اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تحوّل عيد الأربعاء الأحمر من طقسٍ روحاني إلى ظاهرةٍ مضرّة، تزرع الخوف وانعدام الأمن بدل البهجة. لقد حوّل إهمال الأسرة والتعليم في نقل الثقافة هذا التقليدَ إلى ساحةٍ للتفريغ الانفعالي واستهلاك المواد الضارّة.

تتضمّن ثقافتنا التقليدية عناصر متنوّعة نمت وازدهرت واستقرّت بفضل وظائفها الفردية والاجتماعية وقدرتها وإمكانيّتها على إضفاء المعنى على الأفعال الإنسانية في سياقها التاريخي، وقد انتقلت رغم ما يطرأ عليها من تغيّرات من جيل إلى جيل، لكنّها استمرّت في الوقت ذاته.
يُعدّ أربعاء النار من جملة التقاليد التي تضرب بجذورها في علاقات ذات طابع مقدّس وديني من جهة، وتمتلك وظائف اجتماعية-ثقافية من جهة أخرى، وقد لبّت، إلى جانب إظهارها للخشوع والتجلّيات العقائدية-الروحية، حاجاتٍ كالحاجة إلى اللهو والتسلية في زمن تقويمي محدّد (الثلاثاء الأخير من السنة)؛ ويمكن تعداد خصائص اجتماعية إيجابية عديدة لهذا التقليد وطقوسه، منها: توليد الدافع، وبثّ الأمل، وتعزيز المعتقدات والقيم الاجتماعية، والتنشئة الاجتماعية، واستمرارية القيم الاجتماعية، والبهجة الجماعية... كما أنّ هذا التقليد العريق، إلى جانب تبشيره ببدء فصل جديد في حياة الإنسان اليومية، يُشرك الأفراد في بهجة جماعية؛ وقد جرت هذه الاحتفالات بطبيعة الحال مع الحفاظ على السلامة الاجتماعية والفردية، وحماية البيئة في جميع مراحل إقامتها.
لكن لم يصل إلينا اليوم سوى شكل ظاهري من ذلك التقليد المحمود، وباستخدام أنواع من الأدوات الحديثة، تضاءلت وتلاشت العديد من الصور الغنية لتلك الخصائص آنفة الذكر، بحيث لم يَعُد يهيّئ أرضية مناسبة للبهجة فحسب، بل صرنا نشهد في سياق هذه المناسبة أرضيةً لعادات مذمومة كالمباهاة والمفاخرة، بل وحتى نوعاً من التنافس في أشكال "صبيانية مثيرة للضحك" و"عبث مراهق" و"استعراض قوّة شبابي"، لا تمتّ بصلة إلى فلسفة نشأة ذلك التقليد واستمراريته، ويتمخّض عنها في كثير من الحالات نتائج عكسية وهدّامة (جسدية واجتماعية).
تكمن المسألة في أنّ التغيّرات الاجتماعية أمر حتمي، وقد جرت بشكل مستمر في السياق الزمني وعبر الأجيال، وهذه الخاصية الاجتماعية-الثقافية تجري على نحو لا يمكن التنبّؤ به في العلاقات بين الثقافات والحضارات، وقد اتّخذت، لا سيّما مع هيمنة الثقافة الغربية، منحىً غير روحي واقتصادي بشكل متزايد؛ بمعنى أنّه إذا كانت هذه المناسبات قد تشكّلت واستمرّت في الماضي بأغراض روحية-دينية وذات طابع مقدّس (تلبية الحاجة النفسية-الروحية للفاعل)، فإنّه يُنظر إليها اليوم كسلعة ثقافية، ويكمن خلف كواليس القائمين عليها، كما هو الحال مع معظم السلع الثقافية والاقتصادية، سوق العرض والطلب والربح والمنفعة المادية، وباعتبارها ساحة لاستهلاك السلع اللازمة لهذه المراسم، تُعرض السلع المطلوبة في السوق ويُوصَل بها إلى مستهلكي هذه المراسم. هكذا يؤدّي منتجو المفرقعات وأدوات ومواد إشعال النار دورهم، ويسوّقون سلعهم عبر استغلال الحاجات الثقافية (المُعاد توجيهها)، وعلى هذا الأساس، فقبل القيام بعمل قيّم (كان سائداً في شكله التقليدي)، يكون الاستهلاك السلعي والبُعد الاقتصادي لما أُنتج هو محلّ النظر.
