اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عبّر مصطفى ملكيان وعبد الكريم سروش، في حوار حول علاقة التنوير بالحقيقة، عن وجهات نظر متباينة. رأى ملكيان أن التنوير هو «تقرير الحقيقة وتقليل المعاناة»، بينما شدّد سروش على غموضهما.

محسن آزموده:
حوار عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان[1] في "كلاب هاوس" يُعد حدثاً لافتاً وذا أهمية لجمهور الفكر في إيران. مثقفان مؤثران في سنوات ما بعد الثورة، وخاصة في عقدَي السبعينيات والثمانينيات الهجرية الشمسية، انبثق كلاهما من رحم تيار التجديد الديني، وإن كان سروش قد دافع في هذه العقود الأربعة دوماً عن تعبير "التنوير الديني" المثير للجدل، بينما تحدث ملكيان منذ البداية عن "طابعه المفارق"، بل إنه في تطوره الفكري نأى بنفسه حتى عن تيار "التجديد الديني". والآن يقف هذان المثقفان، سروش في السادسة والسبعين وملكيان في الخامسة والستين، وجهاً لوجه ليتحدثا عن علاقة التنوير بالحقيقة. دافع ملكيان، كما في السابق، عن تعريفه الشهير للتنوير بأنه "تقرير الحقيقة وتقليل المرارة" وعدد لوازمه، بينما يرى سروش أن مفهومَي "التنوير" و"الحقيقة" غامضان ومتعددا المعاني، وينبغي توخي الحذر الشديد في استعمالهما وتقديم تعريف لهما - إن كان التعريف ممكناً. هذا الحوار الذي انعقد ليلة السبت، الرابع من أرديبهشت 1400، في الساعة العاشرة والنصف مساءً بتوقيت طهران، على صفحة كلاب هاوس "حلقة دیدگاه نو" [2]، حظي بجمهور كبير واختُتم بأسئلتهم وأجوبتهم مع هذين المثقفين. ما تقرؤونه هو تقرير عن الدقائق المئة الأولى التي تضمنت خطابَي ملكيان وسروش. في نهاية هذا القسم، قال ملكيان عن سروش: "كل منصف يُقر بأن الدكتور سروش هو أكثر الأشخاص تأثيراً في تيار التنوير بعد الثورة الإسلامية في إيران، تنويراً دينياً كان أم غير ديني، وعليه فإن مثل هذه المباحث ليست بقصد الإساءة. أكن له كامل الاحترام من صميم قلبي. لقد تعلمتُ شخصياً منه أشياء. هذه النقاشات طلابية وباحثة عن الحقيقة." ورد عليه سروش قائلاً: "بالطبع لهجتكم ودية للغاية، حميمية، شفوقة وعالمة. وحتى لو افترضنا أنها تنطوي على عتاب، وهو ما لم يحصل البتة، فهي في مقام الحوار، لكنني مغتبط جداً بأن آفاقنا الفكرية ورؤانا متقاربة."
لأجل تقدم الفضل وفضل التقدم، كان من حق الدكتور سروش أن يبدأ بالحديث. في مقالتي المعنونة «الوجوه التراجيدية للحياة الفكرية» [3] التي نُشرت قبل سنوات، كتبت أن على المثقف، بما هو مثقف لا بما هو فاعل سياسي أو أكاديمي أو ما شابه، أن يقوم بتقرير الحقيقة وتقليل المرارة؛ أي أن يسعى أولاً، على الصعيد النظري، إن كان قد حصل على حقائق عبر التعليم أو الاكتشاف الشخصي، إلى كشفها لمواطني مجتمعه بل وللمجتمع العالمي، بقدر ما له من نفوذ، وأن يقررها ويعبر عنها. والمقصود بـ«الحقيقة» هو ما يبدو له «بصدق» و«بجد» أنه الحقيقة، لأننا نعيش داخل أطر أذهاننا وتعليمنا وتربيتنا وجيناتنا وما إلى ذلك. وثانياً، على المثقف أن يسعى عملياً إلى التخفيف من آلام أبناء جنسه ومعاناتهم. ذكرت في ذلك المقال أن تقرير الحقيقة وتقليل المرارة هما مثالان أعليان، يتعلق الأول بمقام النظر والثاني بمقام العمل. لكن من منظور آخر، يُعتبر كلاهما «عملاً» و«فعلاً» للمثقف، غير أن الأول فعل تظهر ثمرته في مقام النظر، والثاني فعل تتحقق ثمرته في مقام الفعل. السؤال هو: عندما يتعارض هذان المثالان الأعليان، أي عندما يؤدي تقرير الحقيقة مثلاً إلى زيادة المرارة والعكس بالعكس، فما العمل؟ ذكرت في المقال أن أدلة الذين يصوتون لصالح تقليل المرارة تتكافأ مع أدلة الذين يصوتون لصالح تقرير الحقيقة، أي أنهما متساويان في الوزن. وبعد مرور 20 عاماً على كتابة المقال، لم يظهر لي بعد أن ثمة دليلاً قد أُقيم على أن إحدى هاتين المهمتين ترجح على الأخرى. لذا، ينبغي لكل منا أن يرجع إلى حدوسه، ويُعتبر تفضيل إحداهما على الأخرى من قبيل الحدوس الأخلاقية. كتبت في المقال أن حدسي الشخصي يقول إن تقرير الحقيقة أهم من تقليل المرارة. وأضيف هنا أن حديثي عن الرجوع إلى الحدس الشخصي سببه عدم وجود دليل قاطع وحاسم، وإلا فإن لكل من الطرفين أدلته. إذن، بناءً على تفضيلي الشخصي القائم على حدسي، يبدو أن الاهتمام بالحقيقة في الفكر، في نهاية المطاف، أسمى بكثير من تخفيف الألم والمعاناة. لذلك، أنا أرى الفكر في خدمة تقرير الحقيقة. قد يُسأل: بافتراض قبول هذا الكلام في مقام النظر، فما هي النتيجة أو النتائج المترتبة عليه؟ النتيجة الأولى هي أن المثقف، بما هو مثقف، لا ينبغي أن يكون متملقاً ومنافقاً ومتزلفاً للناس، وأن يتحدث وكأن الجماهير لا تعتريهم أي جهالة أو خطأ أو سوء نية أو عيب أو نقص. التملق يخلق مشكلات. إذا كان تصور المثقف أنه «أنا ممثل الناس والناطق باسمهم»، فمعنى ذلك أنه «أنا أدافع عما يؤمن به الناس». هذا الدفاع ضد من؟ على الأرجح ضد النظام السياسي الحاكم في ذلك المجتمع. أي وكأن النظام السياسي الحاكم، مثلاً، غير عادل وله مواقف غير لائقة، وضحايا هذا الظلم هم الناس، أناس لا ذنب لهم في حد ذاتهم. أنا أسمي هذا النوع من الفكر «التمثيل الثقافي للناس»، ولا أستطيع قبوله، وأقبل فكراً يصدر حكماً على الناس، أي لا يعتقد أنه يجب بالضرورة أن يكون محامي الدفاع عنهم، بل يعتقد أن كثيراً من اختلالات حياة الناس تكمن جذورها في ثقافة الناس أنفسهم، ولذا يجب نقد هذه الثقافة. طبعاً، نقد ثقافة الناس هذا لا يروق لهم، لكنه في مصلحتهم. بهذا المعنى، قد يخالف المثقف «رغبات» الناس، لكنه لا يخالف «حاجاتهم». المثقفون في تاريخنا يتحدثون دوماً عن «الناس» بعبارات مثل «الأمة الشريفة»، «الأمة الشجاعة»، «الأمة المضحية والصابرة...»، بينما في رأيي أن حب الناس يقتضي ألا نستخدم هذه الألقاب، بل أن نقول: أيها الناس، لأننا عشاق لكم، فعندما تتعارض رغباتكم مع مصلحتكم، نفضل مصلحتكم. مصلحتكم تكمن في أن نصحح معتقداتكم الكاذبة، وننبهكم إلى مشاعركم وعواطفكم غير اللائقة، ونسعى إلى أن تتحول رغباتكم غير المعقولة إلى رغبات معقولة. والمقصود بالثقافة في نظري هو هذه الأمور الثلاثة. إذن، على المثقف بدلاً من أن يكون ناطقاً باسم الناس، أن يكون حكماً عليهم، لكن عليه أن يقوم بكل هذا بالاستدلال، أي كما يقول راسل في كتابه «السلطة»، باللجوء فقط إلى قوى «الإقناع» لا إلى قوى «التحريض» ولا إلى قوى «الإكراه». لذلك، لا يمكن للمثقف أبداً، ولا ينبغي له، أن يفرض هيمنته على الآخر.
