مجلة انديشه بويا الشهرية - مصطفى ملكيان: ما المقصود بالعشق؟ وما الذي نطلق عليه اسم العشق؟ هل المقصود هو عشق الإنسان لله أم عشق الإنسان للإنسان؟ إذا كان المقصود هو عشق الإنسان للإنسان، فهل المراد هو ذلك المعنى من العشق الذي تكون فيه الحاجات الجنسية والبيولوجية ذات دخل، أم ذلك المعنى من العشق الذي لا شأن للغريزة الجنسية فيه - كما حين تقول إنك عشقت أستاذك؟ أم أن المقصود بالعشق هو عشق المُثُل العليا؟
العشق لفظ مشترك لفظي يحمل معانٍ مختلفة. فليس العشق في الفارسية فحسب، بل إن الحب في العربية، وLove في الإنجليزية، وamour في الفرنسية، كل منها يُطلق على ظواهر متعددة ومختلفة. وعليه، فإن جميع هذه الألفاظ في لغاتها الخاصة بها تشترك اشتراكًا لفظيًا، وتقع على عاتقنا مسؤولية أن نحدد للمخاطَب، بالاستعانة بالقرائن، ما نعنيه بالعشق.
كان من الجيد لو لم يوجد هذا الاشتراك اللفظي، وكان هناك لفظ مستقل ومنفصل لكل مفهوم من هذه المفاهيم؛ لكن، وحيث إن الأمر ليس كذلك، فعلينا أن نفرق بين المقاصد المختلفة، فأحيانًا يكون المقصود بالعشق هو عشق الله لما سواه، وطبقًا لتصور القائلين بالإلهيات العرفانية، فإن الله يعشق ما سواه.
نحن أحيانًا نعشق مثلًا أعلى كالعدالة، ونعشق شخصًا لأنه يمثل لنا نموذجًا للعدالة. قسم آخر من العشق هو عشق الظواهر الطبيعية؛ قد أعشق صباحًا ربيعيًا أو غروبًا خريفيًا. أو ربما نتحدث عن عشق الوطن.
إذا استثنينا هذه المعاني للعشق وقلنا إن مقصودنا هو عشق الإنسان لما سواه، فإننا نواجه في هذا المستوى أيضًا معاني مختلفة للعشق. فعشق ذوي القربى، على سبيل المثال، هو نوع من عشق الإنسان للإنسان. في هذا العشق لا توجد أية انتقائية؛ فأنت لم تقرر أن تعشق والديك وأبناءك، وكأن هذا العشق موجود في البشر بشكل جيني.
أما النوع الآخر من عشق الإنسان للإنسان، فهو عشق نكنه لإنسان آخر لا بحكم الدم والجينات، بل بحكم الغريزة الجنسية. في هذا العشق، للغريزة الجنسية دخل جاد. لكن يحصل أن يعشق المرء إنسانًا آخر دون أن يكون للغريزة الجنسية دخل في هذا العشق، بل تكون لسمة أخرى من سمات المحبوب دخل فيه. وهذا العشق أيضًا أنواع مختلفة.
أحيانًا أرغب في معاشرتك ومصاحبتك - دون أن يكون للغريزة الجنسية دخل في هذه العلاقة - لأنني أجني من معاشرتك لا لذة بل منفعة؛ فمثلًا، طريقة تدريسك ليست ممتعة بالنسبة لي، لكنني أنتفع بالدرس الذي علمتني إياه. وأحيانًا أخرى، لا تمنحني مصاحبتك لذة ولا منفعة، لكنني أعشقك لأنني أرى فيك فضيلة؛ كالعشق الذي نكنه لعلي بن أبي طالب (ع). بعبارة أخرى، في هذا القسم من العشق، نعشق الفضيلة أولًا، ثم حيثما وجدنا لهذه الفضيلة مصداقًا عشقناه.
قسم آخر من عشق الإنسان للإنسان، هو عشق أولئك الذين يسعون معك في طريق الوصول إلى مثل أعلى مشترك. ومثاله العشق الموجود بين أعضاء الأحزاب السياسية. فبقدر ما يعشق المرء مثلًا أعلى، يعشق أيضًا أولئك الذين يساعدون في تحقيقه.
