اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يعبّر الكاتب عن ندمه على دوره في نشر المعتقدات ما بعد الحداثية، ويرى أن تواطؤها مع الليبرالية أنتج مجتمعًا هشًّا بلا أفق في إيران؛ ثم يشرح ردود الفعل الأربعة إزاء حدث التحديث.

صديقي العزيز الدكتور مرتضى مرديها، كتب منشورًا على فيسبوك عني. في هذا المنشور الذي يتسم بالفكاهة، نُقلت حكاية حوار خاص مفاده أنني قد تُبت عن ماضيَّ. هذا صحيح، لقد قلت إنني كنت في السابق مهتمًا كثيرًا بالمفكرين ما بعد الحداثيين، ومن بينهم فوكو. وقد أجريت أبحاثًا ودروسًا ومذكرات في شرح آرائهم. لكن تصوري اليوم هو أن الإقبال المفرط على هذا النمط من المعتقدات لم يكن مجرد إقبال على مجموعة من النظريات العلمية، بل أدى وظيفة ضمنية وغير معلنة في تنظيم وضعنا الراهن. وعندما أنتبه إلى هذه الوظائف، وإلى دوري في نشرها، أشعر بالندم.
لقد تفضل الدكتور مرديها العزيز بنشر هذا الجزء من اعترافاتي، ولكن ليته لم يغفل عن جملتي هذه: «أشعر بالاشمئزاز من شيوع تيارين فكريين، أحدهما ما بعد الحداثة والآخر الليبرالية أو النيوليبرالية». في تلك الجلسة لم أقل هذه النقطة، لكنني الآن أشير بوضوح إلى أن سبب اشمئزازي من ما بعد الحداثة أيضًا هو تواطؤها وتوافقها مع موجة الليبرالية في إيران.
في اعتقادي، إن الليبرالية وما بعد الحداثة، على الرغم من كل النزاعات الفكرية بينهما، كانتا متواطئتين ومتوافقتين في إيران في دفع ماجرى قدمًا.
كيف يمكن لطالب فكر سياسي أن يعبر عن اشمئزازه وكراهيته للمدارس الفكرية؟ الحقيقة هي أنني، بصفتي مهتمًا بالمباحث الفكرية، أحاول قدر استطاعتي وطاقتي أن أتعلم شيئًا من جميع المدارس الفكرية. لقد قدم رولز وبرلين وبوبر خدمات جليلة لفكر البشرية المعاصرة، كما أن لفوكو ودولوز وأغامبن وبديو نقاطًا عميقة ودروسًا بليغة كثيرة. إنهم في عداد معلمي الحكمة والعقل للبشرية اليوم. بالتأكيد لولا وجودهم لحدثت نواقص في التراث الفكري البشري. لكن القيم المعرفية والفكرية لهؤلاء العظماء لا تمنع من أن نقيم أحيانًا عواقب نشر فكرة ما في سياق معين على أنها أدت إلى كوارث. ليس الكلام عن القيم المعرفية وصدق أو كذب معتقدات أولئك المفكرين، بل الكلام عن ضرورة استخدام أنماط مختلفة من التفكير وعلاقتها بمقتضيات السياق. قد يقول طبيب لأقارب مريض مات منتحرًا: ليته في هذه الحالة النفسية لم يكن لديه هذا القدر من الوصول إلى الأعمال الفنية مثل الأفلام والروايات المرة. لو كان قد استهلك أعمالًا فكرية وفنية أخرى لربما كان حيًا اليوم ولواجه مشاكله بشكل أفضل.
قصتي مع ما جرى علينا تشبه قصة ذلك الطبيب، ليت تحولاتنا التاريخية لم تتزامن مع موجة انتشار الليبرالية وما بعد الحداثة. أنا أدعي أن التصادف المصاحب لتحولاتنا التاريخية في التسعينيات مع موجة النيوليبرالية وما بعد الحداثة قد خلق كوارث. إن تراكم ذهنية جيل أو جيلين بهذا النمط من المعتقدات كان فعالاً للغاية في إنتاج مجتمع ضعيف، عاجز، ذري، وبلا أفق. لقد كنت أنا نفسي من بين الأشخاص الذين لعبوا دورًا إلى حد ما في نشر معتقدات ما بعد الحداثة، ولهذا السبب أشعر بالندم.
