اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
استمرار الأثر التحرري للتنوير الديني في إيران رهينٌ بموازنةٍ بين البحث عن الحقيقة والنقد السياسي والتدين. ويتمثل سبيل تجاوز التحديات في إصلاح اللامتماثل المعرفي عبر نقد تقنيات السلطة السياسية والاستفادة من العلوم الإنسانية.

هذا المقال هو الجزء الثاني من ثنائية كنا قد أعدنا نشر جزئها الأول بعنوان «أخلاق التنوير الديني» سابقاً في صدانت. لقد بدأ البحث وكتابة هذين المقالين منذ حوالي ست سنوات، ونُشرت النسخة الإلكترونية من الجزء الثاني قبل حوالي خمس سنوات ونصف، بتاريخ 12 مهر 1390 (بعد شهر من نشر الجزء الأول) في الفضاء الافتراضي، ولا تزال متاحة تحت الاسم نفسه.
الحقيقة صامتة وهادئة، والخطأ مزعج وصاخب؛ الحقيقة نبيلة وصبورة، والخطأ مكتفٍ بذاته ومعجب بها؛ الحقيقة متواضعة وبلا ادعاء، والخطأ عنيد وعدواني؛ الحقيقة محتجبة وحيية، والخطأ متهور ومتفاخر.
أ. وودوارد [3]
العقل يتكلم بصوت ناعم، لكنه لا يهدأ حتى يُسمع كلامه. يُنكر مراراً، لكنه سيُسمع في النهاية. هذا من الأمور القليلة التي تجعلنا متفائلين بمستقبل البشر.
ز. فرويد [4]
مقدمة:
النص الحاضر هو مقال يأتي استمراراً لـ «أخلاق التنوير الديني.» سأحاول في هذا المقال، من خلال دراسة الفرق بين التنوير الديني والتنوير غير الديني، أن أعيد صياغة وبحث السؤال الذي طرحته في «أخلاق التنوير الديني» [5] من جديد ومن زاوية أخرى. السؤال الرئيسي لهذا المقال هو: «كيف يمكن لبرنامج التنوير الديني أن يستمر في تأثيره التحريري في المجتمع الإيراني؟» [6]
التحرير مفهوم ذو مستويين، بمعنى أنه يشير إلى التحرر بمعنى التخلص من الخطأ والدوغمائية على المستوى المعرفي، وإلى الشروط السياسية-الاجتماعية المسبقة للمساعي التحريرية. بهذا الترتيب، على المستوى المعرفي، فإن المسعى الملتزم بمبادئ وأساليب وأخلاق الحوار النقدي في المجال العام لاكتشاف وإزالة الخطأ هو أهم فعل تحريري. لكن الالتزام بهذه المبادئ والأساليب وتشكل مثل هذا الحوار على مستوى واسع وعلى مقياس مجتمع يستلزم توفر شروط. يمكن اعتبار نظرية العدالة لفريزر [7] تعبيراً عن هذه الشروط ذاتها. نظرية العدالة لفريزر، وفقاً لصياغته الأخيرة، تتضمن هذه الأركان الثلاثة: أولاً، تغيير العلاقات التي تبقي الاقتصاد في قبضة أرباب السلطة السياسية؛ ثانياً، تغيير العلاقات المنافية للعدالة والحماية الاجتماعية والتوزيع العادل للإمكانيات؛ وثالثاً، التحرير. [8]
التحرير بهذا المعنى لا علاقة له بالدوغمائية، بل هو شرط التحرر منها. هنا، واقتفاءً بفريزر، أشير بالتحرير إلى المسعى لتحقيق شروط الاستقلالية [9] والاستقلال [10] في التمتع بحق تقرير المصير. [11] يقوم التحرير، من جملة ما يقوم عليه، على الحق في الاعتراف بالانتماءات المكونة للهوية، مثل الانتماء إلى تدين خاص. [12] التحرير نفسه، بالطبع، يتجاوز الحق في الاعتراف [13] بكثير، لكنه يشمله أيضاً.
إن طرح السؤال الذي ورد في بداية المقال قد اكتسب أهمية اليوم لأنه يبدو أن الالتزامات الثلاثة للتنوير الديني تتشابك أحياناً في حالات مهمة. هذه الالتزامات الثلاثة التي شرحتُها في «أخلاق التنوير الديني» وستأتي صياغة أخرى لها لاحقاً في القسم الأول من هذا المقال، هي إجمالاً: البحث عن الحقيقة، والنقد السياسي، والتدين.
إن بحث أسباب ظهور هذه التعارضات اليوم بشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى يقع خارج نطاق نقاش هذه المقالة. لكن أحد أهم الأسباب التي يمكن تخمينها في هذا السياق يتعلق بتسارع وتيرة التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في إيران في السنوات الأخيرة. لقد حولت هذه التحولات المتسارعة بعض الأسئلة التي لم تكن آنية وملحة حتى الآن إلى أسئلة حيوية وتحديات راهنة. كما عنت هذه التحولات عبورًا عاصفًا على المستويات المعرفية والثقافية بين جمهور المثقفين الدينيين. عبورٌ استبدل معه جملة من المعارف والمعتقدات والانتماءات الجديدة محل بعض المعارف والمعتقدات والانتماءات السابقة. كان الكثير من تلك المعارف والمعتقدات والانتماءات السابقة يحول دون انكشاف بعض التناقضات بين أدوار المثقف الديني والعديد من برامجه المنافسة والبديلة. أما الآن فإن سرعة هذه التغييرات واتجاهها العام يقتضيان من جميع البرامج الفكرية-السياسية، بما فيها التنوير الديني، أن تنشغل بقدر أكبر من الرشاقة بصيد وحلحلة المسائل المتجددة لمجتمعها المرجعي.
من الواضح أن برنامج التنوير الديني، لكي يستطيع الحفاظ على تأثيره التحريري، مضطر - من بين أمور أخرى - ولا سيما بالنظر إلى السياقات المتغيرة لمجتمعه المرجعي، إلى أن يوازن ويوائم بين أدواره الثلاثة بشكل متجدد. تقترح هذه المقالة أنه لكي يتمكن التنوير الديني من تحقيق التوازن والتعادل بين هذه الأدوار، عليه أن يخطو على الأقل خطوتين مهمتين بثبات أكبر من ذي قبل: الأولى، الاستفادة من منجزات العلوم الإنسانية والاجتماعية التجريبية في مجال التحول السياسي والاجتماعي في مجتمعات مشابهة للمجتمع الإيراني؛ والثانية، وبناءً على الخطوة الأولى، إعادة صياغة جدول أعماله لتعديل عدم التماثل المعرفي[14] في برنامجه، خصوصًا من حيث ترتيب أولويات المسائل والموضوعات التي يحللها وينقدها. لقد أوضحت عدم التماثل المعرفي القائم في برنامج التنوير الديني في "أخلاقيات التنوير الديني". وما أعنيه بهذا عدم التماثل إجمالاً هو تركيز هذا البرنامج على نقد التراث الديني، وفي المقابل، عدم أخذ نقد الحداثة، وخصوصًا تقنياتها السياسية والأخلاقية، على محمل الجد. لقد تسبب عدم التماثل هذا في بقاء أهمية وأولوية نقد التقنيات السياسية الحديثة مثل الديمقراطية مغفولة، بينما بلغ نقد مضمون المعتقدات الدينية حد التضخم في بعض المواضع.
نبدأ ببحث السؤال الرئيسي لهذه المقالة بطرح سؤال آخر في الجزء الأول منها: "ما الفرق بين التنوير الديني والتنوير غير الديني؟" ولكن لكي نتناول هذا السؤال، ينبغي أولاً أن نسأل: "ما هو التنوير؟"
(١)
ما هو التنوير؟
التنوير في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية هو عنوان لبرنامج تحريري، تحرر من انغلاقات حياة سياسية واجتماعية قائمة نحو رحابات حياة سياسية واجتماعية أكثر عمرانًا وأخلاقية، يجد فيها الحق والواجب، وكذلك الحرية والعدالة، نسبة أكثر توازنًا مع بعضها البعض. هذا التحديد للمراد، وإن كان له جانب معياري، إلا أنه انتزاع من ديناميات برامج التنوير المختلفة في المجتمعات الانتقالية المعاصرة.
التنوير في أيامنا هذه في إيران هو انشغال تحريري في نطاق العلاقات بين مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، يضع في بؤرة أهدافه، على وجه الخصوص، تصحيح نسبتين أساسيتين: إحداهما نسبة الحق والتكليف، والأخرى نسبة الحرية والعدالة. أما النسب المختلة والمعيبة الأخرى التي شوهت المجتمع الإيراني وصعّبت حياة الإيرانيين، فجميعها تقريبًا قابلة للإحالة إلى هاتين النسبتين. لكن تصحيح هاتين النسبتين الأساسيتين ليس بالنسبة للمتنورين مجرد انشغال أكاديمي أو بالضرورة تنظير لاهوتي و/أو فلسفي متجرد. قد ينخرط المتنورون، في هذا السياق، في تفلسف أو تنظير ديني أيضًا، لكن الوجه التحريري من برنامجهم هو ما يميزهم عن الأكاديمي أو مدرّس الفلسفة أو المفكر الحوزوي. هذه القوة التحريرية هي مقوم يشكل الوجه الأخلاقي للبرنامج التنويري، وجه يمكن أن نطلق عليه رسالة التنوير، رسالة هي سياسية بقدر ما هي أخلاقية: فالحياة الأكثر أخلاقية رهينة بالتحرر من الانغلاقات الظالمة التي تهدد نطاق الاختيار الأخلاقي للإنسان في مجتمع معين وتحد منه، وتسلب منه إمكانية خلق الذات [15] أو على الأقل تحقيق الذات [16] بل وحتى تحقيق-الذات، [17] وبالتالي إمكانية الحكم الذاتي. [18] إن الاشتباك مع هذه الانغلاقات الظالمة يُفهم مباشرة بمعنى تحدي النظام السياسي القائم الذي يصون هذه الانغلاقات ويجد بقاءه مدينًا لدوامها واستمرارها. لذا، فإن كون البرنامج التنويري سياسيًا ليس خيارًا من الخيارات التي يهواها هذا البرنامج، بل هو ضرورة مقومة ومعرّفة لجميع أصناف البرامج التنويرية.
