اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عُقدت ندوة «نيلسون مانديلا، نموذج التسامح في الممارسة السياسية»؛ وميّز المتحدثون بين التسامح والتساهل، معتبرين أن التسامح السياسي ليس إذناً تمنحه السلطة، بل احترام للاختلافات من موقع الندية.

عُقدت يوم الثلاثاء 8 بهمن 1398 هـ.ش، برعاية مكتب التعاون العلمي الدولي في معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، ندوة «نيلسون مانديلا، نموذج التسامح في الممارسة السياسية (مع إطلالة على كتاب مع مانديلا في بلد قوس قزح)». وكان المتحدثون في هذه الجلسة: مصطفى محقق داماد، وعلي رضا قزيلي، ومحمد مهدي مجاهدي، وجاويد قربان أوغلي (مؤلف الكتاب).
في مستهل الندوة، استهل الدكتور محقق داماد كلمته القصيرة بعنوان: «التسامح في الحكم» بأن تعرّفه على مانديلا جاء من خلال الكتب التي أهداها له الأخير شخصياً خلال زيارته لإيران لتلقي الدكتوراه الفخرية، ومن متابعته لمقالاته وكتاباته.
وتناول مسألة مصطلح «رواداری» الذي يقابله «تسامح» في العربية و(toleration) في الإنجليزية، مستعرضاً آراء مختلفة في تعريفه، ومن بينها رأي جون لوك الذي أشار إلى أن نقطة الانطلاق الأولى نحو الديمقراطية هي تحمّل الآخر والتسامح معه. لكن السؤال المطروح هو: هل لا يزال يتعين علينا في العصر الحديث اعتبار التسامح نقطة البداية للوصول إلى الديمقراطية؟ ألا يُعد ذلك مجرد سلام مؤقت ومفروض، أو ما يُسمى بهدنة؟ وهل يرتبط ذلك بظروف التبعية إزاء القوة المقابلة؟ وتابع محقق داماد: إذا أردنا النظر إلى هذا الموقف من منظور الشريعة والفلسفة الإسلامية، يبدو أن هناك نقطتين: الأولى، أنه يمكن تصور مرحلة أسمى، وهي «حق الجميع». والثانية، هي أن «الحقيقة ليست مطلقة»، وبالتالي يحق للجميع التفكير، ولا يبلغ أحد الحقيقة المطلقة، والإيمان في الأدبيات يحمل هذا المعنى نفسه. فالإيمان ليس بمعنى الجمود الفكري، بل بمعنى السعي الدؤوب وراء الحقيقة، وهو ما يقوله القرآن عن المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}. وبناءً على ذلك، بدلاً من التسامح والتحمّل، من الأفضل أن نضمن حق التفكير للجميع، وعندها يمكننا فتح باب الحوار. إن مقاربة كهذه تصلح العلاقات الشخصية، كما يمكنها على مستوى الحكم أن ترسي الديمقراطية بمعناها الحقيقي. ثاني متحدثي هذه الندوة، محمد مهدي مجاهدي، الدكتوراه في الفكر السياسي المقارن والأستاذ الزائر في جامعات المفيد، والجامعة الإسلامية المفتوحة، ولايدن (هولندا)، وبرلين، ويينا (ألمانيا)، وأمستردام (هولندا)، تحدث عن «مفارقات سياسة التسامح: المداراة ضد التسامح؛ الإباحة ضد الاحترام».
وقدّم في كلمته ثلاثة محاور رئيسية حول سياسة التسامح:
۱. التمييز بين «التسامح بمعنى المداراة» و«التسامح بمعنى التسامح» ۲. التمييز بين «التسامح بمعنى الإباحة» و«التسامح بمعنى الاحترام» ۳. المداراة والإباحة بوصفهما إهانة
وتابع مجاهدي: تدل سياسة التسامح على فعل سياسي يراعي فيه جانب التسامح «الآخر». لكن سياسة التسامح ليست نموذجاً رخيصاً وسهلاً للممارسة السياسية. ذلك أن «التسامح السياسي» من الأضداد، أي أنه يدل على مفاهيم متناقضة فيما بينها. وتنبع صعوبات التسامح السياسي في الممارسة العملية من هذه الخاصية لمفهوم «التسامح السياسي». ثم شرع الدكتور مجاهدي في شرح هذه المحاور الثلاثة:
۱. المداراة في مقابل التسامح: في الفكر السياسي، فُهم التسامح بمعنيي المداراة (toleration) والتسامح (tolerance). في الاستعمال الشائع، المداراة والتسامح مفهومان مترادفان. لكن في النظريات السياسية، يدل هذان المصطلحان على نموذجين متضادين للفعل السياسي. المداراة (toleration) تعني التسامح. التسامح فعل سياسي إما من موقع التبعية لحفظ النفس تجاه المستبدين المتسلطين، أو من موقع السيادة تجاه التابعين الذين لا بد من التعايش معهم لأي سبب كان. بعبارة أخرى، المداراة إما أخلاق الخضوع، أو أخلاق السيطرة. ولهذا السبب، سُميت المداراة بـ«أخلاق الإمبراطورية». وعلى عكس المداراة، فإن التسامح (tolerance) يعني التسامح من موقع الندية والمساواة. أي أن ما يفترضه المتسامحون هو أنهم مع «الآخر» متساوون من حيث الحقوق والمكانة الأخلاقية.