عليه، لكي يُظهر التمييز بين الاعتقاد الصادق والاعتقاد الكاذب، والمشاعر في محلها والمشاعر في غير محلها، والرغبة المعقولة والرغبة غير المعقولة، أن يستعين بقوى الإقناع وقدرة الإقناع العقلاني والاستدلال. لذا فإن موقف المثقف ليس موقفاً متعالياً أبداً. التحكم والنظر إلى الناس من علُ هو عمل من يستخدم القوى المحركة والدافعة. المثقف يلوذ بالعقل، وإذا انتصر أحد في مباراة عقلية، فما مارس أي تحكم. النقطة الثانية هي أن على المثقف، في حديثه مع الناس، لكي لا تُضحى بالحقيقة، أن يقلل قدر الإمكان من الغموض والإيهام والإبهام في الكلام. يقول بول إدواردز: ما تعلمته من راسل هو أن الإنسان لكي يكون عميقاً لا ينبغي أن يكون مبهماً. إن مقتضى قول الحقيقة هو إزالة الغموض والإيهام والإبهام في الكلام، لأن الناس أولاً إذا كان عليهم أن يجدوا الحقيقة، فالأفضل أن يجدوها بجهد أقل. الغموض والإيهام والإبهام يفرض ألماً ومعاناة غير ضروريين على المخاطبين، خصوصاً حين يستطيع الناس أن يجدوا حقيقة ما بوقت وجهد وموهبة أقل. يعتقد البعض في الأخلاق أن عدم إلحاق الألم والمعاناة غير الضروريين بالآخرين هو ركن الأخلاق؛ وثانياً، يمكن للمرء أن يسيء استخدام الغموض والإيهام والإبهام في الكلام ويلوي الكلام بحيث يكون الرابح في القصة على أية حال. بينما ينبغي لنا، صوناً للحقيقة، أن نتكلم بأكبر قدر ممكن من الشفافية. النقطة الثالثة هي أنه لا يتوافق أي ضرب من التفكير الإيديولوجي مع قول الحقيقة والبحث عنها. لذا، على المثقف، بقدر ما يسمح له علمه ووعيه، وبقدر ما يستطيع أن ينظر إلى نفسه من علُ ويشخص مواقفه الإيديولوجية، أن يتجنب التفكير الإيديولوجي. بالطبع، قد لا ننجح جميعاً في طريق هذه الغاية القيمة، لكن ينبغي ألا نتوانى عن ذلك قدر الإمكان. التفكير الإيديولوجي يعني إعلان اختتام ملف موضوع أو مسألة أو مشكلة وكفاية المداولات. لا ينبغي للمثقف أن يعلن كفاية المداولات في أي مكان. ومن هنا تتضح النقطة الرابعة: على المثقف، فضلاً عن تجنب التفكير الإيديولوجي، ألا يربط شخصيته وطباعه برأيه. على المثقف أن يعتبر لنفسه هوية ديناميكية وسيالة، لا هوية ثابتة وجامدة، وألا يلتزم إلا بالاستدلال. نقطة أخرى تنافي البحث عن الحقيقة والتنوير هي تحريف كلام الآخرين وتفسيره في غير محله. على المثقف أن ينقل رسالة حامل رسالة كما يقولها هو للآخرين، حتى لو كان هو نفسه مخالفاً لمحتوى ذلك الكلام. أنا إذا كنت مخالفاً لكلام كانط، فعلي أولاً أن أشرح كلامه تماماً كما كان يقوله هو، ثم أعبر عن مخالفتي له، لا أن أعرّف كانط للآخرين كما أفهمه أنا. كذلك، على المثقف أن يتحمل مسؤولية كلامه بنفسه وألا ينسب كلامه إلى اسم شخص آخر. النقطة الأخيرة هي أن الاستخدام الأداتي للبشر، بتعبير كانط، ليس صحيحاً في أي مكان. أحد أوجه الاستخدام الأداتي للمثقف المدّعي للناس هو أن يعبر عن كلامه فقط في حلقات خاصة. حين يعبر المتكلم أو الأستاذ عن كلامه في حلقة خاصة، فإن الموجودين في الحلقة، إما بسبب تعلقهم به لا يريدون نقده، أو لا يملكون القدرة على نقده. إذا كان المثقف باحثاً عن الحقيقة، فعليه أن يضع في اعتباره ضرباً من دمقرطة التعليم. إنشاء حلقات التلاميذ والمريدين هو عمل ابتدعه الفيثاغوريون في التاريخ، ثم وجد طريقه لاحقاً إلى حلقاتنا العرفانية والصوفية. الحلقة، ما دامت حلقة، أخطارها قليلة، لكن عيبها أنها سرعان ما تتحول إلى حركة، ولا يمكن إيقاف الحركات بسهولة. لذلك أعتقد أن على المثقف أن يعبر عن المطالب التي يقولها في مكان ما في أي مكان آخر أيضاً. فيما قلته، كنت أضع في الاعتبار لوازم كلامي عن بحث المثقف عن الحقيقة، ولم أكن أضع في الاعتبار فرداً أو جماعة معينة.