عادة ما تصاغ الفارق بين الوضع المستقبلي الذي يدعو المتنور مخاطبيه نحوه والمجتمع الراهن الذي يمر بمرحلة انتقالية في قالب تقابل الحداثة مع التقليد، تقابل كلما مرت السنون على الدراسات الفلسفية-السياسية والسوسيولوجية والأخلاقية والتاريخية حول نسبة التقليد والحداثة، دلّ أكثر من ذي قبل على اتصال التقليد والحداثة لا على قطيعتهما. [19] لقد أصبح انكسار أسطورة حداثة واحدة عالمية وآخذة في العولمة مقدمة لفهم وإدراك أيسر لهذه الحقيقة الراسخة، وهي أننا بدلًا من الحداثة، لدينا حداثات، وكل واحدة من هذه الحداثات هي وليدة مباشرة لتقليد ما، تقليد يودع خصائصه كشيفرات جينية في أعماق كينونة الحداثة التي يلدها، ويخلقها ويزينها على شاكلته وصورته، وإن كانت هناك دائمًا قابلات في الأمر ينسبن لأنفسهن أحيانًا، بالإضافة إلى الولادة، تشكّل الحداثات ونشأتها ونموها. لقد اتضح اليوم أن نسبة التقليد والتجدد ليست تلك النسبة الانقطاعية التي ادعتها القابلات اللاتي نَصّبن أنفسهن آباءً، بغرور. إن الحداثات تنهض من داخل التقاليد، لكنها لا تنفصل عنها أبدًا. ثمة روابط معنوية وتاريخية، تمامًا كالشيفرات الجينية، تميز الحداثات عن بعضها البعض بإحالتها إلى تقاليد مختلفة. يمكن، إذن، قراءة الحداثة دائمًا بمضاف إليه مقدر، أي حداثة تقليد معين، مثلًا حداثة التقليد الفرنسي، حداثة التقليد الروسي، حداثة التقليد الياباني، حداثة التقليد الهندي، وما شابه ذلك، وإن كانت هذه الفروق الجينية لا تبلغ أبدًا حدًا تغيب معه الاشتراكات الأساسية والممثلة لنمط الحداثة كليًا عن بعض هذه التجارب الحداثية.
في زماننا هذا، يصوغ بعض المحللين والمراقبين أحيانًا مُثُل التنوير حصرًا في قالب السعي للوصول إلى تقنيات مثل الديمقراطية والنظم والمؤسسات الحقوقية والقانونية لحقوق الإنسان. لكن ينبغي الانتباه إلى أن النظم الحالية لحقوق الإنسان، فضلًا عن الأنماط المُجربة للديمقراطية، ليست سوى تقنيات ذات قيمة أداتية لا ذاتية، ومطلوبيتها نابعة من مطلوبية القيم التي يبدو حاليًا، إجمالًا، أن تطبيق هذه الأدوات السياسية والحقوقية يؤمنها على نحو أيسر وأقل كلفة وأكثر شمولًا. لذلك، لا ينبغي اعتبار التنوير برنامجًا تشكل إقامة الأنظمة الديمقراطية والترتيبات الحقوقية قيمه الغائية. ومن هنا، يضع المتنورون نقد النماذج المتحققة للديمقراطية وحقوق الإنسان على جدول أعمالهم في الوقت نفسه، ويسعون جاهدين كي لا ينتهي الكفاح من أجل التحرر من براثن انغلاقات النظم الجائرة لمجتمع معين إلى الوقوع في شرك انغلاقات بعض النماذج الديمقراطية والنظم الحقوقية. إن هذه المسافة النقدية المزدوجة (إزاء وضع تقليدي معين يمر بمرحلة انتقالية، وإزاء النماذج المتحققة للحداثة) هي التي تضمن الوجه التحرري لبرامج التنوير، وإلا فإن المتنورين، في غياب هذا النقد المتبادل للتقليد والحداثة، يتعرضون بسهولة للتحول إلى إيديولوجيين لا يشعرون بوظيفة سوى نفي الإيديولوجيات الأخرى وإثبات إيديولوجيا بديلة. إيديولوجيون يسلكون كل سبيل لفضح جميع مثالب تقليد معين يمر بمرحلة انتقالية، لكنهم لا يلقون حتى بنظرة عابرة على مثالب تجارب الحداثة؛ والعكس بالطبع.
نقد الدين والتدين، الوجه المشترك بين التنوير الديني والتنوير غير الديني:
التنوير برنامج كلي يمكن أن نجد في إطاره برامج متنوعة. في العديد من المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية، لشجرة برنامج التنوير فرعان رئيسيان مثمران: التنوير الديني والتنوير غير الديني. وكل من هذين الفرعين بدوره يمكن أن تكون له أغصان وأوراق عديدة من التنوعات الداخلية. إن شأن التنوير في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية متشابك مع مسألة السلطة ونقدها. جزء من النقد التحرري الذي يمارسه المتنورون يستهدف الانغلاقات السياسية والثقافية والاجتماعية لمجتمع ما. لكن في مجتمع ذي حكومة دينية، يصبح برنامج التنوير، لهذا السبب بالذات، برنامجًا شديد التسييس يسعى بالطبع أيضًا إلى نقد المعرفة والثقافة الدينية. في مثل هذا المجتمع، يتناول المتنورون، دينيين كانوا أم غير دينيين، نقد الثقافة العامة والسياسية (وأحد أهم وجوهها، أي الثقافة والفكر الديني) من جملة ما يتناولون. لذلك، لا يمكن تمييز التنوير غير الديني عن التنوير الديني بناءً على متعلق نقدهما (أي ما ينقدانه). وبعبارة أخرى، فإن نطاقات الموضوعات المطروحة للبحث والدراسة النقدية لدى كليهما، إن لم تكن متطابقة، فهي على أية حال تتقاطع في معظم الحالات تقاطعًا كبيرًا. ففي بلدنا مثلًا، كان نقد الدين والتدين وكذلك المؤسسة الدينية، قبل الثورة الإسلامية وبعدها، مجالًا من النقد استقطب المتنورين الدينيين وغير الدينيين على حد سواء. فعلى سبيل المثال، بعد الثورة، تناول نقد الدين والتدين و/أو المؤسسة الدينية كل من المتنورين الدينيين، كمهدي بازركان وحبيب الله بيمان وعبد الكريم سروش ومحسن كديور ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان في مرحلته المبكرة، ومفكرين لا يندرجون في زمرة المتنورين الدينيين، كآرامش دوستدار ومصطفى ملكيان في مرحلته المتأخرة ومحمد رضا نيكفر.[20]
لا يمكن سلب نزعة البحث عن الحقيقة من أحد ونسبتها إلى آخر. فالبحث عن الحقيقة على مستوى الدافع والنية يصعب التعرّف عليه؛ أما على مستوى السلوك والفعل فهو رهن بالنقد والفحص اللاحقين لالتزام كلّ واحد منهم بمنهج البحث عن الحقيقة ومراعاته لأساليب النقد والبحث. ولكن حتى بالنظر الموجّه إلى المنهج والأسلوب لا يمكن تمييز المثقفين الدينيين عن غير الدينيين. والمقصود بالالتزام بمنهج البحث عن الحقيقة خصالٌ مثل الانفتاح على النقد، الذي لا يقتصر على مجرد قابلية تقبّل النقد، بل يشمل أيضاً عرض الذات على النقد، والاستعداد لحوار متواضع وصبور وتوّاق لاكتشاف الخطأ وتصحيحه وما شابه ذلك. والمقصود بمراعاة أساليب النقد والبحث هو، إجمالاً، مراعاة الأصول الشكلية والمضمونية للمنهجية والدقّات المنطقية والإبستمولوجية. لا يمكن تمييز المثقفين الدينيين عن غير الدينيين بناءً على أساليب النقد التي يشتغلون بها. فكلّ واحدة من هاتين المجموعتين من المثقفين تستخدم أساليب متنوّعة تكون، في حالات كثيرة، مطابقة أو متداخلة إجمالاً مع الأساليب التي تستخدمها المجموعة الأخرى.
المثقفون الدينيون وغير الدينيين معرّضون بنفس القدر لنبذ أو تبنّي مبادئ ومعايير البحث عن الحقيقة. لا يمكن القبول، مثلاً، بأن المثقفين الدينيين، بحكم انتمائهم الديني، أكثر عرضة للانزلاق عن معايير البحث عن الحقيقة من المثقفين غير الدينيين، إذ يمكن من الجهة المقابلة تقديم ادّعاء مماثل بأن المثقفين غير الدينيين هم أيضاً، بحكم انتمائهم إلى نفي الدين أو انتمائهم إلى أيديولوجيا غير دينية، معرّضون تماماً لنفس القدر من الانزلاق عن معايير البحث عن الحقيقة. في الواقع، ما يهدّد البحث عن الحقيقة ليس هو الانتماء إلى هذا الدين أو تلك الأيديولوجيا غير الدينية. فمن هو الشخص الخالي كلياً من نوع ودرجة من هذه الانتماءات؟ ما يهدّد البحث عن الحقيقة هو عدم الالتزام بمعايير قابلية النقد والشعور بالاستغناء عن عرض آراء المرء على النقد، وكذلك عدم المشاركة البنّاءة في الحوار النقدي في الفضاء العام. في هذا الشأن، لا يمكن اعتبار أيّ من هاتين المجموعتين من المثقفين بالضرورة أكثر هروباً من الحقيقة أو أكثر قبولاً لها من الأخرى.
