اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا تقتضي أخلاق الوسطاء سلوكاً واحداً مع الصديق والعدو، غير أن العدل مع الأعداء ضرورة. وكفّ الظلم هو أصل هذه الأخلاق؛ ولتمييزه ينبغي قهر الغضب ووضع النفس موضع العدو.

إنَّ بُغضَ الأعداءِ ومعاداتَهم من الحقائقِ المُرَّةِ وغيرِ السارَّةِ في الحياةِ الإنسانيَّة. وإذا تجاوَزنا القدِّيسين، فإنَّ توقُّعَ أن ينظرَ النَّاسُ إلى الصَّديقِ والعدوِّ بعينٍ واحدة، وأن يُعامِلوهما بالطَّريقةِ نفسِها، وأن يتجنَّبوا مقابلةَ المِثلِ بالمِثل، ليس توقُّعًا واقعيًّا؛ أي إنَّ هذا السُّلوكَ خارجٌ عن وُسعِ المُعتدِلين، ولذلك لا تشمَلُه الأوامرُ والنَّواهي والأخلاقيَّاتُ النَّاظِرةُ إلى سلوكِ المُعتدِلين. أي إنَّ أخلاقَ المُعتدِلين لا تطلُبُ منَّا أن نُعامِلَ الصَّديقَ والعدوَّ على حدٍّ سواء، وألَّا يكونَ لوُدِّ الآخرينَ وعدائِهم أيُّ دورٍ أو تأثيرٍ في كيفيَّةِ سلوكِنا وردَّةِ فعلِنا تُجاهَهم.
ومع ذلك، فإنَّ أخلاقَ المُعتدِلين تطلُبُ منَّا أن نُراعيَ، في سلوكِنا مع الأعداء، قِيَمًا وأوامرَ ونواهيَ أخلاقيَّةً خاصَّة. فمع أنَّه يُمكنُ التَّعاملُ مع الأصدقاءِ والأعداءِ بشكلٍ مُختلف، إلَّا أنَّ هُناك حدًّا أدنى من القِيَمِ الأخلاقيَّةِ الَّتي تُعَدُّ مُراعاتُها ضروريَّةً ولازمةً في كلِّ حالٍ وتحت أيِّ ظرف، سواءٌ أكان ذلك في العلاقةِ مع الصَّديقِ أم في العلاقةِ مع العدوّ. وبعبارةٍ أُخرى، فإنَّ الصَّداقةَ والعداءَ يختلِفان فقط في الأخلاقِ القُصوى، ولكنَّ مُقتضى الأخلاقِ الدُّنيا واحدٌ تُجاهَ هذينِ المَقامَينِ والمَوقِفَين.
وربَّما أمكنَ الادِّعاءُ بأنَّ المبدأَ الأوَّلَ والأساسيَّ في أخلاقيَّاتِ العداوة هو مبدأُ العدلِ والإنصافِ ووُجوبِ التَّعاملِ بالعدلِ مع الأعداءِ والسُّلوكِ معهم بالقسط، وأنَّ سائرَ مبادئ هذه الأخلاقِ تعودُ بشكلٍ ما إلى هذا المبدأِ نفسِه وتُستنتَجُ منه. وبعبارةٍ أُخرى، الظُّلمُ سيِّئ، حتَّى لو كان بحقِّ العدوّ. أي إنَّهُ في سياقِ تحديدِ ما إذا كان سلوكٌ مُعيَّنٌ عادلًا أم ظالمًا، فإنَّ الصَّداقةَ والعداءَ ليستا من المُعامِلاتِ ذاتِ الصِّلةِ أخلاقيًّا، ولا ينبغي أن تُؤثِّرا في حُكمِنا وتقديرِنا الأخلاقيِّ وأن تُغيِّرا الحُكمَ الأخلاقيَّ للفِعل. وهذا المبدأُ الأخلاقيُّ مُقبَلٌ في الدِّينِ أيضًا. فمَثلًا، ورَدَ في القُرآن: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا» (المائدة: 8)، أي لا ينبغي أن يَحمِلَكُم بُغضُ قومٍ على الخُروجِ عن جادَّةِ الإنصافِ والعَدل.
