشونة، وقد تحولت هذه الخشونة اللغوية لديهم إلى عادة. فعلى سبيل المثال، بدلاً من أن يقولوا "يا سيد، احفر هنا بالمجرفة" كانوا يقولون "احفر يا رجل". كان شمال البلاد يطلقون على هذا النوع من الأشخاص الذين يتحدثون بهذه الأدبيات لقب "تكساسي". لقد خططت وزارة الثقافة الأمريكية لما يقرب من 50 عاماً لتتمكن من الارتقاء بثقافة وسلوك الناس اللغوي في الولايات الجنوبية، ومع هذه التخطيطات تحسنت الظروف. لذلك أعتقد أن ثمة حاجة إلى مجموعة من التخطيطات اللغوية لنتمكن من العمل على الثقافة اللغوية والسلوكية للمجتمع وتوجيهها نحو تغييرات إيجابية.
بصفتك لسانياً، كيف تصف حال الإيرانيين من خلال تحليل لغة جيلنا اليوم؟
التغييرات التي تطرأ على اللغة يجب أن تُدرس جيلاً بعد جيل. لذلك، لا أستطيع أن أقول إن الناس قد أصبحوا بين عشية وضحاها أكثر كذباً أو عنفاً أو أنهم أصبحوا أكثر أملاً. من خلال السلوكيات الفردية التي يدرسها عالم النفس، يمكن التوصل إلى مثل هذا التحليل بسرعة أكبر. عندما نضع السلوكيات الفردية جنباً إلى جنب وننظر إليها بوصفها "سلوكاً اجتماعياً"، يستطيع عالم الاجتماع أن يتوصل إلى تحليل للوضع النفسي للمجتمع.
لذلك، لدراسة الخصائص النفسية لمجتمع ما، يتوصل "عالم النفس" إلى التحليل أولاً، لأنه يتعامل مع الأفراد واحداً واحداً، وفي المرتبة التالية، يأتي "عالم الاجتماع" الذي يصل إلى الخصائص النفسية لمجتمع ما من خلال دراسة المجتمع ككل، وأخيراً يأتي "اللساني" الذي يمكنه تقديم مثل هذا التحليل؛ لأن وظيفة اللغة أمر يستغرق وقتاً طويلاً.
يستطيع اللساني أن يقول بناءً على الحدس والتخمين إن شعبنا، على سبيل المثال، قد أصبح أكثر عنفاً أو أكثر لامبالاة تجاه بعضهم البعض. ولهذا السبب، إذا سألني أحدهم: ما دليلك على هذا الادعاء بأن "الناس قد أصبحوا كاذبين وعنيفين وغير مبالين"؟ يجب أن أقول له: انتظر 50 عاماً أخرى لأخبرك بدليلي؛ لأن على اللساني أن يدرس الكلمات المستخدمة اليوم، وكم سيكون تكرار وقوعها في المستقبل. لذلك، حتى في مجال اللسانيات، يدرك "علم النفس اللغوي" الوضع النفسي للمجتمع أولاً، ثم يأتي "علم الاجتماع اللغوي" ليتوصل إلى هذه الخصائص النفسية، وأخيراً تصل "اللسانيات النظرية" إلى التحليل.
مع كل هذه الأحوال، أستطيع أن أقول، بناءً على شكل استخدام اللغة لدى جيل اليوم، إني أرجح أن حال شعبنا هو على هذا النحو:
أولاً؛ كل شيء بالنسبة لنا عديم الأهمية. ثانياً، ليس لدينا أمل كبير في المستقبل. ثالثاً، نكذب كثيراً جداً. رابعاً، صرنا عنيفين جداً. هذه إشارة خطر؛ لأن هذا المسار في استمرار منذ ثلاثة أو أربعة أجيال، والناس يزدادون يأساً وعنفاً ولامبالاة بشكل مستمر.