ثمّة تعريف بديل للمثقفين الدينيين مفاده أن المثقفين الدينيين يفكّرون في التوفيق بين الدين والحداثة، وذلك حصراً في إطار الصلاح الاجتماعي، وأن التدين و/أو الهمّ بتوسيعه والارتقاء به لا يحتلّ بالضرورة موقعاً محورياً ومستقلاً في برنامجهم، في حين أن المثقفين غير الدينيين لا يتطلّعون أساساً إلى إحداث مثل هذا التوفيق، بل هم مشغولون كلياً بالحداثة.[21] برأي الكاتب، هذا التعريف ليس مناسباً، ولا يمكن بناءً عليه التمييز بين برنامج التنوير الديني وبرامجه البديلة والمنافسة. هذا التعريف قابل للنقد في ثلاثة مواضع على الأقل.
أولاً، إنه يضع جزءاً من برنامج التنوير الديني المتعلق بالنقد المتبادل والمتوازن للتراث والحداثة في مقام البرنامج كله، فيرتكب بذلك مغالطة الكنه والوجه؛ ثانياً، يفتقر هذا التعريف إلى الشرط المنطقي لأي تعريف من هذا القبيل، وهو أن يكون مانعاً للأغيار. فهذا التعريف ليس مانعاً للأغيار لأنه يشمل مثلاً سيد جواد طباطبائي ورامين جهانبكلو ومراد فرهادبور وبابك أحمدي وداريوش آشوري وداريوش شايغان وإحسان نراقي، في حين أن أياً منهم لم يعتبر نفسه من التنويريين الدينيين، فبعضهم لا يعترف بوجود التنوير الديني أصلاً، أو يعتبره ممتنعاً مفهوماً ومصداقاً، أو يرى أن زمنه قد ولى، أو يضع حدوداً فاصلة صريحة معه، أو على الأقل لا يُعد أي منهم في عداد التنويريين الدينيين (لا في التصور العام وبين جمهورهم، ولا لدى غيرهم من التنويريين غير الدينيين، ولا لدى التنويريين الدينيين أنفسهم). ثالثاً، يقدم هذا التعريف البديل للتنوير الديني تعريفاً قبلياً لا ينظر إلى الممثلين التاريخيين والحاليين للتنوير الديني. والواقع أن جميع التنويريين الدينيين البارزين، من الرواد أمثال سيد جمال الدين الأسد آبادي ومحمد إقبال اللاهوري إلى يد الله سحابي ومهدي بازركان وعلي شريعتي ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش وحبيب الله بيمان، كانوا جميعاً على نحو جلي يعقدون قلوبهم على التدين أو الإيمان الديني، ولم يقتربوا منه فقط من هذه الزاوية التي تجعله مجرد شيء يتوافق مع الحداثة وفقاً للمصالح الاجتماعية (وضمن حدودها فقط). لقد أبقوا على همّ النجاة والسعادة والخير والتحرر والحقيقة من خلال التدين أو الإيمان الديني، إلى جانب المكونين الآخرين للتنوير الديني (على النحو الذي سيأتي شرحه)، في بؤرة برنامجهم. ومن الرواد التاريخيين لهذا التيار يمكن الإشارة مثلاً إلى محمد إقبال اللاهوري وعلي شريعتي اللذين لم يكونا فقط على تعلق عميق بالدين، بل كانا يريان في إعادة بناء الثقافة الإسلامية في مواجهة الحداثة طريقاً إلى التحرر. وكلام إقبال اللاهوري في هذا المجال صريح جداً في الأغلبية الساحقة من آثاره المنظومة والمنثورة ويسهل العثور عليه، سواء في «تحديث الفكر الديني في الإسلام» [22] أو في دواوين أشعاره، خصوصاً في «أسرار خودي»، و«رموز بيخودي»، و«جاويدنامه»، و«بس چه بايد كرد؟»، و«أرمغان حجاز». [23]
وكمثال أحدث على هذا المنوال، يجدر بنا الانتباه إلى أحاديث وكتابات عبد الكريم سروش الأخيرة، وخصوصاً محاضرته المهمة حول هوية التنوير الديني. وتكمن أهمية هذه المحاضرة خصوصاً في أنه قبلها كان قد تحدث بقدر أقل من هذا الوضوح عن تعهد والتزام التنويريين الدينيين بالحفاظ على الهوية الدينية إلى جانب الحقيقة الدينية. [24] وهو في هذه المحاضرة المهمة يعتبر صراحة التزام التنويريين الدينيين بالهوية الدينية رديفاً وعديلاً لتعهدهم بالمعتقدات والحقيقة الدينية، ويرى هذين العنصرين كمكونين معرّفين للتنوير الديني لا ينفصلان عنه.
«التنوير الديني ينتمي بوجدانه إلى أمرين: أحدهما الهوية الدينية والآخر الحقيقة الدينية. [...] ما أعنيه هو أن التنوير الديني، أولاً، متعلق بتلك النظرة إلى العالم التي قدمها نبي الإسلام، وبذلك الإله والتوحيد الذي علمه إياه، وتلك التجربة التي أورثنا إياها، التجربة التي من خلاله لا نستطيع أن نعرف فحسب، بل أن نرى أن هذا العالم حي بالحياة الإلهية. التنوير الديني متعلق بهذا ويحب أن يشرك الجميع في هذه التجربة كما كان النبي كذلك. [...] قال النبي انظروا إلى الدنيا هكذا، وافهموها هكذا، واعرفوها هكذا. هذه اللغة هي لغة تشكل مادة تعارفهم وتعاطفهم. لا يمكننا أن نتنحى عن مثل هذه المجموعة بسهولة. التنوير الديني متعلق بالهوية أيضاً [...].» [25]
ما هو وجه تمایز التنوير الديني عن التنوير غير الديني؟
ولكن إذا تجاوزنا كل هذا، فماذا يتبقى لنا لنصوغ به التمييز بين المثقفين الدينيين وغير الدينيين؟ تمهيداً، ولكي يتضح السؤال أكثر، ينبغي أن نعود مرة أخرى بإيجاز إلى تحديد ما نعنيه بالمثقف: المثقف هو مشروع تحرري. وهذا التحرر يفسر الوجه السياسي لمشروع المثقف ويكشف في الوقت نفسه عن وجهه الباحث عن الحقيقة. إن نقده للعلاقات غير العادلة للسلطة له أساس أخلاقي وباحث عن الحقيقة، وهو موجه نحو تغيير العلاقات غير العادلة في مجتمع معين. تغيير هذه العلاقات هو الهدف الرئيسي للمثقفين. والتحرر الذي ينشده المثقف رهين بتغيير هذه العلاقات. لكن على المثقف، في طريق تغيير هذه العلاقات، أن يظل ملتزماً بالحقيقة وأخلاقيات البحث عن الحقيقة. أي أن تحرر مشروع المثقف الديني ينبع، من جهة، من انخراط المثقفين المستمر في نقد العلاقات غير العادلة الداعمة والناشئة عن علاقات السلطة القائمة، وتوجيههم هذا النقد في آنٍ واحد إلى التقليد والحداثة وما بعد الحداثة. ومن جهة أخرى، فإن تحرر هذا المشروع يستلزم أن يراعي المثقفون أخلاقيات البحث عن الحقيقة. إذا كان هذا هو الوصف العام للمثقف، فما هي إذن خاصية المثقف الديني؟
إن ما يميز المثقفين الدينيين عن نظرائهم غير الدينيين، أكثر من أي عنصر آخر، هو أن المثقفين الدينيين ليسوا غير مبالين بالبحث عن معنى ديني ومتعالٍ للحياة، والتطلع إلى الخير والسعادة والخلاص عبر الدين أو الإيمان الديني، بل يعتبرون ذلك جزءاً من مشروعهم التنويري أو أحد المبادئ الرئيسية المنظمة له. هذه الحساسية الدينية تستلزم، من جملة ما تستلزم، أخذ الوجه الاجتماعي للوجود التاريخي للتدين على محمل الجد والالتزام النقدي بلوازمه. عندما يكون المجتمع الذي يمر بمرحلة انتقالية، والمخاطب بمشروع تنويري، مجتمعاً يشكل التدين أحد أهم مكونات هويته، ويكون التدين التاريخي المؤسسي متشابكاً مع نسيجه الاجتماعي، فمن الواضح أنه لا يمكن تجاهل الاهتمام بالبحث عن المعنى وتحصيل الخير والسعادة والخلاص عبر الدين أو الإيمان الديني في ذلك المجتمع، أو عدم المبالاة به. إنه اهتمام شكل، عبر التاريخ، ذكريات جمعية كثيرة، وبنى مؤسسات، وتراكمت بناءً عليه رؤوس أموال اجتماعية كثيرة، لدرجة أن أي نوع من الحوار والتفاهم يكاد يكون مستحيلاً بالكلية في أي مجال تقريباً دون الإشارة إلى مكوناته اللغوية والمفاهيمية. لكن تعلق المثقفين الدينيين بالدين ليس لهذا السبب فحسب. إنهم في بحث عن الحقيقة التي تحملها الهوية الدينية، والتي يمكن التعرف عليها عبر الارتقاء النقدي بالهوية الدينية. لذلك، فإن المثقفين الدينيين حساسون تجاه هذه الهوية الدينية وحفظها وتوسيعها والارتقاء النقدي بها، ويعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من مشروعهم التحرري.[26] إن الاهتمام النقدي بالتقليد الديني هو الذي يمنع تحول المثقف الديني إلى أيديولوجيا أو مديح وتقليد، وبهذا الشكل، يجب أن تلقي الأخلاق النقدية للمثقف الديني بظلالها على جوانبه المختلفة وتصونه من التحول إلى مشروع براغماتي محض، وإلا فلن يبقى فرق ذو معنى بين عمل المثقف الديني من جهة، والوجه الدعائي والدفاعي لعمل رجال الدين، وكذلك الاشتغالات السياسية-الأيديولوجية الدينية أو غير الدينية من جهة أخرى.
