اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول هذا المقال 15 فيلمًا بارزًا تستكشف مسألة العبث (اللامعنى الناشئ عن مواجهة الإنسان لعالم لا يقدّم إجابات) من زوايا مختلفة. ومن الكوميديا السوداء والسخرية إلى المأساة والسينما السريالية، تصوّر هذه الأعمال سعي الإنسان إلى العثور على المعنى في عالم معقّد وأحيانًا غير منطقي.

في الفلسفة الوجودية، ينبع مفهوم العبث (اللامعنى الناتج عن مواجهة الإنسان لعالم يبحث فيه عن المعنى لكنه لا يجد فيه إجابة جوهرية أو يقينية) من تعارض أساسي: فالإنسان يمتلك رغبة شديدة في العثور على المعنى والغاية والأهمية، غير أن العالم يظل صامتًا أمام هذا التطلع. يقارن ألبير كامو، الفيلسوف والكاتب الفرنسي، في كتاب «أسطورة سيزيف» هذه الحالة الإنسانية بمصير سيزيف في الأساطير اليونانية.
وفقًا لهذه الأسطورة، حاول سيزيف خداع هاديس والفرار من الموت. لكنه بعد أن أُعيد إلى العالم السفلي، حُكم عليه بعقاب لا ينتهي: كان عليه أن يدفع صخرة ضخمة إلى أعلى منحدر جبل؛ غير أن الصخرة كانت تتدحرج في كل مرة قبل بلوغ القمة، فيضطر سيزيف إلى إعادة كل شيء من البداية. ومن وجهة نظر كامو، تشبه حالة الإنسان هذا المصير؛ فنحن نسعى باستمرار إلى صنع المعنى، وبلوغ الأهداف، وفهم موقعنا في العالم، لكننا نواجه مرارًا الفشل والتكرار وغياب الإجابات.
اكتسب مفهوم العبث مكانة مهمة في فنون وآداب القرن العشرين، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بالوجودية. فقد تناول كتّاب مثل ألبير كامو، وصموئيل بيكيت، وفيودور دوستويفسكي، وفرانتس كافكا هذه المسألة في أعمالهم، وطرحوا أسئلة حول معنى الحياة، وهوية الإنسان، والله والدين، والوحدة، والمعاناة، والجنون، والوضع الاجتماعي للإنسان.
في القصص والأعمال الفنية العبثية، غالبًا ما تجد الشخصيات نفسها في مواقف يتعين عليها فيها البحث عن المعنى في عالم بلا إجابات وأحيانًا بلا منطق. وعلى الرغم من أن كلمة «العبث» قد توحي للوهلة الأولى بشيء مضحك أو غريب، فإن معناها لا يقتصر على الكوميديا. فقد يظهر العبث في صورة السخرية والمواقف الطريفة، كما يمكن أن يصل إلى مآسي إنسانية عميقة. ومن الكوميديات المريرة والمرحة إلى السرديات الثقيلة والمؤلمة، يمكن لكل ذلك أن يكون سبيلًا لمواجهة هذا السؤال: إذا لم يكن للعالم معنى محدد سلفًا، فكيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟
في ما يلي نقدّم 15 فيلمًا تتناول مسألة العبث باستخدام السخرية، والكوميديا السوداء، والمأساة، والكوميديا، والمبالغة وغيرها من التقنيات السينمائية؛ وهي تتناول السعي الإنساني الدائم إلى العثور على المعنى والنجاح وفهم العالم، وهو سعي قد لا يصل أحيانًا إلى إجابة لكنه يستمر مع ذلك.

إذا كان لا بد من مشاهدة فيلم واحد فقط لوودي آلن، فينبغي أن يكون ذلك الفيلم «زيليغ». يحكي هذا العمل، الذي أُنجز عام 1983 ويشارك في بطولته ميا فارو وآلن نفسه، قصة ليونارد زيليغ؛ وهو رجل يعاني من خجل شديد وعجز عن الاختلاط بالآخرين إلى درجة أنه يتحول بلا وعي إلى صورة أي شخص موجود حوله من أجل أن يحظى بالقبول داخل الجماعة.
يلعب آلن في كثير من أفلامه النيويوركية شبه المثقفة دور نفسه عمليًا، مؤكدًا على قلقه الاجتماعي وعجزه عن الانسجام مع الجماعة؛ لكنه في «زيليغ» يذهب خطوة أبعد، فيحوّل سماته الانطوائية إلى سخرية مكتملة من الذات.
يختار الفيلم، بروح كوميدية راسخة، قالب الفيلم الوثائقي الزائف ليروي سيرة رجل تمثل حياته الشكل النهائي للرغبة في التشابه مع الآخرين والحصول على القبول؛ وهي رغبة تنمو لدى كثير من الانطوائيين. ومن خلال دفعه بسخريته الذاتية المتحولة إلى حدود التحقيق الحرفي تقريبًا، يطرح آلن فكرة أساسية حول الهوية: مدى أهمية العثور على هوية الذات، وكيف تشكل هذه الهوية علاقتنا بالآخرين وبالعالم.