لو سألت شخصاً قبل 40 عاماً: ماذا ستفعل في السنوات العشر القادمة؟ لكان كل فرد تقريباً في جمع من مئة شخص لديه خطة للسنوات العشر القادمة؛ على سبيل المثال، كانوا يريدون أن يصبحوا طياراً، أو ربان سفينة، أو معلماً، أو كاتباً، أو تاجراً... إلخ، لكن إذا طرحت هذا السؤال نفسه على الناس اليوم، فإن ثمانين شخصاً من كل مئة سيقولون: "آه يا رجل!". "آه يا رجل"، بالنسبة للساني تعني أنني لا أملك تخطيطاً للمستقبل، بل ولست متفائلاً كثيراً بالمستقبل أيضاً.
لنفترض أننا دخلنا مجتمعاً ما وأجرينا دراسة ميدانية حول لغة ذلك المجتمع، ثم أخبرتنا نتائج البحث الميداني أن نسبة عالية من الناس يكثرون من الحلفان واليمين أثناء الكلام؛ لدرجة أننا عندما نسأل أحدهم: كم الساعة؟ يجيب: "والله الساعة ثمانية" أو مثلاً عندما نسأل أحدهم: أين يقع الشارع الفلاني؟ يجيب: "والله لا أعلم." المثير للاهتمام هنا أنه بناءً على قيمة ذلك الكلام، تزداد قوة الأيمان؛ فعلى سبيل المثال عندما نذهب إلى معرض سيارات ونسأل: يا سيدي، هل هذه السيارة لم تُدهن؟ يرد الطرف الآخر قائلاً: "أُكفّن طفليّ بيديَّ إن كانت قد دُهنت". بفحص هذه الجمل وأمثالها نكتشف أن الأفراد، بناءً على قيمة الجملة التي يقولونها، يستخدمون قَسَماً ذا قيمة أعلى.
نحن الإيرانيون نقسم بكل شيء؛ بالأب، والأم، والبركة، وأبنائنا... هذه المعطيات بالنسبة لعالم اللغة الذي يعمل في مجال "علم اجتماع اللغة" تعني أن هذا المجتمع يكثر فيه الكذب وأن الأفراد يسعون باستمرار عبر "الحلفان" إلى تبرئة أنفسهم من عملية الكذب الشائعة.
لذا، بناءً على البنى اللغوية، يمكننا أن نصل إلى هذا التحليل والتفسير حول ما إذا كان شعب مجتمع ما يكذبون أم لا؟ في هذا السياق، يمكن ضرب أمثلة متعددة؛ تصور أن شخصاً من الطابق الثالث في عمارة يرمي كيس قمامة إلى الشارع، وعندما تعترض عليه، بدلاً من أن يعتذر، يقول لك: "والآن، ماذا حدث يعني؟"
أو مثال آخر هو أنه في مجمع سكني، يمر الجيران بجانب بعضهم البعض لكنهم لا يلقون السلام. عندما نضع هذه السلوكيات والجمل التي يتم تبادلها خلال هذه التفاعلات إلى جانب بعضها البعض، ندرك مدى ضعف التفاعل في مجتمعنا.
من المؤكد أن عالم الاجتماع أو عالم النفس يأخذ بعين الاعتبار إحداثيات معينة لوصف وتفسير سلوك مجتمع ما، لكن عالم اللغة يتوصل من خلال "اللغة" إلى تحليل وتفسير للوضع النفسي لمجتمعه. كم مرة يعتذر الناس من بعضهم البعض في محادثة، كم مرة يلقون السلام على بعضهم، وعندما يلقون السلام، إلى أي مدى يريدون لهذا التواصل أن يستمر، كل هذه الأمور تعبر عن طبائع مجتمع ما، والتي يمكن التوصل إليها من خلال "دراسة اللغة".
على سبيل المثال، عندما يريد شخص ما أن يستمر التواصل، نجده بعد التحية والسلام يكرر عبارات مثل "ما الأخبار الأخرى"، "وماذا أيضاً"، "احكِ لي"، لكن عندما لا تكون لديه رغبة في استمرار التواصل، يستخدم جملاً مثل "أليس لديك عمل آخر"، "والآن تفضلوا، نحن في خدمتكم" وما إلى ذلك ليفهم الطرف الآخر أنه لا يريد أن يستمر تواصله. يبدو أن شعبنا يستخدم هذا النوع الأخير، أي بنية "قطع العلاقة"، بشكل أكبر. هذه النقطة يستخلصها عالم اللغة من دراسة البنية اللغوية لمجتمع ما، لكن عالم الاجتماع قد يكتشف عزوف الناس عن إقامة التواصل في سلوكهم في حفلة مثلاً؛ حيث يشغل الأفراد أنفسهم بهواتفهم أو كلبهم وقطتهم بدلاً من الرغبة في الحوار.