إذن، للعشق مصاديق مختلفة. قد يبدو لنا أن لفظ الصداقة أو لفظ المحبة في وصف بعض هذه الدرجات يؤدي المعنى أفضل من لفظ العشق. ونظرًا لأن للعشق اشتراكًا لفظيًا واسعًا، فإن التدقيق في أدب العشق وأخلاق العشق يستلزم التدقيق في ما نعنيه بالعشق. ولهذا الغرض، نحدد في البداية أن مقصودنا بالعشق هو العشق المصحوب بالغريزة الجنسية من إنسان لإنسان آخر؛ العشق الإروتيكي.
كان أسلافنا، وحتى بعض الذين ما زالوا ينظرون إلى الأمور بمنظور وذهنية قديمة، متأثرين بأبقراط وجالينوس، يعتبرون هذا العشق مرضًا. ففي كتب ابن سينا ومحمد زكريا الرازي وغيرهما من أطباء الثقافة الإسلامية، صُنِّف العشق ضمن الأمراض. كانوا يرون العشق داءً يصاب به المرء جراء غلبة السوداء. أما في الثقافة الحديثة، فقد أخذ العشق يكتسب قيمة شيئًا فشيئًا، بل وتحول إلى ظاهرة شبه مقدسة. لكن اليوم، وحتى بعد أن فقد العشق ذلك التعريف المرضي، لا يزال البعض يعتقد أن حالات العشق التي يسودها الهيام والشغف هي علامة على اختلال صحة العاشق. غير أنني لا أعتقد أن العشق المليء بالشغف والهيام يمكن اعتباره مرضًا.
للعشق الإيروسي ثلاثة مكونات. المكون الأول هو الشغف والهيام. والمكون الثاني هو الالتزام، أو ما أسميه أنا التعهد، وهو أن أعتبر كل إيجابيات حياة المعشوق إيجابيات لحياتي، وكل سلبيات حياته سلبيات لحياتي. والمكون الثالث هو الحميمية؛ أي أن أتمكن من جعل ذهني ونفسي شفافين كالبلور أمام من أعشقه، وألا أحجب عن مواجهته شيئًا مني ولو بمقدار رأس إبرة. عندئذ يمكن الحديث عن عشق حقيقي. وعلى عكس أولئك الذين يعارضون العشق المليء بالشغف، أعتقد أن الشغف والهيام في العشق يخرجاننا من الأنانية والنرجسية وحب الذات.
نريد في ما يلي أن نتحدث عن «أخلاق العشق» و«أدب العشق». لكن ما الذي نعنيه عندما نتحدث عن «أخلاق العشق» و«أدب العشق»؟ إن بيان الفرق بين الأخلاق (ethic) والآداب (etiquette) هو المدخل الثاني للحديث عن أخلاق العشق وأدبه. أدب أي أمر إنما يتعلق بنجاح ذلك الأمر، والمقصود بأدب العشق هو ما ينبغي على العاشق مراعاته والالتزام به عمليًا كي لا يضر بنجاح عملية العشق ولا يفضي بها إلى الفشل. أما أخلاق العشق فلا شأن لها بالنجاح أو الفشل، بل إن هاجسها هو أن يعشق العاشق على نحو يؤدي فيه واجبه الأخلاقي ولا يدوس فيه على الفضائل الأخلاقية. سنتناول في ما يلي أخلاق العشق وأدبه في عشق إنسان لإنسان آخر مصحوب بالغريزة الجنسية.
أخلاق العشق
إذا أردنا أن نكون عاشقًا فاضلًا في العشق الإيروسي، وألا ندوس على الضوابط الأخلاقية في عملية العشق، فأي مبادئ ينبغي أن نراعي؟ إن الأخلاق تتعلق دائمًا بالأمور الإرادية، ولذا فإن الوقوع في العشق ذاته، لكونه أمرًا لا إراديًا، لا أخلاق له. في العشق الإيروسي ثمة ساحتان تدخلان في نطاق الأخلاق. الساحة الأولى تتعلق بظروف تشكل هذا العشق.
ينشأ العشق عندما يحدث لقاء، وبالنظر إلى أن التمهيد لترتيب لقاء مع إنسان آخر هو أمر إرادي، يمكننا هنا أن نتحدث عن الأخلاق. قد يقول نظام أخلاقي صارم إن من واجبك الأخلاقي ألا تهيئ الظروف التي قد يحدث فيها لقاء، وينشأ عنه عشق.