«أغنيات من الطابق الثاني» قصيدة عبقرية للمخرج السويدي روي أندرسون؛ فيلم يقودنا وسط العديد من تعقيدات الحالة الإنسانية ولذائذها. وهو جزء من مجموعة تُعرف باسم «ثلاثية الحياة» لأندرسون، وتضم أيضًا فيلمي «أنت، الحي» (2007) و«حمامة جلست على غصن تتأمل الوجود» (2014).
يتناول مواطنه إنغمار برغمان الوجودية بنظرة قاتمة، وهي نظرة تظهر في دراماته النفسية العميقة، بشخصياتها المكتئبة والقلقة وخوفها الدائم من الموت والجنون. أما أندرسون فيفضّل الكوميديا، ويرى الحياة ظاهرة عبثية ومضحكة بلا نهاية.
هذا الفيلم، المستلهم من الشاعر البيروفي سيزار فاييخو، يتحدث عن الرحمة والحب والمعاناة. إنه لمسة حانية، وعناق، ورسالة حب موجهة إلى أولئك الذين جرحتهم الحياة؛ دعوة إلى الاستمرار.

من بين جميع أفلام مونتي بايثون، يبرز «حياة برايان» أكثر من غيره. فهذه الكوميديا الذكية تسخر من قصة المسيح. برايان، بطل القصة، شاب وُلد في اليوم نفسه الذي وُلد فيه المسيح، ويُخطئ الناس مرارًا في اعتباره نبيًا.
يستهدف الفيلم، بأسلوب الكوميديا السخيفة والخاصة بمونتي بايثون، عبثية الدين المنظم والحالات اليائسة التي نقع فيها عندما نلجأ إلى الدين هربًا من الخوف من الوحدة واللامعنى.
ينتهي الفيلم بأغنية باعثة على التفاؤل، لكن رسالته جادة وقوية: قد يكون البقاء حيًا أمرًا فظيعًا؛ وربما لن تتحقق توقعاتنا أبدًا؛ وسنعاني جميعًا؛ وسيلاحقنا الاستياء في كل مكان؛ والموت لم يرفع عينيه عنا منذ يوم ولادتنا. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الجانب المشرق من الحياة، فقد نستطيع الاستمتاع بها لبعض الوقت.

بطل فيلم «قطارات مراقبة عن كثب» للمخرج ييرجي منزيل هو شاب في مقتبل العمر يبدأ عمله الأول في محطة قطارات بلدته. ينتمي هذا الفيلم إلى التيار الذي نطلق عليه اليوم «الموجة التشيكوسلوفاكية الجديدة»؛ وهي المرحلة التي أعادت فيها السينما التشيكية تعريف نفسها من خلال التجريب.
حاول صانعو أفلام هذا التيار الشباب ـ ومن بينهم ميلوش فورمان، وفيرا خيتييلوفا، ومنزيل نفسه ـ الذين ضاقوا بأساليب الحكم الشيوعي، إعادة الحيوية والحماس الغائبين في قوالب الواقعية الاشتراكية الفنية التي فرضها النظام.
في هذه الكوميديا المعقدة الحائزة على جائزة الأوسكار، يواجه ميلوش، بطل الفيلم، للمرة الأولى في حياته واقع الجنس. تدور القصة خلال الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لتشيكوسلوفاكيا؛ لكن ما نراه ليس الحرب نفسها، بل انكشاف الأبعاد الجنسية للشخصيات التي تتردد على محطة القطار.
يُختزل الواقع الواسع للحالة الإنسانية هنا إلى ضرورة جنسية؛ فأحداث العالم ليست أكثر من خلفية لنموّنا ورغباتنا الجنسية.
ينطلق دان، بمساعدة وينستون، جاره الهاوي في التحريات والمولع بالبحث، للعثور على كاتب الرسالة المجهولة، ويزور جميع النساء اللواتي كانت له علاقات معهن في تلك الفترة. يتكون بناء الفيلم من سلسلة من رسم الشخصيات، تنكشف من خلالها تدريجيًا حقيقة أبوة دان.
في كل لقاء، تنتظر دان استجابة مختلفة: أحيانًا الفرح وأحيانًا الإهانة. ونحن المشاهدين، مثل المحققين، نجمع القطع معًا، ونفك رموز علاقة دان في شبابه بعشيقاته، ولا نحصل إلا على لمحات قصيرة وصغيرة من حياتهن الحالية.
هذا الفيلم عن حياة الناس وقصصهم. إنه يجبرنا على التفكير في أولئك الذين كانوا يومًا جزءًا من حياتنا، وأن نسأل أنفسنا ما الذي حلّ بهم: هل هم سعداء؟ هل يعانون؟ وهل يفكرون بنا هم أيضًا من حين إلى آخر؟