من هذا الكلام أريد أن أصل إلى هذه النقطة وهي أننا وكأننا قد جعلنا "ثقافة المسافة" متأصلة فينا بشدة. في أي مكان في العالم، إذا رأى شخصان من بوركينا فاسو بعضهما البعض، يذهبان إلى بعضهما ويتعاشران. لكننا نحن الإيرانيين في الخارج، عندما نرى شخصين يتحدثان الفارسية في السوبر ماركت، لا نتجاهلهما فحسب، بل نحاول قدر الإمكان الابتعاد عن ذلك المكان! يبدو أن هذه "المسافة" هي جزء من ثقافتنا؛ أي أن الأفراد يستخدمون "الصمت" بدلاً من "اللغة".
هذه «الثقافة» تختلف عن «التراث الثقافي»؛ فكوننا نُعدّ مائدة النوروز وهفت سين، أو أن لدينا تخت جمشيد وما إلى ذلك... هذه هي تراثنا الثقافي ولا علاقة لها بالسلوكيات الاجتماعية لشعبنا. لقد امتلكنا هذا التراث. لكن عندما نرجع إلى السلوكيات الاجتماعية للمجتمع اليوم، نواجه ثقافة عدوانية يتردد فيها «الكذب» و«العنف» بوتيرة عالية. عالم الاجتماع وعالم النفس واللغوي عندما يصادفون هذه العلامات، يدقون ناقوس الخطر، بأن الناس قد أصبحوا عنيفين ولا يتحاشون الكذب. وهذا في الوقت الذي نؤكد فيه باستمرار في تراثنا الثقافي على أن «الكذاب عدو الله» لكننا لا نجد هذه المقولة بأن القاتل والمجرم والمحتال عدو الله؛ لماذا؟ لأننا عندما نقرأ نصوصنا الأدبية، يُقال إن الفساد يبدأ من الكذب ويتقدم، إذن فولادة الفساد تتم عبر الكذب. وهذه العملية قابلة للتشخيص والتعرف عليها تماماً في لغة المجتمع. على سبيل المثال، نستبدل الكلمات التي تترابط كالسلسلة عبر الكذب، ونستخدم كلمات أخرى. لنفترض أن شخصاً لديه ابن خالة في بنك ما، فيحصل على قرض بقيمة 100 مليار تومان ويسجل اسم ابنه البالغ عامين كمدير تنفيذي للشركة. هذا الشخص لص لكن الناس يصفونه بـ«الشاطر»! أي أنهم بدلاً من كلمة «لص»، يستخدمون له كلمة «شاطر»؛ وبدلاً من كلمة «محتال» يقولون «رجل أعمال». أي أنهم يستخدمون له كلمات ذات شحنة عاطفية إيجابية بدلاً من كلمات ذات شحنة عاطفية سلبية. ماذا حدث هنا من منظور اللسانيات؟ «تراثنا الثقافي» يطلب مني أن أستخدم الكلمة ذات الشحنة العاطفية السلبية؛ أي أن أقول إنه لص. لكن «ثقافتنا» تقترح علينا استخدام كلمة ذات شحنة عاطفية إيجابية؛ لا تقل «لص» بل قل «رجل أعمال». عندما نقلل أو نزيد من شحنة الوحدات التي يجب أن تكون شحنتها العاطفية محددة بدقة، فإننا نتسبب في ظهور تأويلات مختلفة لنفس الوحدة اللغوية، ونعتبر الشحنة العاطفية بناءً على استخدامنا لتلك الوحدة اللغوية.