في الواقع، إذا لم ننتبه، عند تحديد المقصود من التنوير الديني، إلى تأكيد التنويريين الدينيين المُقرّ على الهوية الدينية، وإلى انتمائهم الديني وبحثهم عن معنى ديني-متعالٍ للحياة، وتوخّيهم الخير والسعادة والنجاة عبر الدين أو الإيمان الديني، فإن وصف «ديني» في تركيب «التنوير الديني» لن يكون، على المستوى المفهومي، سوى حشوٍ لا لزوم له، بل ليس حشواً زائداً فحسب، وإنما حشوٌ مُخِلٌّ ومُضِرّ. علاوة على ذلك، إذا نظرنا أيضاً إلى الحضور التاريخي والاجتماعي للتنويريين الدينيين، وسلوكهم الشخصي وبرامجهم الفكرية والسياسية، فإن بحثهم عن المعنى والنجاة والسعادة والخير عبر الدين أو الإيمان الديني كان حاضراً لديهم دوماً، سواء في سلوكهم الشخصي أو في برامجهم الفكرية. إذا حذفنا هذا المكوّن، فإن ما يتبقى من تحديد المقصود من التنوير الديني، على حد تعبير المناطقة، قد يكون جامعاً للأفراد لكنه ليس مانعاً للأغيار. إذا كان ذانك المكوّنان، باصطلاح المناطقة، يعبّران عن جنس التنوير الديني، فإن هذا المكوّن يُحدّد فصله. بعبارة أخرى، بحذف هذا المكوّن من التنوير الديني، والاكتفاء بالمكوّنين الآخرين – أي البحث عن الحقيقة في النقد المتبادل بين التراث والحداثة، والتغيير السياسي – فإن تنويريين مثل داريوش آشوري، ورامين جهانبكلو، وآرامش دوستدار، ومراد فرهادبور، وسيد جواد طباطبائي، ومصطفى ملكيان في مرحلته المتأخرة، ومحمد رضا نيكفر، وكثيرين غيرهم من التنويريين الذين لا يعتبرون أنفسهم تنويريين دينيين (بل إن بعضهم يعدّ التنوير الديني أمراً مستحيلاً) سيدخلون أيضاً تحت عنوان التنوير الديني. وكما مرّ، فإن إضافة هذا القيد بأن موضوع ومتعلَّق البحث النقدي والتنويري لدى التنويريين الدينيين هو الدين والتدين، لا يُسهم بأدنى قدر في رفع هذا النقص، لأن موضوع ومتعلَّق بحوث التنويريين غير الدينيين هو الدين والتدين أيضاً.
في الوقت نفسه، يجب التأكيد على أن رجوع التنويريين إلى الدين وهواجسهم الدينية يقترن دوماً بنهجٍ نقدي. فعليهم بالضرورة أن يأخذوا الأدوار الاجتماعية والنفسية للتدين ووجهه الهوياتي مأخذ الجد، وألا يغفلوا عن الوجه الشعائري-الطقسي للتدين بوصفه ذخيرة من تقنيات الازدهار الروحي والمعنوي وتخفيف الآلام والمعاناة، وإلا فلن يختلف برنامجهم بشكل ذي معنى عن برنامج التنويريين غير الدينيين.
(٢)
صعوبات برنامج التنوير الديني
من الواضح أنه في أي تحليل لبرنامج التنوير الديني، يجب أن توضع المكوّنات الثلاثة المكوّنة له جنباً إلى جنب. إن القوة التحريرية لبرنامج التنوير الديني تستلزم تحقيق التوازن بين هذه المكوّنات الثلاثة في معادلة التنوير الديني: التغيير السياسي، والبحث عن الحقيقة، والتدين. لا ينبغي اختزال التغيير السياسي إلى أشد معانيه سطحية، أي إلى تغيير نظام سياسي مثلاً. فالتغيير السياسي في طبقاته الأعمق، كما استدلّ على ذلك العديد من الفلاسفة السياسيين ومنهم نانسي فريزر، يقوم على الأقل على تغييرين صعبين ومتزامنين ومتساوقين في علاقات القوة: أحدهما تغيير العلاقات التي تُبقي الاقتصاد في قبضة أرباب السلطة السياسية، والآخر تغيير العلاقات المنافية للعدالة والحماية الاجتماعية والتوزيع العادل للإمكانات. يُظهر تاريخ الفلسفة السياسية والتغييرات السياسية في الغرب كم كان إحداث التوازن بين هذين المسارين من التغيير معقداً وصعباً، ولا يزال طريقاً مفتوحاً وعقدةً لم تُحل وسبيلاً لم يكتمل. هاتان عمليتان تُقوّمان التغيير السياسي، والتغيير السياسي ليس سوى واحد من المكوّنات الثلاثة لبرنامج التنوير الديني. يمكن اعتبار هاتين العمليتين، على الترتيب، معادلتين لعمليتين مناظرتين في برامج التنوير في المجتمعات المسلمة المعاصرة: الأولى، إضفاء التوازن على نسبة الحرية والعدالة، والثانية، تحقيق التوازن بين نسبة الحق والتكليف. لا ينبغي للتنوير الديني أن يفكر في هاتين العمليتين والتوازن بينهما بوصفهما مكوّنين مقوّمين للتغيير السياسي فحسب، بل يجب عليه أيضاً أن يجعلهما متساوقين مع المكوّنين الآخرين لبرنامج التنوير الديني، أي البحث عن الحقيقة والتدين.
تشهد وقائع تاريخ التنوير الديني في العالم الإسلامي بأن إقامة التوازن بين هذه المكونات الثلاثة لم تكن قط مهمة يسيرة أو مطلباً رخيصاً، بل إنها تزداد صعوبة يوماً بعد يوم لأسباب شتى. وكان أحد الصدوع النشطة في هذا السياق دوماً مصدراً لتوترات واسعة النطاق بين النزوع إلى الحقيقة والالتزام الديني في برنامج التنوير الديني. ويمكن تحديد الصدع الآخر من خلال التوترات الكثيرة والمستمرة بين النزوع إلى الحقيقة والتطلع إلى التغيير السياسي. كان السؤال المحوري في كتاب «أخلاق التنوير الديني» هو: كيف يمكن إقامة التوازن والتعادل بين المكونات الثلاثة للدور التحرري للتنوير الديني؟ إن المقترحين اللذين قدمتهما في «أخلاق التنوير الديني»، وسأعرض لهما هنا بمزيد من التفصيل، يتعلقان تحديداً بهذين الصدعين والتوترات الناشئة عنهما.
أ. البحث عن الحقيقة ونقد التدين
يمكن العثور على مثال للتوترات الناشئة عن الصدع الأول في النقد الذي يُوجه، من موقع التنوير الديني (وبهدف تنقية التدين من الخطأ والمغالاة والخرافة)، إلى أصالة ووثاقة وحجية وسلامة جملة من المعارف والمعتقدات والآداب والمناسك الدينية. ويمكن اعتبار هذه الانتقادات نقداً راديكالياً نابعاً من النزوع إلى الحقيقة. تُطرح هذه الانتقادات تارة بعمق علمي وتارة بسطحية عامية. وبصرف النظر عن قوة وضعف ما نُشر من نقد في هذا المجال حتى الآن، فلنفترض مؤقتاً أنه يمكن تقديم نقد قوي يُثبت أن قسماً من المعارف والمعتقدات الدينية لدى عموم الشيعة هي معارف ومعتقدات لا أصل لها ولا نسب، وهي خاطئة ومغالية وخرافية بالكلية. إضافة إلى ذلك، لنفترض أنه يمكن في الوقت نفسه تقديم نقد قوي يُظهر أن المعتقدات الراسخة على نطاق واسع حول كيفية دور التدين في انتشار العنف السياسي والاجتماعي واحتوائه وتبريره، والتي يتبناها كثير من الناس وجماعة من نخبنا، هي معتقدات خاطئة بالكلية. والآن، لنتصور مثقفاً دينياً وجد نفسه في وضع خاص يقتضي منه أن يتحدث ويكتب لجمهوره حول واحدة فقط من هاتين الحقيقتين. السؤال هو: هل يمكن العثور على معايير يستند إليها المثقف الديني في ترتيب أولويات طرح بعض الحقائق على حساب حقائق أخرى، بحيث يميز مثلاً أي حقيقة يدفع طرحها ببرنامجه التحرري قدماً في تلك الظروف المعينة، وأي حقيقة أخرى لا ترتبط، على الأقل، إلا ارتباطاً ضئيلاً ببرنامجه التحرري ولا تسهم كثيراً في تقدم هذا البرنامج؟ في غياب مثل هذا المعيار، لا يملك المثقف الديني الذي نتحدث عنه في الوضع الافتراضي أعلاه إلا أن يطرح إحدى الحقيقتين بالقرعة، أو أن يرجح إحداهما على الأخرى تحكماً.