من يعتقد أن العشق قبيح من الناحية الأخلاقية، قد يقول إنه لا ينبغي خلق الظروف المؤدية إلى هذا اللقاء أيضًا. عندما أحضر حفلة عيد ميلاد، أو لا أحضرها، أكون قد زدت أو قللت من إمكانية وقوعي في العشق. اللقاء شرط لازم وليس شرطًا كافيًا للعشق، ويمكن الحكم على أخلاقية هذا اللقاء.
أما الساحة الثانية التي يمكن فيها الحديث عن أخلاق العشق، فهي ما بعد أن ينشأ العشق في قلب المرء بصورة لا إرادية. كيف ينبغي للعاشق أن يصوغ سلوكه الخارجي المتمثل في القول والفعل؟ ينسب أهل العرفان حديثًا إلى النبي (ص) يقول: «مَن عَشِقَ فعَفَّ ثُمَّ ماتَ، ماتَ شَهيدًا».
في هذا الحديث المنسوب إلى النبي قيل إن من عشق فعفّ وظل قوله وفعله عفيفًا، بل وكتم هذا العشق عن المعشوق ومات على هذه الحال، فإنه يموت شهيدًا. لم يرد في هذا الحديث أن العشق في ذاته حسن أو قبيح، بل جرى التأكيد على السلوك بعد العشق. غير أن الشعور الأولي بالعشق وحده هو ما يكون لا إراديًا، أما سلوكنا وقولنا فلا يمكن أن يكونا لا إراديين. (الشك الوحيد الذي يراودني يتعلق بلغة الجسد، وهل هي إرادية أم لا؟ لم أستطع حتى الآن أن أفهم، من الناحية السيكولوجية، إلى أي مدى تكون لغة الجسد إرادية.)
بهذا التوضيح، يمكن الإشارة إلى أربع خصال أخلاقية ناظمة لسلوك العاشق. إذا عشقت وراعيت أربعة أمور أخلاقية في سلوكي العشقي، فلست مستحقًا للمذمة من الوجهة الأخلاقية البتة. بعبارة أخرى، ليس للسلوك في العلاقة العاطفية الإيروسية أكثر من هذه الشروط الأربعة؛ ومتى راعينا هذه الشروط الأربعة في السلوك العشقي، نكون قد راعينا أخلاق العشق.
1. أحد شروط أخلاقية السلوك العشقي هو ألا أكون قد لجأت إلى الخداع لإنشاء هذه العلاقة العاطفية أو للحفاظ عليها واستمرارها. إذا خادعت من أجل إنشاء العلاقة أو للحفاظ عليها واستمرارها، أكون قد ارتكبت فعلًا غير أخلاقي. والخداع ليس مجرد الكذب، بل إن معظم خداعنا يكون سلوكيًا. مثلًا، أعرف أن فتاة أحبها ترتبط بعلاقة ودّ مع شخص يعرف الفلسفة، فأحمل معي كتابًا فلسفيًا كلما كان لي معها موعد لقاء. هنا لا ينطق قولي بشيء، لكن سلوكي يخلق تصورًا باطلًا عني. لم أكذب من الناحية القولية، لكن سلوكي كان خادعًا وبالتالي غير أخلاقي. نحن كثيرًا ما نخدع الآخرين بسلوكنا.
2. الشرط الثاني لأخلاقية السلوك العشقي هو ألا يكون لدي سلوك يؤدي، إذا ما انقطعت هذه العلاقة العاطفية غدًا، إلى تضرر الطرف الآخر من هذه العلاقة. والتضرر أو عدم التضرر يرتبط بشبكة العلاقات الاجتماعية وبأي مكان وزمان وأي ظروف وأحوال اجتماعية نعيش فيها. إذا أقمتم في فرنسا علاقة عاطفية مع شخص ما، وفقدت تلك الفتاة التي هي طرف علاقتكم العاطفية بكارتها في هذه العلاقة، فإن الضرر الذي يلحق بها يختلف عن حادثة مماثلة في سياق اجتماعي آخر.