اسمحوا لي أن أوضح أكثر في هذا الشأن. سأشرح قصة التحولات الفكرية في إيران بعد الثورة كرواية قصصية. لكن قبل ذلك أحتاج إلى ذكر مقدمة نظرية.
لم يكن التحول إلى الحداثة خيارًا، وليس كذلك. لقد كان حدثًا محتومًا لبلدان العالم. الخاصية الأساسية لهذا الحدث هي اقتلاع جميع الأسس، وكما يقول ماركس، تبخير ونسف كل ما هو صلب وراسخ. في مقابل هذا الحدث، يمكن تصور أربعة ردود فعل:
الأول: محاولة إعادة بناء البيوت المهدّمة: هناك من لا يطيقون العالم الحديث عديم الأساس. فهم في السياق العدمي للعالم الجديد لا يصدّقون ما يرونه ويختبرونه. لذا يشرعون في العمل ويحاولون إحياء عالم التقليد المقتلع من جذوره. يمكن اعتبار هذا النمط من رد الفعل ردّ فعل محافظاً إزاء العالم الجديد. يظهر هذا النمط من رد الفعل، بطبيعة الحال، لدى قسم من الجماعة وحتى في السيكولوجيا الفردية لكثير من الناس. لكنّ نمط رد الفعل هذا يكتسب أحياناً وجهاً مرضياً. يثور أناس، ويدمّرون، كي يخلقوا عالماً جديداً. وإن لم يتيسّر ذلك، يعتزمون تدمير أنفسهم والعالم، وإن لم يحالفهم التوفيق، يلقون بأنفسهم في أحضان الموت تخلّصاً من شرّ العالم الجديد.
الثاني: العيش في تشرّد تام. ردّ فعل آخر إزاء هذا العالم، هو التشبّث بالحرية التامة، بوصفها الهبة الخاصة للعالم الجديد. الحرية في نمط رد الفعل هذا تعني التحرّر من كل قيد. التقليد المقتلع من جذوره، بالنسبة لهذه المجموعة، يعني تدمير سجن أسود ومخيف. ينبغي الآن أن نعيش بمرح وسعادة. لا يطيقون أيّ حنين للعودة إلى المناسبات القديمة. هم من حيث المبدأ لا يبحثون عن بيت وملاذ. إنهم متعلّقون بالحرية بمعناها الراديكالي. وهم متشائمون من كل حامل مقيد. ليس فقط من الدين ومبادئ الأخلاق التقليدية، بل حتى من الآليات الحقوقية والقانونية الجديدة أيضاً. إنهم يذعنون للقاعدة والقانون إلى الحد الذي لا يسبّبون فيه إزعاجاً للآخرين خشية أن يصبحوا هم أنفسهم عرضة للمضايقة. إنهم باحثون عن اللذة القصوى من صميم الحياة. اللذة هي مولّدة أعمق تجربة للحياة في هذا العالم. يهاجمون كل ما هو سقف وسور ومعنى.
الثالث: العيش في الشك والبحث: النمط الثالث من ردود الفعل على انعدام أساس العالم الجديد، هو البحث. هناك قلّة من الناس يسعون، في قفر المعنى والأساس في العالم الجديد، إلى البحث عن معنى. طبعاً من دون رجعة إلى بيوت التقليد المهدّمة. إنهم حريصون في هذا المسار على ألاّ يلوّثوا أذيالهم بالتقليد. وألاّ يتلوّثوا بأي دوغمائية من النمط التقليدي. لذا يمزجون العقل بإكسير الشك والارتياب ويسلكون طريق التفكر. لكن ما يكون درعاً واقياً لهم من بلاء الدوغمائية، يكتسب هو نفسه موضوعية. إنهم لا يجدون شيئاً، لذا يبقون على الدوام في وادي الشك والارتياب. وهم يقدّسون تدريجياً مبدأ الشك ذاته. يتقبّلون كل شيء بشرط أن يزيد الشك والارتياب. يكتسب مبدأ البحث موضوعية. يصبح العيش في البحث ذاته هدفاً. النقد المستمر، والشك في كل ما هو مسلّم به، والسؤال والأسئلة الجديدة، تتحول إلى ثمار شائقة في عالمهم.