أما إذا كانت هناك استدلالات يمكنها، في الوضع الافتراضي أعلاه، أن تساعد مثقفاً دينياً على ترتيب أولويات طرح الحقائق التي يريد مشاركتها مع جمهوره، فإن مثل هذه المعايير ذاتها يمكن أن تفيده في أي موقف آخر لترتيب أولويات الحقائق التي يريد طرحها. لا يعتقد الكاتب أن هذه المعايير جاهزة ومُعدّة مسبقاً. لكن اقتراح هذه المقالة هو أن إيلاء عناية أكثر جدية وأكبر لنظريات التغيير السياسي والاجتماعي حول آليات التحول في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية والمشابهة لمجتمعنا (مثل تركيا) يمكن أن يكون مفيداً جداً هنا. فعلى سبيل المثال، كان من بين إنجازات مجموعة من الأجيال المتأخرة لنظريات التغيير السياسي والاجتماعي أن الفرضية المقبولة حول أسبقية التغييرات الثقافية (ومنها إزالة الخرافات) على التغييرات السياسية قد تم نقضها، وحلت محلها فرضية أخرى مفادها أن درجة التحول الديمقراطي وانفتاح القدرة على قبول حقوق الإنسان في العقود الأخيرة لا تظهر ارتباطاً ذا دلالة بدرجة التدين أو كون التدين خرافياً في مجتمع معين.[27] وبالنظر إلى إنجاز كهذا، لا يبقى ثمة أولوية لنقد كثير من الخرافات الدينية بالنسبة للمثقفين الدينيين وحتى غير الدينيين. هذا الحكم لا يعني بالطبع تجويز التمسك بالخرافات من أي نوع كانت، دينية أو غير دينية. فالخرافة شعبة من الجهل. ليس المغزى على الإطلاق أنه ينبغي المصادقة على الخرافات أو معاملتها بنفس الطريقة التي نعامل بها المعارف غير الخرافية. المغزى هنا هو أنه في برنامج التنوير الديني، عندما تُولى أركانه الثلاثة عناية متزامنة، ينبغي تقديم معايير يمكن بالاستناد إليها ترتيب أولويات موضوعات البرنامج النقدي للتنوير الديني. ترتيب الأولويات هذا هو إحدى استراتيجيات رفع التعارض بين مقتضيات أركان هذا البرنامج الثلاثة. المغزى هو أنه إذا كان لبعض الانتقادات، وفقاً لهذه المعايير، قيمة تحريرية أكبر، وكان لبعضها الآخر قيمة أقل، فيمكن/وينبغي تقديم الفئة الأولى على الفئة الثانية.
وكما هو واضح، فإن هذا الاقتراح في هذا المجال هو اقتراح تنظيمي أولاً وليس محتوى، وهو مشروط ثانياً. هذا الاقتراح تنظيمي، أي أن معناه ليس أنه ينبغي عدم طرح هذا الكلام أو ذاك لأنه خاطئ أو واهٍ أو يبدد إيمان المؤمنين وأمانهم، أو لأنه نقد راديكالي. بل المدعى هو أن مثل هذه الانتقادات، مقارنة بانتقادات أخرى يمكن طرحها، لا تساعد كثيراً، حتى في أقوى أشكالها، برنامج التنوير الديني في كليته (المكونة من ثلاثة عناصر). علاوة على ذلك، هذا الاقتراح مشروط، أي أنه يُطرح بافتراض هذا الشرط مسبقاً وهو أن مثل هذه الانتقادات تستلزم أولاً تديناً نخبوياً لا يصلح للعمل التنويري في المجال العام، وثانياً أن العديد من الدراسات التجريبية والمقارنة قد دحضت الادعاء بأن مثل هذه الانتقادات يمكنها أن تقدم مساعدة ذات دلالة للتغيير السياسي والاجتماعي في المجتمعات الانتقالية المتأخرة، وإن كانت قد تنطوي على فوائد أخرى كثيرة. أما إذا تم دحض نتائج هذه الدراسات الداحضة نفسها بدراسات أخرى، وأمكن إحياء الفرضية ذاتها مجدداً بشكل معقول، والتي تقول مصادفة إن القوة التحريرية للتنوير الديني تتوقف، أكثر ومن قبل طرح أي نقد آخر، على إعطاء الأولوية لنقد الخرافات الدينية، فحينئذ، ينبغي بالطبع وبلا تردد متابعة هذا المسار ذاته بقوة أكبر من ذي قبل.
من ناحية أخرى، لعل التوق إلى الحقيقة يُعَدّ مفسِّراً لإعطاء الأولوية لهذه الانتقادات. لكن ينبغي الانتباه إلى أن التوق إلى الحقيقة في حد ذاته لا يقول شيئاً عن ترتيب الأولويات وأهمية الموضوعات الخاضعة للنقد. ومن ناحية أخرى، فإن التدين المدروس والمُنزَّه عن الخرافة، والتدين الذي يُفضي إلى تجارب روحية وِصالية (التدين المعرفي والتدين التجربي، بتعبير عبد الكريم سروش) كان دوماً تديناً نخبوياً يخص الخواص أو خاصَّة الخواص. أي أنه بالنسبة لمشروع التنوير الديني، وهو مشروع في المجال العام وليس مشروعاً نخبوياً، لا توجد أيضاً أية أولوية لأن يستهدف تديناً شديد النخبوية ويتجاهل الوظائف العامة للتدين بوصفه جزءاً من الثقافة والهوية، وأن يشرع، من ذلك الموقف النخبوي نفسه، في نقد التدين الثقافي والهوياتي لجمهور المتدينين. لا يتعارض هذا القول مع متابعة دراسة نقدية للدين يكون جمهورها نسبة ضئيلة جداً من النخب الفكرية في المجتمع. إن دراسة نقدية للدين من هذا القبيل هي بالطبع مباركة جداً دوماً لجماعة صغيرة جداً من النخب، ويمكن أن تحمل لهم متعة علمية وفائدة روحية معاً. المغزى هو أنه يصعب اعتبار دراسة نقدية للدين من هذا النوع جزءاً ذا أولوية ذات معنى في برنامج التنوير الديني في المجتمع الإيراني، لأنها، في الوقت الذي تكون فيه نقداً صعباً وشاقاً، فإن حاصلها قلما يخدم أهداف التنوير الديني في المجال العام.
النقطة المهمة التي ينبغي الانتباه إليها هنا هي أن معتقدات عامة الناس ناشئة، من جملة ما تنشأ عنه، من منظومات الدعاية والتعليم الرسمية وغير الرسمية التي عادة ما تدفعهم، بأساليب غير نقدية وعبر استهداف نفوس المخاطَبين، إلى تبنّي طائفة من المعتقدات. وبصرف النظر عن هذا، فإن عموم اعتقادات عامة الناس تخضع لعلل غير معرفية، ولم تأتِ باستدلال كي تزول باستدلال. وكما يقول رومان رولان:
«إن فقدان الإيمان، شأنه شأن الإيمان نفسه، غالباً ما يشبه نبعاً حانياً يتفجر أو وميضاً مفاجئاً. العقل لا شأن له هنا: يكفي أقل مناسبة — كلمة، أو صمت، أو قرع جرس. المرء يمشي، غارقاً في أحلامه، لا يترقب شيئاً. وفجأة، ينقلب عالمه رأساً على عقب. كل ما حوله خراب. إنه وحيد. لم يعد يؤمن بشيء.»[28]
هذا وصف، إلى حد كبير، لأحوال إيمان كثير من الناس وانعدام إيمانهم، هذا إن لم يكونوا قد تركوا كل شيء للعرف والعادة والتقليد. وبهذا، فإن أهم مجموعة مستهدَفة للمباحث النقدية التي يطرحها المتنورون الدينيون حول التدين هم النخب، الذين يكون قسم منهم بالطبع، في مجتمع ذي حكومة دينية، نخباً دينية في السلطة. أما عامة الناس فلا طاقة لهم ولا رغبة ولا فرصة ولا زاد ولا قدرة على المباحثات النقدية. وبالنسبة للنخب في السلطة، فعادة لم يعد ثمة آذان صاغية لهذا النوع من الانتقادات. ينبغي للمتنورين الدينيين أن يوجهوا انتقاداتهم في باب الدين والتدين، بكل صراحة وجدية، إلى تلك الفئة من النخب الحوزوية والجامعية التي لا تزال تحتفظ باستعدادها للنقاش النقدي حول الدين وشؤونه. ومخاطبة هذه النخب تستلزم أيضاً طرح هذه المباحث بمستوى علمي بحثي. وفي الوقت نفسه، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية ترتيب الأولويات بين الموضوعات التي ينبغي أن تخضع للبحث النقدي في إطار برنامج التنوير الديني.
كما يمكن القول أليست سمة المثقفين الدينيين هي بالتحديد حساسيتهم إزاء البحث عن المعنى والخير والسعادة والخلاص عبر الدين أو الإيمان الديني، بحيث لا يكتفون بعدم اللامبالاة إزاء هذا البحث، بل يعتبرونه جزءاً من برنامجهم التنويري أو مبدأه التنظيمي؛ وإذا كان الأمر كذلك، فعليهم إذن أن يوجهوا همتهم إلى تنقية الدين من الخرافات وإزالة الأفكار والمعتقدات المخالفة والمتجاوزة والتي لا أصل لها ولا سند، كي يرتقوا بتدين المؤمنين، بتعبير عبد الكريم سروش، من مستوى التدين العامي القائم على التفكير المعيشي، بل وحتى العالِم منه، إلى مستوى التدين القائم على التفكير المعرفي والتجربي. ويمكن القول في الرد إنه من الواضح أن حساسية التنوير الديني إزاء البحث عن المعنى والخير والسعادة والخلاص عبر الدين أو الإيمان الديني لا تختزل بمجرد النقد النخبوي لمحتوى المعتقدات الدينية لعموم المتدينين. علاوة على ذلك، لا يُمارَس أي من مستويات التدين الثلاثة هذه، بوصفها أنماطاً مثالية، في عالم التدين بشكل خالص، وعادة ما يمارس المتدينون مزيجاً بدرجات متفاوتة من كل نوع من أنواع التدين الثلاثة هذه. وبهذا، لا يمكن الحديث إلا عن رفع أو خفض كثافة هذا المستوى أو ذاك من التدين في حياة المتدينين. كما أن أياً من فضائل البحث عن المعنى والخير والسعادة والخلاص الأربع ليست حكراً على المتدينين ذوي النزعة التجربية أو المعرفية. فالمؤسسون الأوائل للتدين الإسلامي، وحتى العرفاء أنفسهم وكثير من الفلاسفة المسلمين، لم يكن لديهم مثل هذا التوجه والنظرة إزاء التدين العامي للعوام، ولم يكونوا يرون بالضرورة أن حياتهم غريبة عن الخلاص والسعادة والخير والمعنى.