أشرتم إلى أن وزارة الثقافة الأمريكية وضعت برامج على جدول أعمالها للارتقاء بثقافة الناس وسلوكهم اللغوي، وقد نجحت إلى حد كبير. برأيكم، إلى أي مدى يمكننا المساعدة في تحسين الوضع الأخلاقي والنفسي للمجتمع من خلال الارتقاء بثقافة الناس وسلوكهم اللغوي؟
الآن وأنا أتحدث معكم، أنا لغوي؛ لكن عندما أغادر هذه الغرفة وأخرج إلى الشارع، أكون فرداً من أفراد مجتمعي. ما أعنيه هو أنني قد أكون شخصياً قد أصبحت أكثر عنفاً مقارنة بما كنت عليه قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. على سبيل المثال، لو صدمني سائق دراجة نارية على الرصيف في الماضي، كنت أستغرب لماذا دخلت الدراجة النارية إلى الرصيف، وحتى لو صدمني كنت في نهاية المطاف أتعجب من تصرفه غير المعقول. لكن اليوم عندما يحدث مثل هذا الأمر، لا أتعجب فحسب، بل أشتمه أيضاً! وكأنني أنا شخصياً قد أصبحت أكثر عدوانية. أرى هذا العنف في نفسي أيضاً. الحقيقة هي أننا نملك أواني مستطرقة، قضية ما تصبح ذريعة لقضايا أخرى؛ المسائل تترتب أمامنا كالسلسلة. لذلك نحن لا نتعامل مع ظاهرة منفردة لها حل واحد وبسيط. كأن نقول مثلاً «إصبعك مجروح، فضع عليه لصقة جروح». العلاجات المؤقتة قد تكون مؤثرة لكنها لا تدوم. يجب أن تكون الظروف بحيث ينأى الناس بأنفسهم عن العنف واللامبالاة واليأس والكذب، وفي هذا المجال، الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... أكثر تأثيراً من «اللغة»؛ لأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تحكم سلوكنا بأكمله.
هل تؤثر اللغة على تفكيرنا أم أن التفكير هو الذي يشكل بنيتنا اللغوية وخصائصنا اللغوية؟
هل يؤثر الذهن على نوع اللغة أم أن اللغة تؤثر على طريقة التفكير؟ هاتان نظريتان مختلفتان. ما أؤمن به هو أننا نأخذ المعلومات أولاً من العالم الخارجي، ثم عندما تتهيأ الظروف الاجتماعية، نستخدم اللغة. إذن، الدماغ هو الذي يخبرني بالبنية التي ينبغي أن تكون عليها لغتي. نحن نعتقد أن اللغة مقولة اصطلاحية. لكن في اليوم الأول، بأي لغة أراد البشر الأوائل أن يضعوا الاصطلاح؟ كل شيء كان طبيعياً. لقد تقدم الدماغ البشري مع محدوديات الإدراك البشري. كنا مقيدين بالإدراك البشري. لذلك، كان على دماغنا أولاً أن يقوم بالانتقاء والتركيبات، وقد تحول أحد أنواع هذه التركيبات إلى لغة؛ إذن، "النفس" أولاً ثم تنبثق "اللغة" بعد ذلك.
إذا قبلنا بأن اللغة متأثرة بالخصائص السيكولوجية لمجتمع ما، فعندما يُتحدث عن موت لغة، ما هي المسائل السيكولوجية التي ينبغي أن نقلق بشأنها في ذلك المجتمع؟
طالما أن للغة متحدثين، فهي لا تموت. لذلك، من وجهة نظر اللساني، لا توجد لغة في خطر؛ ما لم يعد هناك أي إنسان يتكلم بها.
فعلى سبيل المثال، كانت هناك لغة في طهران تُسمى اللغة التجريشية، وأولئك الذين كانوا يأتون من مدينة الري لم يكن لديهم أي فهم لهذه اللغة. اللغة السريانية... إلخ، تُعتبر هذه من اللغات الميتة. لكن لماذا لا يقلق أحد عليها؟ لأنه لم يعد هناك من يتكلم بهذه اللغات. إذن، لا توجد لغة في خطر. اللغات مضطرة لأن تكيف نفسها مع التقنيات التي تتقدم في عالم التكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، عندما نرسل رسالة نصية قصيرة إلى صديق، نضطر لنقل الرسالة بشكل موجز بحيث تتسع لها رسالة واحدة. من هنا، نفضل في كثير من الأحيان أن نكتب بدلاً من "لا يستحق العناء" عبارة مختصرة. أنا كمحرر أجلس خارج الملعب أقول لنفسي: "يا للهول! أسلوب الكتابة هذا قد عرض اللغة الفارسية للخطر!" بينما من منظوري كعالم لسانيات، الحقيقة هي أن اللغة الفارسية نشأت هي الأخرى بهذه التحولات نفسها، ولو كان لكلامي كمحرر في العصر الأخميني من التأثير ما يجعل الجميع يتحدثون كما كنت أتحدث، لما كانت لدينا هذه الفارسية المعاصرة. في الأصل، الفارسية المعاصرة هي النوع الخاطئ والمحرف من الفارسية الوسطى التي كانت تُستخدم في العصر الساساني، والنوع الأكثر خطأً وتحريفاً من الفارسية القديمة التي كانت تُستخدم في العصر الأخميني.