الرابع: البناء على أرضيات فاقدة للأساس: النمط الرابع من ردود الفعل على العالم الجديد، هو العزم على البناء. يحلّ الفعل والرغبة في البناء محلّ فقدان المعنى في العالم الجديد. يعتبر الفرد نفسه في نمط رد الفعل هذا فاعلاً منشئاً للآمال والرغبات الفردية أو الجمعية. إنه يتصوّر الحرية في تدمير ما لا يريده، وفي الفعل والعمل باتجاه ما يعتبره أخلاقياً وعقلانياً. إنه فاعل حر عقلاني، بمعنى أنه بدلاً من البحث عن الحرية في تأمين الرغبات، يفكر في إنشاء الأمر الواقع بناءً على أنماطه العقلانية المثلى. إنه ينطلق من منظور مشابه للذات المتشرّدة، لكنه يجد الحياة في تشييد البيت والنظام في هذا العالم. وخلافاً لتلك الذات، فهو لا ينحصر في حدود رغباته الداخلية، بل يعقد العهود مع الآخرين، ويشكّل جماعة، ويضع القواعد، ويسنّ القانون، وينفّذ. إنه ذات سياسية وفاعلة بشدة.
ردود الفعل الأربعة هذه تظهر بشكل حتمي إزاء الحدث الحتمي للعالم الجديد. طبعاً لا أقصد بذلك أن الناس ينقسمون بالضرورة إلى هذه المجموعات الأربع. هذه ردود فعل تظهر أحياناً كلها في فرد واحد وطباعه المتضاربة أيضاً. كل واحد منا، يجد نفسه تارة في رد فعل محافظ، وتارة فاعلاً طالباً للذة، وفي ساعة أخرى، فاعلاً باحثاً أو عاملاً. هذه الرباعية تظهر بشكل طبيعي، وبالطبع لكل منها مواهبه، وبالطبع مآسيه. بدلاً من الاتكاء على أحد أنماط ردود الفعل هذه، ينبغي التفكير في تركيبها المتوازن.
رد الفعل المحافظ هو تجلٍ لسعي المجتمع كي لا يضيع. فإذا ما سلّم المجتمع زمامه بالكامل للقوى المدمرة للعالم الجديد، فسوف يتفكك وينهار بسرعة. أما إذا انتهى إلى القوة المدمرة الأصولية، فسوف يبتلع المجتمع الحديث، وسيجرف كل شيء إلى الدمار كوحشٍ ضارٍ. رد الفعل من نمط التشرد هو واقع ينشأ عن نعمة الحرية في العالم الجديد، لكن هذا الرد إذا طغى، فسيعمل كحمضٍ يذيب كل الرساميل الاجتماعية. رد الفعل من نمط البحث، الذي يظهر في العلم والفلسفة الحديثين، هو ما يروي العقل الحديث ليفتح آفاقاً جديدة وألا يبقى حبيس العقائد القائمة. لكن إذا طغى هذا النمط من رد الفعل، فسيتحول الفاعلون الاجتماعيون إلى ذوات سلبية وباردة، وسيدمر الفاعلون الأصوليون الأرضيات الموضوعية لاستمرار حياتهم. أما رد الفعل من النمط البراغماتي، فهو خالق ذوات تضع وتسن وتنشئ. تبني المؤسسات، وتسن القوانين، وتخلق أرضيات جديدة، وتجعل المستحيل المتوهم ممكناً. من البديهي أن هذه الجماعة أيضاً إذا ما استأثرت بالحياة الاجتماعية بالكامل، فسيفقد المجتمع قدرته على التقييم والقياس. وقد يصير البناؤون، بالتدريج، هم الهدّامون في الواقع.
كان المجتمع الإيراني، في عقدي الأربعينات والخمسينات، قبل كل شيء، ميدان حياة وجولان لمزيج من النمطين الأول والرابع. كان يخلق ذواتاً فاعلة حديثة ومحافظة. كانت من جنس الفاعل والمؤثر. مسؤولة، متجهة نحو البناء على الأرضيات عديمة الأساس للعالم الجديد، أو تواقة لإعادة بناء الماضي الضائع. في الواقع، في فضاء عقدي الأربعينات والخمسينات، كان نمطان من الفاعلين النشطين يعملان بتناغم، لكنهما لم يكونا على علم بمقاصدهما المتعارضة. الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية حولا المنافسة الخفية بين هذين النمطين من اللاعبين إلى ميدان تنافس ونزاع وحرب. اشتبكت قوتان فاعلتان. سنوات من العنف والدمار كانت حصيلة هذا الصدام المفجع. كان كلاهما فاعلين أفرغا من قوة الحكم والقضاء العقلاني والأخلاقي. ذاك الذي أشرنا إليه في النمط الثالث من رد الفعل إزاء العالم الحديث. أخيراً انتهى الصراع لصالح القوى المحافظة. تضافرت قدرتها على الاتكاء على قوة الدين الهائلة، وتمتعها بدولة ريعية قوية، واستفادتها من فرصة الحرب وقوة وسائل الإعلام الحديثة، لتنظيم نظام جديد.