يمكن بسهولة اعتبار «السلامة أولًا!» تحفة هارولد لويد؛ فهي كوميديا جسدية مثيرة ومليئة بالتشويق، نراه فيها يتسلق الواجهة الخارجية لمبنى ضمن عرض دعائي. تدور القصة حول هارولد الذي يغادر بلدته الصغيرة ويتجه إلى المدينة الكبيرة على أمل كسب المال الكافي للزواج من صديقته ميلدرد. لكنه لا يحقق النجاح الذي كان ينتظره، وفي النهاية يكتفي بوظيفة بسيطة كموظف في متجر.
ينظم رئيسه مسابقة ويعد بمنح ألف دولار لمن يجذب أكبر عدد من الزبائن إلى المتجر. يتعاون هارولد مع أحد أصدقائه؛ «الرجل الذبابة» الذي يُفترض أن يتسلق المبنى ويقتسم الجائزة معه. لكن الأمور لا تسير وفق الخطة، ويضطر لويد نفسه إلى تسلق المبنى.
يتحول البحث عن النجاح الاقتصادي في هذا الفيلم إلى سيرك كامل. إن قصة الرجل الرومانسي المستعد للمخاطرة بحياته من أجل التأثير في المرأة التي يحبها تصنع تجربة مثيرة؛ لكنها في الوقت نفسه تكشف الجنون الكامن في مجتمعنا المهووس بالمال.
لقد أصبح المال مفتاح تحقيق أحلامنا: فنحن نحتاج إلى المال من أجل حياة مرضية، والتعبير عن الحب، والحصول على الاحترام. وإذا كنا سيئي الحظ وانتمينا إلى الطبقة الدنيا أو الوسطى، فعلينا أن نستعد للتضحية بوقتنا وكرامتنا وأمننا من أجل الوصول إليه.

في هذه الأوبرا الكافكاوية التي تبدو بلا نهاية، نشاهد معاناة ومآسي سام لوري؛ الموظف البيروقراطي الذي يتحول إلى عدو للحكومة بسبب خطأ مطبعي في وثيقة إدارية. يستفيد الفيلم، ببنيته المتاهية، من أجوائه الديستوبية والحالمة للسخرية من الحياة في عالم ما بعد الحداثة.
تراقب الحكومة الجميع؛ ويُستخدم كل شبر من المساحات المتاحة للإعلانات؛ وتُهمّش شخصيات الناس وأحلامهم لصالح الكفاءة والسلوك المطيع. يمثل سام العاملَ المضطهد؛ شخصًا يشبه روبوتًا عالقًا في الآلية الميكانيكية لعمل لا يمنحه أي قدر من الرضا.
المكان الوحيد الذي يستطيع فيه سام أن يكون في سلام مع ذاته هو عالم أحلامه؛ عالم يكون فيه بطلًا خارقًا وينطلق في مهمات سريالية لإنقاذ المرأة التي يحبها. «البرازيل» فيلم يحتفي بالحياة ويتناول تحرر الفرد.
يبدو أن الفيلم يسأل: إلى أي مدى تكون حضارة تجعل كل أيامنا مملة وبائسة حضارة حقيقية؟ «البرازيل» دعوة دافئة إلى تحطيم قيود أسلوب الحياة المؤسسي؛ ذلك الأسلوب الذي يقمع خيالنا ورغبتنا العميقة في البحث عن شيء أكثر طبيعية ومتعة.
المصدر: موقع Taste of Cinema
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.