۲. الإذن في مقابل الاحترام: سياسة التسامح بمعنى الإذن (permission) أي أن السلطة العليا، أولاً، تعتبر جزءاً من أنماط عيش وسلوكيات «الآخر» المختلفة مباحاً، ولكن على نحو محدود ومقيد. ثانياً، تجعل الإذن باختلاف «الآخر» مشروطاً بالتزام «الآخر» العملي وولائه للسلطة العليا، ولا سيما من الناحية العسكرية والأمنية والسياسية. «الآخر» في هذا النموذج لا يُحتمل فحسب، بل يُنظر إليه دوماً ويُحتفظ به في موقع العضو من الدرجة الثانية في المجتمع. واستمرار هذا الاحتمال رهن بإرادة السلطة العليا وحسن نيتها. يُعد مرسوم نانت (۱۵۹۸) ووثيقة امتياز التسامح (۱۷۸۱) أبرز الأمثلة التاريخية على «التسامح السياسي بمعنى الإذن». كان الأول يسمح للهوغونوتيين الفرنسيين بمتابعة طقوسهم وتعاليمهم المذهبية على طريقتهم وبصورة سرية داخل مؤسساتهم الدينية والتعليمية. أما الثاني فكان يسمح لثلاث طوائف مسيحية في ألمانيا بممارسة طقوسها فقط في الفضاءات الخاصة وبكيفية لا تكون مرئية ولا قابلة للتمييز من الخارج بالنسبة للآخرين.
لكن سياسة التسامح بمعنى الاحترام (respect) لها قصة أخرى. التسامح بمعنى الاحترام يستلزم «الاعتراف» و«القبول» بالاختلافات من موقف متكافئ، والحكم على صوابها وخطئها باستقلال عن المعتقدات الدينية. الاحترام لا ينشأ عن موقف النسبية الأخلاقية أو المعرفية. النسبية هي نقيض سياسة التسامح. للاحترام بهذا المعنى ثلاثة مكونات مميزة:
أ. النقد: ما لا نعتبره سيئاً أو خاطئاً، يخرج أساساً من موضوع تسامحنا أو لا تسامحنا. ما يُفترض أن يُقبل بتسامح، لا بد أولاً أن يكون قد اعتُبر خاطئاً أو سيئاً. نحن فقط إزاء بعض ما نعتبره سيئاً أو خاطئاً، قد نرغب في التسامح؛ وينبغي التعبير عن أسباب هذا الحكم نقدياً. ب. القبول: على الرغم من اعتبار الاختلاف موضع النقاش سيئاً أو خاطئاً، ينبغي أن يوجد نمط آخر من الأسباب يدل على لزوم أو إمكانية قبول ذلك الاختلاف السيئ أو الخاطئ. ج. الرفض: أسباب الرفض تعبر عن حدود القبول. أي أن قبول كل اختلاف سيئ وخاطئ ليس جائزاً بعد حد معين.
۳. المداراة والإذن بمنزلة إهانة: في تاريخ الفكر السياسي، تفطن بعض المفكرين المؤسسين إلى أن في باطن التسامح بمعنى المداراة والإذن، يكمن الازدراء والظلم. يمكن تتبع أثر هذه النكتة الدقيقة في آراء وأعمال كانط، وميرابو، وغوته، وبين، وكيركغور من بين آخرين.