لقد تحدثتُ وكتبتُ كثيرًا عن التنوير والتنوير الديني. آخرها كان مقابلتي مع موقع زيتون بمناسبة عيد ميلادي السبعين، حيث أوردتُ هناك نقاطًا جديدة حول العلاقة بين التنوير والدين. بالطبع، لا أنوي الآن الخوض في تعريف التنوير الديني أو شرحه أو الدفاع عنه، وسأحاول إزالة الغموض عن نقاش «التنوير والحقيقة». للأسف، كلا هذين المفهومين غامضان بالنسبة لي، ما زلت لا أعرف تعريف التنوير، والحقيقة أيضًا ليست جلية لي كما ينبغي، وفقًا للشرح الذي سأذكره، لذا فأنا عاجز عن كشف العلاقة بين التنوير والحقيقة، ولا أستطيع ذلك بسهولة. لقد قال الكثيرون، وأشار الأستاذ أيضًا، إلى أن عمل المتنور هو تقرير الحقيقة وتقليل المرارة. بالطبع، لمراعاة السجع، أقترح تعبير «تقرير الحقيقة وتقليل المشقة». إنه هو نفسه مبدع هذا التعبير وصاحب الاختيار، وبتعبير مولانا: المثنوي ما دمت أنت أصلها / إن تزد يومًا فأنت زدتها. عندما يقول السيد ملكيان وآخرون إن عمل المتنور والتنوير هو تقرير الحقيقة وتقليل المرارة، أسأل نفسي «من هو المتنور؟» وكأنه قد افتُرض أن هناك كائنات أو جماعة أو طائفة اسمها المتنور ونحن نحدد واجبهم ووظيفتهم وأفضل أعمالهم. لست الآن بصدد نقد رأي السيد ملكيان، وإنما أتخذ تعريفه مثالًا. إذا كان «تقرير الحقيقة وتقليل المرارة» جزءًا من تعريف «التنوير»، فإن هذا الكلام لا يعدو كونه تحصيل حاصل (تكرارًا للمعنى نفسه)، أما إذا لم يكن جزءًا من تعريف التنوير، فيجب حينئذ تحديد من هو المتنور وما هي خصائصه؛ ثم يقال: أيها الذين تمتلكون هذه الخصائص، عليكم أن تقوموا بتقرير الحقيقة وتقليل المرارة. لقد لاحظتُ هذه النقطة في عموم تعريفات التنوير، حين يقولون «يجب على المتنور أن يشتبك مع السلطة» أو «يجب على المتنور أن يكون حصاة في حذاء المجتمع» أو «يجب على المتنور أن يحارب الكذب والفساد والظلم» إلخ… سؤالي في كل هذه الأقوال هو: من المقصود بالمتنور الذي يجب عليه القيام بهذه الأعمال؟ هل المقصود بالمتنور هم المتعلمون؟ أم المتدينون؟ أم طائفة من المتعلمين مثل علماء الاجتماع؟ إذا تم تبني أي من هذه التعريفات، تنحل المشكلة إلى حد ما، لكن عندما لا يكون لدينا تعريف محدد للمتنور، فإن ما يجب عليه فعله وما لا يجب، يبقى في هالة من الغموض. إذن، ليس للمتنور معنى واضح، ورغم أن تعبير «روشن» (واضح) قد استُخدم في عنوانه (روشنفكر)، إلا أنه لا يوجد فكر واضح هنا. لفهم من هو المتنور، يجب أن نتجاوز التعريفات، لأن هذه التعريفات المتكثرة ليست جامعة ولا مانعة. لذا، لفهم من هو المتنور، يجب أن ننظر بطريقة اسمية وتجريبية إلى من أُطلق عليهم لقب متنورين عمومًا. لنأخذ المصاديق الأهم والأكمل، ونعرّف المتنورين على هذا الأساس، ولا نقدم من عند أنفسنا تعابير عن المتنور وواجباته. فمثلًا، تعريف السيد ملكيان للمتنور بأنه شخص يقرر الحقيقة ويقلل المرارة، ليس مانعًا، أي أنه يشمل آخرين أيضًا، مثل الأطباء الذين يقومون بكلا الأمرين. وكذلك علماء الأوبئة ونشطاء البيئة يفعلون ذلك. وبهذا التعبير، يُعتبر كل هؤلاء متنورين. وهذا بالطبع أمر جيد جدًا، لأنه يُظهر أن للمتنور دائرة أوسع ولا يقتصر على فئة معينة نخاطبها. تقرير الحقيقة وتقليل المرارة عمل جيد. إذن، الأطباء ونشطاء البيئة والمناضلون ضد الظلم وأولئك الذين ينشرون علمًا من العلوم في العالم، كلهم يُعتبرون متنورين. وهكذا، فإن التنوير واجب عام، وعموم الناس الذين يهتمون بأمر الناس ويبذلون ما لديهم، علميًا كان أو غير علمي، بصدق في سبيل هذا الاهتمام والشفقة على الخلق، هم متنورون. لذلك، لا ينبغي حصر وتقييد مجموعة معينة - كالمتعلمين مثلًا - وتسميتهم متنورين، ثم الانشغال بما إذا كانت هذه المجموعة تؤدي واجبها أم لا. التنوير دائرة واسعة جدًا تشمل الكثيرين، وبالمعنى الذي ذُكر، يمكن للأفراد أن يكونوا متنورين على قدر مراتبهم. أما تعريف الحقيقة فهو مهم أيضًا. قيل إن على المتنور أن يقول الحقيقة، ولكن أية حقيقة؟ الحقيقة الطبية أم الحقيقة الفيزيائية أم الدينية أم...؟ بقول أية حقيقة يُعتبر الشخص متنورًا أو يكون واجبًا عليه قولها؟ قد لا أعتبر حقيقة الآخر حقيقة، وهو كذلك بالعكس. كيف يمكن أن نطلب من الناس أن يقولوا الحقيقة؟ ثم إن المتنور يقول الحقائق النظرية أم الحقائق العملية. هناك تمييز بين الحقائق النظرية كالفيزياء والفلسفة... والحقائق العملية كالأخلاق...
