اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
دونية النساء ليست ظاهرة قانونية أو ثقافية، بل هي علاقات قوة قائمة على الجندر في آلية تشكّل السياسي. يتطلب تجاوز هذا التمييز فهماً جديداً للسياسي يتخطى مستوى القوة الغريزية، لا إصلاحات فقهية وقانونية.

السؤال عن الفوقية والدونية، شئنا أم أبينا، وبوعي أو بغير وعي، هو سؤال عن الأمر السياسي. وما إدراك الأمر السياسي إلا درجات متفاوتة من هذا الوعي والإشراف المركب: إشراف على وضعية يجلس فيها طرفا العلاقة في مستويين من القوة، أحدهما فوقي والآخر دوني؛ ووعي بأن هذا التفاوت في مستوى القوة ينطوي دوماً على ميل جارف نحو هيمنة الطرف الفوقي على الطرف الدوني؟ وهذا هو المعنى الأكثر جوهرية لتلك الهيمنة التي لولا حضور درجات منها، مهما تكن طفيفة وخافتة، لانهار ليس موضوع السياسة فحسب، بل موضوع جلّ العلاقات والمناسبات الإنسانية.
إن تاريخ البشر، على مدى ما تمتد إليه أعيننا الناظرة إلى الماضي، هو مسرح لمناسبات الهيمنة الناشئة عن هذا النوع من اللامتماثلات. وزماننا ليس استثناءً. في زماننا هذا، ثمة بالطبع فروق ذات دلالة بين مدى دناءة النساء وتعقيدها وانكشافها في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأجزاء من أفريقيا وآسيا، ومداها في أوروبا وأمريكا وأوقيانوسيا. لكن الدونية الموضوعية والواقعية للنساء لا تزال، وإلى الآن، أمراً شبه كوني.
لهذه الدونية، في الزمان والسياق اللذين يشكلان بيئتنا السياسية المعيشة نحن الإيرانيين وجيراننا الثقافيين في جميع أنحاء العالم، مصاديق شديدة التنوع والكثرة، منها المنع البنيوي للنساء من الوصول إلى المناصب السياسية العليا، أو دونية النساء إزاء الرجال في نظر القانون الشرعي أو العرفي، أو في سوق العمل، أو في ميزان المنزلة الاجتماعية، أو في نظام الأسرة. غير أن أياً من هذه الظواهر ليست ظواهر حقوقية وقانونية أو ثقافية واجتماعية أو فقهية وشرعية محضة.
إن هذه الدونية المؤسسية والبنيوية، قبل أي شيء آخر وأكثر منه، تعبّر عن مناسبات قوة قائمة على أساس الجندر، يرتبط حبل سرتها بتمييز بدائي وأولي، تمييز كامن في ميكانيزم تشكل الأمر السياسي على مدار تفاوت مستوى القوة بين جنس الرجل وجنس المرأة. إن ردم هوة هذا التمييز، وإقامة العدالة المادية والمنزلتية بين جنس المرأة وجنس الرجل، هو ذاته تصدع زجاجة عمر أعرق مناسبات القوة.
تكمن صعوبة مسألة التمييز ضد النساء في أن انهيار التمييز القائم على أساس الجندر لا يمكنه أن يهبط من فضاء الأمل والرجاء الغامض ويطأ أرض الواقع الصلبة القاسية، إلا حينما تتوفر في مجتمعنا إمكانية جديدة لولادة الأمر السياسي وفهمه، كي يرتقي كل من الأمر السياسي وإدراكنا له إلى ما وراء مستوى القوة الغريزي والعريق والأولي. إننا وجيراننا الثقافيين في جميع أنحاء العالم نعيش في زمان وسياق لا يزال فيهما الأمر السياسي وإدراكنا له غريزيين بشدة. بينما تبرعمت في مجتمعات أخرى، منذ عقود، تجارب جديدة للأمر السياسي وللسياسة، وها هي قد أزهرت الآن.
بتعبير آخر، المسألة المفتاحية هي أن التمييز الجندري ليس مجرد واحدة من سمات هذه الهياكل السياسية والأجساد الاجتماعية والمنظومات الشرعية والحقوقية التي نحياها، بل هو عنصرها المقوّم وخليتها الأساسية، ومصدرها الأكثر أصالة و«طبيعية» وقابلية للاستعادة في إنتاج القوة والثروة والهوية؛ إنه زجاجة عمرها وسر بقائها.
ومع ذلك، فإن كثيراً من الناشطين والفاعلين في مجال حقوق النساء، ممن يشكل المعاناة من التمييز القائم على أساس الجندر جزءاً من تجربتهم المعيشة، والذين لديهم وقوف تام بل علم حضوري به، يغفلون عن الوجه الخشن والغليظ والصلد لهذه «الحقيقة الأساسية» التي هي سياسية من الرأس إلى أخمص القدمين وبالمعنى العميق والدقيق للكلمة، أو يغضون الطرف عنها ويتغافلون ويتجاهلون، ويبذلون بدلاً من ذلك كل همهم في نقود تفسيرية وإصلاحات فقهية وشرعية ولاهوتية وحقوقية وقانونية.
أما المتنورون الدينيون، فإذا ما خرجوا نادراً وبالصدفة من حجاب العمى الجندري، فإنهم قد شغلوا أنفسهم وقراءهم بمراجعات فقهية وتفسيرية في النصوص الدينية حول التمييز ضد النساء. وأما المتنورون غير الدينيين، فقد صنعوا في الغالب من مثل رفع التمييز الجندري سلاحاً بارداً غير ذي فعالية، كي يستثيروا به النساء في مواجهة الجسد السياسي أو الجسد المتدين للمجتمع، وبهذا الشكل، وبإضافتهم إلى تنوع التناقضات الاجتماعية والسياسية ومداها، يكونون عملياً قد أنزلوا النضال ضد التمييز، دون قصد، في مقام عضو مستورد وطُعمي، يلفظه جسد الاجتماع والسياسة (بما في ذلك شطر مهم من جزئه النسائي) طواعية...
.
.
.
.
.
.
علم الاجتماع
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.