صحيحٌ أنَّ بعضَ القِيَمِ الأخلاقيَّةِ تابعةٌ للمَقام، وأنَّ أدبَ مَقامِ الصَّداقةِ يختلِفُ عن أدبِ مَقامِ العداوة، ولكنَّ هذا الاختلافَ يتعلَّقُ بقِيَمِ الأخلاقِ القُصوى، لا بقِيَمِ الأخلاقِ الدُّنيا أو الأخلاقِ القائمةِ على العدل. وإذا نظَرنا من منظارِ هذه الأخلاق، فلا فرقَ بين هذينِ المَقامَين، وعلينا في كلِّ حالٍ أن نُراعيَ العدل. وبالطَّبع، فإنَّ الأخلاقَ القُصوى نفسَها ذاتُ مراتبَ مُتعدِّدة، وفي بعضِ مراتبِها يكونُ العَفوُ عن العدوِّ أرجَحَ من الانتقامِ منه. كما يقولُ الإمامُ عليٌّ عليه السَّلامُ في نهجِ البلاغة: العَفوُ عن العدوِّ شُكرُ نِعمةِ الظَّفَرِ به.
لا بأسَ من توضيحِ هذه النُّقطةِ بالاستعانةِ بالتَّعبيراتِ الرَّائجةِ في أخلاقِنا التَّقليديَّة. ففي أخلاقِنا التَّقليديَّة، يُعَدُّ الغضبُ والشَّهوةُ وتغلُّبُهما على العقلِ منشأَ السُّلوكيَّاتِ غيرِ السَّويَّةِ أخلاقيًّا، وغايةُ الأخلاقِ الدُّنيا هي أن يتمكَّنَ الإنسانُ، بالتَّمرينِ والمُراقبةِ ومُجاهدةِ النَّفس، من السَّيطرةِ على غضبِه وشهوتِه، أي أن يُخضِعَ هذَينِ الأمرَينِ لضَبطِ عقلِه وسَيطَرتِه، وألَّا يُطاوعَهما إلَّا في إطارِ حُكمِ العقلِ الَّذي هو عينُ الحُكمِ الأخلاقيّ. إنَّ إقامةَ العدلِ في وُجودِ المَرءِ لا تتحقَّقُ إلَّا من خلالِ ضَبطِ العواطفِ والمشاعرِ وتسليمِ زِمامِها إلى العقل. وبالطَّبع، فالأخلاقُ لا تطلُبُ منَّا كَبتَ عواطفِنا ومشاعِرِنا. ما تطلُبُهُ الأخلاقُ منَّا هو ألَّا «ننتهِكَ» القِيَمَ الأخلاقيَّة (1) في مَقامِ إظهارِ عواطفِنا ومشاعِرِنا (الغضبِ والسَّخط)، و(2) في مَقامِ اتِّخاذِ القرار، و(3) في مَقامِ السُّلوك (= اتِّباعِ العواطفِ والمشاعر).
بعبارة أخرى، إن اتباع الشهوة والغضب خارج هذا الإطار لا ينسجم مع الهوية الإنسانية للإنسان، وينبع من تغلب الهوية الحيوانية على الهوية الإنسانية. والإنسان الأخلاقي هو من ربّى هويته الحيوانية، وروّض وألجم وحشه الداخلي، وكبح جماح سبعيته وضراوته. لذا، فإن إشباع الغضب والشهوة خارج الحدود الأخلاقية يدل على غفلة ومرض روحي وتغلب الهوية الحيوانية على الهوية الإنسانية فينا. ونحن، إذا ظلمنا عدوّنا، نكون قد انحططنا، على الأقل في لحظة الفعل، من مقام الإنسانية إلى مقام الحيوانية، وبعنا إنسانيتنا بثمن بخس. ومن يظلم عدوه، يظلم نفسه في الوقت ذاته، ويبتعد بهذا الفعل عن الله والكمال والروحانية، أي أنه بهذه الطريقة لا يضر عدوه فحسب، بل يضر نفسه أيضًا.