كل واحد منا يعرف على الأرجح نماذج من متدينين لا تحمل أدنى أثر من التجارب العرفانية أو التوغلات الفلسفية في مجال التدين، لكنهم طهروا أرواحهم من الدنس، وهم أعفاء طاهرون متحررون، ولهم قلوب كالمرآة صفاءً، على نحو ما وصفه الخاقاني الشرواني في هذه الأبيات:
إن أردت لقلبك أن يصير كالمرآة
فأخرج من صدرك عشرة أشياء
الحرص والخديعة والبخل والحرام والغيبة
والحقد والحسد والكبر والرياء والضغينة
في المقابل، قد يعرف كل واحد منا أحياناً أشخاصاً يظن الناس فيهم و/أو يظنون هم في أنفسهم أنهم ذوو إشراقات باطنية و/أو سلوك عقلاني نقدي باحث عن الحقيقة، لكن لهيب كل أو بعض هذه المصائب والرذائل يتأجج من بعض سلوكياتهم وأقوالهم وأفعالهم. وكما يقول عبد الكريم سروش،
«علينا أن نفكر في ثمرة التدين ونتيجته، ألا وهي العيش الأخلاقي والسلوك الأخلاقي. ما الفائدة أن يمتلئ ذهن المرء بنكات جدلية وكلامية، لكنه لا يستطيع عملياً أن يجني ثمارها فيصير إنساناً واجداً للكمالات الإنسانية؟ هذه نقطة إذا نسيها المرء، فقد أضاع جوهر التدين وخسره.»[29]
من الصعب اختزال قضية البحث عن المعنى والخير والسعادة والخلاص عبر الدين أو الإيمان الديني إلى مجرد تطبيق مناهج أو نظريات العرفان النظري أو الفلسفي في فهم ونقد التدين العرفي والثقافي و/أو التاريخي. وكما يقول مولانا جلال الدين محمد البلخي،
صرت شيخاً في حل العقد
فعد نفسك حالاً لعقد أخرى
عد نفسك حال العقد أيها المنتهي
فالعقدة الصعبة على كيس فارغ
×××
العقدة التي على حلقنا صعبة
لتعلم أأنت خسيس أم سعيد الحظ
حل هذا الإشكال إن كنت آدمياً
أنفق أنفاسك في هذا إن كنت من بني آدم
علاوة على ذلك، لو كان برنامج التنوير الديني يقتصر على هذا الوجه الوحيد، لما نشأت أساساً مشكلة التعارض بين أدواره. فالمشكلة، كما مر، هي كيفية التوفيق بين هذا الدور والأدوار الأخرى لدفع برنامج تحرري إلى الأمام.
ب. التغيير السياسي والبحث عن الحقيقة
نفس القول الذي أوردناه في الفقرة (أ) حول إمكانية وضرورة ترتيب أولويات أجندة التنوير الديني، يمكن طرحه هنا أيضاً بشأن العلاقة بين البحث عن الحقيقة والتغيير السياسي. لكن هنا، بالإضافة إلى الحاجة إلى عناية تليق بمكتسبات العلوم الإنسانية والاجتماعية التجريبية، ينبغي أيضاً معالجة اختلال التماثل المعرفي الراهن لهذا البرنامج. [30] برنامج التنوير الديني هو برنامج إذا ما جردناه من النقد المتوازن والمتبادل للتراث والحداثة، يمكن أن يصبح عرضة للتفكك الذاتي بسهولة، لأنه في هذه الحالة يتحول إلى نوع من الأيديولوجيا والدوغمائية بحيث يصبح عمله إما نفي الحداثة وغض الطرف عن انغلاقات التراث، أو العكس، وفي كلتا الحالتين لا يبقى فيه أثر للتحرر.
التيار الرئيسي لانتقادات المثقفين العلمانيين يتجه بكامله نحو ماضي التدين والحكومة الدينية وحاضرهما. على الأقل، عندما نقارن هذا النوع من النقد بالنقد الذي يوجهه المثقفون الدينيون للتكنولوجيات السياسية والاجتماعية الحديثة وكذلك للعلمانية، يظهر بوضوح نوع من اختلال التماثل المعرفي. فعلى سبيل المثال، التأكيد على تاريخية حقوق الإنسان والديمقراطية وبيان لوازم تاريخيتهما ينبغي أن يحظى بنفس القدر من العناية في برنامج التنوير الديني الذي أولاه المثقفون الدينيون لتاريخية تشكل المعتقدات الدينية. وفي هذا المجال، يُلاحظ اختلال تماثل حاد. وكأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية خالية من التاريخ، وأن التدين وحده هو الذي نسيجه من التاريخ والجغرافيا. من الواضح أن هذا قصور فرضه فضاء الفعل غير المتماثل في البلاد على المثقفين الدينيين. ففي إيران ما بعد الثورة، انهالت الشتائم من الصباح حتى المساء على الحداثة وتكنولوجياتها، لكن لم يكن هناك من يكشف انغلاقات التراث. إن رفع هذا القصور هو عمل قام به المثقفون الدينيون وغير الدينيين على حد سواء بصراحة وشجاعة، خصوصاً بعد الثورة، وهم بالطبع يدفعون ثمناً باهظاً لذلك. لكن الآن، وقد لم يعد فضاء الفعل ولا نطاق المخاطبين محصوراً في حدود إيران، الآن وقد اشتدت أسئلة المرحلة الانتقالية وتتجه الأنظار إلى المستقبل، الآن وقد هاجر المثقفون الدينيون عموماً، سواء عن إكراه أو رغبة، الآن ولم تعد حدود الدولة-الأمة التقليدية قادرة على سد الطريق أمام تغلغل الأمواج العالمية للحداثة، أمواج هي، كما يقول حافظ، خيالية و«تسري ليلاً» وكلما سُدّ عليها طريق «أتت من طريق آخر»، لقد آن الأوان الآن لأن يتجاوز أفق نقد التنوير الديني حدود الاقتضاءات المحلية والوطنية، ويشارك في الخطابات العالمية لنقد الحداثة، ونقد الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية. فعلى سبيل المثال، نقد علاقات السلطة والمجتمع من منظور ما بعد العلمانية قد لاقى اليوم رواجاً وازدهاراً كبيراً في الجامعات وبين مثقفي الفضاء العام في الغرب، لكن مكانه خالٍ تماماً بين مثقفينا الدينيين وغير الدينيين. أترك شرح هذا المعنى بمزيد من التفصيل لمقال مستقل.
برنامج التنوير الديني في إيران يمكنه أن يتعلم الكثير في هذا الصدد من بعض نظرائه في المنطقة، وخصوصاً في تركيا. يبدو أن التنوير الديني في إيران، لكي يتابع برنامجه التحرري، مضطر إلى أن يخطو في مجالات جديدة، مجالات قلما سلكها حتى الآن.
.
.
[1] أود أن أتقدم بالشكر للأصدقاء والزملاء الذين شاركوني آراءهم حول النسخ الأولية لهذه المقالة، وأعانوني بنقدهم واقتراحاتهم على تطوير الشكل الحالي للمقال. علي بايا وعلي فنائي قدما نقداً واقتراحات قيّمة جداً بشكل مفصل ومشروح في هوامش التحريرات الأولى لهذه المقالة، وقد استفدت منها كثيراً في الارتقاء بالنص. محسن كديور وحسن يوسفي أشكوري شاركوني آراءهما المهمة حول موضوع ومحتوى هذا النص بشكل مكتوب، وقد استفدت منها. استفدت من الحواشي القيّمة لداريوش محمد بور وياسر ميردامادي لكي أعبر عن مقصدي بشكل أوضح في بعض الحالات المهمة. كما قرأ سيد صادق حقيقت وسيد علي مير موسوي وسروش دباغ التحريرات الأولية للمقال وتحاوروا معي بشأنها. هذه الحوارات المفيدة كانت مؤثرة أيضاً في تطوير هذه المقالة إلى شكلها الحالي. أشكرهم جميعاً جزيل الشكر. ومع ذلك، فإن مسؤولية شكل ومحتوى هذا النص الحالي تقع بالكامل على عاتق الكاتب.
[2] باحث في مركز أبحاث الفنون والأدب والعلوم الاجتماعية والإنسانية (CRASSH)، جامعة كامبريدج.
[3] استلهمت هذا التعبير من جملة وردت في المصدر التالي:
ترجمة الجملة الأصلية هي: «الحقيقة صامتة وهادئة، والخطأ صاخب ومثير للضجيج؛ الحقيقة نبيلة وصبورة، والخطأ مكتفٍ بذاته ومعجب بها؛ الحقيقة متواضعة وبلا ادعاء، والخطأ عنيد وعدواني؛ الحقيقة محتشمة وحيية، والخطأ متهور ومتبجح.»
هذا الكتاب متاح بنصه الكامل وعلى الإنترنت عبر العديد من المواقع الإلكترونية.
[4] S. Freud, “The Future of an Illusion,” (Internationaler Psychoanalytischer Verlag, 1927), Complete Psychological Works of S. Freud, James Strachey (ed. and trans.), London, Hogarth Press, 1961, Vol. XXI pp. 53.