لقد اقترنت مراسم أربعاء النار، شأنها شأن أي ظاهرة اجتماعية، منذ القدم بتغيّرات في معايير الفعل وشكل الإقامة، لكن كلّما اقتربنا من اليوم، نأت هذه التغيّرات عن ماهيّتها، واكتسبت، بفعل توجّهات غير واضحة لدى الجماعات والأفراد، عواقب وخيمة وغير لائقة؛ بمعنى أنّه في آخر عصر ثلاثاء من كل عام، تشرع العائلات وجماعات الشباب وسائر التجمعات من مختلف الأطياف العمرية والموضعية، باستخدام المفرقعات وغيرها من الأدوات والوسائل المولّدة للنار والمُحدثة للضجيج، وبأشكال مختلفة وفي أماكن مختلفة (من الأزقّة والشوارع إلى أحضان الطبيعة)، بإثارة الضجيج والألعاب النارية وتفجير المفرقعات وسائر المواد المتفجّرة، وتتسبّب في تلوّث واسع للهواء والضجيج والبيئة، ويسود نوع من الخوف الاجتماعي وانعدام الأمن النفسي-الاجتماعي، وتخلّف هذه الممارسات سنوياً خسائر في الأرواح وأضراراً جسدية وأضراراً نفسية واجتماعية متعدّدة، بحيث تتحوّل إلى ظاهرة "غير لائقة" و"غير قابلة للتنبّؤ" و"غير قابلة للسيطرة"، ويجهل المرء الأهداف التي تُقام من أجلها، وتتّخذ في الغالب شكل تفريغ جماعي للمشاعر والانفعالات، وقد آلت في معظم الحالات إلى خوف اجتماعي وانعدام أمن اجتماعي وقلق جمعي.
هكذا ثمّة طيف من الأطراف البشرية المعنيّة في هذا الشأن ممّن يمكن بحثهم وتتبّعهم سببيّاً:
- في غياب إمكانية الترفيه والفرح، يجد الأفراد والفاعلون من مختلف الفئات العمرية، وكأنهم يحصلون على ترخيص للقيام بأعمال عنيفة وغير متناسبة وغير لائقة في المجال العام، وبهذه الطريقة يعبرون عن مشاعرهم عبر إصدار الأصوات أو إشعال الألعاب النارية وما شابه، باستخدام أدوات مصنعة وصناعية (مقابل الطريقة الطبيعية لإشعال النار)، وبهذا يستعرضون تصوراً للقيام بالفرح لا يمكن مشاهدة أي سمة من سمات الفرح والإسعاد بمعناهما النفسي والاجتماعي فيه.
- تأخذ هذه المسألة، فيما يتعلق بالفرد، شكل التعبير عن المشاعر والتفريغ الانفعالي وظواهر من هذا القبيل، ومن البديهي أن الفرد (وعادةً ما يكون شاباً أو مراهقاً) إذا كان يفتقر إلى الوعي بالجذور الثقافية وكيفية أداء هذا التقليد الاجتماعي، فإنه يصبح عاملاً ديناميكياً في استمرار الشكل المنقلب الذي تحول إليه، وفي نقله إلى الأجيال اللاحقة، وهو عادةً لا يعي ذلك.
- في سياق الأسرة وعلاقتها بهذا الموضوع، يمكن طرح نقاش حول "العلاقات بين الزوجين" (الوالدين)، و"العلاقات بين الوالدين والأبناء"، و"العلاقات بين الأبناء"؛ بمعنى أن القيم الحاكمة للعلاقات الأسرية قد تضررت، ونشأت أنماط أخرى من التفاعلات والمناسبات تابعة للثقافة العالمية، بحيث أنه في جميع أنواع العلاقات الثلاثة المذكورة أعلاه، تكون هيمنة ثقافة السيطرة العالمية (الرأسمالية وذات القيم المتعارضة مع الثقافة التقليدية-المحلية) هي المبرر للأفعال الناتجة، بدلاً من الاحتياجات التي أوجدت هذه العلاقات. وبناءً على ذلك، فإن الشاب والمراهق، قبل أن يلتفت إلى رغبات الوالدين وسائر أفراد الأسرة واحتياجاته النفسية والروحية، يتأثر بالأقمار الصناعية ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ثم عبر مجموعة الأصدقاء وما إلى ذلك. هنا تواجه الاستمرارية الثقافية في هذا الموضوع المطروح (أربعاء النار) انقطاعاً ثقافياً، ويتقلص الدور الاجتماعي للأجيال الماضية في نقله إلى أدنى حد، وتحل محله عوامل ومروجو ثقافات أخرى تؤدي هذا الدور. وهذا يعني أنه إذا كانت إحدى وظائف الأسرة هي تربية الأبناء، وكان ينبغي عليها هنا أن تتولى التثقيف حول كيفية أداء أربعاء النار والتعريف بجذوره التاريخية، فإن عوامل أخرى، عادةً ما تكون لها أغراض اقتصادية ونفعية، تحل محلها، وبهذه الطريقة لا يتم أداء هذه المهمة الخطيرة.
- من المهام الرئيسية لمؤسسة التعليم والتربية نقل الثقافة من جيل إلى آخر، بحيث أنه فيما يتعلق بالموضوع المطروح (أربعاء النار)، ينبغي، وفقاً لوظيفة هذه المؤسسة، أن يتم التعريف بهذه المراسم سواء في الكتب المدرسية أو في برامج المدارس أو عبر المعلمين والأساتذة، وأن يتم أداء التربية بين الأجيال. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للتعليم والتربية أن تؤدي دوراً في هذا المجال عبر أسلوب الضبط الاجتماعي، لكن لا يُرى عمل لائق منها في أي من هذه الحالات.