كان عقد الستينات عقداً ثقيل الوطأة. الجيل الجديد الذي كان يخطو إلى ميدان المجتمع والثقافة في أواخر عقد الستينات، لم يستطع أن يقيم صلة مع عالم آبائه وإخوته الكبار. العالم الذي كان أمامه كان خالياً من لذة الحياة وشغفها. خالياً من الأخلاق وقوة الحكم والقضاء العقلاني. لكن فوق هذا كله، لم يكن يعثر فيه حتى على أثر للروحانية وعالم المعنى السابق. لم تعد فيه قوة توليدية. كان مرعباً وخاوياً.
تزامنت هذه الأحداث أيضاً مع انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الماركسية. بانهيار جدار برلين، اجتاحت موجة الليبرالية والنيوليبرالية العالم. هبت على فضاء تعليقنا وركودنا ريح عاصفة من الليبرالية. كانت قوتها بحيث كأن كل شيء يقتلع في اتجاهها. النقد والإنكار واللذة كانت ثلاثيتها الرائجة التي ملأت الفضاء. الجيل الشاب الذي برز حديثاً، احتشد حولها بقوة. تشكل سوق رائج. هبت ريح جديدة وكانت تبشر بعالم آخر.
النقطة المثيرة للاهتمام هي أن المحافظين الذين كانوا قد دخلوا منذ أواخر عقد الستينات في حالة ركود وتعليق، وجدوا في فضاء صعود الليبرالية ميداناً جديداً لاستعادة نشاطهم. وبحق، كان هذا الفضاء وحده قادراً على أن يمنح المحافظين الإيرانيين قوة جديدة للحياة والإحياء من جديد. كلما مارس الليبراليون النقد والإنكار وقرعوا طبول الحياة القائمة على العقل الفردي أو المتعة واللذة الشخصية، كانوا يجعلون صوت طبول المحافظين مسموعاً أيضاً ليبعثوا حياة جديدة في قيمهم الطائفية والخصوصية.
لم يَعُد يُسمع أي صوت يدعو إلى تشييد بناء جديد في العالم الحديث الذي لا أساس له. لم يقل أحد إن الديمقراطية والمُسلَّمات الحديثة بحاجة إلى البناء والتأسيس. ينبغي أن يكون هناك فاعلون متحالفون ليشيدوا أبنية جديدة في مواجهة ما يبنيه المحافظون. الديمقراطية والعالم الجديد بحاجة إلى مؤسسات حديثة. المفاهيم التي يُنمّيها الفلاسفة والميل إلى اللذة والكيف الذي يبثونه في الشباب، ليست علاجاً لمجتمع لا يملك ملاذاً وسقفاً للعيش الجمعي الحديث. إن ترويج الفردانية وفصل العوالم الفردية عن العالم الاجتماعي، هو إخلاء للساحة أمام المنافسين المحافظين ليشيدوا أبنيتهم الطائفية في الأراضي الخالية.
لقد امتلأت سياقات حياتنا الحديثة بنمطين من الفلاسفة، كلاهما متجذر في العالم الليبرالي. أولاً، فلاسفة كانوا يضخون المفاهيم الجديدة إلى السوق الاستهلاكية كالمصنع، وثانياً، فلاسفة كانوا، خارج عالم المفاهيم، يدعون إلى حياة فردية قائمة على اللذة. لكن تلك المفاهيم وهذه الدعوة إلى عالم اللذة، كانتا متشابهتين من حيث إنهما تملكان وجهاً ذاتياً، منعزلاً، فردياً، ومنفصلاً عن العالم الاجتماعي والثقافي والتاريخي.