أي فئة من هذه الحقائق ينبغي على المثقف أن يعبّر عنها ليؤدي وظيفته بصفته قائلًا بالحقيقة؟ هل ينبغي على المثقف أن يقول كل حقيقة، أم قد يضيّع وقت الناس بهذا القول للحقيقة؟ قد يقول، عن خطأ، أسطورة بدل الحقيقة، أو يقول حقائق خارجة عن الطريق وعديمة الجدوى! أي حقيقة ينبغي أن تُقال؟ نقطة أخرى هي كلفة قول الحقيقة. تختلف كلفة قول الحقائق عن بعضها البعض. مثلًا، في مجتمع ليبرالي، ما دامت القوانين والأنظمة تسمح بذلك، فإن ناطح السلطة لا كلفة له، ويمكن نقد الحكومة بسهولة. لكن في بعض المجتمعات الأخرى، لقول بعض الحقائق كلفة باهظة جدًا. هل ينبغي تحميل هذه الكلف على عاتق المثقفين؟ هل يحق لنا أن نتوقع منهم ذلك؟ إذا قلنا ذلك، فإن دائرة المثقفين ستضيق كثيرًا ولن تتجاوز ثلاثة أو أربعة نجوم، أشخاص يضعون كل ما لديهم في طبق الإخلاص، ويأتون إلى الساحة ويناطحون السلطة ويقولون حقيقة كلفتها باهظة جدًا. في هذه الحالة، لن يُعتبر مثقفًا إلا السيد جمال الدين الأسد آبادي وشريعتي والمهندس بازركان و... بهذه المسؤولية، لا يمكن حتى اعتبار راسل وسارتر مثقفين. إذن، في علاقة المثقف بالحقيقة، ينبغي أن نسأل: أي حقيقة، بأي كلفة، في أي مجتمع وسياق (context)، ولأي جمهور؟ ما لم تتضح هذه الأمور، لن يتحدد تكليف المثقف والحقيقة. نقطة أخرى هي: هل ينبغي على المثقف أن يقول الحقيقة دائمًا؟ منذ عصر أفلاطون وحتى الآن، لدينا مفهوم «الكذبة الذهبية»، أي أنه يجوز للحكومات في بعض الحالات أن تقول كذبة ذهبية. الطبيب أيضًا يجوز له أحيانًا، لمصلحة المريض، أن يكذب. قول الحقيقة يتوقف على الظروف وكلفة العمل والجمهور. إذن، التأكيد على قول الحقيقة المرة كاملة ولا شيء غير ذلك، هو تكليف ثقيل على عاتق المثقف، وينبغي أن يخاف المرء من الله إذا أراد أن يُثقل كاهل آخر هكذا ويطلب منه مسؤولية بهذه الضخامة. هل ينبغي على المثقف، بسبب كونه مثقفًا، ألا يلتزم بأي مذهب أو عقيدة؟ بالطبع، أقبل أن «العقلاء» (أتعمد ألا أستخدم تعبير المثقف، لأنه ليس ضروريًا) يجب عليهم، بحكم العقل، أن يتركوا العقل حرًا، فيقبلوا شيئًا ما دام عقلهم يسمح بذلك، وحيث لا يسمح عقلهم، يضعونه، بتعبير ابن سينا، في بُقعة الإمكان أو في بوتقة الإجمال والتأجيل: «كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذدك عنه قائم البرهان.» هذا هو حكم العقلانية. لكن هل يمكن ألا يكون لدى المرء أي مفروض أو افتراض مسبق؟ ألم يكن لدى سارتر أي افتراض مسبق؟ كان قائلًا بالمسؤولية. كان وجوديًا وكان يُدخل مقاربته الوجودية في مثقفيته. كان قائلًا بالحُسن والقُبح. السيد ملكيان نفسه، الذي يعتبر تقرير الحقيقة وتقليل المرارة أمرين حسنين، إذن هو، قبل بيان وظيفة المثقف، قائل بالحُسن والقُبح، أي أنه بالضرورة قائل بمذهب أخلاقي يُعرّف فيه الحُسن والقُبح بشكل خاص، ومن مصاديقه تقرير الحقيقة وتقليل المرارة. كل شخص عاقل ومفكر هو هكذا. لذا لا يمكن لأحد ألا يكون قائلًا بأي إطار. بالطبع، ينبغي ألا نكون دوغمائيين، أي أن نكون مستعدين لتغيير افتراضاتنا المسبقة. لقد أصبحت المثقفية في العصر الحديث غاية في الصعوبة، لأننا نعيش في عصر ما بعد الحداثة، وأصبح الكلام عن قول الحقيقة صعبًا جدًا. كان ريتشارد رورتي يقول: في العصور الوسطى، كان الله معيار كل شيء، وفي العصر الحديث أصبح العقل إلهًا، وفي عصر ما بعد الحداثة لا يوجد أي إله. أي أن كل المعايير قد انهارت. بدأت ما بعد الحداثة بالهجوم على العقل والعقلانية، من خلال القول إن لدينا أنواعًا من العقلانية (plurality of reasons and rationalities and modernities) وبالتالي أنواعًا من الحقيقة. لذا، أصبح الكلام عن العقلانية، وبالتالي الحقيقة، وبالتالي المثقفية، صعبًا جدًا. ونتيجة لذلك، يرى أن المثقفية لا ماهية (essence) لها، وبالتالي لا تعريف لها. إنها عديمة الماهية إلى حد كبير، أو أن ماهيتها واسعة جدًا بحيث تشمل الكثير من الأفراد، ولكل شخص في المجتمع وظيفة مثقفية وتنويرية، على قدر مراتبهم. ثانيًا، الحقيقة أشد خفاءً وسترًا وتكثرًا من أن نطلب من أشخاص أن يقولوا الحقيقة كلها. الحقائق متنوعة جدًا ومستورة. قول بعض الحقائق له كلف باهظة، ولا يمكن أن نتوقع من الجميع أن يُبقوا علاقة التزامهم بالحقيقة واضحة في كل مكان. ثالثًا، الحقيقة، كما نتصور، ليست بتلك الدرجة من الوضوح حتى في العلوم الوضعية (الإيجابية)، وفي المباحث الفلسفية واللاهوتية يزداد الغموض أكثر، لذا فإن اتهام الآخرين بأنهم لم يقولوا الحقيقة أو لم يراعوا الإنصاف، هو نقاشات جدلية وشخصية لا طائل منها.رابعاً، امتلاك إطار فكري لدى المثقف أمر جيد جداً، وينبغي أن نطلب من المثقفين أن يوضحوا أطرهم ويبينوها، كي تكون عرضة للنقد. ما هو الواجب؟ على كل إنسان أن يؤدي واجبه في هذا العالم، العمل الذي تربى عليه ونشأ من أجله، سواء كان فيلسوفاً أو ممرضاً أو فيزيائياً أو عالم اجتماع أو غير ذلك... وفي الوقت نفسه، فإننا نُجِلُّ المثقفين الذين يدفعون ثمناً لعملهم. ينبغي أن نكنَّ أعظم الاحترام للمثقفين الذين يدفعون الثمن من خلال الشفقة على الخلق والإحسان. هؤلاء يتفوقون على غيرهم شرفاً، وهم مصدر فخر واعتبار للإنسانية، وقد يستطيعون أحياناً أن يغيروا مسار التاريخ، لكن هذا ليس مطلوباً من الجميع.
