اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الثورات تجرف الفاعلين معها؛ إنها العواقب غير المخططة لأفعال مخططة. هي كالنوبة القلبية، غير متوقعة لكن يمكن الوقاية منها. أما الإصلاح فهو تعزيز القدرة على حل المشكلات لتفادي طغيان الثورة.

كتبت قبل فترة مذكرة بعنوان "«الثورة بوصفها حدثاً: تأمل في سؤال «مكتسبات الثورة»". أرسل إليّ عدد من الأصدقاء، مشكورين، نقدهم وآراءهم حول تلك الكتابة. ومن بينهم طرح الدكتور سيد علي ميرموسوي، رئيس كلية العلوم السياسية في جامعة مفيد، أسئلة نقدية شكلت أرضية لمزيد من الشرح لما كنت قد كتبته في تلك المذكرة الأولى. ومع شكري له وللأصدقاء الآخرين الذين تبادلوا معي أسئلة مشابهة، أنشر هنا تلك الأسئلة وإجاباتي عنها للاستفادة أكثر من نقد الأصدقاء وآرائهم. إن نشر هذه الأسئلة والأجوبة هو ثمرة توصية الدكتور ميرموسوي؛ وأتوجه بجزيل الشكر إليه وإلى الأصدقاء الآخرين الذين هيّأوا، بطرحهم هذه الأسئلة وأسئلة مشابهة، الأرضية لطرح ونشر هذا التتمة.
الأسئلة: ◽️ السؤال الأول: ما هو دور عنصر الإرادة في الثورة؟ ◽️ السؤال الثاني: كيف تكون الثورة قابلة للوقاية مع كونها غير قابلة للتنبؤ؟ ◽️ السؤال الثالث: ما معنى تقدم الإصلاح على الثورة في ظل حتمية الثورة وعدم قابليتها للتنبؤ؟
الأجوبة: ◾️ فيما يتعلق بدور «الفاعلية النشطة» أو ما يُعرف بـ agency وكذلك دور الإرادة في الأحداث، يبدو لي أنه يمكن الرجوع إلى تقسيم إرنستو لاكلاو لـ«المطالب». إن متابعة المطالب من منظوره هي في الواقع منصة حضور وبروز وتفعيل الفاعليات والإرادات. يقترح لاكلاو، بعد مقدمات، أنه يمكن اعتبار «المطلب» وحدة السياسة، ثم يميز بين نوعين من «المطلب»: المطالب الخاصة (الديمقراطية) والمطالب العامة (الجماهيرية).
هذه المطالب العامة الجماهيرية هي في الواقع إشارة إلى أي نوع من المطالب التي تستطيع، رغم غموضها، أن تفتح مظلة شاملة للمطالب الخاصة للمجموعات المختلفة (مطالب شديدة التنوع بل ومتضاربة)، وتجمع كل المجموعات المطالبية في مكان واحد وتضاعف قواها. إن الحركات الشعبية والحركات الثورية تصبح في الواقع أهم ساحات بروز مثل هذه الفاعليات والإرادات التي تتسم بخاصيتين:
أولاً، على المستوى الفردي والتمايز الهوياتي مع المجموعات الصغرى المشاركة في الحركة، يجري نوع من التوهم بمتابعة المطلب الخاص؛ ثانياً، على مستوى الفعل الثوري الجمعي، يدور الفعل الحركي في الواقع حول محور مطالب عامة قابلة للتأويل وغير متعينة وهلامية، صار كل واحد حسب ظنه صديقاً لها. ولهذا السبب تحديداً، يكون لدى الفاعلين الحركيين والثوريين خلافات لا يمكن حسمها حول ما إذا كانت الحركة قد حققت نتائجها أم لا، وهل انتهت أم لا، وهل فشلت أم لا، وكذلك حول من هم أنصار الحركة وأصدقاؤها ومن هم أعداؤها في كل مرحلة.