ينبغي لكم، من الناحية الأخلاقية، ألا تهدموا في العلاقة العاطفية إمكانية الحياة الطيبة الهانئة لمعشوقكم في المستقبل. لأنه لا ضمانة على أن العشق الذي يكنّه شخصان لبعضهما سيستمر إلى الأبد. على العاشق أن يضع في اعتباره دائمًا أنه من المحتمل أن تُفسخ هذه العلاقة يومًا ما.
3. الشرط الثالث لأخلاقية السلوك العشقي هو أن نحفظ تمامًا شخصانية (personhood) الطرف الآخر ونعترف بها (لا أقول الشخصية كي لا يُخلط بينها وبين personality). إذا أردنا أن نستخدم لفظًا أسهل لكنه غير دقيق بدلًا من الشخصانية، يمكننا القول إنه ينبغي في العشق أن نضع إنسانية الطرف الآخر في الاعتبار تمامًا. ولكن ما هي إنسانية المعشوق؟ منذ زمن كانط، صرنا نعتقد أنني ألتزم نظريًا وعمليًا بإنسانيتكم إذا ما احترمت عقلانيتكم في مقام النظر وحريتكم في مقام العمل احترامًا تامًا.
إذا لم أحترم عقلانيتكم في مقام النظر، أو لم أحترم حريتكم في مقام العمل، فإني لم أعاملكم معاملة الشخص، بل عاملتكم معاملة الشيء؛ أي أني لم أعتبركم كائنًا، بل اعتبرتكم شيئًا. إذا قلت لكم إني أحبكم بشرط ألا يكون لديكم ذلك الاعتقاد الفلاني، أو بشرط ألا تطالبوا بتلك الحرية الفلانية في مقام السلوك، فقد حولتكم إلى شيء. التحول إلى شيء يساوي، من الناحية الفلسفية، التحول إلى أداة. بالتعبير الفلسفي، الشيئية والأداة مفهومان لكن لهما مصداق واحد. أن نقول إن أعظم شاعر شيرازي في القرن السابع أو مؤلف البستان والكلستان هو سعدي، فهذان أمران مختلفان لكن لهما مصداق واحد. حيثما يتحقق مصداق الشيئية، يتحقق مصداق الأداة أيضًا.
4. شرط آخر من أخلاقية السلوك العاشق هو ألا يكون سلوكي العاشق، في حد ذاته، نقضًا لاتفاق أبرمته مع شخص آخر قبل ذلك. إذا أحببت فتاة، ولم يكن لدي أي التزام تجاه فتاة أخرى قبلها، ولم تكن هي ملتزمة تجاه شاب قبلي، فإن الشرط الأول يكون قد تحقق.
أما إذا أحببت فتاة، ولكن سلوكي العاشق معها كان يعني نقض سلوك كنت قد التزمت به سابقًا بموجب اتفاق مع فتاة أخرى - زوجتي أو صديقتي مثلاً - فإن الدخول في اتفاق جديد يعني انتهاك الاتفاق الذي كان بيني وبين زوجتي أو صديقتي. وبالمثل، إذا كان دخول الطرف الآخر في علاقة معي يعني انتهاكها لاتفاقها مع زوجها أو صديقها، فإن فعلها ليس أخلاقيًا.
إذا كان للعاشق اتفاق سابق، فإن أخلاقية فعله تتوقف على تغيير ذلك الاتفاق السابق أو فسخه. فسخ الاتفاق - بمعنى أنني وقد أحببت شخصًا جديدًا، أفسخ اتفاقي مع الشخص السابق - يخضع لسلسلة من الشروط الأخلاقية، أما نقض الاتفاق فليس أخلاقيًا على الإطلاق. إذا لم أفسخ الاتفاق السابق، وظلت زوجتي أو صديقتي الأولى تعتقد أنني أعيش تحت مظلة بنود الاتفاق معها، بينما أدخل عمليًا في علاقة مع شخص آخر، فمن المؤكد أنني قد ارتكبت فعلًا غير أخلاقي. إذن، لا ينبغي أن يعني دخولي في اتفاق جديد ودخولي في علاقة سلوكية عاشقة جديدة أنني قد نقضت اتفاقًا لي مع شخص آخر.