لذلك، من وجهة نظر اللساني، اللغة لا تتغير بحديثنا الخاطئ، بل اللغة تتلاءم مع ظرفها الزماني والمكاني؛ مثل الماء الذي نصبه في وعاء مستطيل فيأخذ شكلاً مستطيلاً، وعندما نصبه في وعاء كروي يأخذ شكل الكرة. وهذا في حين أن الماء لم يذهب هدراً، بل تغير فقط وفقاً لنوع وعائه. اللغة أيضاً تكيف نفسها مع وعائها، فعندما تزداد سرعة التواصل وننخرط في التكنولوجيا، تنخرط اللغة بطبيعة الحال في التكنولوجيا وتحدث فيها تغييرات، وهذا لا يعني موت اللغة، أو أن البعض يقول إن اللغة الفارسية أصبحت في خطر، فمن وجهة نظر اللساني، هذا الرأي ليس مطابقاً للواقع كثيراً. الآن لدينا كهرباء في جميع بيوتنا، قبل إديسون لم يكن لدى الناس كهرباء، لذلك لم يكن انقطاع الكهرباء يضرهم لأنهم لم يكونوا يعرفون أصلاً ما هي الكهرباء. لكن الآن بعد أن اختُرعت الكهرباء، أصبح جزء من حياتنا مرهوناً ومعتمداً عليها. عندما تنقطع الكهرباء، نشعر بأن حياتنا قد شُلّت. اللغة هي كذلك. مع السرعة التي تتقدم بها التكنولوجيا، لا وقت لدينا أصلاً لوضع المكافئات وصياغة الكلمات. على سبيل المثال، خذ كلمة "هليكوبتر"، حتى نعقد اجتماعاً ونتوصل إلى إجماع حول مكافئها الذي هو "المروحية" أو "الطوافة"؛ تكون تقنيات أخرى كثيرة قد دخلت مجتمعنا ويجب أن نضع لها مكافئات.
قلق الكثير من المحررين نابع من أن الكلمات الدخيلة تضر باللغة. لكن من وجهة نظري كعالم لسانيات، الأمر ليس كذلك. اللباس، اللغة، السلوك... إلخ، هذه إحداثيات تميز الأجيال عن بعضها البعض. كيف يمكننا أن نجبر الجيل الذي بعدنا على أن يلبس ويتصرف مثلنا؟ اللغة هي كذلك، ولا يمكننا أن نطلب من جيل اليوم أن يتحدثوا مثل جداتهم وأجدادهم. يجب أن نعلم أن هذا التغير اللغوي لدى الجيل الجديد لا يؤدي أبداً إلى موت اللغة ولا يعرضها للخطر.
لقد تحدثتم عن تأثير التكنولوجيا على البنية اللغوية. في كثير من الأحيان، بدلاً من التعبير عن مشاعرنا، نستخدم «الإيموجي» في المحادثات الكتابية؛ وكأننا لا نملك الصبر لاستخدام اللغة للتعبير عن حالاتنا. هل يمكن لمثل هذه الاستخدامات للغة، أو ما نشهده في الفضاءات الافتراضية، أن تشكل مخاطر على اللغة الفارسية ولغتنا المعيارية؟
دعوني أوضح هذه المسألة بمثال. عندما تنجح في امتحان القبول وترسل لصديقك رسالة تقول: «لقد نجحت في امتحان القبول» ثم تضع خلفها إيموجي ابتسامة، فلست بحاجة بعدها إلى أن تشرح أنك سعيد بهذا الأمر. لكن تصور موقفاً اتفقنا فيه أنا وأنت على أنني إن لم تنجح في امتحان القبول، فسأرسلك إلى باريس لمواصلة دراستك. في هذه الحالة، ترسل لي رسالة تقول: «لقد نجحت في امتحان القبول» ثم ترسل إيموجي حزين؛ أي أن رحلتي إلى باريس قد أُلغيت! هنا، كل ذلك الوعد والاتفاق الذي كان بيننا يتفعل في ذهني بواسطة إيموجي حزين واحد من جانبك.