والسؤال الذي ينبغي أن نتأمله هنا هو: كيف يمكن تشخيص أن قولاً أو فعلاً معينًا تجاه شخص معين (وهو العدو هنا) يعد ظالمًا؟ إن تشخيص أمر كهذا صعب، لأن الغضب والشهوة عندما يغليان في كياننا، فإن العاصفة والإعصار اللذين يثوران في أرواحنا يعميان أبصارنا، ويعطلان عقولنا، ويكفّان بصيرتنا الأخلاقية. إن آلية تأثير الغضب والشهوة في قراراتنا وأفعالنا تتخذ شكل نوع من «خداع الذات» (self-deception). أي أن العواطف والمشاعر تجعلنا في البداية نتوهم أن ما هو سيئ وخاطئ حقًا هو حسن وصواب، ويصبح هذا الوهم الخاطئ أساسًا لقرارنا وفعلنا.
لذا، نحن بحاجة إلى منهج أو معيار يمكننا بمساعدته من تقليل تأثير الغضب والشهوة في أحكامنا وقراراتنا، ومنع خداع الذات قدر الإمكان. أي أنه يجب أولاً تحرير العقل من أسر الغضب والشهوة حتى يمكن الوثوق بحكمه وتمييزه وتشخيصه. وهذا العمل صعب حقًا، ويتطلب شجاعة وحرية كبيرتين، لأنه مصداق واضح لجهاد النفس، ولهذا السبب قال النبي الأكرم (ص): «أشجع الناس من غلب هواه»، (مجموعة ورام / 2 / 26).
على أية حال، اكتشف الفلاسفة ومعلمو الأخلاق وابتكروا طرقًا متنوعة يمكن من خلالها تجنب الخطأ في التشخيص والحكم الأخلاقي وتأثير الغضب والشهوة في الحكم واتخاذ القرار الأخلاقي، أو على الأقل تقليل هذه الأخطاء. وسأشير هنا بإيجاز إلى بعضها.
إحدى هذه الطرق هي أن نرى ما إذا كان حكمنا سيتغير لو تبادلنا المواقع مع عدونا. أي لو كنا مكان ذلك الشخص وكان هو مكاننا، هل كنا لنحب أن يُعاملَنا أحد بهذه الطريقة؟ إذا تغير حكمنا في هذا الفرض، فهذا يدل على أن ذلك الحكم لم يكن أخلاقيًا، أو أن حكمنا الأخلاقي لم يكن صحيحًا. وبتعبير كانط، فإن الشرط الصوري للحكم الأخلاقي الصحيح، أو أساسًا شرط كون الحكم أخلاقيًا، هو أن يكون ذلك الحكم «قابلاً للتعميم».
وهذا المعيار هو تعبير آخر عن كلام الإمام علي (ع)، الذي تكرر في مواضع عدة من نهج البلاغة. ففي رسالة كتبها ذلك الإمام الهمام إلى الإمام الحسن (ع) ورد فيها: «يا بني، اجعل نفسك ميزانًا بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها. ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك. واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس لنفسك بما ترضاه لهم من نفسك. ولا تقل ما لا تعلم، وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك» (نهج البلاغة، الرسالة 31؛ مع الاستفادة من ترجمة الدكتور شهيدي، (طهران: شركة انتشارات علمي وفرهنكي، 1380)).
