اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تتطلب مواجهة الإرهاب تأملاً أخلاقياً؛ فالفعل الإرهابي قبيح في ذاته، ولا ينبغي للحكم عليه أن يكون تابعاً لهوية الضحية أو الجاني. الرد على الإرهاب ليس إرهاباً، ولا يجوز للدولة أن تتخلى عن احتكارها لاستعمال القوة لصالح المواطنين.

لقد حدّقت بنا هوّة الإرهاب الجديد، بوقاحة، وجهاً لوجه، من أقرب مسافة ممكنة، نحن الإيرانيين. كنا منذ فترة، في زوايا منطقة الشرق الأوسط، نحدّق وجهاً لوجه في ظل هوّة الإرهاب الجديد. لا حاجة بنا إلى مراجعة نيتشه وفهمه للتهديد والكارثة لنُدرك أن التفكير في أخلاقيات مواجهة الإرهاب ليس أمراً فانتازياً ولأوقات الفراغ؛ كما أن رؤية المضمون السياسي العميق الكامن في كارثة بلاسكو لم تكن/ ليست تأملاً مزاجياً؛ وكما أن فهم معنى ودلالة المنع السياسي العميق لبثّ دعاء "ربّنا" قبل الإفطار، وكذلك نقد التبريرات التي ساقها عضو هيئة الإشراف على الإذاعة والتلفزيون لهذا المنع، ليس/ لم يكن تذوقاً نابعاً من اهتمامات جمالية محضة.
الآن، نحن الإيرانيين، نحسّ بقبح الإرهاب الجديد الآدمي الخالي من الردع وبفظاظته في بؤرة أمن إيران، أي في قلب الديمقراطية وفي رمز تأسيس النظام (أي مرقد الإمام). ينبغي أن نرتقي بإحساس كل هذا القبح والتهديد والخطر من المستوى الجمالي إلى مستوى التأمل النقدي السياسي والأخلاقي، لكي نتعلم شيئاً من هذه التجربة الباهظة، التي تحققت على حساب أرواح غالية لبعض مواطنينا وتصدّع الخزف الرقيق للإحساس بالأمن العام، لكي لا يذهب الثمن الذي دفعناه قسراً هباءً منثوراً.
هذا الحدث الإرهابي فريد من بعض الجهات، لكنه كأي حدث إرهابي آخر، مروّع. في المواقف المروّعة كمواجهة التهديدات الإرهابية، ثمة فرصة سانحة لإعادة التقييم الأخلاقي. فيما يتعلق بتفاصيل هذا الحدث وكلياته والعبرة الأمنية-السياسية المستخلصة منه، ينبغي انتظار الأخبار والمعلومات والمعطيات الرسمية والمنقّحة.
لكن لاستخلاص عبرة أخلاقية-سياسية من هذا الحدث، يمكن أن نسأل:
١. ما هي الأخلاق العامة الحاكمة على مواجهة الإرهاب؟
٢. ماذا يمكن أن نتعلم من هذا الحدث الخاص؟
هذه الكتابة تتناول فقط السؤال العام الأول.
فيما يخص الأخلاق العامة الحاكمة على مواجهة الإرهاب، يمكن طرح عدة نقاط، خاصة من حيث إنها عادة ما تُغفل في دوّامات وقرارات البعض منا في مواجهة الإرهاب.
١.١. الفعل الإرهابي هو في حد ذاته أقبح وأخطر فعل سياسي. إن مقدار الأهمية التي نوليها له وجديّتنا في تناوله يجب ألا يكون تابعاً لعدد المصابين أو شدة الانفجارات أو عدد الرصاصات المطلقة أو طول مدة العملية. هذا العدد والشدة، سواء كان قليلاً أم كثيراً، يجب ألا يؤثر، في ميزان الحكم الأخلاقي، تأثيراً مستصغراً أو متساهلاً على الوزن والقيمة التي نضفيها على الحدث الإرهابي.
٢.١. صداقتنا وعداوتنا مع الجناة أو الضحايا والمصابين، وكذلك جنسيتهم وعرقهم وجنسهم وعمرهم ودينهم وعقيدتهم وتوجههم السياسي ومستواهم الاقتصادي ومنزلتهم وطبقتهم الاجتماعية (سواء كانوا إرهابيين أم ضحايا) يجب ألا تؤثر على حكمنا بشأن حدث إرهابي. الإرهاب، من أي شخص وضد أي شخص، هو دوماً فعل خاطئ أخلاقياً.