[5] محمد مهدي مجاهدي، «أخلاقيات التنوير الديني»، 12 شهريور 1390
[6] في هذه المقالة، كما في «أخلاقيات التنوير الديني»، ننظر إلى التاريخ الفكري للتنوير الديني بوصفه برنامجاً فكرياً-سياسياً كلياً كما تجسد تاريخياً واجتماعياً، ونتخذ مصطلح التنوير الديني عنواناً إشارياً للدلالة على هذا البرنامج الفكري-السياسي الذي لم يظهر إلى الساحة ويتبلور ويتشكل أولاً باسمه، بل بقضاياه، وخصائصه الوظيفية، وأساليبه، وصعوباته وتعقيداته، وما شابه ذلك، أي بخصائصه المعرفية والسياسية والسوسيولوجية والتاريخية، ثم نشب النزاع حول تسميته. وبهذا، فإننا لا نقترب هنا من دراسة هذه الظاهرة الفكرية-السياسية بأساليب التحليل اللغوي. فهذه الأساليب اللغوية لا تستطيع النفاذ إلى الواقع السياسي والاجتماعي، ويمكنها أن تدير إلى الأبد دورة مكتفية بذاتها ومغلقة من المفاهيم دون أن تصطدم بأي واقع خارجي.
من هنا، فإن هذه المقالة، مثل «أخلاقيات التنوير الديني»، متحررة ومستقلة عن الخلافات التسميوية حول ماذا نسمي هذا البرنامج الفكري-السياسي. إن مسألة ما إذا كان إسناد التدين إلى التنوير يخلق تركيباً متناقض الأجزاء أم لا، ليست نقاشاً يمكن حسمه على مستوى تحليل الألفاظ والمصطلحات. بالطبع، يمكن إيجاد تناقضات في جميع البرامج الفكرية-السياسية الجزئية أو الكلية تقريباً، سواء كانت تناقضات داخلية — مثلاً داخل و/أو بين قيمها وأهدافها — أم تناقضات خارجية — مثلاً بين قيمها وأهدافها من جهة ونتائجها من جهة أخرى. لكن فحص هذه التناقضات يستلزم النظر إلى تلك البرامج نفسها كما تجسدت خارجياً، أي نقد وتحليل منتجاتها الفكرية والثقافية، وهو ما سعينا إلى إنجازه بخصوص برنامج التنوير الديني في هاتين المقالتين. وهذا ليس عملاً يمكن أن ينتج عن التحليلات اللغوية وجمع وطرح المصطلحات والعناوين. لذلك، إذا كان بعض القراء المحترمين يفضلون تعابير بديلة مثل الاستنارة الدينية أو الفكر الديني الجديد وما شابه ذلك على تعبير التنوير الديني، فيمكنهم في كامل هاتين المقالتين أن يستبدلوا التعبير الذي يفضلونه بالتنوير الديني، وليكونوا على يقين من أنهم سيجدون مباحث هاتين المقالتين مستقلة عن تغيير هذه التعابير واستبدالها.
[7] Nancy Fraser
[8] Emancipation
[9] Self-determination
[10] Independence
[11] تجدر الإشارة إلى أن نانسي فريزر في مرحلتها المبكرة، حتى عام ٢٠١٠ تقريبًا، لم تكن تُدخل التحرر في صميم فلسفتها السياسية، ولم تكن تضعه في مرتبة مساوية للمكونين الآخرين لنظريتها في العدالة - أي التحرر من هيمنة السلطة السياسية على الاقتصاد، وحماية العدالة الاجتماعية وضمانها. ومنذ ذلك الحين، ومع إدراكها لقصور هذين المحورين، أضافت تدريجيًا هذا المحور الثالث، أي التحرر، إلى برنامجها الفكري حول العدالة والأخلاق في مجال السياسة والمجتمع. تقدم فريزر في أحد أعمالها الأخيرة، وهو ثمرة حوار فكري مع أمريتا تشاتشي، شرحًا واضحًا وافيًا لمسار تطور نظريتها في العدالة انطلاقًا من اهتمامها الأخير بالتحرر:
Amrita Chhachhi, “Nancy Fraser,” Development and Change, January 2011, 42(1): 297–314.
[12] للأسف، في الترجمات الفارسية، استُخدم مصطلح «رهاییبخشی» كمقابل لكل من liberation و emancipation. فعلى سبيل المثال، تُرجمت «liberation theology» إلى «الهیات رهاییبخش». والقارئ الفطن يدرك قطعًا أن هذين المصطلحين للتحرر لا يجمعهما سوى الاشتراك اللفظي. ومن ناحية أخرى، تحدث هابرماس في مرحلته المبكرة عن المعرفة التحررية. والتحرر المقصود في هذه المقالة غريب عما يُعرف بالتحرر في الأدبيات الهابرماسية.
[13] Recognition
[14] Epistemological asymmetry
[15] Self-creation
[16] Self-fulfilment
[17] Self-realisation
[18] Autonomy
[19] أحد أكثر الأسئلة محورية التي تتناولها نظريات القطيعة والاتصال بين التقاليد والحداثات هي العلاقة بين العقلانية/العقلانيات التقليدية والعقلانية/العقلانيات الحديثة. يتحدث عبد الكريم سروش في إحدى أحدث محاضراته، مستشهدًا بموقف ما بعد حداثي، عن عقلانيات مختلفة ومتنوعة لا تتلاءم بالضرورة مع بعضها البعض. ويرى أنه قد يكون ضرب من التدين، على سبيل المثال، غير عقلاني في أحد هذه الأنساق، لكنه عقلاني تمامًا في نسق عقلاني آخر. ومع وجود اختلافات كبيرة في الأسس المعرفية، يمكن تلمس حجج ذات نتائج مماثلة في آراء فلاسفة دين نظرية المعرفة المُصلَحة (Reformed Epistemology)، مثل نيكولاس ولترستورف وألفين بلانتينغا. يمكنكم الاطلاع على كلام عبد الكريم سروش هذا، خاصة في الدقائق الأخيرة من محاضرته، هنا:
Abdolkarim Soroush, “Muslims and Secular Liberal Democracy,” Conference: Islamic Newthinking - In Honor of Nasr Abu Zayd, Essen, Kulturwissenschaftliches Institut, 28th June, 2011, http://www.kulturwissenschaften.de/home/islamicnewthinking.html.
[20] للاطلاع على بعض وجهات النظر الأخرى في هذا المجال، يمكنكم مراجعة المصادر التالية على سبيل المثال:
-مائدة مستديرة حول الفكر الديني الجديد بمشاركة سروش دباغ وعطا هودشتيان، برنامج «بركر»، تلفزيون بي بي سي الفارسي،
http://www.bbc.co.uk/persian/world/2011/09/110901_ptv_pargar_68.shtml
-سروش دباغ، التنوير الديني وماء اللحم المعدني؟!
http://soroushdabagh.com/pdf/163.pdf
-عطا هودشتيان، التنوير الديني، استمرار لنقاش برنامج «بركر» في بي بي سي، النشرة الإخبارية غويا،
http://news.gooya.com/politics/archives/2011/09/127926.php
[21] هذا تقريري لموقف بديل في تعريف التنوير الديني، كان ياسر ميردامادي قد طرحه عليّ بعد قراءة المسودة الأولى لهذه المقالة.
[22] Mohammad Iqbal, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, Kazi Publications, 1999.
يحتوي هذا الكتاب على النص المنقح لسبع محاضرات ألقاها محمد إقبال اللاهوري عام ١٩٢٨. للاطلاع على الكتاب، يمكنكم من بين عناوين أخرى، زيارة هذا الرابط:
http://www.allamaiqbal.com/works/prose/english/reconstruction/
[23] للعثور على النص الكامل والقابل للبحث لدواوين أشعاره، يمكنكم من بين مصادر أخرى الرجوع إلى هذا العنوان:
http://ganjoor.net/iqbal/
[24] كما أوضحت في مقالة «أخلاق التنوير الديني»، فإن آراء عبد الكريم سروش في هذا المجال قد شهدت قبضاً وبسطاً كبيرين. كنت قد أشرت إلى هذه التغيرات في أحد هوامش تلك المقالة، ونظراً لمناسبتها التامة لهذه المقالة، أعيد نشر تلك الملاحظة هنا:
التمييز بين إسلام الحقيقة وإسلام الهوية هو تمييز اقترحه عبد الكريم سروش في أعماله (على سبيل المثال، راجع صياغته الأولى لهذا التمييز في محاضرته المسماة «إسلام الحقيقة، إسلام الهوية» بتاريخ 1 آبان 1376). كان هذا التمييز لديه حتى وقت قريب يحمل دلالة واضحة على تفضيل الحقيقة الدينية على الهوية الدينية، ويضع التنوير الديني في مصاف أنصار الحقيقة الدينية، وكان يعدّ هذا مقوّماً للتنوير. بعد حوالي 9 سنوات من تلك المحاضرة، يؤكد في مقابلة بتاريخ 25 مرداد 1385: «المثقف الديني يهتم بالحقيقة الدينية أكثر مما يهتم بالهوية الدينية. الهوية هي لرجال الدين. إسلام المثقفين الدينيين هو إسلام الحقيقة. والهوية فرع عليه. على المثقف الديني قبل كل شيء أن يهتم بالإيمان، والتجربة الدينية، والتفسيرات الدينية المختلفة، وتوفير الإمكانية العملية لهذه الأمور.» لكن في هذه المقابلة نفسها، تظهر بوادر تردد إزاء هذا التفريق والحكم: «برأيي، يمكن افتراض طريق ثالث وتحقيقه عملياً، وهو التوازن بين الوجهين الحقيقتي والهووي للدين. إذا اختل هذا التوازن، فإننا نصل إما إلى الأصولية وإما إلى التصوف الذي هو نوع من تغليب الحقيقة على الهوية.» (التأكيد ليس من النص)
(http://www.drsoroush.com/Persian/Interviews/P-INT-13850525-Mosahebeh.html)
لقد أصبحت بوادر التردد هذه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن أكثر وضوحاً وبروزاً، حتى أنه في إحدى آخر محاضراته بتاريخ 8 تيرماه 1390، مع تأكيده البليغ على أهمية الهوية الدينية والأوجه الهووية للتدين، اعتبر الاهتمام بالهوية الدينية أحد المقومات المعرّفة للتنوير الديني، و«عرّف المثقفين الدينيين بأنهم مفكرون لديهم انتماء ديني، أي أن قلوبهم معلقة بحقيقة الدين وهويته، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا من رجال الدين»
(http://www.drsoroush.com/Persian/By_DrSoroush/P-NWS-13900418-
GoftemaneHoghoogheBasharDarAndisheDini.html).