وبهذا، صحيح أن كل فاعل على حدة في أي حركة ثورية يظهر فاعلية ويتوهم أنه في طليعة متابعة المطالب، لكنهم في أي مرحلة ينظرون فيها إلى الوراء، يرون أن مسار الأحداث كان ذا صلة ضئيلة بمطالبهم وتوجههم المنشود. تماماً كالسباح الذي يسبح في تيار جارف. إنه يظهر أقصى حدود سباحته وفاعليته، لكنه كلما سنحت له الفرصة ليخرج رأسه من الماء ويستعيد موقعه، يرى مثلاً أنه بدلاً من الاقتراب من الساحل، ابتعد عنه مئات الأمتار، وافتراضاً، بدلاً من الذهاب نحو الجهة الشرقية خرج من الجهة الجنوبية.
◾️ الثورات هي أمواج مد هيكلية تعبث بكل قواعد اللعبة والحدود المؤسسية وقدرة الفاعلين على الفعل، وتغيرها دون إعلان مسبق. يصبح غير الفاعلين فاعلين، ويواجه الفاعلون إما تغيراً في نطاق الفعل وقدرته وإما يسقطون عن الفاعلية كلياً. ولهذا السبب، فإن الناس الذين يقعون في التيارات الثورية، يكتشفون بعد مدة أنهم لم يكونوا هم من قام بالثورة، بل على العكس، كانت موجة الثورة هي التي أخذتهم معها.
الثورات من جهة غير قابلة للتنبؤ، ومن جهة أخرى قابلة للوقاية. يبدو هذان الحكمان ظاهرياً غير متوافقين. لكن في الواقع، لا منافاة بينهما. في الحياة العادية واليومية، نعلم أنه بمراعاة قواعد الصحة في التغذية والرياضة يمكننا الوقاية من السكتة القلبية، رغم أن السكتة القلبية، من حيث عدم قابليتها للتنبؤ وفجائيتها، لا تقل عن الثورات السياسية شيئاً. الثورات غير قابلة للتنبؤ لأن الظروف المشرفة على الثورة، وفقاً للتعريف، أي الظروف التي لا تعود فيها أي من الأعضاء والمؤسسات والبنى تمتلك الخصائص والميزات نفسها التي كانت لها في الوضع الطبيعي. ولهذا السبب، فإن دراستها ورصد وضعها وحالها لم تعد معبرة عن وضع المجتمع والحكومة. ولهذا، بينما كان نظام بهلوي في عامي 1356 و1357 يبدو مستقراً تماماً من منظور التحليل البنيوي والمؤسسي، كانت الثورة، في الواقع، قد اقتربت من خطواتها الأخيرة للحدوث.
لم يكن أحد يعلم، ولم يكن بمقدور أحد أن يعلم، متى وأين سيطل برأسه بهيموث الثورة (بتعبير هوبز) في نهاية المطاف، لكن كان بالإمكان أن نعلم منذ زمن طويل أي السياسات إذا ما اتُخذت ستجعل أرضية الحكومة والمجتمع حاضنة للبهيموث. بهذا المعنى، إذا لم يكن فاعلو المجتمع السياسي والمجتمع المدني مأخوذين بالحماسة، وكانوا "مناهضين للثورة" بالقدر الكافي وتصرفوا بيقظة، فبإمكانهم ألا يهيئوا الأرضيات والمنصات لتلاقي بهيموث الحرب الأهلية أو الثورة. كتاب هوبز الرائع للغاية The Long Parliament حول الحرب الأهلية الإنجليزية (1640 إلى 1660) هو أحد الأعمال الكلاسيكية المتألقة في هذا المجال.
◾️ معنى تقدم الإصلاح على الثورة هو في الواقع هذه الوقاية من تشكل بؤر تلاقي نطفة البهيموث. الإصلاح السياسي في هذا السياق يعني الارتقاء الدائم بقدرة نظام سياسي على حل المشكلات بهدف تشخيص وهضم واستيعاب أو حل وفصل المعضلات والمشكلات التي تتعقد باستمرار، خطوة بخطوة مع تعقد العالم والإنسان والمجتمع. الإصلاح بهذا المعنى هو آلية لبقاء وارتقاء وظائف حل المشكلات لنظام ما، وهو بالطبع يتقدم على الثورة من منظور جميع المحافظين وبعض الليبراليين ومعظم دعاة الديمقراطية وجميع "مناهضي الثورة".
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.