كما أشرتم، هذه الملصقات والإيموجيات تقوم في الأصل مقام مجموعة من الجمل بالنسبة لنا. عندما أريد أن أعبر عن حبي لشخص ما، فأنا مضطر مثلاً إلى استخدام 15 جملة متتالية حتى يفهم أنني أحبه. بينما يمكنني بدلاً من هذه الجمل الخمس عشرة أن أرسل وردة، وأنقل له المعنى نفسه بسرعة أكبر. لذا، فإن استخدام هذه الإيموجيات ليس له أي تأثير سلبي على لغتنا، باستثناء أننا نستخدم نظاماً رمزياً آخر إلى جانب اللغة الرسمية. قد تقول أحياناً إنني عندما أستخدم هذه الإيموجيات، تصبح بنية جملتي خاطئة أو يصبح تواصلي مضطرباً، لكن إن لم يكن الأمر كذلك، فلا إشكال فيه. إذن، طالما أن مقصدنا يصل إلى الطرف المقابل بشكل صحيح بهذه الطريقة، فمن وجهة نظري كعالم لسانيات، تكون اللغة قد استُخدمت بشكل صحيح ولم تتعرض للخطر على الإطلاق.
في الواقع، هذه الإيموجيات هي بمثابة لغة الجسد نفسها؟
لغة الجسد أصلاً هي أحد الأنظمة الرمزية التي لطالما ساعدت اللغة. واليوم، أُضيفت إلى جانبها أنظمة رمزية أخرى، وكلها أدوات مساعدة وليست معرقلة لوظيفة اللغة على الإطلاق.
لقد ذكرتم أن إحدى وظائف الإيموجيات هي سرعة نقل المفاهيم من خلالها. إلى أي مدى يعود استخدام هذه الملصقات إلى هيمنة «ثقافة العجلة» فينا، أي أننا نستعجل إيصال المفهوم ولا نملك الصبر لاستخدام اللغة؟
نعم، هذا صحيح. الحقيقة هي أن هذه كلها أوانٍ مترابطة؛ وبالمناسبة، هذه العجلة هي جزء من ذلك العنف نفسه. عندما لا يستطيع المرء أن يتحمل الوقوف خلف سيارة أخرى لمدة 5 دقائق، في حين أن 20 ساعة من ساعات يومه الـ 24 تمضي سدى، فيضغط على بوق السيارة، فهذا يجسد نوعاً من ذلك العنف الذي يتجلى بشكل ما في العجلة. هذا في الوقت الذي نملك فيه إرثاً ثقافياً يستهجن العجلة، ويقول: «العجلة من الشيطان». لو جمعنا هذه الأمثال ووضعناها أمامنا، لخلصنا إلى أن الثقافة الإيرانية تمضي بالتحمل والتأمل والصبر. نحن نفتخر بهذا الكلام كثيراً، لكن ماذا نفعل عملياً؟ مراراً، حين أنزل من أعلى جادة جردن، أصادف مجموعة كبيرة من سائقي تطبيقات التوصيل، ومطاعم الوجبات السريعة... يتنقلون بالدراجات النارية على الرصيف وبسرعة. قلتُ لأحدهم مرة: على بعد 100 متر من هنا، كدت تغرز مقود دراجتك في كليتي وأنت تسير بسرعة على الرصيف، حتى ظننت أنك تحمل أقراصاً أو دواءً أو ضماداً لشخص في حالة خطيرة. لكن الآن، بعد كل هذا الإسراع، تجلس وتدخن؟ لمَ كل تلك العجلة؟ نظر إليّ وقال: لكي أصل أسرع! فسألته مجدداً: لتصل إلى ماذا؟ هذه من جملة المقولات الثقافية التي ينبغي ترك تحليل أسبابها لعلماء النفس وعلماء الاجتماع.