ولكن في حال أحببت شخصًا آخر أثناء سريان اتفاق مع زوجتي أو صديقتي: فمتى يكون فسخ الاتفاق السابق أخلاقيًا؟ لنفترض أنك تريد فسخ اتفاقك السابق بسبب دخولك في علاقة جديدة، لكن الطرف الآخر لا يريد أن يتم هذا الفسخ. هنا توجد نقطتان. الأولى هي أنك بفسخ هذا الاتفاق تلحق بالطرف الآخر خسائر قابلة للتعويض ويمكنك دفعها له.
لنفترض أن الطرف الآخر أنفق قدرًا معينًا من المال خلال سنوات عيشه معك، ويمكنك أن تدفع له هذه التكلفة. أنت مكلف بدفع هذه التكاليف. لكن هناك سلسلة من الخسائر، مثل شباب الطرف الآخر الضائع، لا يمكن دفع ثمنها. هنا يجب أن يترك للطرف المتضرر أن يختار أي الأمرين يفضل: هل يريد قطع العلاقة حتى لو بقيت التكاليف غير القابلة للدفع، أم يريد الإبقاء على العلاقة.
إذا أراد الطرف الآخر الإبقاء على هذا الاتفاق، فلا سبيل أخلاقيًا للفسخ. لكن الطرف الآخر المعارض لفسخ الاتفاق، عليه أن يعلم أن في قلب الطرف الآخر حبًا لشخص آخر لم يعد موجودًا تجاهه. عليه أن يتقبل أن قلب الطرف الآخر لم يعد تحت تصرفه كما في السابق، وأنه قد مال إلى شخص آخر. هذه حقيقة يجب أن يتقبلها، وهذه الحقيقة هي في الواقع مصيبة لا علاج لها، ومن وجوه الحياة التراجيدية. هذا من المواضع التي لا تملك الأخلاق فيها ما تفعله. ولهذا أقول وجه الحياة التراجيدي، لا المصيبة. فليست كل مصيبة تراجيديا؛ هذه المصيبة هي مصيبة لا مهرب منها ولا مناص. هل يمكننا، لكي لا يقع الطرف الآخر في موقف اختيار تراجيدي، أن نمارس الكتمان بناءً على المصلحة؟ كتمان الحقيقة، وإن كان يضمن بهجة حياتك، إلا أنه يدمر طيبة حياتك تقريبًا. لسنا قديسين أخلاقيين. لكن من المنظور الأخلاقي، الخداع هو أعظم ظلم يمكن أن يوقع بإنسان. في الواقع، هنا يجب أن نوقع بالطرف الآخر أحد ظلمين: إما ظلم إخباره بالحقيقة حتى لو تألم من سماعها؛ أي أن نقرر الحقيقة ولكن بدل أن نخفف مرارتها وألمها وعذابها، نضاعفها.
والطريق الآخر هو أن نظلمه ولا نقول له الحقيقة كي نخفف ظاهريًا من مرارته وألمه ومعاناته. باعتقادي، عندما يتعارض تقرير الحقيقة مع تقليل المعاناة، فإن تقرير الحقيقة أهم من تقليل المعاناة. لذلك، هنا، حتى لو أدى قول الحقيقة للطرف الآخر إلى زيادة ألمه ومعاناته، فهو أفضل من أن نكتم الحقيقة كي لا تزداد معاناته.
«حكمي» هنا يستند إلى الرؤية الفضيلية التي أتبناها في الأخلاق. لم يُقم حتى الآن أي دليل على أنه كلما تعارض تقرير الحقيقة (الإفصاح الجلي عن الحقيقة) مع تقليل المعاناة (تخفيف الألم والعناء) لدى الإنسان، فإنه يرجح أحد الطرفين. طبيعتي النفسية تقتضي أن تقرير الحقيقة أكثر أخلاقية، وأعتقد أن التكتم قد لا يزيد من ألم ومعاناة الطرف الآخر، لكن تقرير الحقيقة مقدم على تقليل المعاناة. أقول إننا إذا دخلنا في عقد عشق جديد، فيجب علينا أن نخبر زوجنا أو صديقنا بصراحة أننا لم نعد نكن له العشق كما في السابق.