يمكن أن يكون مسار التحول هذا في آرائه علامة على أنه حتى عنده، فإن ذلك التمييز ودلالته المعيارية قد أخذت تتلاشى تدريجياً.
[25] للاطلاع على مصدر هذا الاقتباس ونقل أكثر تفصيلاً عنه في هذا المعنى، راجع الملاحظة رقم 26 من هذه المقالة نفسها.
[26] آراء عبد الكريم سروش الأخيرة في هذا المجال صريحة وواضحة ومستنيرة للغاية. راجع: عبد الكريم سروش، المثقف الديني؛ المشروع غير المكتمل، ندای آزادی، الأربعاء، 9 شهريور 1390، http://nedayeazadi.org/reports_cur.php?id=510. يصرح في هذا الشأن:
«المثقفون الدينيون هم أشخاص لديهم اهتمام ديني، أي أن قلوبهم معلقة بالهوية الدينية ومعلقة أيضاً بالحقيقة الدينية. [...] المرحوم السيد شريعتي، والمرحوم السيد بازركان، والمرحوم إقبال اللاهوري، والسيد جمال، وكثير من الشخصيات الكبيرة والصغيرة التي كانت لدينا في تاريخنا في إيران أو في العالم الإسلامي والعالم العربي. هؤلاء كانوا أشخاصاً لم يكن تعلقهم بالدين، وطهارتهم، وتقواهم، ومعارفهم، وأدوارهم أقل بأي حال من رجال الدين. [...] هناك فئة موجودة [أي المثقفون الدينيون] لا يرتزقون من الدين ولكن لديهم تعلق ديني قوي [...] التنوير الديني يتعلق بأمرين: أحدهما الهوية الدينية والآخر الحقيقة الدينية [...].
لم يقتصر همّ نبي الإسلام على تعليم مجموعة من الحقائق، بل أراد أن يخلق هوية جديدة في العالم. أراد أن يؤسس كياناً، حزباً، أمة جديدة تختلف عن الآخرين. كانت هذه المسألة أيضاً من جملة أهدافه. أي أنه سعى إلى تأسيس ثقافة وحضارة، وتربية من يكونون خدّاماً لهذه الثقافة، وأن يميّز نفسه عن الثقافات الأخرى. لا أعني بالضرورة أن يعاديها، بل أن يكون متميزاً عنها [...]. في الأحكام الدينية، لا تقتصر المسألة على أننا نسعى وراء حقيقة فحسب، بل إننا نولي همّتنا أيضاً لخلق هوية، ونحترم الحفاظ على تلك الهوية واستمرارها ونلتزم بذلك. هذا ما فعله النبي بنفسه، وطلب من أتباعه أن يواصلوا هذا العمل [...].
لقد امتطت هذه الهوية تلك الحقيقة، أي أنها انبثقت من صميم تلك الحقيقة وتحولت إلى حقيقة تاريخية بحيث لا يمكن إنكارها على الإطلاق. ... نحن متعلقون بلغتنا لأننا أولاً وُلدنا في هذه اللغة. كل ملذاتنا مرتبطة بهذه اللغة، مثلاً الشعر الذي نقرؤه ونستمتع به، النكتة التي نتبادلها ونستمتع بها، حين نستمع إلى خطابات بعضنا البعض وأحاديثهم، الكتب التي نقرؤها، حين نقرأ حافظ وسعدي ونظامي. أيمكننا أصلاً أن نتصور للحظة أننا نستطيع التفكير أو عيش حياة فردية أو اجتماعية بدون هذه اللغة؟ لقد تغلغلت هذه اللغة في نسيج وجودنا حتى غدت غير قابلة للانفصال. الدين بعد فترة يتحول لأمةٍ ما إلى لغة وثقافة لا يمكنها فهم العالم بدونهما. هذه المسألة بالغة الأهمية. حتى شيوعيونا كانوا يطلقون على قتلاهم لفظ شهيد. ربما لم يكونوا راضين أبداً عن استخدام هذه الكلمة، لكن هذه الكلمة اكتسبت في النهاية معنىً يجبرنا، ولو على مضض، على استخدامها لنتمكن من إظهار قداسة موتٍ ما [...].
افهموا كلامي جيداً حين أقول إن التنوير الديني متعلق بالهوية الدينية وبالحقيقة الدينية على حد سواء. ما أعنيه هو أن التنوير الديني، أولاً، متعلق بتلك النظرة إلى العالم التي قدّمها نبي الإسلام، وبذلك الإله والتوحيد الذي علّمه، وتلك التجربة التي أورثنا إياها، التجربة التي من خلاله لا نستطيع أن نعرف فحسب، بل أن نرى أن هذا العالم حيّ بالحياة الإلهية. التنوير الديني متعلق بهذا ويحب أن يُشرك الجميع في هذه التجربة، كما كان النبي كذلك [...].
قال النبي: انظروا إلى الدنيا هكذا، وافهموها هكذا، واعرفوها هكذا. هذه اللغة هي لغة تعارف وتعاطف بين هؤلاء. لا يمكننا أن نتنحى عن مجموعة كهذه بسهولة. التنوير الديني متعلق بالهوية أيضاً [...].
إن ديانةً ما تشبه لغةً ما. لا يمكنك أن تقول إنه بسبب وجود بعض الكلمات السيئة في لغة ما، فإننا سنقوم بحذف تلك اللغة ومعاداتها. هل يمكن أصلاً بناء أي لغة من جديد؟ لا يمكن ذلك على الإطلاق. عليك أن تستخدم هذه اللغة نفسها، وفي صميم هذه اللغة تحقق مقاصدك، وإن كان فيها موضع نقص أو ضيق تسعى إلى دفعه. الآن أرى في مجتمعنا، بسبب ظهور حكومة إسلامية أو مسمّاة بالإسلامية وارتكابها كل تلك الفظائع وجعلها الحجاج وصدام يبيضّ وجههما، أن جماعةً رأوا الحل في أن يديروا ظهورهم لهذه الحقيقة وهذه الهوية. كلا هذين الأمرين فيه إشكال [...].
هذه الثقافة الدينية التي منحتنا وآباءنا وأجدادنا هويةً، لا يمكن محوها بأي تدبير، وليس ذلك ضرورياً أيضاً. [...] فالعداوة والنزاع وإثارة البغضاء والتحقير ليست أعمالاً صائبة على الإطلاق. الآن، في خارج البلاد، لا تقوم مواقع كثيرة بالنقد الديني، بل تثير الكراهية المعادية للدين، وتحقر المتدينين، وتعتبرهم أدنى شأناً من الناحية العقلية. إنهم يلسعون المسلمين ويتسببون لهم بأذى نفسي وروحي. هذه الأعمال ليست مسؤولة على الإطلاق. لا الآن ونحن في مواجهة حكومة جائرة، بل إنها ليست صائبة في أي وقت. إذا كنا نسيء استغلال بيئة الحرية التي نوجد فيها هنا على هذا النحو، فليس معلوماً ماذا سنفعل غداً حينما تتحقق هذه الحرية، إن شاء الله، في بلدنا. علينا أن نظهر أننا نحسن استخدام الحرية. نستطيع أن نثير المحبة. نستطيع أن نقيم حواراً. لا أن نمارس البغضاء والتحقير وإشعال الفتن. هذا، مع الأسف، ألمٌ موجود ولا بد من قوله حتماً.»
[...] الفرق بين المثقف الديني والمثقف غير الديني هو أن المثقف الديني يقبل أصل الدين، أصل تلك الرؤية التي علمها النبي، لكنه لا يستسيغ ولا يتحمل تلوثه بالخرافات. لذا فهو ينقيه ويصفيه. أما المثقفون المعادون للدين فيعتبرون أصل الدين خرافة، لا أنهم يقولون إن له أصلاً نظيفاً قد تلوث. إنهم يقولون إن الدين خرافة وملوث وغير طاهر من الأساس. أنا ومن هم على فكري لا نعتقد هذا الرأي.»
[27] للاطلاع على هذين الكتابين:
Pippa Norris and Ronald Inglehart, Sacred and Secular: Religion and Politics Worldwide, Cambridge University Press, 2004.
Ronald Inglehart and Christian Welzel, Modernization, cultural change, and democracy: The Human Development Sequence, Cambridge University Press, 2005.
[28] Romain Rolland, Jeane Christophe, Kessinger Publishing, (1912) 2004, Vol. 1, p. 213.
[29] عبد الكريم سروش، محاضرة بعنوان العشق مثل الله، لندن، 17 اسفند 1385
[30] من الأمثلة على هذه الانتقادات النادرة، ذلك التأكيد الذي يظهر في بعض آثار عبد الكريم سروش المتأخرة على ضرورة إقامة توازن بين الحق والتكليف، بدلاً من التأكيد على أسبقية أحدهما على الآخر.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.