- غياب التنظيمات المدنية (بخصائصها اللازمة) في دول العالم الثالث أمر بديهي، بحيث أنه على الرغم من تشكل تنظيمات (سواء كانت بيئية أو غيرها من الأشكال)، إلا أنها تعاني عادةً من ضعف في الموارد البشرية الواعية بأهداف هذا النوع من التنظيمات، وغياب الدوافع العميقة لمقاصدها، وقلة الخبرة، والأهم من ذلك كله تشكلها القالبي والشكلي. وبناءً على ذلك، فإنها تسعى وراء الكواليس لأهداف غير تلك التي تعلنها، وبالتالي لا تصل إلى ما تدعيه.
- من الأمور الأساسية في هذا المجال المسؤولون والإدارات التابعة لهم، الذين تقع على عاتقهم، بشكل قانوني وإداري، مهام مبلغة في هذا الشأن، وينبغي لهم أن يتمكنوا من القيام بالتثقيف المناسب. وفي هذا الصدد أيضاً، يمكن ذكر عدم الاعتقاد بجدوى نشاط الهيئات في توجيه هذه المراسم، وغياب المسؤولين الأكفاء في مواقع المسؤولية، وعدم الاستفادة من الإمكانات الاجتماعية في هذا الاتجاه.
والآن، بإلقاء نظرة عابرة على بعض الفاعلين في هذا المجال، ومع اقتراب هذا اليوم، لا يُرى على مستوى المجتمع أي نشاط ذي معنى ومثمر (من الأفراد أو الجماعات أو التنظيمات أو المسؤولين المعنيين)، وغالباً ما تكون هذه الجهود لأداء الواجب واستعراضية، بدلاً من أن تكون تمهيداً وتثقيفاً جذرياً كما هو مطلوب.
- وسائل الإعلام التي أصبح نطاقها اليوم أوسع بكثير من الإذاعة والتلفزيون وحتى الشبكات الفضائية، قد أولت هذا الأمر اهتماماً عابراً، وإن طُرحت برامج أو نقاشات فإنها لم تستطع تقليب أرضية التثقيف المناسب لنقل هذا التقليد ثقافياً، ورغم أن الانشغال بالشبكات الاجتماعية قد تحول اليوم إلى النشاط الرئيسي لأغلب البشر، فلا يبدو أنها ذات فعالية كبيرة في التشكيل المناسب لهذه الظاهرة التي تغير شكلها.
ورغم أن الأطياف الاجتماعية والثقافية وغيرها من الجهات المعنية أكثر تعدداً بكثير مما أشير إليه أعلاه، إلا أنه ينبغي القول في النهاية إن الأمر يتطلب تضافر جهود العوامل المؤثرة في إقامة هذه المراسم، حتى نشهد تغييرات مناسبة في هذا المجال. وفضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الظواهر الإنسانية تاريخانية وتستغرق زمناً، ولمواجهتها يجب الاستعانة بقوى بشرية ماهرة في كل مجال، للتعريف بماهية تلك الظاهرة وتاريخها (وهنا مراسم عيد النار)، وبيان كيفية أدائها الصحيح مع مراعاة نفسيات الشباب والمراهقين وسائر الأطياف المعنية بها، كما يتطلب الأمر لوازم (اجتماعية وتكنولوجية ونفسية) لتقديم حل مناسب؛ وهذا التقليد يمكن أن يكون أرضية لممارسة الفرح والترفيه والتسلية وملء أوقات الفراغ بشكل مفيد نابع من ثقافتنا الغنية.
وفي الختام، ينبغي القول إن كيفية وواقعية حدوث ظاهرة عيد النار الاجتماعية ومسائلها ومشكلاتها تتم في صميم المجتمع، وما يتشكل في نهاية المطاف هو حصيلة ونتيجة محصلة الأفعال (الواعية أو غير الواعية، وكذلك المباشرة وغير المباشرة) للمكونات التالية التي تتحمل مسؤولية اجتماعية (واجب رسمي-إداري والتزام أخلاقي) في هذا الشأن:
- الأسر
- التعليم والتربية والمدارس
- الأساتذة والمعلمون
- وسائل الإعلام الرسمية (الإذاعة والتلفزيون والصحف الرسمية) وغير الرسمية
- وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت
- الجماعات المرجعية والنخب
- ممثلو الشعب المنتخبون (أعضاء البرلمان والمجالس)
- المسؤولون الحكوميون
- المنظمات غير الحكومية
- ...
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ارعاب و تهدید عمومی هم مضمرست، چراکه نه، نسلی ترسو آماده و مستعد اطاعت بیشتری هستند. برجسته کردن مناسک و اعیاد آرام و ایمن مذهبی، در برابر مراسم و سنن آشفته اجتماعی با لوث کردنش، میتواند از علل رواج خشونت ایدولوژیکال باشد. وگرنه در همه جای دنیا مراسم آتشبازی از زیباترین و شگفت ترین مراسم تلقی میشود