ببساطة، نحن نعبر عن الحقيقة لأنها واجبنا الأخلاقي. أما معاناة الطرف الآخر فتقع على عاتق عالم توجد فيه بعض الحقائق بهذه الدرجة من المرارة للبشر. أن يكون العالم قد صُنع على نحو تكون فيه بعض الحقائق محطمة إلى هذا الحد وتزيد من ألم البشر ومعاناتهم بهذا القدر، فلسنا مسؤولين عنه. يجب علينا دائمًا أن نعبر عن الحقيقة لأننا مسؤولون عن أفعالنا.
بالطبع، أود أن أضيف أيضًا أنه ما دام العشق الداخلي لم يتجسد في علاقات خارجية، فلا ضرورة لإخبار الطرف بهذه الحقيقة. لأن الوقوع في العشق ليس بيدنا، وربما نعاني نحن أيضًا من كتمانه. الطرف الآخر يتألم عندما يرى أنني تصرفت خلافًا للعقد في الاتجاه الذي كان تحت سيطرتي، ودخلت في سلوك عشقي مع شخص آخر، وكتمت الحقيقة.
إذا أدى فسخ العقد إلى حادث مؤسف كانتحار الطرف الآخر، فهل أنا مدان أخلاقيًا؟ انتحار الطرف الآخر بسبب فسخ العقد لا يُسقط أخلاقية فسخ العقد. بل يمكنني القول إنه إذا جاءني شخص وقال إنه وقع في العشق ويحتار بين إخبار زوجته بالحقيقة أو لا، وهو على يقين تقريبًا أن زوجته ستنتحر إذا علمت بهذا الأمر، فإني أقول له: اذهب وقل الحقيقة.
إقدام الطرف الآخر على الانتحار ناشئ عن الوجه التراجيدي للحياة. لكن عندما يدور الأمر بين كتمان الحقيقة أو بيانها، فإن بيان الحقيقة مقدم على كتمانها. ولكن هل الفرد الذي فسخ عقده هنا لا يتحمل أي مسؤولية إزاء هذا الانتحار؟ بلى، يتحمل.
مسؤولية الأفعال السابقة تبقى معي دائمًا. هنا، أنا مخطئ بالطبع بسبب عدم مراعاتي للساحة الأولى وإهمالي لسياقات العشق، ولكوني قد هيأت سابقًا وسائل لأواجه شخصًا آخر، وبعد المواجهة لم أترك العشق يبقى في داخلي بل تسرب إلى سلوكي أيضًا. هل يحق للطرف الآخر أخلاقيًا نقض العقد إزاء نقض العقد؟ فسخ العقد ليس بالضرورة فعلًا لا أخلاقيًا، لكن النقض دائمًا فعل لا أخلاقي. إذا ثبت أن أحد الطرفين قد نقض العقد، فللطرف الآخر حق الفسخ لا واجب الفسخ. يحق للطرف الآخر أن يفسخ العقد، لا أن يكون ملزمًا بفسخه. ولكن، باستثناء حق الفسخ، لا يحق للطرف الآخر أيضًا النقض المتبادل. لأنه لا يحق لأحد أبدًا نقض العقد، وتكرار الخطأ لا يحول الخطأ إلى صواب. إذا ارتكب الطرف الآخر خطأ، واسم هذا الخطأ هو نقض العقد، فلا يمكنني أن أقول إذن أنا أيضًا صار لي حق النقض. ليس لي في نهاية المطاف سوى حق الفسخ وقطع العلاقة.
هل يمكن الاتفاق على أن ننقض عقدنا كيفما شئنا؟ ربما يتفق شخصان على أنه بما أن أحدهما قد نقض العقد، فمنذ ذلك الحين يمكن لكل منهما أن ينقض العقد بدوره. لكن هل هذا العقد نفسه أخلاقي أصلًا؟ أخلاق ما قبل العقد تختلف عن أخلاق ما بعد العقد. في العشق، يدور الحديث عن أخلاق ما بعد العقد، وعن أن الطرفين يجب أن يلتزما بأي عقد أبرماه، لكن أخلاق ما قبل العقد تقول أيضًا إن ليس كل عقد أخلاقي.
.
.
ملف pdf أخلاق العشق، أدب العشق
تحميل من الخادم الأول | تحميل من الخادم الثاني
.
.
أخلاق العشق، أدب العشق
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.