٣.١. من النقطتين أعلاه، وبضميمة بعض المقدمات الواضحة، يمكن أن نستنتج أن الإرهاب لا يُواجه بالإرهاب. الإرهاب يستمد قوته وروحه من الإرهاب. إن هيمنة منطق الإرهاب هي الهدف الرئيسي، بل هي كل حكمة الإرهاب. المواجهة الإرهابية للإرهاب، كاللجوء مثلاً إلى أنواع الثأر العرقي والقبلي، هي كمحاولة إطفاء النار بإضافة المزيد من الوقود والأكسجين إلى الحريق.
٤.١. الإرهاب في وحدة وطنية، في الواقع، يتحدى أحادية السيادة. معنى أحادية السيادة هو أن السيادة وحدها هي التي تستطيع إعلان حالة الطوارئ، وأن تجلس كالسلطان في موقع الاحتكار لممارسة القوة والعنف، وتدّعي أنه هنا والآن وحتى إشعار آخر، كل ما يفعله السلطان حلو، أي أن السيادة غير مقيدة بالقانون، بل القانون هو ما تفعله السيادة. أما الإرهاب فيجعل الوضع طارئاً ويفرض إرادته فوق قانون الحاكم، هنا والآن.
ينشط فخ الإرهاب عندما تمنح السلطة، مقابل هذا التهديد والخطر، مجالاً وتصريحاً لانشقاق السيادة؛ كيف؟ من جملة ذلك، سحب المرجعية والمسؤولية من مؤسسات الحكم وإعطاء تصريح للمواطنين بأن يطلقوا النار بأنفسهم إذا رأوا ذلك ضرورياً في أوضاع خاصة، أو أن يتصرفوا بأي طريقة يرونها مناسبة.
١.٥. الخوف من الإرهاب يجعله أكثر جرأة وخطرُه أشد جديّة. هناك خوف هو شرط العقل والحزم والتدبير. ولكن هناك خوفاً منشؤه سوء التقدير في قياس قدرة الإرهابيين. فالإرهابيون غالباً ما يكون نطاق قوتهم وعملهم وتخطيطهم محدوداً للغاية.
١.٦. الإرهابيون ليسوا ببشاعة الإرهاب. ينبغي التمييز بين بشاعة الفعل وبشاعة الفاعل. الإرهابيون ليسوا بالضرورة أشخاصاً متوحشين آكلي لحوم البشر. لنتذكر، كما تقول حنة آرنت، أن الشر مبتذل. ليس من الضرورة أن يكون المجرم أو الإرهابي أحطَّ بني البشر وأشرَّهم حتى يقتل أشخاصاً غير مقاتلين وعزلاً، بزرع القنابل أو إطلاق الرصاص العشوائي أو باستخدام السلاح الأبيض أو أدوات أخرى، خارج ساحة المعركة في الأماكن العامة أو الخاصة، وذلك بغرض الإرهاب وبث الرعب والخوف في قلوب العامة والخاصة. وإن كان من المسلّم به أخلاقياً أن الإرهابيين قد أخطأوا في تشخيص أسلوب النضال وتحديد الهوية، وهو بالطبع أسوأ خطأ ممكن بين الأفعال السياسية.
١.٧. أظهرت الدراسات أن نسبة المصابين باضطرابات الشخصية بين الإرهابيين أعلى من متوسط الإصابة بتلك الاضطرابات نفسها في مجتمعهم المرجعي. كثيرون منهم قد تعرضوا لغسيل الدماغ. كثيرون منهم يعتقدون حقاً أن استخدام أي وسيلة، ولو كانت شديدة البشاعة وإجرامية، للوصول إلى غرض نبيل وهدف منشود هو أمر مبرر. وبهذا المعنى، فإن معظمهم "طوباويون" بالمعنى المتطرف والمرضي للكلمة. لكن أياً من هذه السمات بمفردها، أو حتى كل هذه السمات مجتمعة، لا تصنع دائماً إرهابياً عملياتياً. ما يصنع الإرهابي إرهابياً، إضافة إلى هذه الشروط، هو شرط آخر في غيابه لا يمكن لأي تركيبة من تلك الشروط المذكورة آنفاً أن تخلق إرهابياً بمفردها. ذلك الشرط الآخر هو مجموعة من المواقف والأوضاع السياسية والاجتماعية المضطربة، ولا سيما غياب أنواع العدالة. هذه النقطة ينبغي شرحها في مجال مستقل.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.