لقد كنتُ منتبهاً لجميع الإشكالات التي ذكرها الدكتور سروش في مقال «عيب وفن التنوير»[4] وأجبتُ عنها، كما أجبتُ عن بعضها في هذا الحوار نفسه. أولاً، قالوا إن المثقف لا يمكن تعريفه، ثم وصفوه بأنه شخص يشفق على الناس ويضع ما لديه من معارف علمية وغير علمية في خدمة الناس بدافع الشفقة عليهم. ثانياً، هذا التعريف هو بالضبط تعريفي للمثقف في المقال المذكور: «المثقف هو من يستخدم آخر منجزات العلوم والمعارف البشرية في طريق حل مسائل الناس ومشكلاتهم». وبهذا الفرض، فإن تعريف المثقف ليس تحصيلاً حاصلاً (توتولوجيا). قالوا إن المثقف لا ماهية له، لكنهم هم أنفسهم افترضوا له ماهية، أما نقاشي فليس حول الماهوية (essentialism) ورفضها. قالوا إن الأطباء أيضاً يقومون بتقرير الحقيقة وتقليل المعاناة. نقاشنا هو في عالم الثقافة. فالمثقف في سياق (context) «الثقافة» يقوم بتلك الأعمال الثلاثة (الفصل بين المعتقدات الصادقة والكاذبة، والمشاعر المناسبة وغير المناسبة، والرغبات المعقولة وغير المعقولة). عالم مقالي هو الثقافة، لا البدن ولا الاقتصاد ولا... فالمثقف يتعامل مع الحالات الباطنية (mental space) والمعتقدات والمشاعر والرغبات. ولكن أية حقيقة؟ في تغيير المعتقدات، تكون الحقائق النظرية هي المقصودة، وفي تغيير المشاعر والعواطف والرغبات، تكون الحقائق العملية هي المقصودة. ولكن بأي ثمن ينبغي التعبير عن الحقيقة؟ الإيجاز في الكلام يختلف عن صحته وخطئه. أنا في كلامي لم أبدِ رأياً في هذا السؤال أصلاً. أما قولهم: كيف تطلبون من مثقف أن يعرض نفسه وماله وعرضه وشرفه لألف خطر؟ فقد كتبتُ في المقال أن التنوير ليس واجباً حقوقياً وقانونياً على أي إنسان، بل هو واجب أخلاقي. لا يمكن إجبار أحد على الأخلاق. فالأخلاق والواجبات الأخلاقية لا معنى لها إلا في سياق (context) الحرية. كما أن الواجبات الأخلاقية لا معنى لها إلا في نطاق المقدور. أنا لم أقل يجب أن يكون الناس مثقفين، بل قلتُ إذا قرر شخص أن يكون مثقفاً، فينبغي أن يكون هكذا. الأخلاق إذا كانت إلزامية، لم تعد أخلاقاً، كما أن الحقوق بدون إلزام وإجبار ليست حقوقاً. أما أن لكل شخص موقفاً ونظرة ومقاربة ورؤية خاصة للحقيقة، فهذا أمر مقبول وقد أشرتُ إليه. قلتُ إن المثقف ليس إيديولوجياً، وعدم كونه إيديولوجياً لا يعني عدم امتلاكه لموقف، بل يعني ألا يعتبر أي موقف هو الموقف الأخير. بالطبع، كلنا لدينا مواقف في كثير من الأمور، والمثقفون قطعاً لديهم مواقف، لكني قلتُ إن المثقف هو من إذا أقيم دليل على نفي موقفه، تخلى عنه. كذلك كلنا لدينا افتراضات مسبقة. النقاش هو أن على المثقف أن يتخلى عن افتراضاته المسبقة إذا ما أقيم الدليل. قال الدكتور سروش إننا نعيش في عصر ما بعد الحداثة، وإن كل الحقائق قد انهارت، وهناك أنواع من الحقيقة. أولاً، العيش في عصر ما بعد الحداثة لا يعني أن نكون ما بعد حداثيين من الناحية المعرفية (الإبستمولوجية) أو من ناحية أخلاق الاعتقاد. يمكن أن نعيش في عصر ما بعد الحداثة، ونقيم الدليل على أن كل ادعاءات مفكري ما بعد الحداثة خاطئة. ثانياً، هو يتحدث عن انهيار كل الحقائق في عصر ما بعد الحداثة، لكنه هو نفسه متمسك بشدة بحقائق ما قبل الحداثة. لماذا هذا؟ لأن ليس علينا واجب كهذا، وعلى كل شخص أن يرجع إلى عقله. فكيف يتوقعون مني إذن ألا ألتزم بالمعتقدات الحديثة في عصر ما بعد الحداثة؟!
أنا - كما قلت - لم أتخذ موقفاً في كلامي تجاه السيد ملكيان، ولا أناقش تعريفه، بل كنت أعبر عن وجهة نظري. ولتوضيح رأيي فقط، أخذت أقرب مثال من كلامه. لم أقرأ ذلك المقال ولا علم لي به. وإن كانت آراؤنا متطابقة رغم بعض الاختلافات، فنعم المطلوب. ما أعنيه بالعيش في الحقبة ما بعد الحداثية ليس أن نتخلى عن معتقداتنا أو ننصاع لما بعد الحداثة، بل إن الحقيقة صارت أكثر خفاءً. كما أنه بعد كانط صار تبني مواقف ميتافيزيقية أكثر صعوبة بكثير. المقصود بالحقبة ما بعد الحداثية هو أن الناس عموماً لا يقبلون أن المثقف يعبر عن الحقيقة، لأن اكتشاف الحقيقة والتعبير عنها صار أشد صعوبة بكثير.