حينما كان الذوات الفاعلة منخرطة معاً، لم يكن الفلاسفة المنظّرون نقاداً ليكونوا مروّجين للحكم الأخلاقي والعقلاني. أما الآن، وقد خلت الساحة من الفاعلين المبدعين، فقد انطلقت جماعة في الأزقة والشوارع ترش حمض الأحكام على كل شيء وتدمره، وتوحي بأنه خلف هذه الدمارات، ستزهر سريعاً غابة خضراء يانعة من الديمقراطية والعقلانية الحديثة والتنمية السياسية والاقتصادية. وكان آخرون يهمسون في آذان الشباب: حتى لو لم تحل محلها غابة خضراء، فما شأني وشأنك؟ تمسك بلذتك الفردية، فالدنيا خراب في خراب. اغتنم اللحظة، فالحياة على الماء.
رُوِّجت الليبرالية منذ أواخر الثمانينيات، وبالطبع صنعت سوقاً جيدة. لكن لغتها البسيطة والصريحة والمنطقية كانت تفتقر إلى الحماس والهياج الكافيين للجيل الجديد. كانت بحاجة إلى مرافق ومساير ومعين، ليستحضر آفاقاً جديدة في الصور التجريدية للمفاهيم المعقدة.
في خضم هذه الأحداث تماماً، دخلت موجة ما بعد الحداثة إلى إيران. كنت أنا نفسي من أوائل من فُتنوا بمفاهيمهم ومقارباتهم. ظهر أُناس، بمفاهيم الخطاب والنقد النقدي وإنتاج منظوروية راديكالية، أطلقوا موجة عارمة من العدمية الفلسفية والسياسية والاجتماعية في الفضاء. لقد استفادوا من لغة معقدة بدلاً من اللغة المنطقية والبسيطة. كان التعقيد في الكلام، أكثر إيحاءً من النسق الكلامي لليبراليين.
ظهر ما بعد الحداثيين في سوق الاستهلاك الفكري بوصفهم منافساً لليبرالية. إن امتلاء سوق الاستهلاك بهذين المتنافسين، كان يمنح المستهلك شعوراً بالاختيار والإرادة. في حين أن كليهما كانا تغليفين مختلفين لسلعة واحدة. عملياً، كان كلاهما يعملان على تدمير العالم الاجتماعي والثقافي والسياسي لعيش الطبقة الوسطى والحديثة. منظوروية ما بعد الحداثيين، كانت تعني وضع كل إمكانية للحكم بين قوسين. إلغاء الحكم، هو بالضبط ما كان يتطلبه عالم اللذة الليبرالي.
اسمحوا لي أن أوضح بعبارة أصرح. قلت سابقاً إن الموجة الليبرالية الإيرانية ظهرت بوجهين: أُناس تأسسوا على العقل الفردي وقوة الحكم الشخصي، وأُناس كانوا مروّجين للنزعة اللذّية. لقد عمل ما بعد الحداثيين، عملياً، في خدمة مروّجي اللذة، وهمّشوا النمط العقلاني الأول.
*****************
وكأن ما بعد الحداثيين والليبراليين اللذّيين كان بينهم ائتلاف خفي. لقد شرعوا معاً في جهاد مقدس. حصيلة جهادهم المقدس، هي عالم خالٍ من الرأسمالات الجمعية، خالٍ من الذوات الخلاقة والمبدعة. خالٍ من إمكانية تستحث الذات لتتحالف مع الآخرين، وتعتزم تأسيس عالم جديد على أنقاض العالم القديم. حصيلة ذلك الجهاد المقدس، هي أراضٍ محروقة من الرأسمالات الاجتماعية. حصيلته آفاق فارغة وخاوية.
لقد قلت في ذلك المحفل الخاص الذي كان يحضره الدكتور مَرديها العزيز أيضًا، إن لي نصيبًا في صُنع هذا الوضع. لا أعلم كم هو مقداره. لكن أيًا كان قدره فهو مدعاة للخجل. أعتقد اليوم أن مناهج ومفاهيم ما بعد الحداثة، وإن كانت قد تحمل رؤًى عميقة، وإن كانت قد تكون قيّمة من الناحية البحثية، إلا أنها حيثما أرادت أن تعمل بوصفها نهجًا استراتيجيًا في ميدان السياسة والمجتمع والثقافة، فإنها تُصبح سُمًا قاتلًا.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.