طريقة أخرى هي أن نحاول أن نضع أنفسنا في «الوضع الأصلي» (original position) وننظر إلى القضية من منظور محايد، أي من وجهة نظر شخص ثالث ومراقب مثالي، ثم نحكم بيننا وبين عدوّنا. هذا العمل وإن كان صعباً، إلا أنه على كل حال شرط لاعتبار الحكم الأخلاقي وصحته.
على كل حال، يمكن تلخيص بعض مقتضيات مبدأ العدالة فيما يتعلق بالأعداء على النحو التالي:
(1) في التعامل مع العدو، لا ينبغي أن نُظهره أسوأ وأشد سواداً مما هو عليه. هذا العمل، بالإضافة إلى كونه ظلماً له، هو تحريف للحقيقة ومصداق للكذب وخداع الآخرين أيضاً.
(2) ممارسة العنف وترويجه وبذر بذور الحقد والعداء وإغلاق طرق السلام والمصالحة، هي أمور سيئة أخلاقياً حتى في العلاقة مع الأعداء. والعنف لا يقتصر على العنف «الجسدي» و«السلوكي» فحسب، بل إن العنف «اللفظي» و«القلمي» سيئ وغير مشروع من الناحية الأخلاقية أيضاً. وعلى أولئك الذين يعارضون ممارسة العنف أن ينتبهوا إلى أن العنف اللفظي والقلمي هو نوع من العنف أيضاً. مع أن النقد المسند والمنصف لآراء الآخرين وعقائدهم وسلوكهم لا يُعد مصداقاً لممارسة العنف، سواء أكانت تلك الآراء والعقائد دينية أم غير دينية.
(3) من الناحية الأخلاقية، الغاية لا تبرر الوسيلة حتى في العلاقة مع الأعداء. بمعنى أنه لا يمكن، من أجل التغلب على العدو وهزيمته، استخدام أدوات ووسائل غير مشروعة أخلاقياً. ومثل هذا العمل يثير الدهشة خاصة إذا صدر عن أشخاص يعارضون الماركسية والشيوعية، لأن «الغاية تبرر الوسيلة» تُعتبر إحدى التعاليم الماركسية. التغلب على العدو باستخدام أية وس曾ة كان غير جائز، ومن يسعى للتغلب على أعدائه الخارجيين باستخدام أدوات غير مشروعة أخلاقياً، يكون قد هُزم مسبقاً من قِبل عدوه الداخلي. أي أن انتهاك القيم الأخلاقية في التعامل مع الأعداء الخارجيين يعني في الواقع خدمة العدو الداخلي وتقويته. ولا ينبغي لنا، من أجل إرضاء عدونا الداخلي، أن نظلم أعداءنا الخارجيين.
(4) وأخيراً، إن ترويج ثقافة العنف والتعامل الظالم مع الأعداء في مجتمعنا سيبعدنا عن الديمقراطية والمجتمع المدني. لنتذكر أن الطريق الوحيد للوصول إلى الديمقراطية هو ممارسة الديمقراطية، وممارسة الديمقراطية تعني مراعاة الضوابط الأخلاقية في التعامل مع مخالفي الديمقراطية وأعدائها. وكما قال المرحوم بازركان: «الحرية ليست شيئاً يُعطى ولا شيئاً يؤخذ، بل هي شيء يُتعلم».
لنتذكر أن الصداقة والعداوة قد تعملان كرذائل معرفية فتحولان دون معرفة الحقيقة أو الاعتراف بها، أو تؤديان إلى تحريف الحقيقة. لننتبه ألا ندمر، من أجل تحطيم عدونا، أشياء كبيرة وقيمة. إذا هزمنا عدونا وفضحناه باستخدام طرق وأساليب غير أخلاقية، فسنكون نحن الخاسرين الرئيسيين، لا ذلك العدو، كما يقول الإمام علي عليه السلام: «الغالب بالشر مغلوب» (نهج البلاغة: الكلمة القصار 372)، أي «من ينتصر عن طريق الشر فهو في الحقيقة مهزوم».
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.