لم يكن قصدي من "التعاطف مع الناس" تعريفاً جامعاً مانعاً للمثقف، وهدفي هو أن نخرج المثقف من الدائرة الضيقة للتعريفات. كلنا يمكننا أن نكون مثقفين بهذا التعريف الواسع الذي ذكرته. أنت قلت إنك لا تهتم بالجسد وتهتم بالثقافة. أليس الجسد والاقتصاد جزءاً من الثقافة؟ وماذا يمكن أن يقال عن الأطباء النفسيين؟ برأيي أن للمثقف دائرة أوسع. كثيرون يمكنهم أن يكونوا مثقفين، طبعاً ليست هذه وظيفتهم القانونية لكنها يمكن أن تكون وظيفتهم الأخلاقية. الوظيفة الأخلاقية توجب التزاماً أخلاقياً حتى لو لم يعمل به. لذا فإن دائرة المثقف والحقيقة في العصر ما بعد الحداثي ملتبسة جداً، واكتشاف العلاقة بينهما أصعب بكثير مما كان في الماضي. وفي النهاية، فإن الاتكاء المفرط على العقل الخالص لا يوصلنا إلى نتيجة. عندما نتحدث عن المثقف والعقلانية، نكون قد وضعنا أقدامنا في وديان مظلمة. ينبغي أن نوسع الفضاء ونتقبل التعددية (plurality) والتنوع وكثرة الحقائق والسبل المؤدية إليها. برأيي لو وسعنا هذه الدائرة لدخلها الجميع. الإقصاء والاستبعاد ليسا شرطاً.
ملكيان: على المثقف بدلاً من أن يكون ناطقاً باسم الناس أن يكون حكماً بينهم، لكن عليه أن يقوم بكل هذا بالاستدلال، أي كما يقول راسل في كتابه "السلطة"، باللجوء فقط إلى القوى "المقنعة" لا إلى القوى "المحفزة" ولا إلى القوى "القسرية". لذلك لا يمكن للمثقف أبداً ولا ينبغي له أن يفرض هيمنته على الآخر. عليه لإظهار التمييز بين الاعتقاد الصادق والاعتقاد الكاذب، والمشاعر في محلها والمشاعر في غير محلها، والرغبة المعقولة والرغبة غير المعقولة، أن يستخدم القوى المقنعة وقوة الإقناع العقلاني والاستدلال، لذا فإن موقف المثقف ليس فوقياً أبداً.
سروش: لكن هل يمكن ألا تكون لدينا أية مسلّمات أو افتراضات مسبقة؟ ألم يكن لسارتر أية افتراضات مسبقة؟ كان يؤمن بالمسؤولية. كان وجودياً وكان يُدخل منهجه الوجودي في مثقفيته. كان يؤمن بالحسن والقبح. السيد ملكيان نفسه يعتبر تقرير الحقيقة وتقليل المعاناة أمراً حسناً، لذا فهو قبل أن يحدد وظيفة المثقف يؤمن بالحسن والقبح، أي أنه بالضرورة يؤمن بمدرسة أخلاقية يُعرَّف فيها الحسن والقبح بشكل خاص، ومن مصاديقهما تقرير الحقيقة وتقليل المعاناة. كل إنسان عاقل ومفكر هو هكذا.
.
.
.
.
[1] المثقف والحقيقة، حوار عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان، 24 أبريل 2021، حلقة دیدگاه نو (المشاهدة على يوتيوب، الاستماع على أنكر، كاست بوكس، تحميل الصوت على تلغرام)
[2] حلقة دیدگاه نو على تلغرام، وعلى يوتيوب
[3] تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة؛ الوجه الأخلاقي والمأساوي للحياة الفكرية، بقلم مصطفى ملكيان، آفتاب، السنة الثانية، العدد 13، اسفند 1380، الصفحات 44 إلى 47
[4] عيب وفن المثقف، بقلم مصطفى ملكيان، فصلنامه نگاه نو، العدد 116، فصل الشتاء
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
ظاهرا عنوان « روشنفکری وظیفه اخلاقی است» غلط است. چون هیچکدام از طرفین این را نگفتند. دکتر سروش که واضح است، استاد ملکیان هم گفتند روشنفکری وظیفۀ اخلاقی نیست، این یک انتخاب است، ولی اگررر کسی این انتخاب را کرد آنگاه وظایف اخلاقی خاصی مثل تقریر حقیقت و تقلیل مرارت خواهد داشت. روشنفکر بودن وظیفۀ اخلاقیِ کسی نیست.
ملکیان گفت : « در مقاله نوشتهام که روشنفکری، یک وظیفه حقوقی و قانونی هیچ انسانی نیست بلکه وظیفه اخلاقی است.کسی را نمیتوان به اخلاق اجبار کرد. »
آقای صدری تیکهی بسیار زشت و حقیری به استاد ملکیان انداخت و ایشان هم خوب از خجالتش درآمد. اینجور بحثها جای نمکپرانی نیست. هرکه نمک ریخت، نمکسود شد.
عرض ادب و احترام راهارتباطی با با کانال و سایت صدانت چی هستش؟ چطوری می تونم مطلبی را درباب این گفتگو برایتان ارسال کنم؟
سلام [email protected]