وكان المتحدث الآخر في هذه الندوة علي رضا قزيلي، رئيس الدائرة الأولى لغرب أوروبا والسفير السابق في بوليفيا والنرويج، الذي تبنى مقاربة دولية لموضوع السلام وقدم كلمته بعنوان «التحول في تعريف السلام» على النحو التالي: ليس لـ «السلام» تعريف ومفهوم ثابتان، وقد تعرض للتغير مع مرور الزمن. واستناداً إلى النظرة الأنطولوجية لطبيعة الإنسان وجوهره، تشكلت مدرستان فكريتان هما الواقعية (الريالية) والليبرالية. وبطبيعة الحال تقدم كل من المدرستين توصيفات مختلفة لخلق السلام والأمن في العلاقات بين الفاعلين على الساحة الدولية. يعتقد الواقعيون أن الحرب والعنف والتسلط دوافع ذاتية للبشر. يعيش البشر في ظروف حرب الكل ضد الكل، وفي الساحة الدولية تتصارع الدول لكسب السلطة والحفاظ عليها. ونتيجة لذلك، يؤدي تضاد المصالح بين الدول إلى النزاع. في المقابل؛ يعتقد منظرو الليبرالية أن طبيعة الإنسان وجوهره ليسا سيئين وشريرين؛ بل إن الظروف الاجتماعية هي التي تؤدي إلى سلوكيات مثل النزوع للحرب والعنف والشر. والدول أيضاً ليست نازعة للحرب بذاتها. الحرب في النظام الدولي ناشئة عن البنية السيئة للنظام الدولي. ويرى منظرو الليبرالية أن إرساء السلام ممكن من خلال: خلق التكافل الاقتصادي المتبادل، وتقوية المؤسسات الدولية، وتوسيع الديمقراطية ومأسسة الأمن الجماعي.
وأضاف قزيلي: لقد تحول تعريف السلام تدريجياً منذ معاهدة وستفاليا (1648) حتى اليوم، وأصبحت عوامل جديدة تُعتبر مهددة للسلام الدولي. في التعريف التقليدي الأولي، كان السلام يقتصر فقط على «حالة انعدام الحرب». وفي عام 1945 ومع تأسيس منظمة الأمم المتحدة، تطور تعريف السلام ولم يعد محصوراً في انعدام الحرب والمخاصمة، بل إن السلام هو «حالة النظام الدولي القائم على القانون الدولي».
ثم قال: في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز تحولات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية بالغة الأهمية، والأهم من ذلك كله ظاهرة العولمة، يقدم رؤساء الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في بيانهم الصادر في 31 يناير 1992، تعريفاً متطوراً للسلام: «لم يعد غياب الحرب والنزاع المسلح بين الدول يعني اليوم وجود سلام وأمن دوليين. إن عدم الاستقرار والثبات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وانتهاك حقوق الإنسان يُعتبر أيضاً تهديداً للسلم والأمن العالميين». وبناءً على هذا التعريف، فإن السلام مهدد من قبل عوامل مختلفة:
أ: التهديدات السياسية ب: التهديدات الاقتصادية: (الفقر، التخلف، سوء الإدارة) ج: التهديدات الاجتماعية: (الهجرات غير المنضبطة، الأمية، المخدرات والجريمة المنظمة) د: التهديدات العسكرية: (إنتاج وتكاثر أسلحة الدمار الشامل والنزاعات الإقليمية بين الدول) هـ: التهديدات البيئية: (الاحتباس الحراري، ثقب طبقة الأوزون، التغيرات المناخية، زوال الغابات المطيرة، حدوث الجفاف، نقص المياه العذبة، تلوث الأنهار)
وكان آخر المتحدثين في الندوة جاويد قربان أوغلي، مؤلف كتاب «مع مانديلا في بلد قوس قزح». صدر هذا الكتاب هذا العام عن دار نشر «ني». قربان أوغلي دبلوماسي كبير في وزارة الخارجية، دوّن مذكراته خلال فترة سفارته في جنوب أفريقيا (1378-1383 هـ.ش) مع شروح حول نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وخلفية العلاقات السياسية والتجارية بين إيران وهذا البلد قبل وبعد حقبة الفصل العنصري، وأشار إلى لقاءاته مع مانديلا خلال فترة رئاسته لجمهورية جنوب أفريقيا.
وفي الوقت القصير المتبقي في نهاية الجلسة، أكد على موضوع التسامح في الحوارات، وأشار إلى المحاور الرئيسية لمحاضرته حول أساليب قيادة مانديلا والتي تمثلت في: نموذج القيادة، العلاقة بين الأخلاق والسياسة كعنصرين يبدوان متناقضين، ترك المنصب في أوج السلطة، والإيمان بالمصالحة. وفي الختام، روى للحضور طرفاً من ذكرياته عن لقائه بنيلسون مانديلا.
.
.
الفيديو الكامل للندوة: مشاهدة على آپارات | مشاهدة على يوتيوب
*جودة صوت الملف الصوتي أفضل
.
.
العلوم السياسية
الدين
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
یکی از منتقدان ماندلا و افکارش,اسلاوی ژیژک است.او معتقداست با لبخند نمی توان در مقابل نظام سرمایه داری مقاومت کرد. لبخندی که سمبل ماندلا بود.