في الجلسة التي أُقيمت مؤخراً للكشف عن كتابكم «روایت»، تحدثتم عن الفلسفة واعتبرها أماً للعلوم، وقلتم إنه ينبغي لنا في أي مجال ندرسه أن نصل إلى رؤية، وبإمكان الفلسفة أن تساعدنا في بلوغ هذه الرؤية. ما المساعدة التي تقدمها الفلسفة لعالم اللسانيات؟
الفلسفة أشبه بأمٍّ تكون جميع العلوم أبناءها. إنها تعلمنا كيف نفكر. لذا، مهما كان تخصصنا الدراسي أو مجال بحثنا، فإنه لا يغنينا عن الفلسفة. ينبغي أن نتعلم ’كيفية التفكير‘ من الفلسفة، وبالتفكير نجد خارطة طريقنا في تخصصنا الدراسي أو مجال بحثنا.
تضع الفلسفة والفلاسفة أنواعاً وأشكالاً من التفكير تحت تصرفنا. تعالوا الآن لنجرِّب تمريناً معاً؛ وهذا التمرين يطرحه كانط بالطبع. تصوروا جزيرة لا يوجد فيها أي كائن حي. بعبارة أخرى، لا توجد أي أذن، لا إنسان ولا كلب ولا قطة، لا شيء على الإطلاق. في هذه الجزيرة، تسقط شجرة يابسة على الأرض وتنكسر. برأيكم، هل تُصدر هذه الشجرة التي تسقط على الأرض صوتاً أم لا؟
إنها تُصدر صوتاً...
أنت تعتقد أنها تُصدر صوتاً، لكن مجموعة من الفلاسفة يرون أننا نعرِّف الصوت بناءً على «الأذن». لذلك، عندما لا توجد أذن، لا يوجد صوت إطلاقاً، لكن آخرين يعتقدون أن الصوت يولِّد ضغطه موجات هناك. وبالتالي، فإن عدم وجود أذن ليس دليلاً على عدم وجود صوت. لو وُجدت أذن لسمعت الصوت. لا إشكال في أيٍّ من هاتين القضيتين. لكن عندما ننظر، نجد أنني وأنت نختلف في الرأي حول هذه الجزيرة؛ أحدنا يقول إن هناك صوتاً والآخر يقول لا صوت هناك. تخيلوا هذا الجو نفسه حول مشروع بحثي، فقد تصل كل مجموعة إلى إجابة من طريق وأسلوب، وهذه الطرق وأساليب التفكير هي ما تعلمنا إياه الفلسفة، ولهذا السبب أعتقد أن الفلسفة تمنع التفكير الدوغمائي. الأشخاص الدوغمائيون والراديكاليون هم أولئك الذين لا يقرؤون التاريخ والفلسفة. هناك بحث أُجري يُظهر أن الأوروبيين الذين انخرطوا في داعش، من بين كل 100 شخص منهم، كان 60 شخصاً من ذوي التحصيل التقني والطبي؛ لكن لم يكن بينهم فيلسوف. والسبب في ذلك هو أن الأشخاص في التخصصات التقنية لا ينشغلون إلا بذلك الفن فحسب، أما أولئك الذين يقرؤون التاريخ والفلسفة فيفهمون أن هذا ليس سوى رأيهم وعقيدتهم، لكن ثمة آلاف الرؤى ووجهات النظر الأخرى. في الواقع، ما أعنيه هو أن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة كلها ليست عندنا، وهذه الرؤية يمكنها أن ترفع من روح التسامح فينا وتنمي قدرتنا على التفكير. ولهذا السبب أعتقد أنه ينبغي أخذ الفلسفة على محمل الجد، ولا أحد يستغني عن الفلسفة، حتى عالم اللسانيات.
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
با آرزوی تندرستی برای استاد ارجمندم جناب دکتر صفوی
سلام و تشکر از مقاله خوب و عالی شما
عالی بود
درود بر شما عالی بود و اثر گذار موفق باشید